كفاحية عالِم (3-4)..
تساؤلات حول مبادئ الأمن القومي العربي

17:52 17 ديسمبر 2019 الكاتب :   د. حسان عبدالله حسان*

 

      التساؤل الرئيس في الحلقة الثالثة من (كفاحية عالِم: حامد ربيع في مواجهة انهيار أمة) هو هل تَعَلَّم الحكام العرب في مدرسة الأمن القومي العربي؟ أو كيف تعلم الحكام العرب مبادئ الأمن القومي؟ وبصيغة ثالثة لماذا فشل الحكام العرب في إدراك أبسط مبادئ الأمن القومي العربي؟ ولماذا تغافلوا عنها؟ بالجهل تارة والتعمد تارة أخرى.

المبدأ الأول

الوضوح

( البداهة والممارسة التاريخية)

      يؤكد ربيع هنا أن أول عناصر التعلم لمفهوم الأمن القومي العربي هو إدراك مكانته في السياسة التقليدية العربية في جذورها الأولى, والتي تميزت بوضوح هذا المفهوم على المستوى الإجرائي. فالمتتبع للسياسة الفرعونية يلحظ كيف أن هذا المفهوم كون أحد عناصر المنطق والإدراك القيادي. رغم أن دولة مصر الفرعونية لم تكن منفتحة ولا تسعى للسيطرة الإقليمية وأنها بطبيعتها كانت منغلقة متقوقعة على نفسها، هي أفريقية أكثر منها أسيوية، إلا أن قياداتها الواعية فهمت أن الدفاع عن حدودها الشرقية لا يجوز أن يتمركز حول حدودها الطبيعية – أي في سيناء- ولكن يجب أن يبدأ من شمال سوريا وعلى وجه التحديد من منطقة الأناضول. حروب تحتمس ورمسيس ليست في حاجة إلى إفاضة ورغم طابعها الاستفزازي إلا أنها تأكيد للفهم الواعي الحقيقي لأوضاع مصر الاستراتيجية التي يجب أن يكون أساسها استئصال ومنع تكامل أي قوة غير مصرية على حدود مصر الشرقية فيما هو مجاور لمنطقة سيناء. إن صحراء سيناء خنجر مصوب إلى قلب مصر لا يسمح بحرية الحركة ولا يمكن حربا دفاعية من أن تكون ناجحة. هذا المفهوم انتقل أيضا إلى الوعي العربي. عودة إلى خطابات عمر بن الخطاب وعمرو بن العاص توضح كيف فهمت القيادات العربية الإمكانيات التي يتيحها عدم استيعاب مصر في الدولة الإسلامية الناشئة. إن قدرة مصر على أن تغزو سهول الشام وأن تمنع أي نظام معاد من الاستقرار برزت صريحة قاطعة في ذهن القائد العربي عمرو بن العاص وهو يقنع عمر بن الخطاب بعدم تأجيل فتح مصر. الأحداث اللاحقة أثبتت ترسيب هذا المفهوم. فالعالم العربي الذي اتجه لأن يصير دولة آسيوية وقد تمركزت قوتها الحقيقية حول الخليج وبصفة خاصة عقب بناء الدولة العباسية لم ينس أن عليه أن يفهم معنى حماية الأمن القومي في دائرة البحر المتوسط. أن أي قيادة واعية تخطط للمستقبل وتفهم أن عدو الغد قد يكون صديق اليوم يجب أن تعرف جيدا معنى ودلالة أمنها القومي**.

المبدأ الثاني

التماسك

(التماسك صنو الحرية)

