قصة ميلاد المسيح في سورة «مريم» تزعج القساوسة..

08:58 27 أكتوبر 2014 الكاتب :   د. محمد سعيد باه
فجر أحد القساوسة من وفد الكنيسة الذي جاء من «غينيا كونا كري»، قنبلة من العيار الثقيل حين طرح سؤالاً عكر الأجواء بل قلب كل المعادلات

في عام 1991م عاش المسلمون في منطقة غرب أفريقيا شهوراً من القلق وهم يكابدون هاجس زيارة البابا يوحنا بولس الثاني، الذي تميز بأنه أكثر البابوات دوراناً حول العالم بحيث لم يكن يكاد يلقي عصا التسيار، وزاد من مرارة الموقف أن تلك الزيارة كانت قد برمجت على خلفية التحضيرات التي كانت جارية لعقد مؤتمر القمة لمنظمة المؤتمر الإسلامي (منظمة التعاون الإسلامي حالياً) في مدينة دكار عاصمة السنغال، وكانت الكنيسة تتحسب لما يمكن أن ينعكس عليها وعلى خططها في المنطقة من آثار جراء حدث بتلك الضخامة، وهنا جاءت فكرة جولة البابا لاحتواء الموقف.

 

 كما شهدت برامج وخطط التنصير الموجهة إلى العالم الإسلامي، وإلى الديار الأفريقية على وجه الخصوص، في تلك الفترة، حالة من الانتعاش قل نظيرها في تاريخ التنصير الموجه إلى العالم الإسلامي، حيث راج شعار ضخم تم التطبيل له بكثافة تحول بسبب ذلك إلى بعبع لدى كثير من المسلمين «تنصير العالم عام 2000م»، وكل ذلك في إطار توصيات مؤتمر «كلورادو»(1).

زيارة رأس الكنيسة

خططت الكنيسة بدهاء من أجل جعل المسلمين يستسيغون زيارة رأس الكنيسة إلى المنطقة، ولجؤوا إلى كل التدابير للتغلب على ردود أفعال المسلمين، ونظمت بهذا الصدد حملة دعائية نفسية ضخمة لتخدير الإرادة الشعبية، وكان ضمن المخطط تنظيم سلسلة من جلسات الحوار «الإسلامي - المسيحي» مع انتقاء من يصلح من «العلماء والأئمة» أن يشارك في مثل هذه اللقاءات دون أن تتعكر الأجواء.

فصول القصة

وفي أحد هذه اللقاءات تبدأ فصول قصتنا، وذلك عندما دعت قيادة الكنيسة في منطقة غرب أفريقيا إلى ندوة للحوار «الإسلامي - المسيحي» في غينيا بيساو حشد لها أقدر وألمع العقول الكنسية على مستوى المنطقة، بينما دعي من الجانب الإسلامي بعض العناصر التي كان حظها من المصداقية ضئيلاً، وبقدر أقل من المؤهلات الفكرية لتمثيل الجانب الإسلامي في هذه الجلسات التخديرية.

لكن تدبير الله يعمل دائماً وراء الستار!.. فما أن بدأت الجلسات حتى فجر أحد القساوسة من وفد الكنيسة الذي جاء من «غينيا كونا كري»، قنبلة من العيار الثقيل حين طرح سؤالاً عكر الأجواء بل قلب كل المعادلات فقال: أنتهز هذه الفرصة السانحة لأطرح سؤالاً طالما راودني، وكابدت المشقة في الوصول إلى جواب عليه، ألا وهو: أي الروايتين لميلاد المسيح أصح؛ أهي التي وردت في الكتاب المقدس أم تلك التي ترويها سورة «مريم» في القرآن الكريم؟

فما أن انقشع هول المفاجأة حتى سارع المنظمون - على جاري عادتهم في مواجهة مثل هذه المواقف المحرجة - إلى طلب تعليق جلسات الندوة للقيام ببعض الترتيبات، بينما كان الهدف الحقيقي من طلب المهلة يتمثل في تدارس الطريقة المثلى للتعامل مع هذا التحدي الذي كان آخر ما توقعوه في هذه الظروف، وبالتالي اتخاذ ما يلزم تجاه هذا القسيس الشاب والمشاكس الذي سبب لهم كل هذا الإحراج إلى درجة الفضيحة.

