قراءة في كتاب:
مفهوم الأمن الفكري.. بين المحددات العلمية والمشكلات الواقعية

12:25 16 أكتوبر 2018 الكاتب :   عرض: محمود المنير

 

- الوحدة بين الأمة وقياداتها على كافة الأصعدة ضمانة قوية لعدم الافتراق والزعزعة الداخلية

- العولمة تتناقض مع العالمية التي تتأسس على رحابة الفقه الإسلامي

 

 

بيانات الكتاب:
اسم الكتاب: مفهوم الأمن الفكري بين المحددات العلمية والمشكلات الواقعية
المؤلف: أ.د. إبراهيم الصادق الكاروري.
الناشر: دار الأصالة للصحافة والنشر – الخرطوم.
الطبعة الأولى: 2017.
عدد صفحات الكتاب: 61 صفحة من القطع الكبير.

تنطلق هذه الدراسة الموجزة في عرضها، الرصينة في مبناها العلمي، من مدخل التأصيل الشرعي لقضايا الأمن، ومن داخل الإطار الفقهي بموجهاته ومحدداته، فالمؤلف يرى أن من أكبر الذنوب تعطيل العقول وتجميد آلة الفكر، فالأمن الفكري تتضح خطورته في وعينا وفقهنا الحضاري باستحضار الأثر الكبير للفكر في بناء المذهبية الإسلامية ونسقية المبادئ والأفكار المتكاملة والمتراصة بضابط فقهي منهجي، للعقل أثر كبير في حضوره وتأثيره، وتأتي القراءة من خلال الإطار المقاصدي، ذلك أن المدخل المقاصدي هو المدخل الأصل في قراءة الواقع وملاحقة المتغيرات والمستجدات وفقه النوازل، وهو الإطار العملي والموضوعي لإحداث الموازنة وبيان الأولويات وتجويد القراءة الفقهية داخل النسق الشرعي بأصوله المعتبرة.
وقد قدم المؤلف د. إبراهيم الصادق الكاروري، مدير المركز العالمي للدراسات الدعوية والتدريب والأمين العام لهيئة علماء السودان، هذه الدراسة لبيان مفهوم الأمن الفكري، ذاكراً المحددات العلمية والمشكلات الواقعية.

محتويات الكتاب:
عرض المؤلف في دراسته الموجزة خمسة محاور رئيسة، وشحها بمقدمة لبيان أهمية الموضوع والبواعث الدافعة للكتابة فيه، وخاتمة، وعدة توصيات شافية، وجاءت المحاور الخمسة على النحو التالي:
1- الأمن الفكري المفهوم والمحددات.
2- أنواع الأمن ومحدداته.
3- الأمن الفكري مشكلات واقعية.
4- ما بين العولمة والعالمية وسؤال الأمن.
5- رسالة الأمة ومعالجة منازع الإرهاب.

مفهوم الأمن الفكري
ينطلق الكاتب في تعريفه لمفهوم الأمن الفكري باعتباره منتجاً عقلياً يهدف إلى حفظ الأمة في أصل وجودها وفي مرتكزات فعلها وفعاليتها الحضارية ضد المهددات الداخلية والخارجية على السواء، وهذا، بدوره، يؤدي إلى تحقيق قيمة الوحدة الفكرية المتصلة بأساس هوية الأمة، وأجمل ذلك في مجموعة من النقاط:
- الوحدة الفكرية في إطارها العام تؤدي إلى وحدة الرؤى العامة وتحقيق الانسجام المجتمعي.
- الأسس المنهجية الأساسية هي السياج الفكري الجامع والموحد لسعي الأمة في تصورها وحركتها.
- الوحدة الفكرية والعقلية هي أساس توحيد الأمم.
- الأمن الفكري يتحقق عندما يقع صلح بين ما نؤمن به وما نتطلع إليه ونؤمن بتأديته.
- وحدة المنظومة القيمية والفكرية وتعبيراتها داخل النسق العام من أهم أسس الأمن الفكري.
- الانسجام بين الثوابت ومتغيرات التنمية مما ينفي طوارئ التغيير وبوادر الانحراف.
- التقارب والتجانس القيمي والفكري والجامع القومي يعتبر من أهم مؤمنات البناء الفكري.
- الوحدة بين الأمة وقياداتها على كافة الأصعدة تمثل ضمانة قوية لعدم الافتراق والزعزعة الداخلية.
ويرى المؤلف أن التفرقة بين الحجر الفكري القائم على المنع السلطاني، والأمن الفكري القائم على الوعي الثقافي والإدراك الواعي، مما يؤدي إلى نشوء قوة ذاتية يستطيع من خلالها أن يدافع المجتمع عن نفسه بنفسه.

