قراءة في كتاب: سيكولوجية الجماهير

12:34 30 سبتمبر 2014 الكاتب :   محمود المنير
في الماضي كان الدين، أو بالأحرى كانت الأيديولوجيا الدينية هي التي تهيج الجماهير وتجيشها لكي تنخرط في الحركات الكبرى

في الماضي كان الدين، أو بالأحرى كانت الأيديولوجيا الدينية هي التي تهيج الجماهير وتجيشها لكي تنخرط في الحركات الكبرى (كالحروب الصليبية مثلاً أو كالدعاية العباسية التي قلبت الدولة الأموية.. إلخ).

ولكن بعد أن «تعلمنت» أوروبا في العصور الحديثة حلت الأيديولوجيات السياسية محل الدينية في القيام بهذه المهمة.

 

يقول الباحث «ب. أديلمان» بهذا الصدد ما يلي: «لقد حلت السياسة محل الدين، ولكنها استعارت منه نفس الخصائص النفسية بمعنى آخر أصبحت السياسة ديناً معلمناً، وكما في الدين فقد أصبح البشر عبيداً لتصوراتهم الخاصة بالذات»(1).

وفي العشرين عاماً الأخيرة بشكل خاص، راح بعض الباحثين يهتمون بظاهرة جديدة هي الجماهير السياسية المؤطرة، وعلى أثر أعمال «غوستاف لوبون»، و«فرويد» وغيرهما، ظهر باحثون جدد اهتموا بدراسة الظاهرة من أمثال عالم الاجتماع الفرنسي «جان بودريار» وكتابه «في ظل الأغلبيات الصامتة»، ثم «بول أديلمان»، و«إنسان الجماهير»، ثم «سيرج موسكوفتش» و«عصر الجماهير».

من هو «غوستاف لوبون»؟

إنه أولاً وقبل كل شيء مؤسس «علم نفسية الجماهير»، وقد ولد في منطقة النورماندي عام 1841م، ومات في باريس عن عمر طويل عام 1931م، وكان ذا روح موسوعية من حيث البحث والمعرفة، وكان مساره طويلاً ومتشعباً، وقد انتهى به أخيراً إلى ساحة علم الاجتماع والنفس.

من مؤلفاته:

1- حضارة العرب (1884م).

2- حضارة الهند (1887م).

3- الحضارات الأولى (1889م).

4- القوانين النفسية لتطور الشعوب (1894م).

5- سيكولوجية الجماهير (1895م).

هذا الكتاب:

يشمل الكتاب مقدمة عن علم النفس الاجتماعي وفكر «غوستاف لوبون» بقلم المترجم، وتوطئة بقلم «أوتوكلينبيرج»، ومقدمة عن عصر الجماهير تتحدث عن تطور العصر والمتغيرات الكبرى للحضارة، وكيف يحصل مجيء عهد الطبقات الشعبية، ثم يقسِّم المؤلف كتابه إلى ثلاثة كتب:

الكتاب الأول: روح الجماهير.

الفصل الأول: الخصائص العامة للجماهير والقانون النفسي لوحدتها الذهنية.

الفصل الثاني: عواطف الجماهير وأخلاقيتها.

الفصل الثالث: أفكار، محاجات عقلية، مخيَّلة الجماهير.

الفصل الرابع: الأشكال الدينية التي تتلبسها كل قناعات الجماهير.

الكتاب الثاني: آراء الجماهير وعقائدها.

الفصل الأول: العوامل البعيدة لعقائد الجماهير وآرائها.

الفصل الثاني: العوامل المباشرة التي تساهم في تشكيل آراء الجماهير.

الفصل الثالث: محركو الجماهير ووسائل الإقناع التي يمتلكونها.

الفصل الرابع: محدودية تغيُّر كل من عقائد الجماهير وآرائها.

الكتاب الثالث: تصنيف الفئات المختلفة من الجماهير ودراستها.

الفصل الأول: تصنيف الجماهير.

الفصل الثاني: الجماهير المدعوة بالمجرمة.

الفصل الثالث: محلَّفو محكمة الجنايات.

الفصل الرابع: الجماهير الانتخابية.

الفصل الخامس: المجالس البرلمانية.

اكتشافات وخلاصات «لوبون»:

(1) على عكس الكثير من الباحثين، يرى «لوبون» بأن الجماهير ليست مجرمة، وليست فاضلة سلفاً، وإنما هي قد تكون مجرمة ومدمرة أحياناً، وقد تكون أحياناً أخرى كريمة وبطلة وتضحي بدون مصلحة.

وبالتالي فالفكرة الشائعة عن الجماهير بأنها فقط مدمرة وتحب السلب والنهب والشغب هي فكرة خاطئة.

