قراءة في كتاب "الثابت والمتحول 2015: الخليج والآخر"

10:15 14 ديسمبر 2016 الكاتب :   عرض: محمود المنير

محور الكتاب ينطلق من مبدأ أن التعرف على الذات يتطلب تحليل علاقات دول مجلس التعاون الخليجي مع الآخر

لكي تخرج الكويت من الجوّ السياسي الصعب تحتاج إلى حوار وطني وشعبي يشمل جميع الشرائح الكويتية

هناك بوادر غير مطمْئنة للتطبيع مع «إسرائيل» على المستوى الرسمي والاقتصادي

دول الخليج تعتبر العمق الإستراتيجي لليمن والضامن للاستقرار والاستمرار الاقتصادي

الانقسام السياسي أصبح السمة الطاغية في الدول ذات البرلمانات المنتخبة كالكويت والبحرين

يتوقع دخول أكثر من 12 مليون مواطن خليجي إلى سوق العمل عام 2030م

 

هذا الكتاب:

يعتبر «الخليج والآخر» هو الكتاب الثالث في سلسلة «الثابت والمتحول»، بعد كتاب «الخليج بين الثابت والمتحول» و«الخليج بين الشقاق المجتمعي وترابط المال والسلطة».

وينطلق محوره من مبدأ أن التعرف على الذات يتطلب تحليل علاقات دول مجلس التعاون الخليجي مع الآخر، ويركز في هذا الصدد على تحليل علاقات مجتمعات الخليج مع الأطراف الفاعلة في تحديد مصيرها، سواء أكانت في الداخل، كالعلاقة مع الوافدين، أم في الخارج، بما فيها دول الجوار والقوى الغربية.

ويجيب هذا الكتاب الذي يحمل عنوان «الثابت والمتحول 2015: الخليج والآخر» عن عدة أسئلة محورية تهتم بشؤون الخليج وقضاياه المحورية، منها:

كيف يُقارن المخزون الإستراتيجي للمياه في البحرين - الذي لا يتعدّى يوماً واحداً - مع باقي دول المنطقة؟ ولماذا فاقَ سعرُ برميل النفط - الذي تحتاجه الإمارات لموازنة ميزانيتها - 85 دولاراً؟ ما تبعات نسبة المواطنين المتدنّية بالمقارنة مع الأجانب في قطر والتي لا تبلغ نسبة 15%؟ وكم عدد القوّات العسكريّة الأجنبيّة التي تتخذ من قواعد في دولها مقرّاً لها؟

والإجابة عن هذه الأسئلة هي هدف هذا الكتاب وفحواه، حيث يركز على رصْد وتحليل التطوّرات والتغيّرات الجارية في أقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربيّة، على مدى الأعوام 2011 - 2013م، وتقييمها من منظور متطلّبات بناء الدولة الحديثة، ووفق الطبيعة العامة لهذه الأقطار.

ويحتوي الكتاب على أربعة أقسام رئيسة، يُركّز كلٌّ منها على واحد من أوجه الخلل المزمنة في دول مجلس التعاون الخليجي والتطورات المتعلّقة فيه، وخلال الفترة الزمنيّة التي يعنى بها الإصدار وهي العامان الماضيان.

يخصّص الكتاب ملفات معمّقة في كل من الأجزاء الأربعة، تتطرّق إلى حالة معينة من الخلل محلّ الدراسة، والتركيز على تحليله بعمق.. على سبيل المثال، يخصّص ملفاً لمناقشة الدساتير في دول مجلس التعاون عند تناول الجزء المتعلّق بالخلل السّياسي، بالإضافة إلى قسم معمق حول العمل النّقابي، كما يخصّص ملفاً لموضوع القوّات العسكريّة الأجنبيّة عند مناقشة الخلل الأمني، بالإضافة إلى ملف يتعلّق بالأمن المائي في المنطقة.

أمّا في الجزء الخاص للخلل الاقتصادي، فيخصّص قسماً لمناقشة إيرادات النّفط واتفاقاتها.

