هل أصبحت الأكاديمية السويدية لجائزة نوبل بيتاً سيء السمعة؟..
جائزة نوبل.. وعلامات الاستفهام الكبرى (1 – 3)

15:34 22 أكتوبر 2019 الكاتب :   د. محمود الشرقاوي

 

- تاجر الموت (ألفريد نوبل) يخادع الناس بجائزته التي جعلها كفارة لعقدة الشعور بالذنب جرّاء ابتكاره للديناميت

- "الديناميت" مسحوق الدمار يعني "السلطة"

- تشرشل أكبر دعاة التسلح والاستعداد للحرب يفوز بجائزة نوبل للسلام عام 1953م

- المشروطية السرية لجائزة نوبل تجعلها نيشانًا مشبوهًا لمن يحملها

- من عجائب نوبل أن تمنح مؤخرًا لحمالة الحطب صاحبة مجازر ومحارق المسلمين الروهنجيا

 

ما قيل أخيرًا.. ثبت كثيرًا..

هذه حكمة سيارة، يعززها القول المأثور: إن العبرة بالخواتيم".. ولعل هذا الكتاب "جوائز الأدب العالمية، مثل من "جائزة نوبل" هو آخر ما خطه قلم العقاد الخالد، حيث صدر الكتاب أول مارس عام 1964، بينما غادر العقاد دنيانا في 12 مارس 1964عن أربعة وسبعين عامًا حيث ولد في 28 يونيو عام 1889م([1]).

وقد استل العقاد مقدمة هذا الكتاب من كتابه الذائع الشهرة "شاعر أندلسي وجائزة عالمية" الذي بدأ به العقاد الضربة الأولى في صرح هذه الجائزة حين نالها الشاعر الإسباني "جون رامون خيمينيز" عام 1956.. ثم تتبع الأسرار والأغوار لهذه الجائزة اللغز في هذا الكتاب الوثيقة.

ولعل العقاد قد عاش ومات، وهو يسير تحت ظل رمحه، وتحت وطأة معاركه، التي بدأها جميعًا.. فأنهى بعضها في حياته.. وما يزال الكثير منها مفتوحًا للنزال والمضاربة.. ولكن العقاد الخالد، كان في كل ما خاضه من معارك ومنازلات، يحمل مظلمته في قلبه، ويطوي عليها مرارة الأيام، التي يجسدها قول الشاعر:

أليس من العجائب أن مثلي        يرى ما قلّ ممتنعًا عليــه

وتؤخذ باسمه الدنيا جميعـاً         وما من ذاك شيء في يديه

وقد كان العقاد وهو يخط هذه الكلمات، يفتق سرًا، وينطق هجرًا، ويطحن صخرًا، وهو يحاول كشف المستور وراء هذه المخادعة العالمية الكبرى التي ابتكرها تاجر الموت (ألفريد نوبل) المولود بأستكهولم بالسويد في 21/ 10/ 1833، والمتوفي بسانت ريمو بإيطاليا 10/ 12/ 1896م بعد أن كتب وصيته في 27 نوفمبر 1895م بتخصيص الجزء الأكبر من تركته لجائزة تمنح سنويًا، دون تمييز، باسم نوبل، "كفارة" لعقدة الشعور بالذنب، جراء "مسحوق السلام" الذي ابتكره واستقر على تسميته "بالديناميت" نسبة إلى الكلمة اليونانية القديمة التي تعني "السلطة"!

لكن صيرورة الأيام، وخروج المسكوت عنه إلى دنيا الأضواء، وأضواء الدنيا.. قد كشف الكثير عن ماهية "الزمّار" وعمن يدفع أجر الزمار! حيث تكمن خلف هذه الجوائز وغيرها.. شبكات.. وعلاقات، وسراديب، مغارات.. لزراعة القادة، وتلميع الزعماء.

ففي فرنسا وحدها –على سبيل المثال– أكثر من ألفي جائزة سنوية، لتشجيع المبدعين([2]).

