القدس خافق الأمة ومشروعها الحضاري.. مسارات العمل في خارطة المقاومة

09:14 10 مارس 2018 الكاتب :   أ.د. حسان عبدالله حسان(*)

 

- القرآن لا يمكن تجاوزه في أي حركة منبعثة بالأمة تسعى إلى استعادة وجودها

- المناخ التربوي المدرسي أسهم في غرس قيم الاستسلام والخضوع التي غُذيت بها الشخصية العربية

- المجتمع المتحلل من صور التماسك وقيم التواصل لا يستطيع أن يقوم لله جماعة ولا أفراداً

- مشروع المقاومة هو الأساس الروحي الذي يمكن أن يستعيد المجتمع المسلم شبكة علاقاته الاجتماعية عليه حالياً

- رغم مرور قرن على «وعد بلفور» لم تتأسس مؤسسات استشرافية خاصة بالصراع الصهيوني الإسلامي

- الأمة ليست في حاجة إلى من يذكرها بمناسبات الهزائم ولكنها بحاجة إلى من يضع مشروعاً نهضوياً للمقاومة

- لن يستطيع العرب والمسلمون العيش في «أيام الله» إلا بالإعداد لجيل يحمل «وعد الآخرة»

 

 

يتمركز العمل والتشغيل في خارطة المقاومة بالأمة ودحر العدوان الصهيوني والتمكن من تحقيق التحرر والحرية والاستقلال، في عدة مسارات، هي: مسار البناء التربوي والنفسي للأمة، والمسار الاجتماعي والثقافي، والمسار النخبوي والمؤسساتي المدني، وهذه المسارات نقاط تجمع تكتمل عندها الأمة بعد أن فقدت مفهوم «الدولة الجامعة» ودورها الرشيد والفاعل.

البناء التربوي والوجداني للشخصية المُقَاوِمة:

القرآن والأسرة المسلمة هما خطا البناء التربوي والوجداني الأول لمشروع «المقاومة الجديد»؛ فالنظم التعليمية العربية أثبتت بعد كل هذه العقود من تمدد الكيان الصهيوني في جسد الأمة وتغلغله في مفاهيمها ونظمها التربوية، أنها نظام غير أمين وغير جدير بالاعتماد عليه في بناء شخصية مقاومة للاحتلال الصهيوني والبديل الأنجع في ذلك، والأكثر نفعاً، فالقرآن لا يمكن تجاوزه في أي حركة منبعثة في الأمة تسعى إلى استعادة وجودها، فضلاً على أن تكون تلك الحركة حركة تحرير الأمة وتحررها، واستعادة طهارتها وتزكية أرضها ونفسها.

ولأن المشروع الصهيوني أدرك منذ البدء أن وجوده على الأرض لا يستلزم سلاحاً مادياً، لكن يستلزم فقط «المدفع والطائرة»، وتهيئة العقل العربي الإسلامي والوجدان ليقبل بهذا الوجود ويباركه، أخذت حركة التطبيع في التوسع، حيث بدأت بـ»كامب ديفيد» (1979م)، مروراً بـ»أوسلو» (1993م)، إلى جني الثمار وإعلان «ترمب» (ديسمبر 2017م) بإنهاء الوجود الفلسطيني من القدس المحتلة بإعلانه القدس عاصمة الكيان الصهيوني، والاعتزام على تنفيذه في ظل ترحيب باطني عربي وعلني في بعض الأحيان، وصمت أقرب إلى المباركة لهذا الإعلان.

لقد استطاعت النظم التعليمية العربية تمييع قضية القدس والأقصى وفلسطين تحت الترويج لمفهوم السلام في مقابل توطين مفهوم «القوة» في النظام التعليمي الصهيوني، و»الصراع» و»العنف» في مواجهة العرب والمسلمين، وهو ما أنتج لدينا شخصيات لا تعتقد في فكرة المقاومة، لأنها لم تتأسس، ولم تنشأ تربوياً ووجدانياً على فكرة المقاومة وقيمتها بصورتها الشاملة والحضارية.

