أوزبكستان.. عبق التاريخ الإسلامي وقلب طريق الحرير

10:40 10 يوليو 2019 الكاتب :   الأناضول

مع بزوغ فجر كل يوم، تتسلل أشعة الشمس المشرقة لتملأ أطراف مدينة طشقند عاصمة أوزبكستان، ذلك البلد الذي يقع وسط آسيا ويتميز بتفاصيل ساحرة وضعته ذات يوم على مسار استراتيجي على طول طريق الحرير القديم.

موقع أوزبكستان الجغرافي بين مناطق أوروبا والأناضول والبحر المتوسط من جهة، والصين وجنوب آسيا من جهة أخرى، جعلها بوتقة تنصهر فيها الحضارات على مر التاريخ.

وتأمل أوزباكستان أن تؤدي مبادرة الحزام والطريق التي بدأت الصين التسويق لها مؤخرا، وتمر عبرها، إلى إعادة هذا الحنين والمجد التاريخي إلى المنطقة.

كما أن البلاد في طريقها للانضمام إلى المجلس التركي، وهو منظمة تضم أذربيجان وكازاخستان وقرغيزستان وتركيا، وتهدف لاستكشاف فرص التواصل والتاريخ المشترك واللغة والهوية والثقافة.

وقبل بضعة قرون فقط، عندما كان الغرب لا يزال يلهث من أجل التنوير، كانت عديد من المدن الكبرى في الشرق مثل إسطنبول، وسمرقند، وبخارى، ونيشابور، وعشرات غيرها، منارات للمعرفة والحضارة.

وربما تكون "إسطنبول" المدينة الوحيدة، التي نجحت في الحفاظ على طابعها، بينما فقدت المدن الأخرى مكانتها الثقافية والتجارية والفكرية إلى حد كبير.

أوزبكستان والتشابهات الإقليمية

تتمتع أوزبكستان، وهي بلد غير ساحلي في آسيا الوسطى، على الحدود مع كازاخستان وقيرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان وأفغانستان، بتشابه شديد مع تركيا في الغرب، ومنطقة كشمير في الشرق.

وبزيارة هذه الأرض، سيتضح لماذا كشمير، التي هي حاليا محل نزاع بين الهند وباكستان، تنتمي بشكل أكبر إلى آسيا الوسطى أكثر من جنوب آسيا، مع الأخذ في الاعتبار أوجه التشابه المذهلة التي تمتد عبر فروع الثقافة واللغة والعمارة وتقاليد الطهي والموسيقى.

وطوال الطريق الذي يبلغ طوله 450 كيلومترا، الرابط بين مدينة طشقند العاصمة الحديثة، ومدينة سمرقند التاريخية تصطف المطاعم، ويُقدم فيها الطعام على منصات خشبية مرتفعة محاطة بالسجاد والوسائد، بدلا من الطاولات والكراسي، تحت ظلال أشجار الصنوبر وأشجار التوت في أجواء مذهلة.

كما أن المآذن المتلألئة والقباب الفخمة تجعل المدينتين الأوزبكيتين، سمرقند وبخارى، من المتاحف الحية الكبرى.

 موطن أهل التصوف

وتعرف منطقة آسيا الوسطى التي تقع في قلبها أوزبكستان بأنها موطن للأولياء الصوفيين الذين يتم إجلالهم واحترامهم في مختلف بقاع الأرض، سيما في منطقة كشمير.

ويقع ضريح مير سيد علي حمداني في مقاطعة كولوب في طاجيكستان، وينسب إليه الفضل في جلب الإسلام إلى كشمير، التي ربما كانت المنطقة الوحيدة في جنوب آسيا التي دخلها الإسلام، حيث دخلت الطبقة العليا الهندوسية إلى الإسلام أفواجا في ذلك الوقت.

ومن الأولياء البارزين الآخرين، بهاء الدين نقشبند، من القرن الرابع عشر - مؤسس الطريقة النقشبندية - الذي دُفن في ضواحي مدينة بخارى.

وتنتشر في مدينتي بخارى وسمرقند الزوايا (الخانقاه أو التكية)، وهي المسكن الروحاني للصوفيين والدراويش.

ويروي أوزبوك تيمور تيلاييف، أحد سكان بخارى، أنه حتى القرن التاسع عشر، كان بعض الدراويش يأتون إلى المدينة من تركيا وجنوب آسيا، للبحث عن "التوجيه الروحي".

ويضيف: "يخبرنا أجدادنا بأنهم كانوا متحمسين عند وصول الدراويش من الأراضي البعيدة، وكانوا دائما محل ترحيب، ويشعر المضيفون بالفخر، وينظمون مآدب طعام لهم".

وبعد الغزو السوفيتي، تم إغلاق هذه الزوايا، وتم وضع ستار حديدي بين الروابط القديمة.

 الأمير تيمور 

وخلال الرحلة الساحرة الممتدة على مدار 6 ساعات من طشقند إلى فرغانة، وهي الطريق الوحيد الذي يربط المنطقة الشرقية الخصبة مع بقية البلاد، تنتشر القمم الجبلية المغطاة بالثلوج وغابات الصنوبر.

وتشبه هذه المكونات طريق سريناجار- جامو السريع - الرابط السطحي الوحيد الذي يربط كشمير بالهند.