ويذهب مع السراب الخادع، من يظن أن ذلك المهندس الكيميائي المخترع... الأديب "ألفريد نوبل" قد أصبح فارس الإنسانية، الذي يقوم بتوزيع جوائز السلام على العباقرة من علماء الدنيا.. بعد أن قام "بتفخيخ" العالم كنتيجة طبيعية لابتكاره الرهيب – المتفجرات – الذي جمع ثروته الهائلة من الاتجار به، وهي التجارة التي حطت فيها كل أوزار الرشوة، وفضائح السمسرة، ومكائد الجاسوسية العالمية، ومؤامرات الصناع والتجار، من أكابر المجرمين في أسواق الهلاك وقضايا التسليح.. وليس بعيدًا أن تكون الجائزة قد أصبحت عنوانًا كاذبًا لصاحبها وابتكاره المهلك.. فقد غدت الجائزة لعبة مكشوفة لأصحاب الأصابع الخفية، ممن يملكون صناعة النجوم ودولاب الإدارة عن بعد، لكوكبنا بما فيه ومن فيه.

وكان نوبل رجلاً يمثل نموذجًا للمتاعب الصحية والفكرية والعلمية، فقد عاش عمره وهو يرى نفسه نصف إنسان Demi-man.. يعمل وهو مصاب بالذبحة الصدرية وآلام المعدة والأمعاء.. ومتاعب الجسد المريض"..

ولذلك كان مضحكًا أن يكون أول الفائزين بها الشاعر المفكر الفرنسي "رينيه سولي برودوم".. وأن يكون من أسباب منحه للجائزة:" أن أدبه الفني يتسم بالروح المثالية السامية، والإتقان الفني والتوفيق النادر بين الضمير والعبقرية([3])".

وكان أكثر إضحاكًا أن تمنح الجائزة عام 1953م "لتشرشل" وهو من أكبر دعاة التسلح والاستعداد للحرب، وتشغيل غرف الموت وكواليس الهلاك.

وكان "ألفريد نوبل" قد حصل على براءة اختراع الديناميت عام 1867م، بمقاطعة سري بإنجلترا، ومن ثم أصبح الرجل الأول والأخطر في إشعال الأرض وأهلها، فذهب ذلك الرجل المريض، بعد أن أصبح "صانع الجحيم" إلى الناحية الأخرى من الأرض، ليكافئ المبرزين في صناعة السلام والأمن والحياة، بعد أن جمع له "الديناميت" كنوز الثروة والشهرة، عسى أن يكون على طريق الحسنات اللاتي يذهبن السيئات، ولكن متى دخل اليهود في أمر.. أحالوه أمرًا إدّا، حين جعلوا من هذه الجائزة "مشروطية خفية"، تحيط بشروط الإجادة والتفوق والعبقرية، فتحيل الجائزة إلى علامة استفهام كبرى.

ولم يخطر يومًا ببال العملاق عباس محمود العقاد، وهو يخط هذه السطور أن هذه الجائزة، سوف تذهب إلى أيادي ثمانية من الرجال والنساء، المسلمين والعرب، لتؤكد رؤية العقاد لتلافيف الجائزة، ومشروطيتها غير المعلنة.. حيث ذهبت أول ما ذهبت إلى يد "مسلم" و"عربي" عام 1978م، ليكون ذلك الرجل هو الرئيس السادات، بالتشارك مع مجرم الحرب الصهيوني "مناحم بيجن"، ثم ذهبت عام 1979 إلى عالم الفيزياء المسلم الباكستاني الدكتور محمد عبد السلام، بالاشتراك مع غيره أيضًا.

كذلك ذهبت عام 1987 إلى الأديب الروائي نجيب محفوظ في الآداب، فيما حصل الدكتور أحمد زويل عليها 1999 في الكيمياء، ثم عادت إلى حلبة السياسة ليقتسمها الثلاثي (ياسر عرفات وإسحاق رابين وشيمون بيريز) عام 1994م.

ثم تلقاها الدكتور محمد البرادعي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 2005، مناصفة مع الوكالة نفسها، لدورهما في ملاحقة ومحاربة ونزع الأسلحة النووية.

ثم ذهبت الجائزة عام 2006 إلى الكاتب الأديب التركي "أورهان ياموك".. ثم الناشطة اليمنية الشابة "توكل عبد السلام كرمان" عام 2011م.. وسط أتون الربيع العربي، الذي أوشكت فيه الشعوب العربية، أن تمسك بالزمام في المنطقة العربية بأسرها.

