السيرة النبوية.. وحل المشكلات العالمية (7)

11:01 12 مارس 2014 الكاتب :   بقلم: أ . د . عبدالرحمن علي الحَجِّي
الأخذ بالشريعة الإسلامية ممثلة في السيرة النبوية الشريفة يجنب الكل من المشكلات للأفراد والأسر والمجموعات والمجتمعات والكيانات والدول والعالم..

الأخذ بالشريعة الإسلامية ممثلة في السيرة النبوية الشريفة يجنب الكل من المشكلات للأفراد والأسر والمجموعات والمجتمعات والكيانات والدول والعالم.. أمرٌ يقوم على فهم هذه السيرة العطرة والعيش معها والنظر في أغوارها. لكن هذا الأمر يُدركه مَنْ أمكنه أن يأخذ بالأسباب، إنها بحر متسع زَخَّار عميقُ الأبعاد، فهي بحاجة إلى بَحَّار ماهر غَوَّاص يجيد ركوبَ البحر الذي يَعْشِقُه والغَوْصَ فيه، عارفاً كيفية استخراج درره العذراء كامنة في أصدافها النقية تعطي المُؤهَّل من لآلئها النَيِّرة الخيرة. كانت عنايةُ السلف بهذه السيرة النبوية الشريفة عظيمةً جداً، كانوا يتدارسونها ويُعَلِّمُونَها أولادَهم كما يعلمونهم القرآنَ الكريم، إدراكاً منهم أنها تحتوي كُلَّ ذلك مما يتم إدراكه جميعاً، ليكون مستمراً خلال العصور التالية كافة وأجيالها، تمكنهم من فهم الحياة بواقعها يحلون مشكلاتها، ويقيمون كريم بنائها ويرتقون قممها ويعتلون أعاليها. السيرة النبوية الشريفة (على صاحبها الصلاة والسلام) بحرٌ ثَـــرُّ المحتوى عميقُ المَرْمَي، غني مليء بالخير، من كل أنواع اللآلئ اكتنزتها أصدافُها الحرة العذراء، يجدر استخراجُها مِنْ قِبَل كل غَوّاصٍ ماهر، وكلما كان ماهراً يحب مهنته ويَعْشَقُها، أتى من تلك اللآلئ بما يُدْهِشُ كُـــلَّ أحد.. هذا ما فهمه السلف الصالح وساروا إليه وتعاملوا معه وأقبلوا عليه، تركوا وصاياهم للأجيال لتهتدي بها، باعتبار أن السيرة النبوية الشريفة تحتوي الإسلامَ كُلَّه، يتعلمها الإنسان عملياً.. يقول ابن كثير(1

): "وهذا مما ينبغي الاعتناء به والاعتبار بأمره والتهيؤ له، كما رواه محمد بن عمر الواقدي، عن عبدالله بن عمر بن علي عن أبيه سمعت علي بن الحسين (زين العابدين) يقول: كنا نُعلَّم مغازي النبي صلى الله عليه وسلم كما نعلم السورة من القرآن. وقال الواقدي: وسمعت محمد بن عبدالله يقول: سمعت عمي الزُّهْري يقول: في علم السيرة والمغازي علم الدنيا والآخرة.. ورُوِيَ عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص قال: كان أبي يعلمنا المغازي والسرايا ويقول: يا بَنِيّ هذه شَرَفُ آبائكم فلا تضيعوا ذكرها. تُعْتَبَر السيرةُ النبوية الشريفة أرقى وأهمَ وأعظمَ وسائلِ التربية لجميع الناس والأجناس والأعمار، ولابد من اعتبارها الأساس، مَنْ فاته فَهْمُ ذلك والأخذُ به واعتمادُه، فقد فاته كُلُّ شيء ولا عِوَضَ عنها أو استدراك أو إدراك، لابد أن يَقِرّ ذلك ويستقر في النفوس ويُستلهَم في الحياة، وهو ما تَعَلّمه وعَلِمَه وتعامل به السلفُ الكريم، خلال تعاقب الأمة في أجيالها المتلاحقة دون استثناء.. يقول ابنُ حَزْم الأندلسي (456هـ/ 1064م): "مَنْ أرادَ خيرَ الآخرة وحكمةَ الدنيا وعدلَ السيرة والاحتواءَ على محاسن الأخلاق كُلِّها واستحقاقِ الفضائل بأسرها، فَلْيَـقْـتَـدِ بمحمدٍ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وليستعمل (وليعتمد) أخلاقَه وسِيَرَه ما أمكنه"(2). لم تتوقف أقلامُهم عن تحبيرَ المؤلفات والكتابات بل والموسوعات في الاستخراج من جواهرها، وما تزال تتقدم منهم ومن آخرين وبلغات كثيرة، منهم غير المسلمين، المنصف قاده ذلك إلى الإسلام ولو بآية واحدة أو حادثة: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً {21}) (الأحزاب).