مشكلات واقعية
يرى المؤلف أن بعض القراءات الجزئية تجعل الأمن هو أمن السلطة، وتجعل مهددات الأمن هي مهددات السلطة، وإن كانت السلطة المتصالحة مع مجتمعها من أهم ركائز المجتمع ونقاط استقراره الذي يرى أن الأمن الفكري هو أمن السلطة، إلا أن المهدد الأمني للمجتمع هو المهدد الأمني للسلطة، وتأتي المفارقة هنا عندما نجد كثيراً من السلطات والحكومات تتناقض مع شعوبها ومجتمعاتها، وهو ما يولد وسطاً صالحاً لظهور الفتن والمفاسد والمضار الذي يستغله الأعداء لينفخوا فيه حتى يحافظوا على حالة الضعف المجتمعي ويجدوا من ثَمَّ مبرر وجودهم واستدامة هيمنتهم.
يعتقد الكاروري أن الرؤية السلطوية في تحديد وبيان الأمن الفكري رؤية قاصرة وناقصة وتؤدي إلى تكريس حالة اللاأمن التي تعاني منها الكثير من المجتمعات.
وهنا لا بد من القراءة الواقعية لاستيعاب شمول المعنى المتصل بالأمن، وهو الذي يوضح لنا اتساع دائرة مهددات الأمن، وهنا يبرز الإرهاب وفق التوصيف ووفق تعريفه مهدداً خطيراً للأمن، وهو أثر من آثار غياب الأمن الفكري بمفهومه الواسع، ويسوق الكاروري مجموعة من المداخل المتسببة في بروز ظاهرة الإرهاب، ومنها:
1- الظلم: حيث يفقد الظلم الإنسان اتزانه ويجعله مبعثاً للأفكار والتصورات الضارة به وبمجتمعه والمضعضعة لقوة التماسك الاجتماعي.
2- الجهل: حيث يمثل الجهل الوسط الأصلح لانسراب جراثيم تهدد الأمن الفردي والمجتمعي، والجهل هو التناقض الأكبر بين الإنسان ورسالته في الحياة ومقتضيات استخلافه.
3- الطغيان: ويقصد بالطغيان الاستفراد بالسلطة، وحصرها داخل نطاق خاص، وتوظيفها للمصلحة الخاصة وجعلها مدخلاً للتكسب والتسلط مهما كان مستوى تلك السلطة، وإشاعة الظلم والاضطهاد والتضييق وإشاعة أجواء الاستبداد، والطغيان لا يقصد به الطغيان السياسي فقط؛ بل هو شامل لكل من أعطاه الله ولاية فطغى وتجبر فيها، فالطغيان هو الذي يصنع الوسط الصالح بإيجاد مبرر لاختراق السلام الفطري وصناعة بؤر للخيانة والمروق والموالاة المخالفة للدين والقيم.
ويرى المؤلف أن محاولة محاصرة مفهوم الأمن في التصدي لمظاهر الغضب والخروج التي مثّلها بعض الشباب، هذه المحاولة لن تبلغ غايتها إلا إذا اجتهدت في تشخيص الداء ومعرفة حقيقته وأسباب وروده، ويمثل الطغيان مدخلاً أساسياً في نزوع بعض الشباب وبعض الجماعات للخروج تحت شعار حماية الدين والتصدي لأعداء الإسلام، أو تحت أي شعار آخر، ومن أخطر آثار الطغيان:
أ- تدمير روح المواطنين وزرع الشك بينهم وتعويدهم على الذل والهوان.
ب - القضاء والتضييق على الأذكياء والنابهين.
جـ- حجب ما يعين على تنوير النفوس وبث الشجاعة والثقة بالنفس.
د- الإسراف في الرقابة على الناس والتجسس عليهم والتدخل في شؤونهم.
هـ- شغل الأمة بالسفاسف والرذائل ومفسدات الأخلاق.

رحابة العالمية
يرى الكاروري أن العولمة كمبدأ أيديولوجي تتناقض مع العالمية التي تتأسس على رحابة الفقه الإسلامي الذي يرى من سعة العلاقات الكونية مجالاً للهداية والإرشاد؛ حيث إن أمر الله لا تحجزه جغرافيا ولا يحبسه تاريخ، ولقد ثار جدل طويل ومازال حول العولمة وسلبياتها وإيجابياتها وموقف المسلم منها، وصلة ذلك بقضايا الأمن المجتمعي والقطري والدولي، فلا بد من التفرقة بين العالمية باعتبارها تطوراً طبيعياً ومنطقياً للتواصل بين أفراد المجتمع الإنساني والعولمة باعتبارها التعبير الأيديولوجي المعبر عن هيمنة الغالب وسطوته، والنازع نحو إفراغ المؤسسات العالمية والدولية من مضمونها ورسالتها وشعاراتها التي ترفعها، وجعلها مؤسسة خادمة لسياسته ومحققة لأهدافه، وللأسف فإن الطغيان الغربي بمنزعه الاستعماري المتغطرس أثبت أنه أحد أخطر مهددات الأمن العالمي.
لذا؛ فإن الأمن العالمي هو الاختيار الإسلامي الذي يحترم خصوصية الشعوب ولا يجبرها على منهج واحد، ولا يستغل ضعف الضعيف لمصلحة خاصة أو وفق رؤية قاصرة، ذلك أن المنطلق الشرعي القائم على النص الصحيح والعقل الصريح يسلمان الأمر لرب العالمين، من هنا يأتي الفارق بين الرؤية الأيديولوجية القاصرة المحكومة بالأفق البشري والبعد المذهبي والرؤية الفقهية الرحبة والشاملة بقوله سبحانه وتعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ {107}) (الأنبياء)، ومن هنا، فإن الرؤية الإسلامية العالمية هي التي تحمل قيم الأمن وتحافظ عليه، عكس أيديولوجية العولمة التي تقوم على إذكاء نار الحروب وإشعال حرائق الفتن، وتفرض نموذج الهيمنة والتحكم في مصائر الشعوب.
في الختام، فإن الإشكالية الكبرى التي يثيرها المؤلف في دراسته التي تحتاج إلى مراجعة وتدقيق في ضوء المقاصد الشرعية هي مشكلة العلاقة بين المؤسسات الدولية التي تدعي حفظ الأمن والمحافظة عليه، وتناقض ذلك مع توظيفها من قبل القوى العظمى لإشاعة الفتن والبلبلة داخل الدول الصغيرة، كما فعلت أمريكا في حروبها ضد الدول الإسلامية.

  • عنوان تمهيدي: قراءة في كتاب:
عدد المشاهدات 5860

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top