البُعد التربوي من الهجرة النبوية

16:48 08 سبتمبر 2019 الكاتب :   عبده دسوقي (*)

 

لم تكن الهجرة فراراً من الإيذاء أو سعياً خلف الرزق بل محطة عظيمة من محطات السيرة 

التربية السليمة للإنسان يترتب عليها أمة متماسكة قوية البنيان 

لا يأس أبداً لأن الله هو من يدبر الأمر كله والثقة فيه سبحانه لا بد أن يتزين بها قلوب القابضين على دينهم 

التحلي بالثبات مهما طال الطريق وكان مظلماً ولا بد من البحث عن الحلول الواقعية 

على المهاجرين اليوم وفي ظل ما يعانون أن يجعلوا هجرتهم فتحاً ويكونوا نموذجاً للإسلام يُحتذي به



 

لم تكن الهجرة فراراً من الإيذاء، أو هروباً من التضييق والتعذيب، أو سعياً خلف الرزق الذي فقده المسلم في مكة، لكنها محطة عظيمة من محطات السيرة، يتجلى للواقف عليها أهمية العمل من أجل هذا الدين، والإيمان العميق بقدر الله، ووجوب الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، وثبات أهل الإيمان في الشدائد.
لقد أظهرت الهجرة الملمح القاسي بين جنباتها، فحينما أخذ النبي صلى اللهُ عليه وسلم قرار الخروج من مكة وترك ديار الأَهل والأحباب، وفارق أَرض الصبا، وقف النبي العظيم على حدود بيت الله الحرام ويلتفت إلى مكة، يودع أرضها وبيوتها، وينظر إلى جبالها وسمائها؛ يستعيد المواقف والذكريات، ويتذكر الأحداث وينطق بهذه الكلمات: «وَاللهِ إِنَّي أَعْلَمُ أَنَّكِ خَيْرُ أَرْضِ اللهِ وَأَحَبّهَا إِلَى اللهِ، وَلَوْلاَ أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُوُنِي مِنْكِ مَا خَرَجْتُ».
وما أشبه اليوم بالبارحة، فالعاملون لدين الله في كل عصر ومصر يتعرضون للاضطهاد من كل صوب، وبشتى الأنواع، لا لشيء إلا أنهم قالوا «ربنا الله».
إن انتصار الدعوة رهين بتقديم وبذل الغالي والنفيس؛ فهذا سيدنا علي رضي الله عنه، ينام في فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو موقن أن ذلك يعني تعريض حياته للخطر، وهذا سيدنا أبو بكر رضي الله عنه يهاجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويأخذ كل ماله معه لخدمة الدعوة، ويترك أهله دون مال، همه الوحيد أن يكون في معية رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجرته.
وقد خرج المهاجرون إلى المدينة تاركين وراءهم أهاليهم وأموالهم في سبيل الله، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يبقى آخر المهاجرين إلى المدينة، رغم كل ما قد يتعرض له من أذى المشركين، خصوصاً أن صحابته قد هاجروا.
لقد تجلت الهجرة بمدرستها التربوية في صفات عظيمة خلفتها في القلوب، ومنها:

1 - الهجرة تخطيط ومنهاج وحسن توظيف الطاقات:
كيف يتصور بناء أمة شاهدة بالقسط قائمة بالحق ما لم يقم أهلها بالتخطيط اللازم، ومن أعظم أسس التخطيط حُسْنُ توظيف الطاقات، وسلامة استغلال القدرات المتاحة، فالصديق قبل الطريق، أضف لذلك التلاحم بين قلوب الفارين بدينهم، فلا شقاق ولا خلاف، لوحدة الهدف والغاية، فلا تفرقهم دنيا ولا اختلاف رأي، لكن يجب أن يسددوا ويقاربوا.

2 - الصبر والتضحية:
لقد ضربت القلة القليلة التي آمنت برسول الله صلى الله عليه وسلم أسمى معاني التربية حينما أدركوا ما سيقع عليهم من جراء اتباع محمد ودينه، فتفانوا في الصبر التضحية من أجل هذا الدين، فنجد سمية بنت خياط ترتقي كأول شهيدة في الإسلام، كما ارتقى زوجها ياسر بن عامر شهيداً مضحياً بنفسه من أجل دينه، وهذا صهيب الذي ضحى بماله.

