بناء «ذاكرة العنف»: كيف تعيد شعباً متمرداً إلى حظيرة الطاعة؟

13:12 15 أغسطس 2017 الكاتب :   ساسة بوست

في العام 1992، كان المشتغلون بالحقل الثقافي حول العالم على موعد مع أحد أكثر نظريّات الفلسفة السياسية إثارة للجدل، فقد أصدر الفيلسوف والأكاديمي الأمريكي ذو الأصل الياباني «فرانسيس فوكوياما» كتابه الأشهر بعنوان «نهاية التاريخ والإنسان الأخير»، والذي يعلن فيه أن تاريخ الاضطهاد والنظم الشمولية قد مضى إلى غير رجعة بعد نهاية الحرب الباردة وهدم سور برلين، وأن المستقبل حتمًا سيكون ساحة متفردة لقيم الليبرالية والديمقراطية الغربية، واحترام حقوق الإنسان، إذ إن انتشار هذه الأفكار لتعم بقاع الأرض قاطبةً ليس سوى مسألة وقت.

لاحقًا تعرضت نظرية فوكوياما لإحباطات متتالية، وتراجع هو نفسه عن الكثير من آرائه، أو قال إنها لم تُفهم على النحو الصحيح تمامًا، ومع نهاية العام الماضي – حيث تم انتخاب ترمب رئيسًا للولايات المتحدة معقل الديمقراطية الليبرالية التي بشر بها فوكوياما - بدا واضحًا كم كانت توقعات الرجل غارقة في التفاؤل وربما السذاجة الطفولية بالنسبة للبعض، حتى بدأ البعض يتندر بعبارة «نهاية نهاية التاريخ» في إشارة إلى أن فرضيات الفيلسوف الأمريكي صارت جزءًا من تمنّيات الماضي. 

ما دفعنا إلى استدعاء طرح فوكوياما هو التأكيد أن النظريات التي تقرأ التاريخ في صورة خطية – بمعنى أن أحداثه تؤول حتمًا إلى نتيجة يمكن توقعها – هي نظريات لا تصمد طويلًا في عالم الواقع، حيث منحنى التاريخ يتقلب صعودًا وهبوطًا، يملأ قلوب البشر بالأمل أحيانًا قبل أن تخيب ظنونهم فيه مجددًا، باختصار: لا يمكن التنبؤ بمسار الأحداث الكبرى في مجرى التاريخ، إلا من حيث يكون ذلك التنبؤ غالبًا رجمًا بالغيب، مهما بدت معطيات الواقع جازمة ومؤكّدة.

سنحاول إذًا خلال السطور التالية، وعبر استعراض نماذج تاريخية شبيهة نوعًيا – سنحاول – الإجابة عن سؤال: كيف يمكن لمجتمع كان ينبض بالحيوية السياسية، كالمجتمع المصري في أعقاب ثورة الخامس والعشرين من يناير 2013، أن يتحول إلى النقيض تمامًا، إلى حد وصف البعض للسياسة في مصر بأنها قد «ماتت» وانتهى الأمر، فكيف حدث ذلك؟ وما دور عملية فض اعتصامي رابعة والنهضة في ذلك؟

الجزائر: شبح الماضي ما زال يُحكم قبضته على المستقبل

أحد الأسئلة التي شغلت الكثير من السياسيين والمثقفين العرب إبّان موجة الثورات العربية وما تلاها، كان عن سبب إحجام الجزائريين عن اللحاق بموجة الربيع العربي التي شملت إرهاصاتها كل جيرانها تقريبًا، رغم كون البلاد – نظريًا – كانت مؤهلة سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا للحاق بركب الاحتجاجات؟

الإجابة قد تبدو جاهزة في التاريخ القريب، إذ شهدت الجزائر في عقد التسعينيات حربًا أهلية بين النظام والإسلاميين، على إثر إيقاف الجيش الجزائري للمسار الانتخابي الذي كان على وشك الإتيان بالإسلاميين إلى السلطة، راح ضحية تلك الحرب – التي عرفت بالعشرية السوداء، أو العشرية الحمراء – مئات الآلاف من القتلى، وبلغ عدد المفقودين نحو 20 ألفًا، وفاق عدد المجازر التي قُتل فيها خمسة أشخاص فما فوق أكثر من 622 مجزرة، هذا فضلًا عن الخسائر الاقتصادية المدمرة، والإحساس العام بانعدام الأمان الذي عانى منه الشعب الجزائري سنواتٍ طويلة.