الحل الذي نراه هو البناء التربوي والوجداني للشخصية المسلمة من خلال التعليم المنزلي (البيوتات التربوية) بعيداً عن المناخ التربوي المدرسي النظامي الذي أسهم بشكل واضح في غرس قيم الاستسلام والخضوع التي غُذيت بها الشخصية العربية خاصة خلال الثلث الأخير من القرن العشرين وحتى العقد الثاني من القرن الحالي، ينبغي أن يحل القرآن مركزاً في هذا النظام التعليمي المنزلي، ومحوراً لبناء مفاهيم المقاومة، وذلك من خلال أن يشغل القرآن مساحة رئيسة في حياة الطفل، وأن تقرب له مفاهيم وقيم: الحرية والتحرر، والكرامة والقداسة، والحرام، والولاء والبراء، والعداوة والصداقة، والشهادة، والجهاد، ورمزيات المكان والزمان في القرآن للمسلم، ومكانتهما في بناء الهوية في ضوء المتغيرات الراهنة وفي ضوء مركزية مشروع المقاومة الراهن.

إن التربويين –في الأمة- مدعوون اليوم أكثر من أي وقت مضى لأن يؤصلوا لهذا النوع من التعليم (التنشئة القرآنية المنزلية لمشروع المقاومة الراهن)، وطرح كليات وقواعد يمكن البناء عليها لمشروع قرآني للمقاومة من خلال التنشئة الأسرية، التي هي مفصل رئيس في التنشئة الحيوية للأمة، التي تدور عليها باقي المفاصل، بل يجب أن تقوم التنشئة الأسرية بدور المصفاة لما يقدم للنشء المسلم في الدوائر الأخرى التي خانت قضاياه في الإعلام والجامعة وغيرهما.

إن التنشئة الأسرية –ذلك المفصل الحيوي في البناء التربوي والوجداني- هي مدار بناء الأمة، التي تختلف في تفاصيل نشأتها عن الدولة القُطرية التي خلفها الاستعمار، فالأمة تدور حول محورية التوحيد، وتمتد في تجسدها لكيان الأمة العربية والإسلامية، فتنقل الأسرة تلك الوِحدة الأم في النظام التربوي شعور الوعي الجماعي بالأمة إلى اللاشعور الجماعي أيضاً، ومن ثم يكون التوحيد والأمة من متطلبات مشروع المقاومة في الأمة وتجديده في ضوء الوضع الراهن، فالأمة والتوحيد مفهومان جاذبان لكل أقطاب مفهوم الأمة ومكوناتها، والمقاومة في ضرورتها الراهنة هي موضوع الحركة لكل تلك الأقطاب.

إن الأمة في حاجة إلى التماسك من أجل الوَحدة الجامعة، والمقاومة هي المفاعل الاستقطابي الذي ينبغي أن تعمل لأجله التنشئة السرية الحيوية الحضارية.

المسار الاجتماعي والثقافي في المقاومة:

لا يمكن لمجتمع متخلل في بنيته الذاتية أن ينجح له مشروع للمقاومة، بل أن مشروع وجوده ومصيره يهتزان في ضوء هذا الخلل الذي يصيب بناءه الاجتماعي، ولعل حالة المجتمع العربي والإسلامي تشير إلى هذا الخلل بوضوح الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مجتمع الغثاء «ولكنكم غثاء»، فهذا المجتمع المتحلل من كل صور التماسك وقيم التواصل والانسجام النفسي والثقافي، لا يستطيع أن يقوم لله جماعة ولا أفراداً، وهذا القيام هو جوهر مشروع المقاومة، من أجل تحرير الأرض والإنسان (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا) (سبأ: 46)، وهنا تبدو الأهمية الحضارية والوجودية معاً لبناء مشروع المقاومة في ظل متطلب شبكة علاقات اجتماعية قوية ومتماسكة، مجتمع الحجر الواحد مجتمع البنيان المرصوص؛ (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ {4}) (الصف)، وقوله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» (أخرجه البخاري). 

إن الأساس الروحي الذي يمكن أن يستعيد المجتمع المسلم شبكة علاقاته الاجتماعية عليه في الوقت الراهن هو مشروع «المقاومة»، لا باعتبارها مشروعاً مادياً صرفاً لهزيمة الاحتلال ودحر الكيان الصهيوني من الأرض المقدسة وفقط، بل باعتباره مشروعاً حضارياً شاملاً جامعاً للبعد الثقافي للأمة في أفكارها وقيمها، والتنظيم الاجتماعي في لحمته الفريدة ونظامه الذي يعكس رؤية توحيدية للإنسان ورسالته في الكون، والنظر للإنسان ذاته وكرامته وأخلاقياته، ومركزية قيمة التدافع في تحقيق التوازن الأرضي حتى لا يطغى الشر على حياة الإنسان، وتفسد الحياة، ويفسد الكون، وتفسد النفس، وتغيب العبودية والتقوى وهما غاية الحياة وغاية خلقتها؛ (وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَـكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ {251}) (البقرة).

