جودة التعليم وموقع الدول العربية منها

10:28 04 سبتمبر 2019 الكاتب :   د. غازي الرشيدي

 يعد مؤشر «جودة التعليم» من أهم الدلائل على تقدم ورقي الدولة والمجتمع، فالتعليم يهدف إلى بناء الإنسان وإعداده لمواجهة الحياة، كما أن التعليم إذا كان من ضمن أولويات ورؤية الدولة، فإنه من المؤكد سيساهم في تحقيق الأهداف الإستراتيجية لهذه الدولة.

انهمكت معظم الدول العربية في بدايات الاستقلال في التركيز على نشر التعليم ومحو الأمية وبناء أنظمتها التعليمية الوليدة، فانصبَّ الاهتمام في البداية على الجوانب الكمية المتمثلة في إعداد المعلمين وبناء المدارس وغيرها، وهذه مرحلة ما تزال العديد من الدول العربية تعيشها ولم تخرج منها بعد، حيث أكدت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألسكو) أن معدل الأمية في الدول العربية ما يزال مرتفعاً بالمقارنة مع دول العالم النامي، مشيرة إلى أن 21% من العرب يعانون من الأمية، مقارنة بـ13.6% كمتوسط عالمي، وتقدر المنظمة أن هناك حوالي 55 مليون عربي أمي لا يقرؤون ولا يكتبون.  2019-09-04_10h29_41.png

لا شك أن الفقر وانخفاض المستوى الاقتصادي وتردي الأوضاع الأمنية في بعض الدول العربية ساهم وفاقم من أزمة التعليم، إلا أنه في المقابل تتمتع الدول الخليجية مع لبنان وتونس بوضع تعليمي مريح نسبياً، جعلها تنتقل من مرحلة الاهتمام الكمي بالتعليم، إلى محاولة رفع مستوى جودة وكفاءة المنظومة التعليمية لديها.

ومن مؤشرات هذا الاهتمام زيادة ميزانيات التعليم التي خصصتها هذه الدول التي تراوحت ما بين 10 – 20% من ميزانيتها الوطنية، ما قد يعكس وجود رغبة على مستوى الدولة للاهتمام بجودة وكفاءة التعليم.

وتم إنشاء العديد من المبادرات لتحقيق هذا الغرض، واحتوت هذه المبادرات على عشرات المشاريع والبرامج، وصرفت مليارات الدولارات خلال العقدين الماضيين لمحاولة تضييق الهوة بين مستوى طلاب الدول الخليجية مع نظرائهم من طلاب الدول المتقدمة، وما تزال مبادرة «المدارس المستقلة» في دولة قطر، ومبادرة «مدارس الغد» في دولة الإمارات العربية المتحدة، ومشروع «المدارس الفاعلة» في دولة الكويت، وغيرها من المبادرات؛ ماثلة للعيان على جهود كبيرة ومضنية تبذلها الأنظمة التعليمية في هذه الدول.

في المقابل، تعرضت مبادرات إصلاح وتطوير التعليم تلك إلى نكسات وعثرات؛ جعلها إما تفشل أو تتوقف، فتم إلغاء (أو تجميد) مشروع المدارس المستقلة، ومدراس الغد، والمدارس الفاعلة، وانتقلت الأنظمة التعليمية الخليجية من محاولة التغيير الشامل في التعليم إلى تغييرات جزئية؛ مثل إصلاح المناهج، وتطوير برامج إعداد المعلم، وغيرهما من المشاريع.

كما أن نتائج الدول الخليجية وبعض الدول العربية الأخرى في الاختبارات والمسابقات الدولية، مثل البرنامج الدولي لتقييم الطلبة (Pisa)، والاتجاهات الدولية في العلوم والرياضيات (Tims)، والدراسة الدولية للتقدم بالقراءة (Pirls)، كانت متواضعة، وأغلبها جاء في ذيل القائمة، على الرغم من ارتفاع متوسط تكلفة الطلبة في هذه الدول، والإنفاق المتزايد على التعليم خاصة في الدول الخليجية.

يمكن إجمال السبب في تواضع مستوى جودة وكفاءة الأنظمة التعليمية العربية عامة، والخليجية خاصة، برغم كل الجهود المبذولة إلى جملة بسيطة؛ وهي أن التغيير هو "إرادة وإدارة"، فبعض الدول توافرت لديها الإرادة السياسية لتطوير التعليم، ولكنها لم توفق في جهاز إداري كفء يدير عملية التغيير بنجاح، ودول أخرى لا تتوافر لدى حكوماتها حتى الآن الإرادة الحقيقية لرفع مستوى جودة التعليم.

عدد المشاهدات 1490

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top