3 - بناء الإنسان أهم من إنشاء البنيان:
التربية السليمة القويمة للإنسان يترتب عليها أمة متماسكة قوية البنيان، وهذا ما فطن إليه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، حينما سعى لبناء مجتمع متماسك يعلوه الرحمة والإخاء، وترتقي فيه قلوبهم لرب العالمين، وعلى هذا الأساس بدأ النبي صلى اللهُ عليه وسلم في تأكيد هذه العلاقة القويمة، وتحقيق روح الترابط والتماسك بين المهاجرين والأَنصار، فكانت النتيجة دولة إسلامية قوية متماسكة مترابطة، تعرف قدر ربها سبحانه، وقدر نبيها، وقدر دينها، وحق الأخ على أخيه.

4 - لا تقنط مع رحمة الله:
ربما في زحمة التعذيب، وكثرة الاضطهاد، وسطوة أهل الباطل، وضعف أهل الحق؛ ربما يتسرب اليأس والقنوط، والإحباط والوجل، وسوء الظن بالله، ويظل السؤال: متى نرى النصر والفرج؟
لقد علمتنا الهجرة ألا نيأس أبداً؛ لأن رب هذا الكون هو من يدبر كل ما فيه، ويقدر كل أحداثه، وسواء كنت مهاجراً بدينك جبراً إلى السجون، أو إلى وطن آخر، فلقد علمتنا الهجرة أن الثقة في الله لا بد أن يتزين بها قلوب القابضين على دينهم.

5 - الثبات على الموقف والبحث عن الحل الشامل:
تدفعنا المدرسة التربوية في الهجرة أن نتحلى بالثبات مهما طال الطريق، ومهما رأيناه صعباً مظلماً، لكن مع هذا الثبات لا بد من البحث عن الحلول الواقعية والعملية والشاملة، ولا نقتصر على الحلول التقليدية التي تربينا عليها متناسين التغيرات التي حدثت على الساحة، والمستجدات التي تحدث كل يوم.

6 - الهجرة فتح مبين:
لقد كانت هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه فتحاً مبيناً على الإسلام والمسلمين، وهكذا يجب على الدعاة اليوم وفي ظل ما يعانون، أن يجعلوا هجرتهم سواء إلى البلدان التي هاجروا إليها أو غيرها فتحاً؛ فيكونون قدوة طيبة، ونموذجاً للإسلام يُحتذي به، فعليهم ألا ينشغلوا بسفاسف الأمور والتناحر والتحزب وهم وسط بلاد وشعوب غريبة، فيصوروا الإسلام بهذا المظهر الغريب المتنافر، كونوا في هجرتكم خير دليل للإسلام، كما كان مصعب بن عمير في المدينة، وكجعفر بن أبي طالب في الحبشة.

7 - اليقين بالفرج:
اليقين بأن ما عند الله تعالى هو الأفضل، وهو الأبقى، فقد لاقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الشدائد في الهجرة النبوية، ولكنه ثبت، وصبر، واحتسب أجره عند الله تعالى، ولم يكن قلبه إلا ممتلئاً على الدوام باليقين المطلق بأن فرج الله تعالى آت لا محالة، وبالفعل فقد مكَّن له الله عز وجل، ونصره نصراً مؤزراً، وبلغ صيته الآفاق، ولا يزال إلى يومنا هذا أعظم إنسان عرفته الإنسانية، ولا يزال اسمه الأكثر تردداً على الألسنة.
إن الهجرة النبوية من الرحلات العظيمة التي فتحت للدعوة أفقاً أوسع وأكبر، فكانت بداية نهج جديد في التبليغ تضافرت فيه جهود المهاجرين والأنصار جميعاً لتصنع دولة الإسلام.
إنها الهجرة تخاطبك أنت فرداً، وتخاطبنا جميعاً أمة، فلنهاجر إلى الله ورسوله بأن نهجر ظلام معصية الله، وسيطرة الهوى، إلى نورانية الوحي، وترقب نصر الله بالتخطيط للمستقبل والاستعداد له.

__________________

(*) باحث في التاريخ الحديث

عدد المشاهدات 1368

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top