   يحدد ربيع المبدأ الثاني في درس "الأمن القومي العربي" وهو التماسك, أي التماسك الداخلي للدولة أو الأمة, وهو يرتبط تبماسك شبكة العلاقات الاجتماعية الداخلية التي يجب أن تكون في قمة تعاضدها المعنوية والمادية, يقول في ذلك: ... والذي يبرز واضحًا من متابعة تاريخ السياسة العربية هو مبدأ التماسك. ومما لا شك فيه أن أحد تقاليد مجتمعنا الإسلامي هو الحرية المطلقة. وحق المواطن في أن يقول كلمته التي لا تعكس سوى ضميره وقناعته مبدأ مقدس في جميع مراحل الدولة الإسلامية الأولى. ولكن حرية الرأي لا تعنى المهاترة. كذلك فإن حق المواطن في أن يعلن برأيه، له حدوده من حيث نتائج الإعلان عن الرأي وأهم ما يفيدنا بهذا الخصوص أن المجتمع القومي في مواجهة المجتمع الخارجي، عدوًا كان أم صديقًا، هو قبضة واحدة، هو إرادة واحدة، ووجهة نظرة واحدة، حيث تفنى الخلافات ويحل موضعها مبدأ التماسك، أي حيث تصير علاقة الدم مبررًا لأن يقف الأخ إلى جوار أخيه مهما كنت النتائج. مبدأ التماسك مفهوم قبلي صاغه ابن خلدون صياغة حديثة باسم العصبية. القراءة المتأنية لابن خلدون تفصح عن أن ما أراده بكلمة العصبية ليس هو التعصب العنصري ولكن ما هو أبعد من ذلك وأكثر أهمية. هو التكتل حول المفهوم الجماعي في إرادة واعية متدفقة لمواجهة الخطر الخارجي. التماسك بهذا المعنى هو أحد خصائص السياسة العربية الذي ظل يسيطر عليها بإطلاق يدعو للدهشة والإعجاب حتى قرابة النصف الثاني من العصر العباسي الأول. مما لا شك فيه أن عنصر الدين والولاء للأمة والاستجابة العقائدية وسيطرة مفهوم الجهاد تضافرت على تمكين هذا المبدأ من الإيناع والازدهار.

المبدأ الثالث

 التدبر

 (وضوح الرؤية)

     يؤسس ربيع لقيمة عليا في درس الأمن القومي العربي وهي قيمة من التراث السياسي الإسلامي وهي "التدبر" ويمكن أن نلحظها من جانبين متكاملين أحدهما نظري وهو: الفهم والإدراك والوعي والإحاطة وشمول الرؤية, والثاني: التدبير أي: اتخاذ الإجراءات والاستعدادات المادية والاحتياطات اللازمة لأمر ما. يثول ربيع في ذلك : ...المبدأ الثالث هو التدبر ووضوح الرؤية. مبدأ أسياسي لنجاح أي سياسة خارجية. ومفهوم الأمن القومي تعبير عن هذا المبدأ, ولكن الواقع أن المبدأ أكثر اتساعًا: أنه يعنى صياغة جميع احتمالات المستقبل والاستعداد لكل احتمال بحيث لا يؤخذ الحاكم على غرة، أنه يفرض أن القيادة تملك تصورا واضحًا لما تريد من حركتها كإستراتيجية أولا أي كتعامل كلى شامل، وكتكتيك ثانيًا، أي كخطوات مرحلية، وكحركة ثالثًا أي كجهد يبذل لا بد أن يكون له عائد وأن يكون هناك توازن بين ذلك الجهد وذلك العائد وهو ما نعبر عنه اليوم بكلمة اقتصاديات الحركة.

    ويصيف أيضًا في نظرة لتطبيق المبدأ على المستوى التاريخي العربي: أنه عندما فهمت القيادات العربية [التاريخية] أن فتح بيزنطة يقتضي جهدًا هائلًا وإنفاقًا مخيفًا وهي قد حددت لنفسها مقدمًا أن سواحل البحر المتوسط الشمالية لا تعنيها، ورغم أنها كانت قادرة على تحقيق ذلك الفتح لم تتردد في أن تنسحب وأن تتخلى عن غزو منطقة الأناضول. لسنا في مقام تقييم تلك السياسة، ولكن الدلالة التي نريد أن نصل إلى بلورتها هي أن وضوح الرؤية والتدبر له جانباه، الإيجابي والسلبي. وأن السياسة الخارجية لا يمكن أن تنطلق من انطباعات مؤقتة أو من إيضاحات وليدة اللحظة الفجائية, إن السياسة الخارجية تعبير عن نشاط الجسد في حركته الإقليمية وكل جسد له خصائصه. ومن ثم فإن حركة أي جسد لا يمكن أن يحددها إل خصائص ذلك الجسد. الإدراك أو القيادة لا تفعل سوى أن تسمح لتلك القدرة بأكبر قسط من الفاعلية. ومن هنا تبرز أهمية وضوح الرؤية ومفهوم التدبر.