أَيّةُ لوحةٍ عالمية نادرة ترسمها هذه المدينة وأهلها، من بعد الهجرة النبوية الشريفة الجالبة للخير كله، في تقديم هذه الثمار العجيبة في مدة جِدُّ قليلة، تأتي بهذه النوادر وبأعلى درجة، لا تتم إلا بهذا الدين وَحْـدَهُ، وبجهاد هؤلاء الصحب الكرام (رضوان الله عليهم أجمعين)، الذين بنوا مَـجْـدَ الإسلام مقتدين بإمامنا الحبيب الطبيب محمد صلى الله عليه وسلم، لكن هذا الأمر لا يأتي بالتمني بل قد يحتاج إلى كل أنواع التضحيات بعد الفهم والالتزام، انظروا ما جرى في أمر الحديبية: ينتهي العهد المكي – حال العهد المدني - عهدُ تأسيس وبناء، للحياة البشرية وحضارتها، ما كتب الله لها من عمر مديد ليكون سعيداً فاضلاً كريماً، يجري استقبال العهد المدني الذي ادّخَرَ الله تعالى أهلها الأنصار (الأوس والخزرج وغيرهم)، عندها يلتقي المهاجرون والأنصار وكأنهم كانوا على ميعاد، بهما تقوم الحياة الإسلامية العجيبة المثال، التي ما كانت لتكون ولا في الخيال، أقاموا المجتمع الإسلامي الإنساني المنشود الذي يكون قدوة ومثالاً للأجيال الإنسانية، نموذجاً بشرياً فريداً، الذي وصفه الرسولُ الكريم صلى الله عليه وسلم، بما استجابوا لأمر الله تعالى، ألبسهم ذلك الوسامَ الفريد الذي استحقوه، منذ عرفوا دين الله تعالى ودخلوا دائرته المنيرة، حتى تتوج بموقفهم الرائع الرائد يومَ الحُدَيْبِيَةِ (ذو القعدة السنة السادسة للهجرة النبوية الشريفة/ أواخر مارس 628م)، كان أهل الحُدَيْبِيَةِ ألفاً وخمسمائة من الصحابة والصحابيات الكرام الكريمات، أتى بهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لأداء العُمْرَة وساق معه الهَدْيَ وأَحْرَمَ بالعُمْرَة ليَعْلَمَ الناسُ أنه إنما خَرَجَ زائراً للبيت مُعَظِّمَاً له(3)، فمنعتهم قريش وردتهم واستعدت للحرب والقتال، وقد أخْبَرَه بذلك أحدُ الصحابة دليلُهم فقال: يا رسول الله، هذه قريش قد سَمِعَتْ بمَسيرك فخرجوا معهم العُوَذُ المَطافِيلُ، وقد لَبِسوا جُلودَ النُّمور وقد نزلوا بذي طُوَىً، يعاهدون الله لا تَدْخلها عليهم أبداً، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قَدَّموها إلى كُراع الغَميم، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا وَيْحَ قريش! لقد أكلتهم الحربُ، ماذا عليهم لو خَلَّوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان الذي أرادُوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تَظُنّ قريشٌ؟ فوالله لا أَزالُ أُجاهد على الذي بعثني الله به حتى يُظْهِرَه الله أو تنفرد هذه السالفة"(4)! "لا تدعوني قريشٌ اليومَ إلى خُطَّة يسألونني فيها صِلَةَ الرَّحِم إلا أعطيتُهم إياها". هنا دعا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الصحابةَ الكرام للبيعة، فبايعوه جميعاً دون استثناء فرحين بذلك سعداء متنافسين لها، وكان عددهم ألفاً وخمسمائة (5)، من المهاجرين والأنصار ومن انضم إليهم، وهم في تلك الظروف، ليس معهم عدة الحرب معهم سلاح الراكب وليس المحارب، وليس لديهم أَيُّ استعداد نفسي للحرب، وبينهم وبين مدينتهم قُرابة 500 كم، وقريش في ديارها وهي مستعدة بكل أنواع الاستعداد ومعها شجعان العرب وفرسانها المشهورين والروح المعنوية لديهم عالية، مع كل ذلك الصحابة كُلُّهم بايَعُوهُ صلى الله عليه وسلم على الموت وعلى ألا يَفِرّوا وعلى الصبر(6)، بل مِنْ فَرَحِهم بذلك كان بعضهم يكرر البيعة (7).. عندئذٍ ألبسهم هذا الوسام الخالد قال لهم:" أنتم (اليومَ) خيرُ أهلِ الأرض"(8)، كانوا جيلاً بأكمله، الإسلام يربي الأجيال ليكون جُـلُّـه إن لم يكن كُـلُّـه كذلك، حينه يتم توافر قيام المجتمع الفاضل وتأخذ كافة الإنجازات مكانها في الحياة بكل سلاسة، ذلك لا يكون إلا بأسبابه وتمثله بالداعين إليه، كل أحد منهم له نموذج فريد، أَمْرٌ لا تنجزه إلا نبوةٌ بمنهج الله تعالى، لا بديل بحال. هذه إحدى اللوحات التي رُسِمَتْ بريشةِ مَنْ آمن بمنهج الله تعالى، أُشْرِبوا إياها بيد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، قدوة القدوات والأسوة الحسنة؛ "كان خلقه القرآن"، غَدَوْا هم أنفسُهم قُدْوَةً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقْتَدَى بهم لمن أراد معرفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول الصحابي الجليل عبدُالله بن عمر (74هـ/ 693م) رضي الله عنهما: مَن كان مُسْتَنّاً فليستنَّ بمن قد مات، أولئك أصحاب محـمــد صلى الله عليه وسلم، كانـوا خيرَ هذه الأُمّة، أبَرَّها قلوباً وأعمقَهـا علمـاً وأقلَّها تكلُّفاً، قـوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونَقْل دينه، فتشبَّهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا على الهُدى المستقيم واللهِ ربِّ الكعبة(9). مثلُ هذا المجتمع لا يمكن أن يربيه إلا هذا المنهجُ الإلهي الكريم، الذي يَتّخِذ سيرةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم دليلاً لفهم دينَ الله تعالى، لأخذه مرجعيةً وحيدة متميزة فريدة، وبناء حياتهم ومجتمعهم عليه وإدارة ذلك وسياستها، منه يستمِد غيرُ المسلمين إن أرادوا، يجدونه نافعاً كما استمدوا من حضارته ومنجزاته العلمية والعُمرانية، يجد كل أحد في المنهج ما يريد للارتقاء وبناء الحياة الفاضلة، لا يحتاج لغيره معه في أي أمر وموضوع وميدان.

