رمضان.. والفقه الحقيقي للانتصار

12:23 03 يونيو 2017 الكاتب :   د. وصفي عاشور أبو زيد

 

- آثار العبادات على الفرد والأمة والإنسانية: رقي في الأخلاق ورشاد في السلوك وحسن في المعاملة وفلاح في الدنيا والآخرة

- لو أدى المسلمون العبادات بروحها وتهيؤوا لها وعظّموها في نفوسهم لما تسلط عليهم أحد

- بصلاح الأسر تصلح المجتمعات فتصير آمنة لا جريمة فيها ولا اعتداء على الممتلكات

- رمضان يربي الأمة أن تكون عزيزة ظاهرة بما تملكه من عقيدة سليمة وعبادة صحيحة وشريعة غراء

في أدبياتنا الدعوية والوعظية والتاريخية أن رمضان شهر الانتصارات، فكان كثير من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان، وكذلك كثير من المعارك في التاريخ؛ وكان المسلمون ينتصرون في هذه المعارك بفضل رمضان وروحه المشرقة المحلقة التي تفعل فعلها وتعمل عملها في نفوس المسلمين؛ حيث تخف أوهاق البدن وتخنس شهواته وتنتصر الروح وتشف النفس فتتطلع إلى ما عند الله تعالى، وتُقْبل من غير إدبار وتُقْدم من غير إحجام!

لكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن الآن ويقفز للعقول: أي انتصارات تتحدثون عنها والأمة مفتتة مجزأة منهكة، تسيل دماؤها في فلسطين ومصر وليبيا واليمن وسورية؛ فضلاً عن فطاني وأفريقيا الوسطى، بله المسلمين الذين اعتقل منهم أكثر من مليون مسلم ومسلمة في تركستان الشرقية ولا يسمع أحد عن الانتهاكات التي ترتكب بحقهم، والتهم الموجهة لهم من تعليم للقرآن واللغة العربية، أو ممارسة الدعوة إلى الله تعالى، ويتلقون على ذلك أحكاماً جائرة بالسجن بربع قرن وثلاثين عاماً؟!

فأي انتصارات تتحدثون عنها؟ وفي أي رمضان ستنتصر الأمة وتخرج من التيه الذي يبدو أنه مكتوب عليها؟ ومتى تنهض هذه الأمة من كبوتها؟ وأين آثار هذه العبادات وشعائر الدين كله في هذه الأمة؟ إلى متى تتحدثون عن الانتصار ورمضان والأمة مهزومة مكبلة منهكة منذ أكثر من نصف قرن، بل مقسمة مجزأة محتلة بالأصالة أو الوكالة منذ ما يزيد على قرنين من الزمان؟!

أين الأداء الذي يحقق الأثر؟!

وبادئ ذي بدء لا بد أن نتساءل إن أردنا أن نضع الأمور في نصابها ولا يتشكك الناس في ربهم ودينهم: هل يؤدي المسلمون عباداتهم، ويتخلقون بأخلاق دينهم كما يجب أن يؤدوا ويتخلقوا, أم أنهم يؤدون الشعائر جثثاً هامدة منزوعة منها روح الإخلاص، والأمر كما قال ابن عطاء الله: «الأعمال صور قائمة وروحها وجود سر الإخلاص فيها»؟

أنا أزعم أن المسلمين لو أدوا العبادات بل الشعائر الكبرى فحسب بروحها وأخلاقها وتهيؤوا لها، وعظموها في نفوسهم وقلوبهم، والتزموا بما تقتضيه من انتهاء عن الفحشاء والمنكر وإتيان للمعروف، وما تثمره هذه العبادات من عقائد قوية وأخلاق متينة وسلوكيات حضارية لما تهلهل مجتمع المسلمين ولا تسلط عليهم أحد، وهذا يتوقف على الفقه العميق الحقيقي لهذه العبادات، والغوص على دقائقها ومعانيها، والوقوف على مقاصدها وأسرارها: لماذا شرعت؟ وكيف تؤدى؟ وماذا تعني؟ وما آثارها وأهدافها؟ إلخ، عندئذ – وعندئذ فقط – تؤتي العبادات أثرها، ويحقق منها الصيام غاياته ومقاصده في حياة المسلمين.

وهذه الآثار كما تكون للفرد تكون للأسرة، وتكون للمجتمع، وتكون للدولة، وتكون للأمة، وتكون للإنسانية كلها؛ رقياً في الأخلاق، ورشاداً في السلوك، وحسناً في المعاملة، وفلاحاً في الدنيا والآخرة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {77} وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ {78}‏) (الحج).

أي انتصارات تقصدون؟!

ومن حق البعض أن يتساءل: إذا كنا نتحدث عن الانتصارات في رمضان، فأي انتصارات تقصدون؟ هل انتصار الليبيين على «حفتر»، أم المصريين على «السيسي»، أم السوريين على «بشار»، أم اليمنيين على «الحوثي».. أم هو انتصار هذه الأمة كلها وتملّكها مقومات القدرة والقوة والصلاحية التي تمكن الأمة من الظهور والاستقلال والقرار الحر؟!