إن التدافع في مشروع المقاومة الإسلامي كما يطرحه القرآن يضع معنى دفع سواء كان فعلاً أو اسماً في سياق متميز من الردع الهادف، وكما هو الشأن في الطبيعة عند وقوع الزلازل بسبب النشاط الجوفي للأرض الذي تتدافع على أثره الحمم ثم تعود الأمور إلى مجراها الطبيعي(1). 

ومشروع المقاومة هو ميزان الأرض، وكما أنه خافق الأمة وقلبها ومشروعها الحضاري، وهو-أي مشروع المقاومة- أداة التدافع الإلهي في الأرض، والإنسان في هذا البناء الاجتماعي المرصوص يشغل قلب ذلك البناء ومصدر التغيير والدفع والدافعية والتدافع والقيام والمقاومة والتفكر، فلا مجال لبناء مشروع المقاومة أو أي مشروع دون الإنسان، وهذا الفرض الحضاري هو مرتكز القرآن التغييري الذي يقوم على جوهرية فكرية التغيير الذاتي من أجل تحقيق التغيير الحضاري؛ (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: 11)، وعلى مكانة الناس في القيام بالقسط في الأرض؛ (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (الحديد: 25).

إن جماعية الفعل المقاوم وفعل النهضة وفعل التحرير أمر لا مراء فيه، فلا مجال لاستدعاء رمزيات بطولات فردية، فهذا مما تم تصديره خطأ لبعض الشخصيات التاريخية، فإن حركة النهضة الإسلامية، كما كانت حركة الفتوحات وحركات التحرر، كانت جميعها ترتبط بالفعل الجماعي والنهضوي الشامل لهذه الأمة، «لا يوجد الإسلام والقرآن مكان للنظريات التي تفسر التغيير الاجتماعي بالعوامل المادية أو نظريات الشخصيات البارزة، فإن أعظم شخصية إنسانية في نظر الإسلام هي شخصية النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا كان الإسلام يعطي للشخصية هذا الدور باعتباره العامل الرئيس لتغيير المجتمعات والتاريخ، لكان من اللازم أن يعتبر الأنبياء عليهم السلام –وخاصة نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم- هم عامل التغيير والتحول الاجتماعي، ولكن ليس الأمر كذلك، فالقرآن ذكر أوصاف النبي ورسالته والدور الذي يقوم به، وهو أن يقوم بدور المبلغ للرسالة وعليه البلاغ وليس أكثر، فهو مسؤول عن إبلاغ الرسالة، وهو بشير ونذير»(2).

إن المجتمع العربي والإسلامي لا بد أن يتكون لديه شبكة ثقافية واحدة نحو مشروع المقاومة، حتى وإن بدأ بنواة جماعية صغيرة، ثم تمتد ظلالها حتى تستجيب الأمة كلها لفكرة واحدة ونداء واحد، والعمل في ذلك ينبغي أن يبدأ ويبنى على ما تحقق فعل التراكم عليه، أي القيام بتجسدات فكرة المقاومة ومشروعها الحضاري في جماعات ذات عرو صغيرة، فتتمدد وتكثر على غرار المتواليات الهندسية، حتى تتكون قاعدة متماسكة بثقافة ومفاهيم مشروع المقاومة المنشود.

المسار النخبوي والمؤسساتي المدني:

لا تعاني الأمة من نقص في عقول المثقفين والمفكرين والنخب، لكنها تعاني من تحديد المقصد، والمشروع والرؤية، وقد بدأ الاهتمام بثلاثية «القدس والأقصى وفلسطين» متزايداً إبان النكبة الأولى، واتسمت الكتابات -منذ قيام الكيان الصهيوني- بالعاطفة الكبيرة والانفعالية والحماسية، وقد تبنى مركز البحوث العربية (1952م) كثيراً من هذه الكتابات من خلال عقد الندوات وإصدار الكتب، ثم تضاءل الاهتمام بمرور الزمن وضعف دور المركز على الساحة القومية، إلى أن تأسس مركز دراسات الوحدة العربية (1975م) على نخبة من القوميين العرب، وكانت القضية الفلسطينية والاحتلال الصهيوني ضمن أهم اهتماماته.