وبحسب شهادة الضابط السابق في القوات الخاصة الجزائرية «حبيب سويدية»، في كتابه الذي أثار الكثير من الجدل داخل الجزائر وخارجها «الحرب القذرة»، فقد كانت أجهزة الأمن الجزائرية تعمل على نشر الخوف والعنف في المجتمع، وتنسبه بعد ذلك إلى المسلحين الإسلاميين، مثل عمليات اغتيال الصحفيين والمثقفين، والتي ينسبها صحفي التحقيقات الفرنسي «جون ريفوار» إلى أجهزة الاستخبارات الجزائرية.

كما يروي سويدية كيف شاهد بأم عينيه زملاء له يقطعون رؤوس مدنيين لينسبوا الفعل بعد ذلك إلى «إرهابيين»، وكيف أحرقوا طفلًا أمامه وهو حي، ورأى ضباطًا يعذبون إسلاميين حتى الموت، لم يكن الجزائريون في تلك السنوات يعرفون «من يقتل من»، وقد ظلت تلك الأحداث تلقي بظلالها على مستقبل البلاد حتى يومنا هذا.

وضع وصول الرئيس الجزائري «عبدالعزيز بوتفليقة» إلى سدة الرئاسة حدًا للعشرية الدموية في البلاد، عبر سلسلة إجراءات مهد لها قانون «الوئام الوطني»، ولكن شبح الماضي ظل مرفرفًا على حاضر الجزائريين ومستقبلهم، تمنعهم خبرتهم التعيسة مع الألم والدم من السعي لإحداث تغييرات جذرية في النظام القائم، على الرغم من مظالمهم الاقتصادية والاجتماعية بحسب العديد من المراقبين، خاصة بعد انخفاض أسعار النفط الذي تعتمد البلاد بشكل كبير عليه في مواردها وخططها الاقتصادية.

«حماة» التي لا ينساها السوريون

مطلع فبراير 1982، كان حافظ الأسد قد قضى ما يزيد بقليل على عقد من الزمان رئيسًا لسورية، كان الرجل الأقوى في البلاد، لكنه صار الزعيم «الأوحد» في البلاد بعد أن قاد – مع شقيقه رفعت ووزير دفاعه مصطفى طلاس – قوات الجيش لارتكاب ما وُصف بأنه إحدى أكبر المجازر في تاريخ العرب الحديث، «مجزرة حماة».

نظرت سلطة الأسد إلى مدينة حماة باعتبارها معقلًا لجماعة «الإخوان المسلمون»، وجناحها العسكري «الطليعة المقاتلة»، وفي أعقاب كمين نصب لجنود سوريين في المدينة، ومجموعة من الهجمات التي استهدفت مسؤولين حكوميين محسوبين على النظام، قرر الأخير عزل حماة تمامًا عن العالم الخارجي، وحاصر المدينة بآلاف من جنود الجيش، مدعومين بعشرات الدبابات، وقد مارست «سرايا الدفاع» بقيادة رفعت الأسد دورًا رئيسًا في تلك العمليات.

تعرضت المدينة لقصف جوي ومدفعي مكثف، طال حتى عشرات المساجد، قبل أن يتقدم الجنود لتنفيذ المذابح بحق السكان بلا رادع، راح ضحية المذابح المتلاحقة نحو 25 ألف قتيل، فضلًا عن نحو 15 ألف مفقود، تركت الجثث في الشوارع تنهشها الكلاب، ودمّر نحو ثلث أحياء المدينة بشكل كامل، ثم – إمعانًا في الإذلال – أُجبر الأهالي على الخروج بمسيرة تأييد لحافظ الأسد يهتفون فيها: «بالروح بالدم نفديك يا حافظ».

لم تكن حماة تمثل خطرًا على نظام الأسد يستدعي كل تلك الوحشية المفرطة، لكن النظام كان حريصًا على جعلها «عِبرة» لمعارضيه، ووسيلة لإنهاء كل صور الاحتجاج على حكمه، ويبدو أنه قد نجح في ذلك إلى حد كبير، فعلى مدى ثلاثة عقود لاحقة، وصف النظام السوري بأنه أحد أكثر الأنظمة العربية انغلاقًا واستبدادًا، إذ ظلت صورة حماة ماثلة في الوعي الجمعي السوري، تمنع كل محاولة لمجرد التفكير في الخروج عليه أو حتى معارضته بالكلمة.

