طباعة

    «الشيخوخة» في القرن الحادي والعشرين

09:57 10 ديسمبر 2017 الكاتب :   لندن: د. أحمد عيسى

 

من المتوقع أن يرتفع عدد البالغين من العمر 60 عاماً فما فوق إلى ملياري نسمة في الفترة بين عامي 2000 و2050م

تشير التقديرات إلى أنّ 25 - 30 % ممّن يبلغون 85 عاماً أو أكثر يعانون من تدهور القدرات المعرفية

الإسلام جعل احترام الكبير نوعاً من أنواع إجلال الله وتعظيمه

بعض المسنّين ممّن تبلغ أعمارهم 80 عاماً قد يتمتعون بقدرات بدنية وعقلية مماثلة لتلك التي يتمتع بها الكثيرون من الشباب

يعيش الناس أطول، وتزداد نسبتهم في العالم، فهل سيضفي ذلك على العالم خبرة وحكمة، أم خرفاً وعجزاً؟ هل يتيح العيش لسنوات أطول فرصاً لكبار السن لمتابعة أنشطة جديدة، ومواصلة التعلم، والعمل على تقديم إسهامات قيّمة للأسرة والمجتمع، أم سيؤدي إلى إساءة المعاملة والتمييز ضدهم؟

حين يوهن العظم مني ويشتعل الرأس شيباً؛ هل سأجد من يحترمني ويوقرني، ويكرم شيبتي ويسد نقصي؟ هل يكون حولي من يأخذ بيدي الضعيفة، ويقبل جبهتي المجعدة؟ أم تراني سأُهمَل كقطعة الأثاث البالية، أو سأُرمَى كحبة الفاكهة الفاسدة؟ هل سيكون حولي أولادي وأحفادي وأولاد أحفادي، يمسحون دمعتي، ويرفعون رأسي، ويقدرون خبرتي، ويخففون مرضي ويؤنسون وحدتي؟

ستشهد نسبة سكان العالم الذين تتجاوز أعمارهم 60 عاماً، في الفترة بين عامي 2000 و2050م، زيادة بنسبة الضعف، أي من 11 - 22%، ومن المتوقع، كما أعلنت منظمة الصحة العالمية(1)، على مدى الفترة ذاتها، أن يرتفع العدد المطلق للأشخاص البالغين من العمر 60 عاماً فما فوق إلى ملياري نسمة، وسيشهد العالم، أكثر من أي وقت مضى، مزيداً من الأشخاص الذين يعيشون حتى يبلغوا سن الثمانين أو التسعين، فالبالغون من العمر 80 عاماً أو أكثر سيزدادون بنسبة تناهز أربعة أضعاف، مقارنة بعام 2000م، ليبلغ 395 مليون نسمة بحلول عام 2050م، ولا توجد أي سابقة في التاريخ عن وجود بالغين في متوسط العمر أو مسنين لهم آباء على قيد الحياة، كما هو اليوم، وسيعرف مزيد من الأطفال أجدادهم وحتى آباء أجدادهم، لا سيما أمهات جداتهم؛ ذلك أنّ النساء يعشن، في المتوسط، 6 - 8 أعوام أكثر من الرجال.

أمراض المسنين

يحمل المسنّون على أكتافهم في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل عبء أمراض أثقل ممّا يحمله أقرانهم في بلدان العالم الغني، وأمراض القلب والسكتة الدماغية وأمراض الرئة المزمنة هي من أكبر الأمراض التي تحصد أرواح المسنّين بصرف النظر عن المكان الذي يعيشون فيه، أما أعظم أسباب إصابتهم بالعجز فهي العاهات الحسية وآلام الظهر والرقبة ومرض الانسداد الرئوي المزمن (وخصوصاً في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل)، والاضطرابات الناجمة عن الاكتئاب وحالات السقوط وداء السكري والخرف والتهاب المفاصل.

مخاطر الزهايمر

سيشهد العالم زيادة هائلة في عدد المصابين بأشكال الخرف، مثل داء الزهايمر، لأنّ الناس باتوا يعمّرون مدة أطول تزيد مخاطر الإصابة بأشكال الخرف، والتقديرات تشير إلى أنّ 25 - 30% ممّن يبلغون 85 عاماً أو أكثر يعانون من شكل من أشكال تدهور القدرات المعرفية، ولا يستفيد المسنون المصابون بالخرف في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، عموماً، من خدمات الرعاية الصحية الطويلة الأجل، ولا تتلقى أسر هؤلاء الأشخاص الدعم المالي اللازم من السلطات العمومية لمساعدتهم على توفير الرعاية المناسبة في البيت.