وإذا انتصرت بلدة من هذه البلاد وتحررت إرادتها – وهو أمر لن يكون قريباً – فهل يعني ذلك أن الأمة انتصرت؟ وإذا تحررت فكم تستغرق الفترات الانتقالية حتى ترسو موجات الثورات على شاطئ التحرر واستقلال الإرادة؟

وهل لرمضان أثر في تعزيز هذا كله، واستثمار كل المعاني الإيجابية التي تقف بالأمة على مصاف العزة والوحدة والقوة، وتدفع عنها يد المعتدين بالأصالة أو بالوكالة؟

الانتصار الذي نريده

إن الانتصار الذي نريده أولاً قبل كل انتصار ولرمضان أثر كبير في ترسيخه وتحقيقه هو تحرير إرادة الإنسان وانتصاره على نفسه؛ شهوات نفسه، وشيطانه، اللسان وآفاته، السلبية واللامبالاة.. إلخ، فالمقصد الشرعي من وضع الشريعة – كما يقول الإمام الشاطبي - إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبداً لله اختياراً ، كما هو عبد لله اضطراراً.

فالمؤمن ممنوع من الشهوات في الصيام وهي حرام عليه، وإذا كان المباح يحرم عليه بالصيام فكيف يقارف الحرام إذا أفطر؟

والمسلم لا يستجيب لوسوسة الشيطان، فلا يتبع خطواته: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ) (النور:21)، وإذا كان المؤمن منهياً عن اتباع خطواته، فكيف يتبعها في رمضان، شهر الصيام والقيام والقرآن؟

والمسلم مأمور بترك السباب والشتم في رمضان خاصة وهو تمرين لرياضة النفس وضبط هذا العضو الذي يورد الإنسان المهالك؛ «وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب فإن سابه أحد، أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم» (أخرجه البخاري ومسلم).

والمسلم في الصيام يودع السلبية واللامبالاة من خلال ما ندبه الشرع الشريف له من أعمال جليلة ورتب عليها أجوراً ضخمة ومثوبات عظيمة، وتطلعاً إلى رضا الله ومثوبته، فإن المؤمن ينشط في هذا الشهر أملاً في رضا الله وجنته؛ «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (أخرجه البخاري ومسلم)، «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» (أخرجه البخاري ومسلم)، «من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» (أخرجه البخاري ومسلم).

وإذا كان هذا الانتصار على المستوى الفردي فهل هناك انتصار حقيقي على مستويات أخرى؟ الإجابة بالإثبات نعم، ولكن قبل الإشارة لذلك يجب التأكيد أولاً أن انتصار الفرد على شهواته وأوهاق بدنه وتغليب الروح وأشواقها وضبط السلوك والخلق والكلام هو الركيزة الأولى للإصلاح والانتصار على المستويات الأخرى، وإلا لا يتصور أن تصح انتصارات لمستويات أعلى إذا فوتنا الأدنى.

هناك انتصارات على مستوى الأسرة من سكينة واطمئنان وأمان يورثه الصيام الذي يؤثر إيجابياً على النفس بالرقة والقلب بالتجلية والروح بالشفافية؛ فينعكس هذا كله أماناً للأسرة؛ بين الزوجين وعلى الأولاد؛ وهو ما يجعلها متماسكة قوية تؤدي ما كلفها الله به، وتحقق الغرض منها.

وبصلاح الأسر تصلح المجتمعات فتصير آمنة مطمئنة لا جريمة فيها ولا اضطراب ولا حرابة ولا اعتداء على الممتلكات ولا الحرمات الخاصة أو العامة؛ فقد كان قانون الإيمان الذي يسهم الصيام في إيجاده واستمراره يقود العاصين إلى الاعتراف بذنوبهم وما ارتكبوه في حق ربهم، وما ماعز والغامدية عنا ببعيد!

إن الانتصار الحقيقي وفقهه العميق الذي نعنيه أيضاً هو أن تتحرر المجتمعات من السلبية، وأن تقوم بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تعين الحاكم إذا أحسن، وأن تنصحه إذا أساء، وأن تخلعه إذا عادى الأولياء ووالى الأعداء وقتل وانتهك حرمات الله.. نريد هذا الجسد الحي في المجتمع الذي يحييه الصيام وأخلاق الصيام، نريد مجتمعاً يصوم عن الصمت عن الظلم وعن الرضا بالذل، وعن الانبطاح أمام الهوان والتبعية، فالإسلام يربي المسلمين على العزة والكرامة والحرية والاستقلال، ومن هذا أن المستحق لزكاة الفطر إذا تجمع لديه ما يفيض عن حاجته وجب عليه شرعاً أن يخرج زكاة الفطر حتى يعلمه الإسلام أن تكون يده هي العليا ولو مرة واحدة في العام!

إن رمضان العظيم يربي هذه الأمة على أن تكون هي العزيزة، هي الضابطة لأخلاقها وسلوكها، هي الظاهرة على العالمين بما تملكه من عقيدة سليمة وعبادة صحيحة وشريعة غراء وتاريخ عريق وحضارة مشيدة.

عدد المشاهدات 745

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top