كان هذا العرض رجاءَ بيانِ السبيل المستمَد من السيرة النبوية الشريفة، مما يتبين من خلاله فيها الكثيرُ من الإشارات النبوية، بدون أيٍّ من المعجزات أنه دين الله تعالى بعث به محمداً صلى الله عليه وسلم تأكيداً لنبوته، أينما التفتم ترون ذلك واضحاً كالشمس في رائعة النهار، ذلك أن الله تعالى أراد لهذا الدين أن يكون منهجَ أهل الأرض جميعاً حتى يرث الله الأرض ومن عليها. استعراض العهد المدني مجملاً يوجه الضوء إلى حِزَمِ أحداثٍ ومنجزات وثمار هذا العهد المجيد وكيفية تحقيقها في تلك الأجواء، انطلقت ينابيعها بسرعة، تُحوِّل الصَّحارى القاحلة إلى جنائن عامرة خضراء، أقبلت عليه الأمم والشعوب والأقوام تدخل دائرته المنيرة تحتضنه مفتدية، تحمله إلى ما عداها. مَنْ تأخَّرَ منهم غذ السير لاستدراك ما فات بتأخره عن الركب المبارك الميمون أفراداً وجماعات، كما فعل الحارث بن هِشام (أخو أبو جهل) الذي أسلم أيامَ فتح مكة (20 رمضان 8هـ/ 20/2/630م)، قال يوم خرج بماله وبالعشرات من أهله من مكة للجهاد في الشام، فلم يعد منهم إلا قليل واْسْتُشْهِدَ أكثرُهم، كان الحارثُ ضمن الشهداء في معركة اليرموك بالشام (5 رجب 15هـ/ 20/9/636م)، قال لمودعيه الذين كانوا يبكون لفراقه: "والله ما خَرَجْتُ رغبةً بنفسي عنكم ولا اختيارَ بلدٍ على بلدكم، ولكن هذا الأمر كان، فخَرَجَتْ فيه رجال من قريش ما كانوا من أسنانها ولا في بيوتها، وأصبحنا والله لو أن جبال مكة ذهباً فأنفقناها في سبيل الله ما أدركنا يوماً من أيامهم، فنلتمس أن نشاركهم في الآخرة، فاتَّقى الله امرؤٌ"(10)، كذلك فعل سكان الشمال الأفريقي ومشاركتهم في فتح الأندلس (92هـ/ 711م)(11). هكذا هيأ الله تعالى المدينة المنورة، لتكون موئلاً لهذه الدعوة المباركة التي يكمن فيها مستقبل أهل الأرض، ما دامت الحياة الإنسانية قائمة، ادخرها سبحانه وتعالى لهذه الدعوة وزودها بكل ما يلزم لأداء هذه المهمة الكريمة المباركة، امتلكت من المواصفات البشرية والاجتماعية والتضاريسية، حتى ليبدو كأنها خُلِقَتْ لتكون مَهْداً ومِحْضَناً لها، وَرَدَ في الحديث الشريف أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أُريَها حيث رُوِيَ عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إني أُرِيتُ دارَ هِجْرَتِكم ذاتَ نَخْلٍ بين لابَتَيْنِ وهما الحَرَّتان"!(12).

