طباعة

    نكتبُ لِنَكون!

19:27 11 أبريل 2018 الكاتب :   نورا عبدالغني عيتاني

إنَّنا لا نبدعُ في الكتابة إلاَّ حين نطلقُ ذواتنا للريحِ ونمضي، ونحرّرُها من ذلك الكرهِ الآسرِ، الذي يمخرُ فيها ليقيّدَ كنهها ويزيّف ماهيتها ويعرقلَ خطاها..

للكرهِ قوّةٌ سالبةٌ طاغية، تسلبُنا السكينة، إشراقةَ النفس، أنشودةَ الوحيِ وقوّةَ الابتكارْ.. تشوّشُ رؤيتنا، تُعمي بصائرَنا، وتسرق منّا صفاء الروح، لتطفئَ شعلةَ الفكرِ وتقطعَ جذوةَ الخيالِ ودفقَ الإلهامِ المستديم.. إنّهُ لا مكانَ للضغينةِ في صدرِ الكاتبِ المتألّقِ المبدعِ الملهَم.. فالكتابةُ فعلُ عطاء، نبضةُ حسّ، همسةُ حبٍّ ولمسةُ حنوّ.. الكتابةُ ضمّةُ المشتاق، أنسُ المغترب، ألفةُ الانطوائيِّ، وحديثُ المنعزلين... الكتابةُ عمليّةُ تكريرٍ وتطهيرٍ وتنقية، تفريغٍ لكلِّ طاقةٍ سلبيّةٍ وكلّ فكرةٍ شائهةٍ سالبةٍ من شأنِها أن تشوّه دواخلنا وتتركَ فيها بقعًا سوداء قانية نمتصُّها لتزفرَنا، وتسلبَ منّا إشراقةَ البراءة وروعةَ البهجةِ وخفّةَ المرحْ.. نحن نكتبُ لنصيرَ أحلى وأنظفَ وأبهى وألطَف.. نكتبُ لنجلوَ دواخلَنا من كلِّ غفلةٍ تكادُ تفتكُ بنا وتجرُّنا خلفَ سرابِ الفراغِ المبهَمِ المتخبّط بذاتهِ، الدائرِ أبدًا حولَ ذاتِه!

نكتبُ لأنّا لا نريدُ لجوفِنا أن يصيرَ باهتًا، ولا أسودَ فاحمًا كالليل، من أثرِ الظلمات المتواليةِ التي مرّت به والتصقت عليه.. نكتبُ لأنّ الكتابةَ فعلٌ مُرادٌ لا إراديٌّ يحتوينا، يزكّي أنفسَنا، يجمّلنا، ويرقّينا، ويخلّصُ قلوبَنا المتعطّشةِ للخيرِ والنقاء من كل دنَسٍ وكدر.. نكتبُ ببساطة لأنّ الكتابةَ شيءٌ جميل، ولا يمكنُ لشيءٍ جميلٍ أن يستوعبَ فكرةَ احتواءِ البشاعةِ ضمنَ أيِّ حدودٍ أو مساحة، إلاّ إذا استيقن أنّهُ ما احتواها سوى لينقّيها ويطردَها إلى الخارج.

نكتبُ لأنّنا محبّون، ولأنّنا لا نرضى لأنفسنا بأن تسقطَ في حفرةٍ من أحفارِ الفرقةِ والضغينةِ والتصارع.. نكتبُ لأنّ الأصحابَ لا يدومون، ولا الأقاربَ ولا الإخوان ولا حتّى الأحباب.. أمّا الكتابة فتدومُ وتدوم، وقد تكونُ هيَ السبب في توطيدِ ودوامِ أبهى وأحلى الصداقاتِ مع مرِّ الأيّام وكرِّ الليالي والأحلام.. وتُواصلُ الكتابةُ المَسير، لتكونَ لنا يومَ القيامةِ شافعًا وحجّةً وسفينة، ننجو بها من الغرق..

بالكتابةِ نحن لا نحتوي البشاعة، بل نشرفُ عليها إشرافًا راقيًا ونبيلا.. نطلُّ عليها من بعيد، إطلالةً مشفقةً حانية، ترقبُ الإصلاحَ وتحملُ بينَ كفّيها لمسةَ الشفاء.. نطلُّ عليها من بعيد لنلقي عليها شيئًا من جمالِ روحنا، وطُهرِ براءتنا، ولمعةِ نقائنا، ودهشةِ الطفولة.. نكتبُ للبشاعةِ لننقّيها ونجمّلَها ونتركَ عليها شيئًا من أرواحِنا الفوّاحةِ الطاهرة النضّاحةِ بالنورِ والإيمان، ثمّ نطيرُ بعدها لنستكملَ رحلةَ السير، بألقٍ وخفّةٍ وشفافية، وبقلبٍ صافٍ برّاق، لا شوائبَ فيه ولا كدر..