كسر الصور النمطية

في القرن الحادي والعشرين لا بدّ للمجتمع من كسر الصور النمطية الخاصة بالمسنين، واستحداث نماذج جديدة في مجال الشيخوخة حتى يمكن لكل فرد الاستفادة من المجتمعات المحلية وأماكن العمل والمجتمعات التي تشجّع مشاركة المسنين على نحو نشط وظاهر، ويتيح العمر لسنوات أطول فرصاً لمتابعة أنشطة جديدة، على أن نطاق هذه الفرص يعتمد بشكل كبير على عامل الصحة، وترتبط الشيخوخة البيولوجية ارتباطاً فضفاضاً بعمر الشخص المحسوب بالسنوات، إذ قد يتمتع بعض المسنّين ممّن تبلغ أعمارهم 80 عاماً بقدرات بدنية وعقلية مماثلة لتلك التي يتمتع بها الكثيرون من الشباب، فيما يشهد آخرون من المسنّين تدهوراً في تلك القدرات عند بلوغهم عمراً أصغر من ذلك بكثير.

التمييز ضد المسنّين

قد يكون الآن التمييز ضد المسنّين أكثر انتشاراً من التمييز على أساس الجنس أو العنصرية، ويخلّف التمييز ضد أي شخص على أساس سنّه عواقب وخيمة على المسنّين والمجتمعات بشكل عام، ويتخذ هذا التمييز أشكالاً عديدة، منها المواقف المتحيزة أو الممارسات التمييزية أو السياسات التي تديم معتقدات تمييزية ضد المسنّين، وبمقدور هذا التمييز أن يعيق عملية وضع السياسات السليمة، ويقوّض بشكل كبير نوعية ما يحصل عليه المسنّون من خدمات الرعاية الصحية والاجتماعية.

الرعاية والإنفاق

ومع أنه غالباً ما يُنظر إلى نفقات رعاية المسنّين صحياً واجتماعياً على أنها تكاليف يتكبدها المجتمع، فإنه ينبغي أن تُفهم على أنها استثمارات موظفة في مجال إتاحة الفرصة أمام المسنّين، وتمكينهم من مواصلة تقديم الكثير من الإسهامات الإيجابية، ومعظم النظم الصحية الموجودة في أنحاء العالم أجمع قاصرة من حيث الاستعداد لتلبية احتياجات المسنّين الذين يعانون غالباً من عدة حالات صحية مزمنة أو من متلازمات الشيخوخة، إذ يجب أن تكون تلك النظم قادرة على تقديم خدمات رعاية متكاملة تتمحور حول المسنّين وتركز على صون قدرات الفرد لدى تقدمه في السن، وكذلك إنشاء شبكة أمان طويلة الأمد للفئات الأكثر ضعفاً لإقامة نظام أوسع نطاقاً يعظّم قدرة المسنّ الوظيفية، ويصون استقلاليته وكرامته، فمن المُتوقع بحلول عام 2050م أن يتضاعف عدد المسنّين في البلدان النامية ممّن يحتاجون إلى المساعدة على أدائهم لأنشطتهم في حياتهم اليومية إلى أربعة أمثال.

التحوّل الديمجرافي

وهناك صلة وثيقة بين تشيّخ السكان والتنمية الاقتصادية، وفي حين كانت المناطق المتقدمة حالياً مثل أوروبا واليابان وأمريكا الشمالية أوّل من شهد هذا التحوّل الديمجرافي، فإنّ البلدان الأقلّ تقدماً منها هي التي تشهد الآن أكبر تحوّل ديمجرافي؛ فبحلول عام 2050م سيعيش 80% من المسنين فيما يُعرف حالياً بالبلدان المنخفضة الدخل والبلدان المتوسطة الدخل، والأهمّ من ذلك هو أنّ تشيّخ السكان في تلك البلدان يحدث بوتيرة أسرع كثيراً من الوتيرة التي تم بها في بلدان العالم المتقدمة حالياً، وهذا يعني أنّ الفرصة أوجز للاستعداد لهذه الظاهرة.

أخطار إساءة المعاملة

لقد شهد 4 - 6% من المسنين في البلدان المتقدمة شكلاً من أشكال إساءة المعاملة في البيت، ومن الأفعال المسيئة التي تُسجّل في المؤسسات تقييد المرضى جسدياً، وحرمانهم من الكرامة (بتركهم، مثلاً، في ملابس متسخة)، والنزوع، عن قصد، إلى عدم توفير الرعاية الكاملة لهم (كتركهم حتى يُصابون بقروح الضغط)، وتؤدي إساءة المعاملة إلى تعرّضهم لإصابات جسدية وخيمة وآثار نفسية طويلة الأجل.

جرائم بحق المسنين

يمثّل إيذاء المسنين بأي عمل، أو امتناع عن اتخاذ الإجراء المناسب، يحدث ضمن أي علاقة يُتوقع أن تسودها الثقة ممّا يتسبّب في إلحاق ضرر أو كرب بالشخص المسن، ويشكّل هذا النوع من العنف انتهاكاً لحقوق الإنسان، ويشمل الإيذاء الجسدي والجنسي والنفسي والعاطفي والمالي والمادي، والهجر، والإهمال، وفقدان الكرامة والاحترام بشكل كبير، وغالباً ما يبدي المسنون بعض الخوف في إبلاغ أسرهم أو أصدقائهم أو السلطات بما يتعرّضون له من ضروب الإيذاء، من أسباب ذلك: تصوير الشخص المسن كشخص ضعيف وهشّ لا يمكنه الاعتماد على نفسه، وتآكل الروابط القائمة بين أجيال الأسرة، وهضم حق الميراث والحقوق المالية، وكذلك هجرة الشباب وتركهم آباءهم المسنين وحدهم في المجتمعات التي كان الأبناء يعتنون فيها، تقليدياً، بآبائهم المسنين، وانعدام الأموال اللازمة لدفع تكاليف الرعاية.

