تمثل خافق الأمة ومشروعها الحضاري (1 - 2)
القدس منعطف وجودي للأمة

11:59 06 فبراير 2018 الكاتب :   *أ‌.د. حسان عبدالله

 

المدخل السنني في فهم الأزمة الحضارية من أهم أصول النظر الاستشرافي للمشروع الحضاري العربي الإسلامي

أي عمل إصلاحي لا بد أن يكون رأسه إنهاء الاحتلال الصهيوني للأرض والعقل والوجدان المسلم

خارطة تحرر الأمة تتسع بقدر تنوعها وتمددها الداخلي والخارجي ومسؤولياتها البلاغية والشهودية

الأمة هي طرف الخير في سُنة التدافع وهي طرف النفع الباقي إذا قاومت الزَّبد

من المنطلقات الضرورية لخارطة المقاومة أن قوة أعدائنا يعود جانب كبير منها لضعفنا الذاتي

قضية القدس ليست سياسية أو عربية وإنما هي إسلامية تنطلق من الإيمان بقداسة المكان

 

 

تمر الأمم بمنعطفات تاريخية تؤثر في مصيرها ووجودها، ومن أهم المنعطفات في تاريخ الأمة الإسلامية ثلاثية لا يمكن فك الارتباط بينها؛ القدس.. الأقصى.. فلسطين، وبين حالة الأمة ارتفاعاً وهبوطاً، صعوداً ونزولاً في موقعها على خارطة الحضارة الإنسانية، ومؤشراً مركزياً لحيوية الأمة في الوجود الإنساني، وإدراكاً لقيامها برسالتها وأداء «البلاغ المبين» للإنسانية، فقد ارتبطت هذه الثلاثة بمصير الأمة منذ فتحها عمر بن الخطاب (16هـ/ 636م)، ثم بإعادة تحريرها من أيدي الصليبيين (583هـ/ 1187م)، ثم وقوعها تحت الاحتلال الصهيوني منذ عام 1948م، وهذا الاحتلال كان بعد حوالي عشرين عاماً من سقوط الخلافة العثمانية.

ودخلت الأمة في منعطف التراجع والانهيار الداخلي والخارجي حتى بدايات القرن الحادي والعشرين، إلا أنها لم تستسلم بكاملها لهذا التراجع والانهيار، فظهرت جماعات مقاومة لهما، حاولت أن تغرس بذور النهوض من جديد، وتؤسس لطلائع الإنقاذ لها.

الفهم السنني لحالة الأمة:

البحث في فهم حالة الأمة في ضوء رهانية القدس جزء من الحل والتصور لها فرع من الحكم عليها وعلى طبيعتها، وقد وقع العقل المسلم إبان أزمته الحضارية في تصورين متضادين:

الأول: ينزع إلى فكرة الجبرية التي تعني الاعتقاد بأن ما وصل إليه المسلمون هو أمر مقدر تسقط معه المسؤولية الفردية والجماعية، وأن رفعه أيضاً مقدر ينتفي معه العمل الفردي والجماعي لتغييره وتبديله.

الثاني: يقوم على الوعي بأن التراجع الحضاري وما شهدته الحضارة الإسلامية –بصفة عامة- من تراجع تجلى بصورة بالغة الوضوح في سقوط الخلافة الإسلامية عام 1924م –بصفة خاصة- إنما تقدر مسؤوليته على المسلمين والقصور الداخلي على عدة مستويات، أهمها البعد الديني والتفريط في صحيح فهم الدين، والجمود والغفلة عن سنن التطور والتغيير.

وهنا يتجلى المدخل السنني في فهم الأزمة الذي يتجلى معه الحل أيضاً.

تبدو أهمية المدخل السنني -أيضاً- في فهم الأزمة الحضارية لأنه من أهم أصول النظر الاستشرافي للمشروع الحضاري العربي الإسلامي، ويعني تعلم فعل السُّنة والسُّنة الإلهية التي تؤصل قواعد وقوانين ونواميس تحكم الحركة والممارسة في عالم التاريخ، والأنفس والاجتماع، وقبل هذا كله التعلم على النواميس التي تتعلق بالحركة الكونية، والنظر السنني يحمل في مكنوناته نظراً استشرافياً وإمكانات مستقبلية في تشكيل الوعي وحركة السعي، السنن تنساب ضمن حركات الزمن وترابطها؛ الحاضر والماضي والمستقبل، وتربط فيما بينها ربطاً محكماً، وحركات المجالات؛ الكون والتاريخ والنفس والاجتماع، لتؤكد بذلك نظراً استشرافياً محكوماً بالقوانين والسنن(1).

ومن ناحية أخرى، يقوم المدخل السنني على مبدأين قرآنيين أساسيين، هما(2): مبدأ “السعي” (وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى {39}) (النجم)، والمسؤولية:= (فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ {30}) (الشورى)، فعين العبرة على الحدث الذي وقع تجعل الفرد أو الجماعة أو الأمة في حالة عبور مستمر من الحدث الذي وقع إلى استشراف لمستقبل يتحرك صوب إمكانات التغيير وحركته الفاعلة، وإمكانات التدبر لتشكيل حركة المستقبل من دون منافاة للإيمان بالغيب (ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الْأَوْفَى {41}) (النجم).