وأخيراً؛ يخصّص قسماً لمناقشة المشاريع العقاريّة وتبعاتها في جزء الخلل السكاني، سيكون ذلك مضافاً إلى مناقشة أهمّ التطوّرات في العامين الماضيين على مستوى كلّ دولة، وفي إطار أوجه الخلل المزمنة محلّ الرصد والتحليل، ويلقي الضوء على ما هو ثابت، في مقابل المُتحوّل.

ويطرح في هذا السّياق جملة من الأسئلة ذات الصّلة، مثلاً: ما آخر تطوّرات الاحتجاجات السياسيّة في البحرين؟ وهل هناك أيّ تطوّر على مستوى قطر عند تحليل الخلل الاقتصادي فيها؟ وهل انخفض مستوى اعتماد الميزانيّة لبعض الدول الخليجية على العائدات النّفطيّة؟

التطورات السياسية في الكويت:

عرض الكتاب للتطورات السياسية التي شهدتها الكويت خلال عامي 2014 و2015م، وقسم السرد على النحو التالي: مجلس الوزراء، ثم مجلس الأمة، ثم السلطة القضائية، ثم أهم الأحداث والحراك السياسي.

وأشار الكتاب إلى أن الواقع السياسي يمر بمنعطف مفصلي؛ فالأحداث تتوالى بسرعة كبيرة وتزداد تشعباً وتعقيداً نتيجة انقسام الرأي العام حول بعض التغيرات السياسية.

ويرصد جملة من التحولات الجوهرية في المشهد السياسي في الكويت، منها الملاحقات الأمنية غير المسبوقة التي وصلت لحد سحب الجنسية، وإغلاق بعض قنوات فضائية وصحف محلية، وملاحقة بعض المغردين قضائياً بتهمة العيب في الذات الأميرية.

وأكد الباحثون في الشأن الكويتي أن تشنج العلاقة بين الأطراف المعنية في المشهد الكويتي لا ينبئ بوجود حلّ في الأفق، ولكي تخرج الكويت من هذا الجوّ السياسي الصعب، تحتاج إلى حوار وطني وشعبي لا ينبغي أن يقتصر على القوى السياسية فقط، بل يشمل جميع الشرائح الكويتية لترميم الانقسامات وتنفيس الاحتقان بعيداً عن لغة الانتقام؛ لتعود الحياة السياسية تحت سقف الأدوات الدستورية والديمقراطية التي تميزت بها الكويت عن باقي دول مجلس التعاون، خصوصاً في ظل أزمة اقتصادية محدقة قد لا تكون بعيدة، مما قد يجعل المشهد السياسي أكثر تعقيداً في المنظور المتوسط.

دول الخليج واليمن:

قدم الكتاب ملفاً معمقاً حول العلاقة التاريخية ما بين دول المجلس والجمهورية العربية اليمنية، وبيّن أن العلاقة بينهما شهدت تقلبات متعددة، حيث لم يكن نادراً أن يتم دعم أحد الأطراف السياسية اليمنية في فترة معينة، لتكون العلاقة معادية له بعد فترة زمنية قصيرة، وهكذا كانت الحال مع الرئيس المخلوع علي عبدالله صالح والجنوب اليمني، وقد خلق هذا الاحتقان حالة من المد والجزر بين دول الخليج واليمن عموماً؛ مما يجعل الوصول إلى حل شامل أمراً معقداً.

ويشير الباحثون إلى أن العلاقات الخليجية - اليمنية تتأثر بشكل ملحوظ، بطبيعة العلاقات الخليجية – الخليجية، ففي مراحل الأزمات يضيق هامش التسامح والمناورة، في حين يجد اليمن نفسه إما منحازاً لأحد الأطراف مع ما يفضي إليه ذلك من خسارة للطرف الآخر، أو يحاول في ظل حالة من الاستقطاب الحاد الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع الطرفين، فيخسرهما معاً.

التطبيع مع «إسرائيل»:

كما قدم الكتاب رصداً منهجياً لحالات التطبيع مع الكيان الصهيوني في بعض دول المجلس، في محاولة لإعادة البوصلة نحو القضية المحورية في العالم العربي (فلسطين)، حيث وجدت الدراسة أن هناك بوادر غير مطمئنة للتطبيع على المستوى الرسمي والاقتصادي لهذه الدول.