فض «رابعة والنهضة».. لماذا كل تلك الدماء؟

بحسب تحقيق لـ«هيومان رايتس ووتش»، والذي صدر في الذكرى السنوية الأولى لفض اعتصامي «رابعة والنهضة»، فقد راح ضحية عملية الفض أكثر من ألف قتيل، بعدما فتحت قوات الأمن النيران على المتظاهرين باستخدام الذخيرة الحية، فقتل المئات بالرصاص الموجه إلى رؤوسهم وأعناقهم وصدورهم، وبحسب المنظمة فإن استخدام الأمن للقوة المميتة كان دون تمييز، إذ كان القناصة يطلقون أسلحتهم على حشود كبيرة من المتظاهرين كما سُجّل أيضًا بعض القناصة يطلقون النيران من مروحيات تحلّق فوق منطقة الاعتصام.

قسوة الفض – الذي وصفه تقرير المنظمة الدولية بـ«المذبحة» – خاصة مع كون الأغلبية الساحقة من المعتصمين متظاهرين سلميين بحسب المنظمة، هو ما يدفع البعض للتساؤل: لماذا فشلت مبادرات الحل والوساطة بين النظام والإخوان قبل فض الاعتصام؟ وإذا كان النظام المصري قد قرر انتهاج العنف سبيلًا وحيدًا لإنهاء الاعتصامات، فلماذا لم يكن حريصًا على تقليل الخسائر البشرية الناجمة عن الفض، على الأقل حفظًا لصورته أمام المؤسسات الحقوقية والمجتمع الدولي؟

أحد التفسيرات، والتي تستمد حجيتها من الأمثلة التي ذكرناها في السطور السابقة، ومما آل إليه الواقع السياسي في مصر، هو أن «العنف المفرط» الذي استخدم في ذلك الحين – بحسب وصف المنظمات الحقوقية – كان مطلوبًا لذاته، باعتباره ذا فائدة سياسية وبعد نفسي فعال بالنسبة للسلطة، وليس مجرد فض الاعتصامات وإخلاء الميادين.

ففي حين أدى التعامل العنيف للنظام المصري بعد الثالث من يوليو مع الاحتجاج إلى تشوّه صورته على الصعيد الحقوقي محليًا ودوليًا، فإنه قد حصد منه «مكاسب سياسية» ساعدته في إبقاء وجوده وترسيخه رغم التحديات المتلاحقة، فـ«ذاكرة العنف» التي اختزنها المصريون من تلك الاعتصامات، والتي كانت في صورتها المجردة تعلن أن النظام مستعد للمضي قدمًا «إلى ما لا نهاية» في وأد أي معارضة تشكل تهديدًا حقيقيًا عليه، هي ما جعل المصريين يحجمون عن الانخراط في فعاليات معارضة حقيقية ضد النظام، بعد أن صارت كلفتها بلا قيود أو حدود.

ويمكن هنا المقارنة بين رد الفعل الشعبي على الإجراءات الاقتصادية الحكومية فيما سمي «انتفاضة الخبز» في السبعينيات والتي دفعت الحكومة إلى التراجع سريعًا، وبين ما يبدو «صمتًا» شعبيًا في ظل الإجراءات التقشفية التي تتخذها الحكومة الحالية.

تفرق الفيلسوفة «حنة أرندت» في كتابها «في العنف» بين مصطلح العنف – كأداة لممارسة السلطة – وبين مصطلحات القوة والقدرة والسلطة، فالسلطة الأكثر رسوخًا وتجذرًا واستقرارًا هي تلك التي لا تضطر – لإجبار الناس على طاعتها – إلى ممارسة العنف المباشر في كل شاردة وواردة، بل تجعلهم ينصاعون إليها من تلقاء أنفسهم، عبر تقنيات متعددة.

يمكننا إذًا فهم «ذاكرة العنف» باعتبارها مخزونًا لعنف مكثف ومركز، ترتكبه السلطة عن وعي وعمد، ليبقى أثره ماثلًا في الأذهان لعقود، محققًا لها أكبر قدر من الاستقرار والطاعة بين المحكومين.

عدد المشاهدات 172

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top