(2) يرى «غوستاف لوبون» أن الجماهير محافظة بطبيعتها على الرغم من تظاهراتها الثورية، فهي تعيد في نهاية المطاف ما كانت قد قلبته أو دمرته؛ ذلك أن الماضي أقوى لديها من الحاضر بكثير، تماماً كأي شخص منوّم مغناطيسياً.

(3) يرى «غوستاف لوبون» أن الجماهير، أياً تكن ثقافتها أو عقيدتها أو مكانتها الاجتماعية بحاجة لأن تخضع لقيادة محرِّك، وهو لا يقنعها بالمحاجات العقلانية والمنطقية، وإنما يفرض نفسه عليها بواسطة القوة، كما أنه يجذبها ويسحرها بواسطة هيبته الشخصية.

(4) يرى «غوستاف لوبون» أن الدعاية ذات أساس لا عقلاني يتمثل بالعقائد الإيمانية الجماعية، ولها أداة للعمل تتمثل بالتحريض من قريب أو بعيد (أي بالعدوى)، ومعظم أعمالنا ناتجة عن هذه الدعاية.

(5) يرى «غوستاف لوبون» أن الجماهير لا تعقل، فهي ترفض الأفكار أو تقبلها كلاً واحداً، من دون أن تتحمل نقاشها أو مناقشتها، فما يقوله لها الزعماء يغزو عقلها سريعاً فتتجه إلى أن تحوله حركة وعملاً، وما يوحي به للجماهير ترفعه إلى مصاف المثال ثم تندفع به، في صورة إرادية، إلى التضحية بالنفس.

إنها لا تعرف غير العنف الحاد شعوراً، فتعاطفها لا يلبث أن يصير عبادة، ولا تكاد تنفر من أمر ما حتى تسارع إلى كرهه.

(6) يرى «غوستاف لوبون» أنه لا توجد الجماهير من دون قائد، والعكس صحيح أيضاً، إذ لا يوجد قائد من دون جماهير.

(7) يرى «غوستاف لوبون» أن الجماهير مستعدة دائماً للتمرد على السلطة الضعيفة، فإنها لا تحني رأسها بخنوع إلا للسلطة القوية، وإذا كانت هيبة السلطة متناوبة أو متقطعة فإن الجماهير تعود إلى طباعها المتطرفة، وتنتقل من الفوضى إلى العبودية، ومن العبودية إلى الفوضى.

(8) يرى «غوستاف لوبون» أن الاستبداد والتعصب يشكلان بالنسبة للجماهير عواطف واضحة جداً، وهي تحتملها بنفس السهولة التي تمارسها، فهي تحترم القوة ولا تميل إلى احترام الطيبة التي تعتبرها شكلاً من أشكال الضعف.

وما كانت عواطفها متجهة أبداً نحو الزعماء الرحيمين والطيبي القلب، وإنما نحو المستبدين الذين سيطروا عليها بقوة وبأس، وإذا كانت تدعس بأقدامها الدكتاتور المخلوع فذلك لأنه قد فقد قوته ودخل بالتالي في خانة المحتقرين وغير المهابين.

ويرى أن نمط البطل العزيز على قلب الجماهير هو ذلك الذي يتخذ هيئة القصير، فخيلاؤه تجذبها، وهيبته تفرض نفسها عليها، وسيفه يرهبها.

(9) يرى «غوستاف لوبون» أن الجماهير لا تعرف إلا العواطف البسيطة والمتطرفة، فإن الآراء والأفكار والعقائد التي يحرضونها عليها تُقبل من قبلها أو ترفض دفعة واحدة، فأما أن تعتبرها كحقائق مطلقة أو كأخطاء مطلقة.

(10) يرى «غوستاف» أن المجالس النيابية هي آخر محل في الأرض يمكن للعبقرية أن تشع فيه، فلا أهمية فيه إلا للفصاحة الخطابية المتناسبة مع الزمان والمكان، وللخدمات المقدمة للأحزاب السياسية لا للوطن، أما الجمهور العادي فيتلقى هيبة القائد المحرك ولا يدخل في سلوكه أي مصلحة شخصية ولا ينتظر جزاء ولا شكوراً.

وفي الختام، يمكن تلخيص نظرية «لوبون» حول نفسية الجماهير بالاكتشافات الثلاثة التالية:

1- الجماهير ظاهرة اجتماعية.

2- عملية التحريض هي التي تفسر انحلال الأفراد في الجمهور وذوبانهم فيه.

3- القائد المحرِّك يمارس عملية تنويم مغناطيسي على الجماهير تماماً كما يمارسه الطبيب على المريض.

الهامش

(1) انظر: «ب. أديلمان»، إنسان الجماهير، باريس، 1981م، ص 7.

عدد المشاهدات 6030

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top