 ألمع القساوسة

أما صاحب السؤال، الذي ينتمي إلى جمهورية «بنين» الصغيرة التي حاولت الكنيسة في ظل الاحتلال الفرنسي للمنطقة أن تجعل منها مصنعاً لتفريخ القساوسة بما أنشأت فيها من مؤسسات كنسية بما في ذلك المحاكم الخاصة وسجن وحبس القساوسة، فقد كان من ألمع القساوسة الشباب ممن كانت الكنيسة تراهن عليهم لتنفيذ برنامج التنصير الشامل في المنطقة ما جعلها تغدق عليهم بالأموال، وتسخر لهم كل الوسائل بعد أن أنفقت أموالاً طائلة في تكوينهم وتدريبهم وصقل مواهبهم.

وللأسف، فإن القس كان واهماً حين راهن على علماء وأئمة يمثلون الجانب الإسلامي في هذا اللقاء، وذلك حين تصور بأن هؤلاء سيكونون له سنداً، وسيؤازرونه، فيقدمون الرواية القرآنية عن ميلاد عيسى عليه السلام المعجز بتلك الطريقة الرائعة الأخاذة التي تجمع بين المعجزة والطهارة بخلاف تلك الطريقة السمجة بل «المقرفة» التي تقدم بها في أدبيات الكنيسة.

بحكم التجربة كان صاحبنا قد أعد للأمر عدته، ولذلك لم ينتظر طويلاً كي يتم اتخاذ الإجراءات المعتمدة في مثل هذه الحالات لتأديب كل من يخرج على الخط المرسوم بأقصى ما يمكن من الصرامة، بل شرع في تنفيذ الخطة البديلة التي كان قد وضعها في حال سارت الأمور في الاتجاه الذي لا تشتهيها السفن.

حزم أمره، واتخذ الخيار الوحيد الذي كان أمامه «الفرار» من المكان بأسرع وقت ممكن قبل أن يتم اتخاذ الإجراء الذي يعرفه مسبقاً، والذي سيبدأ بالتحفظ عليه (السجن)، ثم تبدأ عملية غسيل المخ والضغط النفسي والذي قد تنتهي، متى أصر على موقفه في الوصول إلى الحق من خلال مقارنة الروايتين، إلى إجراءات أكثر عنفاً وربما إلى ما لا تحمد عقباه.

من هذه اللحظة انطلقت عملية مطاردة شرسة تستهدف القبض على قسيس هارب كان منذ لحظات من أبناء الكنيسة المدللين؛ لأنه خرب كل الخطط، وأربك كافة البرامج التي كانت قد صيغت بعناية، وأصبح القسيس الشاب ملعوناً تترصده يد الموت في كل لحظة وخاصة في هذه اللحظات التي كانت تتسم بالشحن العاطفي بحيث لا يمكن لقيادة الكنيسة أن تقبل الهزيمة بالتعرض لضربة أو هزيمة من هذا القبيل وبهذا الحجم المدوي.

 رحلة للمجهول

في رحلته إلى المجهول تصور القسيس الهارب مرة أخرى أنه سيجد الرعاية في كنف القيادة الإسلامية بالمنطقة، وهو ما جعله يقرر العودة إلى غينيا كونا كري في ظروف صعبة قاصداً أحد المراكز الإسلامية ملتجئاً إلى إحدى الشخصيات الإسلامية البارزة؛ ليعلن إسلامه على يديها، لكن ما إن علم الرجل بطبيعة القصة وحجم الرجل ومدى حساسيتها لدى قيادة الكنيسة التي تتمتع بنفوذ سياسي أكبر من حجمها بكثير، حتى نصح القس الهارب بالتوجه إلى الرابطة الإسلامية التي كانت تمثل السلطة الإسلامية الأعلى بالبلاد في العاصمة للالتجاء إليها.

