الصليبية فوق الوطنية

11:27 05 أغسطس 2017 الكاتب :   د. محمد عمارة

في الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918م) كانت الدولة العثمانية تحارب في صف ألمانيا ضد إنجلترا وحلفائها.

وفي عام 1917م دخل الجيش الإنجليزي بقيادة الجنرال اللنبي (1816 - 1936م) مدينة القدس، وهزم القوات التركية المتحالفة مع الألمان، وقال اللنبي يومها كلمته الشهيرة: "اليوم انتهت الحروب الصليبية".

ولم يكن اللنبي وحده هو الذي أفصح في القرن العشرين عن حقيقة الروح الصليبية القديمة والدفينة، والتي تحرك وتقود الجيوش الاستعمارية الغربية، حتى في عصر "الحداثة" و"العلمنة" و"التنوير"، فمجلة "بنش" (Punch) الإنجليزية نشرت يومئذ رسماً كاريكاتيرياً لريتشارد قلب الأسد (1157 - 1199م) - الملك الإنجليزي الصليبي الذي حارب صلاح الدين الأيوبي (523 - 589هـ/ 1137 - 1199م) في فلسطين - وكتبت على لسانه تحت الرسم: "أخيراً تحقق حلمي"!، وفوق الرسم عنوان "آخر حملة صليبية"!

وإذا كان مفهوماً أن تحتفل إنجلترا وحلفاؤها بانتصارها على الأتراك والألمان في القدس عام 1917م، وأن ترى في هذا الانتصار تحقيقا للأحلام الصليبية التي حاربوا من أجل تحقيقها قبل قرون، فإن المفاجأة المذهلة التي بلغت درجة العيار الثقيل - يومئذ - كانت احتفال الكنائس الألمانية - الكاثوليكية والبروتستانتية - بهزيمة وطنها ألمانيا في القدس أمام الجيش الإنجليزي لأن احتلال القدس من قبل الإنجليز - رغم أنه هزيمة وطنية لألمانيا - هو انتصار للصليبية الغربية على الإسلام في القدس الشريف!

ولقد ذكر هذه الحقيقة المذهلة - التي تفجر ملكات الوعي بالتاريخ - مفتي فلسطين الشيخ أمين الحسيني (1311 - 1394هـ/ 1894 - 1974م) الذي كانت إقامته محددة في فرنسا عقب هزيمة المحور في الحرب العالمية الثانية عندما قال للدكتور توفيق الشاوي (1336 - 1430هـ/ 1918 - 2009م): ألا تعلم يا توفيق أنه أثناء الحرب العالمية الأولى، عندما كانت الإمبراطورية العثمانية متحالفة مع ألمانيا ضد بريطانيا وفرنسا، وكان المسلمون يضحون برجالهم ومستقبلهم من أجل انتصار ألمانيا، ومع ذلك، عرفت أنه عندما دخلت الجيوش الإنجليزية القدس واحتلت فلسطين، أمرت بعض الهيئات المسيحية بدق أجراس الكنائس في جميع أنحاء ألمانيا - الكاثوليك والبروتستانت - احتفالاً بانتصار المسيحية على الإسلام، واستيلائها على القدس الشريف"!

فالصليبية فوق القطرية والوطنية، والانتصار على الإسلام يجمع الفرقاء الوطنيين الغربيين المتحاربين، فهناك تناقضات عدائية بين الصليبية الغربية وبين الإسلام، تعلو وتحكم التناقضات الثانوية بين أوطان الغربيين الذين كانت أغلب تناقضاتهم حول اقتسام كعكة عالم الجنوب، وفي المقدمة منه عالم الإسلام.

ولقد كانت القدس التي أطلق عليها أمير الشعراء أحمد شوقي (1285 - 1351هـ/ 1871 - 1932م) لقب "سيدة القرى" بينما مكة هي "أم القرى" كانت هذه المدينة المقدسة على مر تاريخها الطويل هي رمز الصراع بين الغرب الصليبي والشرق الإسلامي، وكانت أيضاً بوابة الانتصارات في هذا الصراع.

 

المصدر: الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

عدد المشاهدات 204

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top