فلسفة الصراع بين الحضارة الإسلامية والغربية

14:55 09 سبتمبر 2019 الكاتب :   محمد فتحي النادي (*)

- التربية على الصراع قد يكون مفيداً للأمم التي تبحث لنفسها عن مكانة على وجه البسيطة

- هناك صراع أداره أهل الحق بيقظة ومعرفة طبيعة المعركة فكان فيه صلاح الأرض وعمرانها 

اليقظة تعني الوعي بالذات والقضية الكبرى والهدف الأسمى ودراسة الآخر 

انطلاقاً من تصور «هيجل» لا يمكن تصور حياة بشرية دون صراع بين الناس كأغيار


وعْيُنا بدوائر الصراع ومستوياته هو البداية الصحيحة لتحسين الأحوال، وتغييرها إلى شكل جديد يكون في صالحنا لا ضدنا؛ فبعض الدعاة الجدد يحاولون أن يؤصلوا لقضية أن الأصل في الحياة «السلام»، وأن ما دون ذلك هو العارض الشاذ، لكن الكتب السماوية والتاريخ والواقع لا تشهد على ذلك، بل تؤكد أن الأصل في الحياة هو «الصراع»، فمهما وادعت الناس فلن يوادعوك، ومهما طلبت السلام لنفسك ولغيرك فلن يمنحك الناس هذا السلام الذي تبتغيه.
الصراع على مستويات متعددة، وبأشكال متنوعة؛ صراعات فردية وأخرى كبرى، صراعات من أجل المصالح والمنافع، وأخرى من أجل المبادئ.
والصراع البشري ليس محصوراً في الأباعد الشانئين، بل قد يكون من أقرب الناس إليك، فتدور رحاه بين الرجل وولده، أو بين الرجل وزوجه، يقول الله تعالى: {إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ} (التغابن: 14).
وقد رأى الطاهر بن عاشور في الصراع رؤية ذات دلالة عظيمة، هذه الرؤية استخرجها من قوله تعالى: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} (الأعراف: 24)، فقال: «وهذا أصل عظيم في تربية العامة، ولأجله كان قادة الأمم يذكرون لهم سوابق عداوات منافسيهم ومن غلبهم في الحروب؛ ليكون ذلك باعثاً على أخذ الثأر»(1).
فكأن التربية على الصراع مفيدة للأمم والشعوب التي تبحث لنفسها عن مكان ومكانة على وجه البسيطة.
ولم تؤتَ الشعوب والأفراد إلا من الغفلة؛ فكانت الهزائم والنكسات، فالغفلة عن العدو الحقيقي وعن خططه ومكائده أقرب سبيل للهلكة والانكسار، لكن اليقظة والتبصُّر يقودان الإنسان إلى طريق النصر والتمكين، لذلك جعل الحكماء من حالات الإنسان المذمومة «الغفلة والأمن»(2).
وعندما سُئل أحد الحكماء عن الغفلة قال: «تركك المجد، وطاعتك المفسد»(3).
وبالغفلة تزول الممالك والدول، قال الحكماء: «إذا انقضت مدة الدول؛ أدبرت سنة الغفلة من سنة الحذر»(4).
والصراع نوعان:
1) صراع أنت مأمور به، وهو الصراع المفروض عليك مهما حاولت الفرار منه، وهو الصراع الذي تُمتحن به وتُبتلى، صراع من أجل الإيمان والحفاظ عليه ونشره في العالمين.
هذا الصراع هو المعركة الصحيحة التي لو بذل الإنسان فيها مهجته لما كان مهدراً ولا مضيعاً لها سدى؛ {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6)} (فاطر).
2) صراع أنت منهي عنه، وهو الصراع مع أولياء الله وحزبه.
صراع لو انتصرت فيه فأنت خاسر، صراع حذَّر الله ورسوله منه؛ لأنه يُضعف الصف، ويَذهب بالشوكة، ويفتح الباب لتسلل العدو وتحكُّمه وانتصاره.
قال الله تعالى: {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} (الأنفال: 46)، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ»(5).
فهناك صراع يحافظ على الأرض من الفساد والإفساد، يحافظ عليها مادياً ومعنوياً، هذا الصراع إذا أداره أهل الحق بيقظة وحذر ومعرفة لطبيعة المعركة؛ دحروا الشيطان وحزبه، وكان صلاح الأرض وعمرانها.
وبالغفلة عن هذا الصراع وعدم مدافعته تفسد الأرض، وتسوء أحوال البشر مادياً ومعنوياً.
وقد خاض غمار تلك الصراعات الأنبياء والمصلحون؛ فلم يظلُّوا في محاريبهم باكين ضارعين أن يدحر الله تعالى الشر وأهله، بل قاوموا بكل الوسائل، ونزلوا لميدان الصراع، وتركوا وطن الغفلة إلى وطن اليقظة.
واليقظة تعني الوعي بالذات وبالقضية الكبرى والهدف الأسمى، ودراسة الآخر دراسة واعية كاشفة؛ فدخول معركة دون معرفة العدو هي معركة في غالبها سيكون مصيرها الفشل.

