مِنْحَةُ المَعَالِم الأَثَرِيّة الأندلسية

10:01 08 يونيو 2019 الكاتب :   بقلم - د. عبدالرحمن الحجي:
نهر الوادي الكبير ويظهر في يمين الصورة برج الذهب الذي بناه الموحدون للمراقبة

لقد وهب الله تعالى هذا البلد -أعني شبه الجزيرة الأيبيرية (إسبانيا والبرتغال اليوم)- نِعَماً كثيرة، ككل بقعة من أرض الله تعالى، كأنها إشارةٌ في علمه سبحانه لتكونَ محْضَناً للمسلمين فيما مَضَى، لعلها إن شاء الله تعود فيما بقي، لكن رغم ما جَرَى لها بِيَدِ مَحاكم التفتيش الغاشمة، ما زالت تَرْفُل بما تَفَلَّت مِنْ هذا الخير الذي يُعَدُّ مِنَحاً تتمتع بها بقايا مِنْ آثارها، تَتَمَثَّلُ فيما يُرَى مِنَ المِعْمَار والمباني التي تدل على مستواها النَّدِي الرائع الذي لا يُلْحَق، خيرُها العميم يُبَيِّن نوعيتَه، يُخْبِرنا أنَّ المُنْجَزات التي ذَهَبَتْ تُحْتَسَبُ له، رغم العَبَث الذي أصابه، غَدَا مورداً كبيراً يغنيه عن كثير مِنْ نعم الله تعالى التي تَمْتَلئ بها بَوَاطِن الأرض، جَمَعَتْ الكثيرَ مِنَ الخصائص(1).

كان الأندلسُ مفخرة لأهله يَفَخر به حتى الآخرون، يُسْتَقْبَل أبناؤه أكبرَ استقبال في كل مكان، يتمنى أيُّ أَحَدٍ زيارتَه، يمجده ويفخر برؤيته قديماً وحديثاً، يُذْكَر أن الراهبة الشاعرة الألمانية «هيروزويتا» (Hroswita)، التي زارت أو سَمِعَتْ عن الأندلس في القرن الرابع الهجري (العاشر الميلادي) وَصَفَتْ قرطبة بأنها "جَوْهَرة العالم"، بل إنَّ ابنَه البار الفقيه الرفيع القدر (ابن حزم) يقول:

ويا جَوْهَرَ الصين سُحْقاً فقد                 غَنِيتُ بياقوتةِ الأندلسِ

هذا الفخر المُتَّسِع كان باستحقاق متناسقاً في موضعه بكل شيء يعبر عن نفسه بحاله في كل جانب ومحتوى، بقيت لنا منه ما نجا من منشآت تشير إلى غيرها مما ذهب وغاب قد نعلن عنه مقداراً، يقول القاضي المفسر ابن عطية المحاربي في وصف قرطبة:

بأربع فاقت الأقطارَ قرطبةٌ 1-7-8-9.jpg                            وهن قنطرةُ الوادي وجامِعُها

هاتان ثِنْتَان والزهراء ثالثةٌ                            والعِلْمُ أكبرُ شيء وهو رابعُها

 

مآثر قرطبة الحاضرة

ما زالت قرطبةُ اليوم تحتفظ بأمورٍ تُذَكِّر بحالها القديم الجديد مِنْ أكبر المَعَالِم السياحية فيها، ما زالت مآثر تستجلب الزائرين طوال العام بلا انقطاع، تراهم يتفحصون مواقعها وبيدهم الكتب السياحية تسمع منهم تعليقات الإعجاب بجمالها الفذ المترقي، يأتونها من بلدان مترامية قاصدين القنطرة التاريخية القديمة التي أقامها وجدد بناءَها الوالي المجاهد الشهيد السَّمْحُ بن مالك الخَوْلاني (ت 102هـ) الذي اختاره الخليفة عمر بن عبدالعزيز (رحمهم الله تعالى)، التي تَمَّ تَجْديدُها الآن، وبجانبها الناعورة البارعة الباهرة المتميزة على نهر الوادي الكبير، الذي يسير نحو مدينة إشبيلية مائة كيلومتر لتشهد على ضفَّته اليسرى برج الذهب الذي بناه الموحدون برج حراسة ليكون مرصداً للغزاة القادمين من البحر، ليصب النهر في المحيط الأطلسي شمال مدينة قادس.