إنها حركة مستمرة لمصلحة النظر والفعل المستقبليين لا التوقف الأسير للحدث فيتحكم به الحدث، لا يتحكم هو به وفق منظور التعرف على الأسباب والوعي بالسُّنة والتقاط العبرة وبما يشكل ذلك منظومة متكاملة للدافعية للحركة نحو المستقبل، والبحث عن مناط الفاعلية فكراً وممارسة لصياغة المستقبل، وفي كل الأحوال لا بد أن يتعرف على الحركة السننية الحاكمة: (قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ) (آل عمران: 165). 

إن المدخل السنني لفهم الأزمة الحضارية التي تحياها الأمة ينفي فكرة الجبر التي ترى أن الإنسان ليس حراً في الوجود، وبالتالي ليس له فعالية حقيقية في الحياة، وأن كل شيء يقوم به مفروض عليه بقوة غيبية لا يدركها ولا يحسها، والحق أن الإنسان لا يقدر على فعل شيء ضد مشيئة الله، والله ذاته شاء أن يمنح الإنسان قدراً من الحرية في الاختيار والقدرة في السلوك والعمل ليدبر شؤونه، ولعل دليلنا على هذا هو إحساس الإنسان في ذاته أنه حر يستطيع فعل ما يشاء وترك ما يشاء متى أراد وكيف أراد، دون جبر داخلي أو قهر خارجي صادر عن غيره، ولذا كان الإنسان مسؤولاً مسؤولية كلية عن حياته في حاضره ومستقبله أمام الناس وأمام الله في الدنيا والآخرة(3).

وعلى هذا، فالأمة لا بد أن تشعر بمسؤوليتها تجاه تلك الثلاثية الارتهانية بحالتها وحيويتها الحضارية (القدس، والأقصى، وفلسطين)، والأمة هنا بمستوياتها وفئاتها (على المستوى الفردي، والمستوى الأسري، ومستوى المؤسسات على اختلاف نشاطها ومستوى الأنظمة والحكومات، وكل وحدات الأمة متناهية الصغر والكبر على السواء)، وذلك لأن رهانية القدس هي رهانية الأمة بامتياز، في وجودها وفي مصيرها، وأن أي عمل إصلاحي لا بد أن يكون رأسه إنهاء الاحتلال الصهيوني للأرض والعقل والوجدان المسلم، وتحقيق التحرر والحرية لهم.

فأزمة الأمة ليست في الغيب، وإنما في واقعها وحضورها وشهودها، وليست في الأقدار الغائبة، وإنما في الأعمال الظاهرة والمادية والمحسوسة، ومن واقعية المسؤولية الحضارية والشرعية لا من عقيدة الجبرية والتواكلية القاهرة لحركة الأمة ونشاطها الحضاري والوجودي.                          

خارطة لبعث المقاومة من أجل التحرر والحرية:

تتسع خارطة بعث المقاومة في الأمة من أجل القدس، بل من أجل تحرر الأمة كلها وحريتها؛ أرضاً ووجداناً وعقلاً وروحاً، وسُنة وقرآناً، تتسع بقدر تنوع الأمة وتمددها الداخلي والخارجي، وبقدر مسؤولياتها البلاغية والشهودية على الناس، هذه المسؤولية التي لا تسقط عن الأمة إلى يوم الحق، وبتنوع مفهوم المقاومة ذاته ومستوياته الذي يبدأ بالفكرة المقاوِمة إلى السلاح المقاوِم، وهذا الاتساع يبرز لنا أن فكرة المقاومة فكرة شاملة وحضارية وفكرة منظومة (أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) (سبأ: 46)، تبدأ مع القيمة وتصل إلى الحركة مروراً بالاعتقاد الوجداني الراسخ بمفاهيم العدالة والحرية والعزة والكرامة، وصولاً إلى تحقق الاستقلال العلمي والتكنولوجي وتحرير القدس وكل قدس في الأمة ما زال محتلاً بأشكال الاحتلال المختلفة.

