كأس العالم للسعادة

16:35 07 يناير 2020 الكاتب :   د. أحمد عيسى (*)

 

 

السعادة الفنلندية لا تقاس بتعابير الرضا والسرور على الوجه بل بدرجة تلبية الحاجات الأساسية للسكان

ثلث أعداد الوفيات بين شباب فنلندا سببها الانتحار و20% من الشباب يعانون من الاكتئاب

71% من الفنلنديين لا يعتقدون بالبعث وثلثهم فقط يؤمنون بإله المسيحية وربعهم ملحد

السعادة في الإسلام شعور داخلي يتمثل في سكينة النفس وطمأنينة القلب وانشراح الصدر

 

 

يبحث الناس دائماً عن السعادة حسبما تتشكل في أذهانهم؛ فمنهم من يظن أنه وجدها، ومنهم من لا يزال يبحث عنها كمن يحاول عبثاً أن يجد لؤلؤ البحر في الصحراء القاحلة، وقد أصدرت الأمم المتحدة منذ عدة أشهر تقرير السعادة العالمي، وفازت فنلندا بالمركز الأول، واعتبرت أنها أسعد دولة في العالم للعام الثاني على التوالي، فعلى أي أساس كان التصنيف؟ وهل هذا هو مقياس السعادة الحقيقية؟

ويصنف التقرير البلدان بناء على ستة متغيرات رئيسة تدعم الرفاهية: الدخل، والحرية، والثقة، ومتوسط العمر المتوقع في الحياة الصحية، والدعم الاجتماعي، والكرم(1)، أما أسعد عشر دول بالعالم حسب التقرير فهي بالترتيب: فنلندا، الدنمارك، النرويج، أيسلندا، هولندا، سويسرا، السويد، نيوزيلندا، كندا، أستراليا.

والسعادة الفنلندية لا تقاس بتعابير الرضا والسرور على الوجه، بل بدرجة تلبية الحاجات الأساسية للسكان، فالفنلنديون أكثر ارتياحاً من سواهم لناحية تلبية الحاجات اليومية، فنظام الرعاية في البلاد متميز، كما أن أوقات العمل مرنة، وتتيح الإجازة الوالدية السخية للتوفيق بين الحياة المهنية والعائلية، كذلك فإن الضرائب التي تمول الأجهزة العامة الفعالة هي موضع إجماع، ويسري ذلك على سياسة التقشف التي تعتمدها حكومة ترأسها أصغر رئيسة وزراء في العالم بعمر 34 عاماً، ويعود السبب في نيل فنلندا هذه الكأس الذهبية للسعادة بجزء كبير إلى عوامل، مثل جودة المؤسسات في البلد، وغناه المادي، والمساواة في توزيع الثروات، والثقة المتبادلة، وغياب الفساد، وهذا أمر سديد يحسب لها.

ولكن.. رغم ذلك لا يزال معدل الانتحار في فنلندا مرتفعاً؛ ففي عام 2017م انتحر 824 شخصاً؛ أي بمعدل 15 لكل مائة ألف، وهي نسبة أعلى من المتوسط(2)، وهي في المركز السادس أوروبياً، فقط بعد الدول الأوروبية الآتية في معدل الانتحار: بيلاروس، أوكرانيا، بلجيكا، إستونيا، روسيا، كذلك الأمر بالنسبة لاستهلاك الكحول ومضادات الاكتئاب؛ فيستخدم مضادات الاكتئاب سنوياً أكثر من 400 ألف فنلندي (من أصل خمسة ملايين ونصف مليون هم إجمالي السكان)، ويصل عدد مرضى الاكتئاب بكل درجاته إلى واحد من كل خمسة من السكان(3)، وتحتل فنلندا مركزاً متقدماً بعد الدول الأخرى الأكثر سعادة والأكثر تعاطياً لمضادات الاكتئاب في العالم (أيسلندا الأولى، أستراليا الثانية، كندا، السويد، الدنمارك، نيوزيلاند)، وتحتل فنلندا المركز العاشر أوروبياً في تعاطي الخمور (يسبقها من العشر السعداء الدنمارك وسويسرا!)(4).

ماذا تحت ظلال السعادة؟

أوضح تقرير نشر في «BBC" بعنوان "لماذا ترتفع معدلات الاكتئاب بين الشباب في أسعد دولة في العالم"؟(5)، قول الكثير من الخبراء أن الصورة النمطية لفنلندا كأسعد دولة في العالم قد تحول دون رؤية التحديات التي يواجهها المرضى النفسيون فيها، ولا سيما الشباب، ويرى البعض أنها تمنع الفنلنديين من تمييز أعراض الاكتئاب والاعتراف بها للحصول على العلاج المناسب، ولا تزال معدلات الانتحار في فنلندا أعلى منها في سائر البلدان الأوروبية، إذ إن ثلث أعداد الوفيات بين الشباب في الفئة العمرية بين 15 و24 عاماً سببها الانتحار.