التركيبة السكانية:

أما في الشأن السكاني، فنوّه الكتاب إلى أن إجمالي عدد سكان دول مجلس التعاون الخليجي وصل 51 مليون شخص في عام 2014م، 52% منهم مواطنون و48% وافدون، وإن استمرت وتيرة النمو الحالية، فسيصل إجمالي عدد سكان دول المجلس إلى 100 مليون بحلول عام 2030م، 60% منهم من الوافدين، وقام بدراسة «حملة تصحيح أوضاع العمالة الوافدة في السعودية» كأول جهد رسمي من نوعه في الألفية الجديدة للتعاطي مع الخلل السكاني المتفاقم في دول المجلس.

المشهد السياسي:

عرض الكتاب لأوجه الخلل السياسي في دول مجلس التعاون، مشيراً إلى أن الأحداث في عامي 2014 و2015م تدل على أنه لا يوجد بوادر انفراج في الخلل السياسي، فمع انتصاف عام 2015م، بات واضحاً أن المنحنى الأمني هو السائد على المشهد السياسي في دول الخليج العربية، سواء على المستوى الداخلي في التعاطي مع المعارضة المحلية في كل دولة، أم على المستوى الإقليمي في العلاقات مع دول الجوار.

فعلى المستوى المحلي أصبح الانقسام السياسي هو السمة الطاغية في الدول ذات البرلمانات المنتخبة كالكويت والبحرين، وقد لجأت المعارضات السياسية في هاتين الدولتين إلى مقاطعة الانتخابات البرلمانية لعدم تجاوب السلطة لمطالبها، حسب وجهات نظرها.

أما على المستوى الإقليمي، فتفجر الأوضاع على كل حدود دول المجلس، سواء أكانت في سورية أو العراق أو اليمن، والعلاقة العدائية المتبادلة مع إيران، يؤكد بأن التعاطي الأمني هو الخيار السائد، حيث يبين قسما التطورات السياسية في الإمارات وقطر، بأن سياساتهما الخارجية النشطة تتقاطع وتتنافر في كثير من الأحيان، مما سبب خصومات تجاوزت حدود الدولتين.

الخليج والقوى العالمية:

يركز محور الخلل الأمني على علاقات دول المجلس مع القوى الإقليمية والعالمية، مشيراً إلى أن الخلل الأمني هو عدم مقدرة دول المجلس على تأمين سيادتها وحمايتها العسكرية والأمنية منفردة، واستمرار اتكاليّتها، المزمنة وشبه المطلقة، على القوى الغربيّة، والولايات المتحدة على وجه الخصوص، وذلك بغرض توفير السيادة والأمن الخارجي لها، ولا يبدو أن هناك تغيراً جوهرياً، إذ مازال يتواجد حوالي 50 ألف عنصر عسكري أجنبي في دول المجلس ومياه الخليج، بينما تستمر دول الخليج في كونها الأعلى إنفاقاً على الأسلحة وعلى جيوشها على مستوى العالم.

وسع الكتاب مساحة العلاقات الدولية التي قام بتحليلها، وفي الصدارة منها التطورات في الأراضي اليمنية، وذلك في ظل توسع الحوثيين العسكري وعملية «عاصفة الحزم» التي تقودها دول مجلس التعاون بقيادة المملكة العربية السعودية، منوهاً إلى ضرورة تحليل تاريخ العلاقات اليمنية – الخليجية، لذا قدم ملفاً معمقاً يبحث في المحددات التاريخية للعلاقة بين طرفين هما في الحقيقة يمثلان كتلة جغرافية واحدة.

الاستنتاجات:

تناول الكتاب بالتحليل المعمق أوجه الخلل الرئيسة في دول مجلس التعاون الخليجي، وخلص إلى جملة من الحقائق والاستنتاجات التالية:

الخلل السّياسي:

الثّابتُ هو تواصل غياب الدّيمقراطيّة.

والمُتحوّل هو بروز تحرّكات واحتجاجات على مستوى كلّ دول المجلس، لم يُشْهد لها مثيل، ولعقود مضت، ووصل هذا الحراك - بالإضافة إلى الكويت والبحرين ذات الباع السّياسي المعارض الطويل - إلى دول تُعتبر فيها ظاهرة حديثة نسبياً، بما فيها السّعودية وعُمان، وهناك بوادر لبروز تحرّكات حتّى في الإمارات وقطر.