الصراع في فلسفة الغرب
ومن وعي الغرب بذاته ومعرفته للآخر فلْسَفَ فكرة الصراع، وقام بتطبيقها على أرض الواقع، ومن أشهر الفلاسفة الذين تكلموا في تلك المسألة الفيلسوف الألماني «هيجل»، وكذلك «كارل ماركس» الذي رأى «أن ثمة صراعاً يجب أن ينشأ بين طبقة البورجوازية (الرأسماليين) وطبقة البروليتاريا (العمال)»(6)، و«هنتنجتون» صاحب نظرية صدام الحضارات.
ويرى «هيجل» -مثلاً وهو أحد مؤسسي حركة الفلسفة المثالية- «أن الحركة الحضارية إنما تحقق مسيرتها صوب الأحسن والأكمل عن طريق الصراع المستمر بين النقائض في عالم الأفكار»(7)، بل إن «التناقض والصراع هو المحرك للتطور»(8).
وعنده «وجود الأنا لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال وجود نقيضه، أي: الأنا الآخر أو الغير.
فلا يمكن للوعي أن يعرف نفسه إلا من خلال انفتاحه على كل ما هو آخر بالنسبة إليه.
والأنا يسعى إلى الاعتراف به من طرف الآخر، غير أن هذا الاعتراف يتم من خلال عملية الصراع التي تقوم بين الأنا والغير.
والهدف من هذا الصراع هو إثبات الذات والحفاظ على حريتها، وذلك من خلال نزع الاعتراف بالذات من طرف الآخر، إلا أن نزع الاعتراف هذا لا يتم بسهولة ما دام أن كلا الوعيين يخاطر بحياته ويسعى إلى موت الآخر.
ويبدو انطلاقاً من تصور «هيجل» أنه لا يمكن تصور حياة بشرية بدون صراع بين الناس كأغيار.
وهذا الصراع قد يتخذ أحياناً الطابع السلبي المدمر، لكنه في أحايين أخرى يتخذ طابعا بنَّاء وإيجابياً؛ إذ يشكل في هذه الحالة الأخيرة تلك الطاقة الضرورية لتحريك عجلة التاريخ»(9).
فالصراع البشري عنده دليل حيوية وعدم ثبات؛ إذ إنه «عبر الحركة والصراع الموجودين في كل شيء يولد الجديد»(10)؛ فـ«استمرار الصراع من شأنه أن يؤدي إلى استمرار حركة التاريخ، بل ويتجدد التاريخ بهذا الصراع»(11).
وهي لم تكن رؤية فردية، بل سياسة عامة مبنية على فلسفات؛ فلقد سعى الفلاسفة والمنظِّرون السياسيون والاجتماعيون في تناول شكل العالم في المرحلة القادمة، وانتهت تحليلاتهم وأطروحاتهم الفلسفية إلى أن الصراع القادم سيكون صراعاً حضارياً بين حضارات مختلفة، ولكن الشكل المهيمن لهذا الصراع يتمثل بين الحضارة الغربية بقيمها، والحضارة الإسلامية بقيمها.
ولعل أبرز الكتابات المعاصرة ذات الطبيعة الفلسفية السياسية كتاب «صراع الحضارات» لـ«صامويل هنتنجتون»(12)، التي جسَّد فيها نظريته في الصراع.
وأرى أن فكرة الصراع عند الغرب تنطلق من نقطتين:
الأولى: وعيه بذاته، ورؤيته لمركزيته الحضارية، وأنه قطب رحا العالم، هذه النظرية التي تولدت منها عنصريته وتفضيله لجنسه على باقي الأجناس.
الثانية: فكرة السيطرة، التي تملك على الغرب وجدانه؛ فهو يعيش في مكان موارده محدودة، لذا فهو ينظر لثروات الشعوب ومقدراتها، ويستكثرها عليهم؛ وسعى من قديم إلى غزو الشعوب وحرمانها مما حباها الله منه.
وعليه، فالصراع في حضارتنا الإسلامية تختلف منطلقاته ودوافعه وفلسفته عنها في الحضارة الغربية؛ ففي الحضارة الإسلامية يتجه الصراع نحو الحفاظ على الدين وإصلاح الأرض؛ فهو ليس مقصوداً لذاته كما هي الحال في الحضارة الغربية التي يعد الصراع فيها من لوازم الحياة البشرية، ودليل حيويتها وتجدد تاريخها.
 __________

الهوامش
(1) التحرير والتنوير، لابن عاشور، 1/434.
(2) حلية الأولياء، للأصبهاني، 9/294.
(3) السابق، 2/36.
(4) سراج الملوك، للطرطوشي، ص175.
(5) أخرجه البخاري في «العلم»، باب: «الإِنْصَاتِ لِلْعُلَمَاءِ»، (1/35)، ح(121) من حديث جرير رضي الله عنه.
(6) الفلسفة ومفهوم الصراع: نظرة تحليلية (مقالة): لـ محمد سيد حسن، موقع الفلق، https://www.alfalq.com/?p=9362.
(7) حكمة الصِّراع في حياة الإنسان (مقالة): لمحمد أبو حامد، موقع اليوم السابع، نشر بتاريخ: الثلاثاء، 18 نوفمبر 2014م.
(8) الفلسفة ومفهوم الصراع: نظرة تحليلية.
(9) مفهوم الصراع عند هيجل (مقالة): لمحمد الشبة، باختصار، نشر بتاريخ: 5 يناير 2013م، موقع عالم التأويل.
(10) مختصر فلسفة هيجل، موقع سمارا نوري.
(11) المحاور الأساسية لفلسفة التاريخ عند هيجل (المحاضرة الثانية عشرة): لمحمد عبيس حميد اليسار، كلية التربية الأساسية، قسم التاريخ، المرحلة 3، نشر بتاريخ: 13/12/2017م، موقع جامعة بابل.
(12) الفلسفة ومفهوم الصراع: نظرة تحليلية.

________________

(*) كاتب مصري مقيم في الجزائر

عدد المشاهدات 1830

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top