ومن سوء حظ القسيس أنه لم تكد قدماه تطآن أرض العاصمة الغينية حتى وجد أن أخبار هروبه قد سبقته إليها، وأن العيون قد بثت لترصده وفرض حصار شامل على بيته، لكنه أصر على إعلان إسلامه واختيار اسم «إبراهيم»؛ ليكون عنوان عقيدته الجديدة، وهو الأمر الذي فجر موجة عارمة من الغضب لدى الكنيسة التي أوعزت إلى بعض الأتباع بمعاقبته فأضرمت النار في ممتلكاته، وأحرقت شهاداته، وصدرت ضده تهديدات بالموت.

وكما يحدث عادة في مثل هذه الأجواء المتوترة ثارت موجة هائلة من النخوة الإيمانية في أوساط المسلمين عموماً ولدى القبيلة «الفلانية» التي تعتبر نفسها مسؤولة عن حماية الإسلام والتصدي لكل من يستهدفه أو يقصد أهله بالشر بصورة خاصة، فشكلوا سياجاً أمنياً حوله مع تقديم كل الرعاية اللازمة له، لكن ذلك لم يكن ليضعه في مأمن من الأخطار التي كانت تحدق به من كل جانب.

اشترطت الكنيسة أن يغادر القسيس السابق البلاد إلى حين انتهاء زيارة البابا المرتقبة على الأقل، وهكذا اضطر الرجل إلى المغادرة لا ليرتاح وإنما ليبدأ سلسلة من المعاناة والتشرد زار خلالها عدداً من البلدان من بينها مسقط رأسه في «بنين» حيث كان يتوقع الحماية والرعاية لكنه ما إن وصل حتى فوجئ بخاله قد عبأ بندقيته وأعد العدة لقتله انتقاماً لكرامة الكنيسة التي مرغها في الوحل.

 المأوى والعون

وبعد كر وفر غادر بلاده وحط رحاله في السنغال التي وجد فيها المأوى والعون لدى جمعية الطلبة المسلمين في جامعة دكار التي بقي فترة مختفياً عن الأنظار ريثما تهدأ العاصفة الهوجاء التي فجرها بسؤاله البسيط الذي كان قد طرحه منذ شهور عن قصة ميلاد المسيح في سورة «مريم».

عانى الرجل طويلاً من حياة التشرد وعضه الجوع، وعاش في أجواء من الخوف بعد تلك الحياة الآمنة التي كانت الكنيسة توفرها له، لكن خياره لاعتناق دين الحق لم يكن ليتزعزع قيد أنملة، وهو ما جعله يواصل رحلته مع عقيدته الجديدة التي قرر أن يبشر بها مستغلاً مقدرته التواصلية وتجربته في مجال التنصير ليمارس الدعوة إلى الإسلام.

وبعد أن انكشف غبار المعركة عاد إلى غينيا، وتزوج وأسس أسرة، ثم واصل مسيرة الدعوة إلى الإسلام، وآخر عهده في بلده بنين مع القيام بجولات إلى مختلف البلدان بين فينة وأخرى، بهدف الدعوة إلى حقائق وجمال الدين الحنيف الذي هداه الله إليه.

 

 الهامشان

(1) أتذكر أن التحدي والاحتقان وصلا درجة هدد الشيخ عبدالعزيز سِهْ، زعيم الطائفة التجانية بالسنغال يومها، بالنوم على مدرج المطار للحيلولة دون نزول طائرة البابا.

() عايشت معظم فصول هذه القصة، ولقد اختار صاحب القصة أن يطلق اسمي على ابنه البكر.

عدد المشاهدات 1394

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top