وتركز اهتمام المركز على تحقيق الوحدة العربية التي مثلت مشروعاً وطنياً في فترة من الفترات تحديداً في بداية الصراعات الصهيونية العربية من عام 1967م حتى «كامب ديفيد» التي شقت العرب إلى نصفين وحطمت مشروع الوحدة، ثم تسلل العرب جميعاً في العقدين الأخيرين إلى منافسة «كامب ديفيد» وتجاوزها بسنوات ضوئية بعيدة، وهو ما تم فيه إعلان موت مشروع الوحدة العربية على أساس قومي بإعلان «ترمب» القدس المحتلة عاصمة الكيان الصهيوني.

والملاحظ الذي نرغب في الإشارة إليه أنه وبعد مرور قرن على «وعد بلفور» المشؤوم (1917م) لم تتأسس في العالم الإسلامي مؤسسات استشرافية خاصة بالصراع الصهيوني - الإسلامي، يكون دورها استشراف المستقبل لذلك الصراع، وبناء جبهات مضادة شعبياً ونخبوياً لمشروع التطبيع، وبناء خارطة للمقاومة في الأمة، وتكوين رأي عام مضاد للكيان الصهيوني يضغط على الحكومات والأنظمة التي قبلت التهويد رسمياً وثقافياً، حتى وصل بعض الرؤساء إلى حالة من التماهي التام مع المشروع الصهيوني ومن دول تزعم تمثيل الإسلام.

إن بناء خارطة جديدة للمقاومة في الأمة في ظل التداعيات الكارثية الجديدة، لا ينبغي أن يكون بعيداً عن المسار البحثي والعلمي، وهنا لا بد أن تستنفر الأمة باحثيها ومؤسساتها المدنية المستقلين عن السلطات والحكومات العربية، من أجل تأسيس مراكز بحثية ودراسات تعتني باستشراف مستقبل المقاومة والتحرير والتحرر من براثن الكيان الصهيوني ومشروعه الاستعماري للأرض والإنسان.

الأمة ليست في حاجة إلى من يذكرها بمناسبات الهزائم، ولكنها بحاجة إلى من يضع مشروعاً نهضوياً للمقاومة يكون مداره الدرس والبحث والعمل الجاد، وتكوين مراكز المقاومة لتحقيق نتاجاته الفكرية والتربوية والثقافية، بمعنى أن يقدم لنا الإجابة عن سؤال اللحظة التاريخية واللحظة الراهنة «ما العمل؟».

نحتاج في تجديد مشروع المقاومة مأسسة للعمل المقاوم، وفقه الواقع واستشراف الواقع القريب والبعيد وطرح سيناريوهات وبدائل لتحقيق الغاية الكبرى وهو مقاومة حضارية شاملة تحرر الأرض والإنسان.

إن العرب والمسلمين لن يستطيعوا أن يعيشوا «أيام الله» مهما كدسوا من بناء، ومهما تمتعوا بمتع زائلة، ومهما ظنوا الأمن في جوار الاحتلال الصهيوني بالاتفاقات التي أبرموها معه، رغم أن الوحي ما فتئ يذكرنا بنقضهم للعهود والمواثيق، والافتئات على الله ذاته، وكيف أنهم ماضون في الإفساد في أرض الله لتحقيق أطماعهم المشوهة.. لن يستطيع العرب والمسلمون العيش في «أيام الله» إلا بالإعداد لجيل يحمل «وعد الآخرة» إلى الأمة ليقيم الحق والقسط في الإنسانية كلها، ويكون شاهداً لا مشهوداً عليه.

والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

الهامشان

(1) منى أبوالفضل: «النظرية الاجتماعية المعاصرة: نحو طرح توحيدي في أصول التنظير ودواعي البديل»، مجلة إسلامية المعرفة، العدد السادس، ص 97.

(2) على شريعتي: منهج التعرف على الإسلام، ص 43.

 

 

(*) أستاذ أصول التربية المساعد بكلية التربية النوعية - مصر

عدد المشاهدات 338

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top