خط الوجدان في الأمة:

من أهم معالم خارطة المقاومة في الأمة إعادة تأسيس خط الوجدان فيها ليبدأ ليتوافق مع بعثها الجديد نحو الحرية والتحرر والتحرير وبدلاً من «أ.ب.ت»، تكون «ق.د.س - ق.ا.و.م»، فهذه التشكلات الجديدة نافذة في عمق الأمة وتمتلك من الدلالات ما يعضدها في الوجدان، فالقدس من الطهارة والتطهير الإلهي لنفوسنا (رُوحُ الْقُدُسِ) (النحل: 102)، والبيت المقدس هو المطهر من النجاسة، أي الشرك وكذلك الأرض المقدسة، و»القدس» بيت المقدس المطهرة من قِبل الله، وكل ما يطرأ عليها من شرك ودناسة هو أمر عارض في مسيرتها التاريخية والحضارية، تتحمل الأمة رفعه عنها لتعيده إلى أصله الإلهي من الطهارة والتزكية، وأن تدافع الشر مهما كان، فالأمة هي طرف الخير في سنة التدافع والدفع (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ) (الحج: 40)، وهي طرف النفع الباقي في الأرض إذا هي قاومت الزبد كل الزبد وطاردته، وأظهرت للناس كل الناس زيف هذا الزبد وخداعه وادعاءاته الباطلة، وهذا لن يكون إلا باقتناص الأمة الإرادة من قلب الوهن، والقوة من قلب الضعف، والشجاعة من قلب الجبن.

منطلقات خارطة المقاومة:

لكل بعث جديد أو تجديد للبعث منطلقات لا بد أن تعيها تلك الحركة، ومن هذه المنطلقات الضرورية لخارطة المقاومة في الأمة من أجل معركة التحرير والتحرر والتطهير الشامل، أن قوة أعدائنا وتحديداً العدو الصهيوني جانب كبير منها لضعفنا الذاتي، وهذا الضعف مكن العدو من الأمة بأقل جهد منه وأضعف قوة، ومن ذلك ما اخترعناه من تضخيم للعدو الصهيوني تماهيًا مع نظرية المؤامرة وكونيتها علينا، فكان القعود لتدخل القوة الأكبر في الكون من أجل إزاحة هذا العدو الأكبر على الأرض، فاكتسب العدو معارك بلا خوض للمعركة ولا خسائر بالطبع.

كما أنها تبرر للمتقاعسين والمتخاذلين والناكثين والمارقين مواقفهم من القدس، والأقصى، وفلسطين، إلا أن مبررهم ليس حجة مطلقاً، فالانتفاضات الفلسطينية بدءاً من عام 1987م انتفاضة الحجارة، وصولًا بانتفاضة السكين في عام 2017م، مروراً بانتفاضة عام 2000م، وانتصار المقاومة في لبنان وتحرير الجنوب اللبناني في عام 2006م، والخسائر الاقتصادية التي تكبدها العدو من ناحية، والقدرات التي أثبتتها المقاومة في اختراق حصون العدو الصهيوني وأسر عدد من الجنود والدخول في مفاوضات لتحرير أسرى المقاومة، يبين هشاشة تضخم فكرة المؤامرة الكونية وعظمة العدو الذي يقف وراءه العالم!

والمنطلق الثاني في هذا الطرح أسلمة القضية وتصويب مسارها النفسي للمسلم، فهذه ليست قضية سياسية أو عربية، وإنما هي قضية إسلامية تنطلق من الإيمان بقداسة المكان (القدس) ورمزيته الروحية والإيمانية والتاريخية، وأن تلك القضية يتحدد في ضوئها هوية المسلم وهوية الأمة ووجودهما، وهما (أي: القدس، والأقصى، وفلسطين) لا ينفصلان بشكل من الأشكال عن مكة والمدينة، فهم جميعاً يشكلون عبقرية التركيب الإيماني وجوهر الهوية للمسلم.

والمنطلق الثالث في هذه خارطة «المقاومة» الجديدة للأمة، هو أن الأمة ليست مسؤولة عن نفسها فقط، ولكنها مسؤولة عن «البلاغ المبين» لكل الناس، وكيف لهذه الأمة أن تبلغ البلاغ المبين وهي مكبلة بذلك الاحتلال، وبكل هذا التهويد والتصهين للأرض والعقل والوجدان، فالعقبة الكبرى التي يجب أن تتجاوزها الأمة كي تقوم بدورها الشهودي (لِتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ) (البقرة: 143)، هي هذه العقبة الكؤود التي أوقفت نهضتها وحركتها والقيام من كبوتها التي وقعت فيها بفعل السنن، حيث تم زراعة العدو الصهيوني في قلب الأمة في ذلك الوقت التي بدأت أفكار فيها في التمدد الأفقي، فنبت ذلك الغرس وأينع شراً داخل الأمة، فمنعها من أداء رسالتها للناس، فكيف للمريض أن يعالج مريض؟

 فعلى الأمة أن تشفى أولاً من مرضها العضال، وتتخلص من هذا الغرس الضال كي تتمكن من القيام بوظيفة الاستخلاف وأداء أمانة التكليف.

 

*أستاذ أصول التربية المساعد بكلية التربية النوعية - مصر   

الهوامش

(1) سيف الدين عبد الفتاح: المشروع الحضاري الإسلامي.. سيرة ومسيرة، ص 76.

(2) المرجع نفسه، ص 78.

(3) محمد هيشور: سنن القرآن في قيام الحضارات وسقوطها، ص 316.

  • عنوان تمهيدي: تمثل خافق الأمة ومشروعها الحضاري (1 - 2)
عدد المشاهدات 431

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top