المبدأ الرابع

يَا أَيُّهَا النَّاسُ

    يقوم المبدأ الرابع على فكرة التوجه الغائي للسياسة العربية وهي أنها تتوجه إلى الإنسان كل الإنسان, وليس فقط الإنسان العربي, أي أنها تنطلق من الإسلام الذي وجه خطابه لكل الناس, ومن السيرة النبوبة في خطبة الوداع, وهذا يعني أن السياسة العربية تتجنب قبائح السياسات الغربية المعاصرة في عنصريتها القميئة التي ابتدعت مفهوما تحيزيًا للإنسان هو الإنسان الغربي فقط أو الإنسان الأبيض فقط. يقول ربيع في هذا المبدأ:

   إن أخطر ما تبرزه السياسة العربية من خصائص تعبيرًا عن قوة وأصالة تقاليد تلك السياسة هو ما نستطيع أن نسميه بمبدأ التمييز بين الوضع الداخلي والتعامل الخارجي. فأحد أسباب قوة السياسة الخارجية هي قدرة الحاكم على أن يفصل بطريقة قاطعة بين سياسته المحلية وصراعه الدولي. مما لا شك فيه أن هناك علاقة ارتباط، كذلك يجب أن نسلم بأن حاكمًا يسعى لأن ينجح في سياسته الخارجية يجب أن يقدم لذلك بنجاح لا يقل وضوحا في تعامله الداخلي. ولكن المبدأ يظل قائما: الوضع الداخلي له مقوماته وله منطلقاته المختلفة والمستقلة عن التعامل الخارجي. هذا التمييز يصير أكثر وضوحًا في المجتمعات الأوروبية حيث درجت على تقبل الخديعة والكذب وسيادة لغة المصلحة في العلاقات الدولية دون الممارسة الداخلية والقومية. المجتمع الإسلامي يقوم على مبدأ عالمية الدعوة، إنه يتجه إلى الإنسان وليس إلى العربي. وعندما يخاطب الرسول قومه يستخدم عبارة يا أيها الناس، وليس يا أيها العرب. دستور المدنية يعتبر اليهود أحد عناصر الأمة التي يحكمها الرسول، دعوة علمية كذلك فهي أخلاقية. مبدأ وحدة القيم في حالة الحرب هو مبدأ ثابت في تاريخ التقاليد الإسلامية أيضا في فترة العصور الوسطى. وهو الذي أثار إعجاب العالم الغربي وعبر عنه خلال الحروب الصليبية بكلمة الشهامة العربية.

ورغم هذه الطبيعة التي كان يجب أن تفرض الخلط بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية وحيث مفهوم للقومية يكاد يكون لا وجود له ليحل موضعه مفهوم الأمة الإسلامية. فإن متابعة السياسة الخارجية الإسلامية تفضح بشكل صريح وقاطع كيف أن جميع القيادات فهمت معنى وضرورة الفصل والتمييز بين الوضع الداخلي والتعامل الخارجي. العدو أيا كانت احتمالاته لا محل لمساواته بالموطن أيا كانت ديانته. الالتزامات التي تفرضها الدولة على القائد تختلف اختلاف جذريا عندما يتم التعامل مع الداخل عنها ونحن بصدد  التعامل الخارجي. العودة إلى رسالة ابن تيمية وفي قلب العصور الوسطى تفصح بوضوح عن ثبات هذه القاعدة. بل أن قراءة الرسائل المتبادلة بين الرسول ثم بين خليفته أبي بكر والعالم الخارجي المحيط بالدولة الإسلامية الناشئة ومقارنة تلك الرسائل مع الرسائل الأخرى التي تبودلت وبصفة خاصة خلال فترة حروب الردة تسمح بتأصيل واضح لهذه التفرقة.

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهامشان:

* أستاذ أصول التربية المساعد- جامعة دمياط.

** انظر حول هذه المبادئ: حامد ربيع: نظرية الأمن القومي العربي والتطور المعاصر للتعامل الدولي في منطقة الشرق الأوسط, القاهرة, دار الموقف العربي, 1984, ص14-16.

  • عنوان تمهيدي: كفاحية عالِم (3-4)..
عدد المشاهدات 2690

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top