حديثُ مسجد قرطبة الجامع متسعٌ، ويُشَارُ هنا إلى دُرَّة العمارة الأندلسية العالمية، المحراب الذي بناه الخليفةُ الحَكَمُ المستنصر (366هـ)، ثم تُذْكَرُ مدينة الزهراء التي بناها الخليفة عبدالرحمن الناصر لدين الله، شَمال غرب مدينة قرطبة ثمانية كيلومترات، باعتبارها اليومَ أَحَدَ المواقع الأثرية، يقوم على رِعايتها منذ عشرت السنين علماءُ الآثار الإسبان ومهندسو المباني الأثرية ومَهَرَةُ حرفيي البِنَاء.

إلى جانب ذلك، فإن بلدية قرطبة تقوم على العناية بالمواقع الأثرية السياحية، وتُقِيم لها منجزاتٍ تاريخية جديدة، تذكاراً لبعض أعلامها الأندلسيين، مثل: ابن حزم الأندلسي (456هـ) خلال المؤتمر الذي أقيم في قرطبة عام 1963م بمناسبة مرور تسعة قرون على وفاة ابن جزم عند باب إشبيلية (قديماً باب العطَّرين) في الحي الذي كان يسكنه غربي المدينة الواقع في «بَلاط مُغِيث» التاريخي، وتذكاراً لابن رشد الحفيد، وتذكاراً للشاعر ابن زيدون.

كما أقامت بلدية المدينة عام 2011م جسراً على نهر الوادي الكبير يحمل اسم «جِسْر ابن فِرْنَاس» على شكل طائر، إشارةً إلى موضوع طيرانه، لكن بجانب كل ذلك في قرطبة وبقية البلدان كافة يشعر الإنسان بهذه الآثار، حتى الإسبان عموماً وتعاملهم؛ فإنهم يتصرفون مع الآخرين بنَفَسٍ مليء بشعور السياحة دون كلام، لا سيما مع زائري هذه الربوع العزيزة الكريمة العظيمة الرائعة، التي تضمها البلدان التي تحتضنها بشكل ملموس، وهم يحملون الكثير مِنَ العادات التي لا تخلو على الأقل مِنَ نَسَائم تلك القيم الإسلامية التي كان أهل الأندلس يَتَّسِمُونَ بها، وأقول دوماً لمن حولي: إن هذا يشير إلى تلك المعاني التي تتناقلها الأجيال؛ لأنها كامنة، وهذا بعض بواقي الآثار الأندلسية، التي ما زالت ماثلة تحيا في عالم الواقع في حياتهم اليوم، يشعر بها عموم القادمين، وإن لم يحاولوا أو يلتفتوا إلى تفسيرها.

كل ذلك على الرغم من هدم كافة المساجد وتحويلها إلى كنائس، فور الاستيلاء على مدنها، وتغيير الكثير من معالمها الإسلامية المتميزة بوضوح كامل، لا تخلو مِنَ التشويه، إلى درجة أنه بعد سقوط مدينة قرطبة أُقيمت في داخل المسجد القرطبي كنيسةٌ وهدم جانب من المسجد برغبة الرهبان والقسس، وأخذوا موافقة إمبراطور الدولة الرومانية المقدسة «كارلوس الخامس» (شارلكان)(2)، حفيد «فرناندو الخامس» الكاثوليكي، بعد أن كتبوا يستأذنونه في ذلك فوافق عليه، وهو لم يكن رأى المسجد من قبل، ثم حدث أن زار قرطبة بعد أن تم ذلك، لما زار الكنيسة ورأى المسجد المظلوم كأهله، فذهل لروعة الدرة المعمارية الفريدة، وندم على موافقته رغم أنه كان مع محاكم التفتيش وما تقوم به منفذاً لوصية جده الكاثوليكي وفسح المجال لتنفيذ أساليبها الباغية ويرعى عملها المُشين(3)، فقال هذه العبارة: «لقد بنيتم ما يمكن بناؤه في أي مكان وهدمتم أثراً وحيداً في العالم»!