نكتبُ لأنّ الوحدةَ راحة، ولأنَّ الكتابةَ هي أرضُ الوحدةِ الساحرةِ التي تبلّغنا هاتيكَ الراحةَ المثاليّة التي نصبو إليها وننشدُها أبدَ الدهر، بعيدًا عن الأرضِ والناس.. ليسَ لأنّنا نكرهُ الناس ونتسامى بأنفسِنا عنهم، على العكسِ تمامًا؛ بل لأنّنا نحبّهم، ونحبّ لهم الخير، وننشدُ راحتهم وسكونهم، ونتمنّى؛ بل ونسعى إلى أن نلقاهم على الأرضِ اليومَ، وغدًا في السماء بأفضلِ حالٍ بمقدورِنا أن نلقاهم به.. وبالكتابةِ فقط نحنُ نستطيع أن نكون أفضلَ ما نكون..

الكتابةُ علاجٌ ونسيان، عمليّةُ غسيلٍ للقلبِ والخاطرة، إعادةُ تجديدٍ لشريحةِ الذاكرة.. بترٌ لكلّ عضوٍ تالفٍ ومريضٍ لا يُرجى شفاؤه.. كيٌّ للدماملِ والأحقادِ والأجسامِ الغريبةِ المستهجنة التي تحاربُ مناعتنا وتضعّفُها.. تخلٍّ عن العوالقِ والجواذبِ التي تشدّنا تحتَ الأرضِ وتجتذبُنا نحوَ قعرِ الوديان.. تحليقٌ بلا حدودٍ في رِحابِ سماءٍ واسعة.. الكتابةُ هي الحصنُ المنيعُ الذي يحفظُنا ويحمينا، والحضنُ الدافئُ الحنونُ الذي يضمّنا ويحتوينا ويجمعُ شملَ أرواحنا التي تناثرت منّا على مرِّ الفصول.. نحنُ نكتبُ في الصيف لأنّ الكلماتِ شموسُنا المشرقة، ونكتبُ في الخريف لأنّ أوراقَ ماضينا المؤلمِ بالكتابةِ تتساقط، ونكتبُ في الربيع لأنّ حروفنا وردٌ أزهرَ وتفتّح، ونكتبُ في الشتاء لأنّ الكلماتِ غيثٌ يمطر...

هكذا نحنُ حين تسرقُنا الكتابة وتنتحلُنا.. هكذا نتّحدُ ونترابط، لنصيرَ بعضًا منها وتصيرَ بعضًا منّا.. هكذا نمتزجُ ونتواصَل، ونندمجُ ونتداخل لنغدوَ وحدةً كاملةً لا انفصامَ لها؛ لا تنحلُّ ولا تتفكّك.. فمن المحالِ أن ننزاحَ عن الكتابةِ أو نحيدَ عنها بعدئذٍ وهيَ كوننا المجسّدِ إذ نكون. هكذا تمسي الكتابةُ لنا ملاذًا وسكنًا وعنوانًا.. ولا شيء يقدرُ أن يثنينا عنها ما دامَ فينا عرقٌ ينبض.. لا جرح ولا ألم ولا نسيان، لا ذكرى ولا حقد عابر.. لا غدر ولا كره ولا بغضاء ولا خيانة.. فالكتابةُ هي البلسمُ الشافي والدواءُ الكاملُ الوافي الذي نداوي به أثرَ الجراح؛ كلّ الجراح، وما أكثرَ الجراح!...

فلنتمسّك إذًا بحبلِ الكتابة، لئلّا نقع.. فلنتمسّك معًا بكلِّ تجانسٍ وانسجام.. فلنتمسّك ولا نتركْها أبدًا، ولنغمرْها بأذرعٍ من الصدقِ والمحبّةِ والرعاية، فالكتابةُ هيَ حبلُ الخلاص... ولنِحطها بأطيبِ الوعودِ والأماني والتأمّلات، لتظلَّ لنا ظلًّا وارفًا، وحديقةً غنّاءَ خضِرة، وصديقةً وفيّةً مخلصةً أبدَ الدهر، ولنغدِقْ عليها من صميمِ قلوبِنا بأحلى وأبهى المشاعر، ونرويها بأصدقِ البسماتِ والعبرات، لتنموَ غضّةً طريّة، رقراقةً مزهرةً بهيّة، وتؤتيَ ثمارَها ولو بعدَ حين..

------

* المصدر: الألوكة.

عدد المشاهدات 834

موضوعات ذات صلة