 

الهوامش:

(1) البداية والنهاية، 4/17. السيرة النبوية، الشيخ أبو شهبة، 1/8. رجال من التاريخ، الشيخ على الطنطاوي، 26 - 27. (6/127). (2) الأخلاق والسير في مداواة النفوس، 24. جوامع السيرة، 6 (المقدمة)، 7- 14، 40 – 44. (3) البخاري، رقم: 4148. مسلم، رقم: 3033. السيرة النبوية، 854. زاد المعاد، 1/380. البداية والنهاية، 4/375 – 376. السيرة النبوية، الندوي، 378. (4) السيرة النبوية، 854 – 855. البداية والنهاية، 4/376. العُوَذ: جمع عائذ وهي الإبل حديثة النِّتاج: حديثة الولادة. المَطافِيل: الإبل معها أولادُها، المعنى أن قريشاً خرجت للمسلمين بالنساء والصبيان، على سبيل الاستعارة. لبسوا جلود النمور: أظهروا للمسلمين عداوتَهم. ذو طُوىً: موضع قرب مكة. كُراع الغَميم: موضع بناحية الحِجاز بين مكة والمدينة، وهو وادٍ أمام عُسفان بثمانية أميال. السالفة: صفحة العنق، وهما سالفتان من جانبيه، كَنَّى بانفرادها عن الموت. إنه كلام عجيب بكافة اتجاهاته وتوجهاته ومؤدياته، يدل قريشاً على ما يجب أن يَصنعوه مما هو أصلح لهم وأيسر، ويبين له في نفس الوقت موقفه وأنه إذا اقتضى الأمر فالموت في سبيل الله تعالى حبيب إليه، لكن يقدم كل خطة فيها خير ورعاية للرحم وتأكيد الوفاء بالصلات التي يرعاها ولا ينساها. أليس قد آتاه الله تعالى جوامع الكلم. ألا يجد كل أَحَدٍ امتلاءَ الكلام بأعلى المؤشرات على نبوته (صلى الله عليه وسلم). (5) البخاري، أرقام: 3576، 4152، 4152. (6) البخاري، أرقام: 2958، 2989، 4167، 4169. (7) البخاري، رقم: 2960. (8) البخاري، رقم: 4154. البداية والنهاية، 4/ 383. كذلك: السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها، 47. (9) حياة الصحابة، محمد يوسف الكاندهلوي،1/461 (10) سير أعلام النبلاء، الذهبي، 4/420 – 421. البداية والنهاية، 7/ . السيرة النبوية منهجية دراستها واستعراض أحداثها*، 176 – 177. (11) التاريخ الأندلسي من الفتح الإسلامي حتى سقوط غرناطة*، 42، 110 – 111. (12) البخاري، رقم: 2297 و 3905. كذلك: البداية والنهاية، 3/448. السيرة النبوية، الندوي، 229. الحَرَّة أو اللابَة: منطقة سوداء من الحجارة المحترقة بركانية يمتنع فيها المشي بالأقدام ومشي الإبل والخيل – فضلاً عن مرور الجيش – تحميها من أكثر جوانبها من الغزو الخارجي.

 

عدد المشاهدات 761

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top