وقد كان العقاد –وكما هو العهد به دائمًا– صاحب الضربة الأولى في هذا الحقل الشائك، حيث كان كتابه الأول عن جائزة نوبل، هو كتاب "شاعر أندلسي وجائزة عالمية" الذي صدر عام 1956م، هو الجرس الأول في هذا الميدان، بالنسبة لنا نحن العرب والمسلمين وفيه نبّه بقوة وأشار بوضوح، إلى الأسرار والأخطار المحيطة بهذه الجائزة، وقد صدر كتابه الثاني جوائز الأدب العالمية "مثل من جائزة نوبل" أول مارس عام 1964، عن سلسلة المكتبة الثقافية بالعدد (104) في مقدمة وثلاثة عشر فصلاً نوعيًا، قام فيها العقاد بتغطية كل الملابسات والظروف والخلفيات المحيطة بالجائزة، التي ألمت بها –وما زالت– عوامل عنصرية وموازنات غير مرئية، وخيوط وهمية، يمسك بها صناع السياسة، في الحكومة الخفية التي تدير العالم، وتقوم بتشغيل الشخوص على مسرحه الكبير، وتتقن حبك الديكور، وتتفنن في توزيع الأدوار، بما يستهوي النظّارة والمشاهدين والمتفرجين، ممن وقع عليهم القول، فألقى قوم "نوبل" عليهم حبالهم وعصيهم.. وخُيل إليهم من سحرهم أنها جائزة تسعى إلى مستحقيها.

وحسنًا فعل العقاد رحمة الله عليه، حين حاكم هذه الجائزة المدوّية إلى الحقيقة والمنطق، فعقد مقارنة بين عشرة من الذين استحقوها، وعشرة ممن حرموها، وهم جميعًا من نجوم الأدباء العالميين.

ولعل أبرزهم، تلك المقارنة التي قارب فيها العقاد بين "طاغور" شاعر الهند الذي استحقها عام 1913م، وحكيم الإسلام الدكتور الشاعر محمد إقبال الذي حرمها.. على الرغم من أن "إقبال" كان أعمق فكرًا، وأسطع نجمًا، وأعظم شهرة.. إلا أن ذهاب الجائزة إلى "طاغور" "البرهمي" وانصرافها عن إقبال "الإسلامي"، لا يزال غير مفهوم إلى اليوم، خاصة وأن الجائزة قبل حصول "طاغور" عليها، لم تكن قد خرجت من القارة الأوروبية بعد، ولم يكن قد ترشح لها أحد من أبناء القارات الأخرى، ولم تعثر لجنة الجائزة في وصية "ألفريد نوبل" على سند يسوّغ لها منح الجائزة لغير الأوروبيين، فنبهت لأول مرة إلى جواز منح الجائزة لفائزين من خارج أبناء القارة الأوروبية.. وقد نبهت اللجنة إلى أنه من أهم أسباب منح "طاغور" الجائز "أنه جعل أفكاره الشعرية، كما عبّر عنها في اللغة الإنجليزية، جزءًا من الأدب الغربي.

وتطل العنصرية أيضًا حين نجد من بين الفائزين بها الشاعر الإنجليزي "كبلنج" وهو من أعتى وأشهر دعاة العنصرية بل إنه القائل: "الشرق شرقٌ والغرب غربٌ ولن يلتقيا" "Oh, East is east, and west is west and will never the twin shall meet، إلى جانب أعماله الأدبية مثل"جنجادين"، و"رسالة الرجل الأبيض" التي تطفح بالعنصرية وتنضح بالنزعة الاستعمارية.

ومن أعجب العجائب التي تبلغ مرارتها حد الموت بالسم الناقع.. أن تُمنح نوبل للسلام مؤخرًا لحمالة الحطب صاحبة مجازر ومحارق الروهنجيا "أون سان سوتشي" المدعوة برئيسة ميانمار.

 

 _____________________

الهوامش

 [1] ) ولد العقاد في 28 يونيو عام 1889 وتوفي في 12 مارس عام 1964، عن أربعة وسبعين عامًا وقد ترك ثروة هائلة من الفكر والعلم والأدب، تربو على المائة وعشرة من أنفس الكتب الدراسات إلى جانب ما يصل إلى 13 ألف مقال في شتى فنون الثقافة والمعرفة

[2] ) فهمي هويدي، الأدب ملكًا متوجًا، جريدة الدستور، العدد 168، 4 يونيو 2008م.

[3] ) جائزة نوبل، العقاد، 1964، القاهرة، ص 12.

  • عنوان تمهيدي: هل أصبحت الأكاديمية السويدية لجائزة نوبل بيتاً سيء السمعة؟..
عدد المشاهدات 2114

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top