 

إشبيلية وآثارها المتصافحة

هنا يأتي حديث إشبيلية، الرافلة بالعُرس الحزين، تجدها مُهَلِّلَةً ضاحكة، أمام ازدحام زائريها في أي وقت تذهب إليها، جُلُّ مآثرها وآثارها متصافحة، تتأنى بالمسيرات الجماعية كأنها تستبقي الأنسَ ولا تُريد فراقاً، آملةً ذَهاب حزنها يوماً ما، تفخر بما بَقَيَ لها، لا تكاد تتوقف عن إرسال ما يدعو إلى تذكر تالدها الفاره، أمامَك بعضُ جَمالاتِها ذات الهندسة بأيدي أُمَناء محبين بررة، حافظوا عليها ورايات الجهاد تخفق عالياً بأيديهم المتوضئة الطَّهُور، تشير إلى رِفْعَتِها وعُلُوِّ مناراتها؛ منارة مسجد جامعها يحاكي أخاه مسجدَ قرطبة الجامع ويُنَاغِيه، من أكبر المساجد الأندلسية، بَنَتْه يَدٌ مسلمة بإشراف مهندسين معروفين، المئذنة تتباهى بارتفاعها المتري المئوي، بين وصيفاتها من القصور التي تحفها، مئذنة يرقاها الفارس ممتطياً فرسَه يرى مِنْ فوقها إشبيلية بأبعادها.

أتذكر قبل سنين من أوائل ما زُرْتُ هذه الآثار قلت: كأن بانيها انتهى لتوه، هي ما بقي لنا من مسجدها الجامع الذي هدم لتقام مكانها ثاني أكبر كنيسة في العالم الكاثوليكي بعد الفاتيكان، حين تزورها لا تكاد تجد فيها ما يثير الإعجاب غير الضخامة المجسمة، حَلَّتْ مَحَلَّ السمو الإسلامي الذي يشير إلى روعة العقيدة وصحتها، تقود معانيها لمحتويات ما تصنعه يَدُ أهله، تفيض معاني مكونات حياتهم المؤمنة، تملأ حركاتُها المعانيَ الغائرة في النفس الإسلامية، تتحركها لكل المنجزات البديعة المتقدمة تنادي الله تعالى جل جلاله.

أما غِرْناطَة فأعراسها ظاهرة، تُخْفي وراءَها أَلَماً مكتوماً، لها أنس يدعو لحَمْل ذكراها بعد مفارقتها، تتباهى بما تُرِكَ لها من جمال محسوس، تدعوك للجلوس رغم ما وقع لبعضها منَ الهدم والتشويه، ما زالت تتمتع بالإبداع العجيب، يبهرك ويدعوك للبقاء لأكبر مدة تسعفك الظروف، تَجُول في دروبها ترى زخارفَها العجيبة في كل مكان؛ قاعة السفراء، وقاعة العلماء، وساحة السباع، ووادي الريحان، والقصبة المطلة، وجنة العريف، وأبواب الحمراء العتيدة العريقة، كلها تحمل المعاني المتنوعة بمدلولها الجميل، كل ذلك يزينه شعار مملكة غرناطة وقصر حمرائها الذي يتغنى بأرقى الفنون الأنيقة، يعلوها «ولا غالب إلا الله»، يصحبك في كل مكان، تأنس به وإليه تستريح وعلى خُطَاه تسير حيثما تذهب وتكون.

 

___________

الهوامش

(1) نفح الطيب، المَقَّرِي، 1/126.

(2)  Cordova, A City of the Moors, Albert Frederick Calvert, 76.

(3) نهاية الأندلس، محمد عبدالله عنان، ص 340.

عدد المشاهدات 1814

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top