المشكلة في المؤسسات

ومن الملاحظ أيضاً شحّ البيانات الخاصة بحجم المشكلة في مؤسسات مثل المستشفيات أو دور رعاية المسنين أو غيرها من مرافق الرعاية الطويلة الأجل، ولكن يرجح أن المشكلة مرتفعة، يرجع هذا إلى إسهام السياسات في خدمة مصالح المؤسسة بدلاً من مصالح المسنين المقيمين فيها، وتدني معايير الرعاية الصحية وخدمات الرعاية العامة ومرافق الرعاية الخاصة بالمسنين، ونقص تدريب العاملين وانخفاض أجورهم وزيادة أعبائهم، وقد بدا ذلك من مسح أجري بين العاملين في دور رعاية المسنين في الولايات المتحدة الأمريكية: شهد 36% منهم، العام السابق عن المسح، حادثاً واحداً على الأقل من حوادث الإيذاء الجسدي الموجه ضدّ المرضى المسنين؛ ارتكب 10% منهم عملاً واحداً على الأقل من أعمال الإيذاء الجنسي الموجهة ضدّ المرضى المسنين؛ اعترف 40% منهم أنّهم يمارسون الإيذاء النفسي تجاه المرضى(2).

عناية الإسلام للشيخ الكبير

في الإسلام نجد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منَّا من لم يوقِّر كبيرَنا، ويرحَم صغيرَنا» (رواه أحمد وصححه ابن حبان)، وقد جعل الإسلام احترام الكبير نوعاً من أنواع إجلال الله وتعظيمه، فقال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ مِن إجلالِ الله إكرامَ ذي الشَّيبةِ من المسلمين، وحامِلِ القرآن غيرِ الغالي فيه والجافي عنه، وذي السلطانِ المقسِط» (رواه أبو داود، وحسَّنه الألباني).

ويقول الشيخ الشنقيطي في تفسير آية سورة «النحل» (وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ {70}) (النحل): يبين الله سبحانه أن من الناس من يموت قبل بلوغ أرذل العمر، ومنهم من يعمر حتى يرد إلى أرذل العمر؛ وأرذل العمر آخره الذي تفسد فيه الحواس، ويختل فيه النطق والفكر، وجاء في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو: «أعوذ بالله من البخل والكسل، وأرذل العمر، وعذاب القبر، وفتنة الدجال، وفتنة المحيا والممات».

وعن علي رضي الله عنه؛ أن أرذل العمر 75 سنة، وعن قتادة 90 سنة، والظاهر أنه لا تحديد له بالسنين، وإنما هو باعتبار تفاوت حال الأشخاص، فقد يكون ابن 75 أضعف بدناً وعقلاً، وأشد خرفاً من آخر ابن 90 سنة، وقال بعض العلماء: إن العلماء العاملين لا ينالهم هذا الخرف وضياع العلم والعقل من شدة الكبر، ويستروح لهذا المعنى من بعض التفسيرات في قوله: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ {5} إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) (التين)(3).

لسنا في الوطن العربي والإسلامي ببعيدين عن هذه الأرقام الممزوجة بالألم، وإن كان من استعداد لها من الشباب، مع رعاية الكبار، فهو أن يتذكروا قول النبي صلى الله عليه وسلم «اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك..»؛ ليسارعوا للعمل الصالح، أما المجتمعات والحكومات فعليهم ألا يهمشوا الكبار ويوفروا لهم سبل الرعاية، ففي بريطانيا مثلاً يقدم الدواء بالمجان لمن بلغ الستين مهما كان دخله، أما نحن الشيوخ فلنبدأ حياة جديدة بعد التقاعد يملؤها، على قدر الإمكان، العمل والنشاط والعبادة واستثمار تجارب الحياة وخبرة العمر، ونبشرهم بحديث رواه الترمذي بإسناد حسن صحيح بأن رجلاً قال: يا رسول الله، أي الناس خير؟ قال: «من طال عمره وحسن عمله..».>

الهوامش

(1) التقرير العالمي حول التشيخ والصحة، منظمة الصحة العالمية 2015م.

http://www.who.int/ageing/publications/world-report-2015/ar/

(2) اليوم العالمي للتوعية بشأن إساءة معاملة المسنين، الأمم المتحدة 2012م.

http://www.un.org/ar/events/elderabuse/background.shtml

(3) أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، الشيخ محمد الأمين الشنقيطي.

عدد المشاهدات 638