لكن يبقى السّؤالُ مفتوحاً حول طبيعة ومجرى هذه التحرّكات على المدى القصير والمتوسط، وإذا كانت ستأخذ منحى وطنياً تنموياً، أم ستدخل في صراعات فئويّة جانبيّة، خاصةً في ظلّ بروز بوادر احتقان طائفي ومناطقي حاد في بعض أقطار المنطقة؟

الخلل الاقتصادي:

الثّابت هو دور الخليج باعتباره المصدر الرّئيس للنّفط العالمي، في مقابل تواصل الاعتماد على الرّيع من النّفط النّاضب واستمرار كونه العصب الرئيس للاقتصاد داخليّاً.

أمّا المُتحوّل فهو بروز ضغوطات اقتصاديّة داخليّة، وصعوبات متزايدة في التّصدي إليها، على الرّغم من تواصل ارتفاع أسعار النفط، وفي هذا المجال تبرز تساؤلات حول سبب تواجد فروقات تعدّت 750 مليار دولار أمريكي في تقديرات صادرات النفط الفعلية في مقابل العوائد العامة من النفط المعلنة رسميّاً على مدى آخر عشر سنوات من الطّفرة النّفطيّة.

والاستنتاج الرئيس من هذه الدراسة هو أن النمو في دول مجلس التعاون على نمط العقود الماضية غير مستدام على المدى المتوسط والبعيد، وهنا يأتي السؤال حول الحلول لهذه المشكلات المتفاقمة.

الخلل السّكاني:

الثّابتُ هو تواصل الاعتماد على الوافدين بوصفهم العنصر الإنتاجي الرّئيس في المجتمع، حتى بلغت أعدادهم ما يُقارب نصف سكان المنطقة (48%) لأوّل مرّة في تاريخها، هذا في مقابل تواصل تدنّي حقوقهم الاقتصاديّة والإنسانيّة والسّياسيّة.

أمّا المُتحوّل فهو تبلور دور اقتصادي مهم للوافدين من حيث كونهم مصدراً للطّلب، وقوةً شرائيّة رئيسة في المنطقة، خاصة في السّوق العقارية، في مقابل دورهم السّابق التّقليدي، عنصراً إنتاجيّاً ومصدراً للأيدي العاملة فقط، ممّا يفاقم من الاعتماديّة على الوافدين في الاقتصاد المحلي.

الخلل الأمني:

الثّابت هو تواصل عجز دول الخليج على تأمين حمايتها العسكرية بنفسها، متكلة في المقابل على الدّول الغربيّة للحماية العسكريّة والأمنيّة.

هذا في مقابل المُتحوّل وهو الانتفاضات والمتغيّرات الإقليميّة، من إيران شرقاً إلى مصر غرباً، وبروز بوادر شعبية في الغرب لمراجعة حجم ونوعيّة الدعم والتواجد العسكري في المنطقة، في مقابل تنامي خطاب الوحدة، والخطر الأمني، داخل دهاليز دول المجلس.

هذه التّغيّرات المتسارعة، تُخرِج الحاضرَ والمستقبلَ من طوْر المألوف والمرسوم له، فهي تفتحُ المجال لحراك غير مسبوق على المستوى الشّعبي، بينما تضعُ الأنظمة خارج المُخطّط له، وما اعتادت على التّعامل معه، وهذه التغيّرات الجديدة المجهولة تفتحُ المجال لفرص ومخاطر في الآن نفسه، وستعتمدُ على كيفيّة تعامل الأطراف المختلفة مع الثّابت والمُتحول فيما حولها.

الخلاصة:

قدم الكتاب خلاصة محورية ومركزة من خلال الدراسات والملفات المعمقة التي قدم لها في المحاور الأربعة سالفة الذكر هي أن دول المجلس تواجه تحديات جمة وعميقة، وتتطلب هذه التحديات نقاشاً صريحاً يشارك فيه كل من له مصلحة في إنجاح مشروع الدولة الحديثة؛ أي المواطنون جميعاً دون استثناء.

عدد المشاهدات 876

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top