وفي عام 1526، قام الأمير الشاب ظاهر الدين محمد بابور من هذا الوادي الخصيب بعبور سلاسل جبال بامير وهندوكوش، وجاء عبر ممر خيبر، ليطرق أبواب الهند مع 12 ألف رجل من المخلصين له، وأسس الإمبراطورية المغولية في دلهي التي حكمت مساحات شاسعة من جنوب آسيا، حتى عام 1857.

وكان سلف بابور، الأمير تيمور رمزا لدى الحكومة الأوزبكية كبطل وطني.

وتتشعب الشوارع الرئيسية في العاصمة طشقند من ميدان أمير تيمور، ويتوسط تمثال تيمور وفرسه وسط العاصمة.

 أقدم نسخة مكتوبة من القرآن 

ووسط المدينة القديمة في أوزبكستان، وتحت قبة زرقاء يقع سوق "بازار كورسو"، حيث تباع جميع الاحتياجات اليومية.

ويضم متحف المكتبة في ساحة "خاست إموم" في مركز المدينة، أقدم نسخة مكتوبة من القرآن الكريم، تعود للقرن السابع الميلادي، ويُعتقد أنه كان يقرأ منها الخليفة الثالث عثمان بن عفان، عندما استشهد عام 656 ميلاديا.

ولا تزال علامات الدم الجاف مرئية على صفحات أقدم نسخة من القرآن الكريم المكتوبة على جلد الغزال.

 الحرب الهندية الباكستانية 

وفي قلب مدينة طشقند، يُلخص فندق أوزبكستان، اتفاقية السلام بين الهند وباكستان، التي توسط فيها رئيس الوزراء السوفيتي أليكسي كوسيجين بعد أن خاضا حربا عام 1965.

وجاءت الحرب تصعيدا للقتال غير النظامي الذي بدأ في كشمير، وظل ذلك نقطة حساسة بين البلدين منذ تقسيمهما عام 1947.

وبعد ساعات من توقيع الاتفاقية، توفي رئيس الوزراء الهندي لال بهادور شاستري في ظروف غامضة في طشقند، ما أدى إلى إثارة نظريات مؤامرة مستمرة.

وتستضيف المدينة تمثال نصفي لـ"شاستري" وطريق يحمل اسمه.

 سمرقند.. لؤلؤة العالم الإسلامي الشرقي

وفي حين تحظى طشقند بكثير من بقايا الاستعمار الروسي و75 عاما من الشيوعية السوفيتية، فإن مدينتي سمرقند وبخارى تخلصتا من أثار ذلك الاستعمار. وتنتشر المساجد والأضرحة فيها، وهي واحدة من أقدم المدن في العالم.

وشهدت المدينة التي يبلغ عمرها نحو ألفين و750 عاما كثيرا من الاضطرابات. وهي تحمل علامات فتوحات الإسكندر الأكبر والعرب وجنكيز خان وأخيرا تيمور، الذين جددوا المدينة. وكان موقعها الجغرافي في وادي ظرفشان، الذي كان يُعرف سابقا باسم لؤلؤة العالم الإسلامي الشرقي، يضع سمرقند في المرتبة الأولى بين مدن آسيا الوسطى.

وترتبط المدينة بشخصيات إسلامية بارزة مثل ابن سينا، وهو علم من أعلام الفلسفة والعلوم الإسلامية، ومحمد الخوارزمي، مؤسس علم الجبر.

ورغم أن كلاهما ولد في مكان آخر في أوزبكستان، إلا أن الفضل يرجع إلى المدينة في رعايتهما وتأسيس خلفياتهما العلمية.

ورأى الإسكندر الأكبر زوجته روكسانا في سمرقند، التي وصفها بأنها أجمل امرأة في العالم.

وألهمت المدينة الشاعر الأمريكي "إدغار ألن بو أن" عندما كتب قصيدته الشهيرة "تيمور" عن التضحيات التي يجب على المرء أن يقدمها في الحياة لتحقيق السعادة.

ولا يمكن أن تكتمل زيارة هذه المدينة دون زيارة قلب طريق الحرير القديم، ميدان ريجستان، الذي كان مركزا تجاريا عالميا للعالم القديم والعصور الوسطى، وجوهرة حقيقية، ويقع على مسافة قريبة من ضريح تيمور، وكان نقطة يستريح فيها التجار.

ولم تكن السلع هي التي يتم تداولها في المدينة فقط، لكن علوم الفلسفة والأفكار السياسية أيضا، لذلك نجد أن الساحة يحيط بها اثنان من المدارس الكبرى فضلا عن مسجد.

 قبر الإمام البخاري

ويمكن للزوار أيضا أن يروا أماكن فريدة في سمرقند مثل ضريح الشيخ برهان الدين ساجرجي، المرشد الروحي للأمير تيمور، وضريح الصحابي قثم بن العباس بن عبد المطلب ويعرف في أوزبكستان بشاه زنده.

وفي قرية هارتانغ، على بعد 25 كيلومترا من سمرقند، تقع واحدة من أكثر المواقع التي يجلها الزوار، ألا وهي ضريح الإمام البخاري، أحد أبرز من جمع ودقق الحديث الشريف.

ويضم مجمع ضريح البخاري جامعة ومتحفا ومدرسة ومسجدا.

عدد المشاهدات 2108

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top