وأشار تقرير رسمي نشره المجلس الشمالي للوزراء ومعهد أبحاث السعادة في كوبنهاجن إلى أن 16% من الفنلنديات من سن 18 إلى 23 عاماً، و11% من الشباب، يقولون: إنهم «يعانون» أو «يواجهون مصاعب» في الحياة، وأشارت تقديرات الجمعية الفنلندية للصحة النفسية إلى أن نحو 20% من الشباب تحت الثلاثين عانوا من أعراض الاكتئاب، وذكر تقرير للمركز الشمالي للصحة النفسية والقضايا الاجتماعية أن الفنلنديين يشربون كميات أكبر من الخمر مقارنة بنظرائهم في البلدان الشمالية المجاورة، وسلط التقرير الضوء على ارتفاع معدلات إدمان المخدرات بين الشباب في الفئة العمرية من 25 إلى 34 عاماً، ووصلت معدلات البطالة بين الشباب من سن 15 إلى 19 عاماً إلى 12.5% في عام 2018م.

أما الدين فلا يمثل أداة للسعادة في الحياة هناك، فحسب الدستور هناك فصل بين الدولة والدين (الكنيسة الإنجيلية اللوثرية- بروتستانت)، وحسب الإحصاءات؛ فإن 71% لا يعتقدون بالبعث، وثلث الفنلنديين فقط يؤمنون بإله المسيحية، وربعهم ملحد(6)، ويحضر القداس في الكنائس شهرياً ما بين 4 إلى 14% فقط(7).

ولأن الإنسان روح وجسد، والحياة دنيا وآخرة، فالسعادة لا تتم بالاهتمام بمتطلبات الجسد فقط، وإهمال راحة الروح، وبذا فإن فنلندا حازت إن صح القول نصف الكأس! أما نحن المسلمين فالسعادة عندنا شعور داخلي يحسه الإنسان بين جوانبه يتمثل في سكينة النفس، وطمأنينة القلب، وانشراح الصدر، وراحة الضمير والبال نتيجة لاستقامة السلوك الظاهر والباطن المدفوع بقوة الإيمان، والشواهد على ذلك من الكتاب والسُّنة: قول الله (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) (النحل: 97)، ذكر الطبري في التفسير قول ابن عباس أن الحياة الطيبة هي السعادة، ويقول تعالى: (أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (الزمر: 22)، قال الطبري: أفمن فسح الله قلبه لمعرفته، والإقرار بوحدانيته، والإذعان لربوبيته، والخضوع لطاعته «فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ»، يقول: فهو على بصيرة مما هو عليه ويقين، بتنوير الحق في قلبه؛ فهو لذلك لأمر الله متبع، وعما نهاه عنه منتهٍ فيما يرضيه، كمن أقسى الله قلبه، وأخلاه من ذكره، وضيقه عن استماع الحق واتباع الهدى والعمل بالصواب؟ وقال السدي: وسع صدره بالإسلام للفرح به والطمأنينة إليه.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس الغنى عن كثرة المال، ولكن الغنى غنى النفس» (أخرجه مسلم)؛ فالسعادة ليست في القوة بغير الحق، فانظر إلى مصير قوم عاد، أو مال يجمعه الإنسان ويظلم به وإلا لسعد قارون، وليست في الثراء والأولاد مع الكفر كما كان حال الوليد بن المغيرة، وليست في المنصب والسلطة الغاشمة وإلا لسعد هامان وزير فرعون، وليست في متع دنيوية وشهوات وملذات وشهرة ما تلبث أن تنقضي، بل السعادة الحقيقية في طاعة الله، والبعد عن معصيته التي هي سبب في الفوز الأبدي في الآخرة؛ (فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ) (آل عمران: 185).

أنماط السلوك المؤدية للسعادة

هذه دراسة أجريت في جامعة هارفارد، وتعتبر واحدة من أطول الدراسات في العالم، وأكثرها إحاطة بالموضوع؛ بدأت في عام 1938م؛ لمدة 80 عاماً، واستخلصت أن السعادة ليست بالعمل وتحقيق الثروة، ولكن هناك ثلاثة أسباب للسعادة، هي: العلاقات الوثيقة، وجودة العلاقات، والزواج المستقر؛ فمن له علاقات قوية مع العائلة والأصدقاء والمجتمع، كانوا أكثر سعادة وأصحَّ بدناً، ويعيشون عمراً أطول، أما من عاشوا في عزلة، فهم أقل سعادة، كما أن حالاتهم الصحية والنفسية كانت سيئة؛ أسوأ من المخدرات والخمر، كما أن هذه العلاقات الجيدة لا تؤثر على صحة الجسم فحسب، بل تساعد في الحفاظ على القدرات العقلية؛ فالأشخاص الذين تزوجوا ولم يتعرضوا للطلاق أو الانفصال أو مشكلات خطيرة حتى عمر الخمسين، أحرزوا فيما بعد درجات أعلى من غيرهم في اختبارات الذاكرة(8).

 والواقعية تقتضي ألا ننكر أن للجانب المادي نصيباً من السعادة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سعادة المرء الجار الصالح والمركب الهنيء والمسكن الواسع» (رواه أحمد)، وروى الترمذي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أصبح منكم آمناً في سربه معافى في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا».

هذه هي السعادة الحقة، السعادة التي لا يملك بشر أن يعطيها، ولا يملك أن ينتزعها ممن أوتيها، السعادة التي شعر بنشوتها أحد المؤمنين الصالحين فقال: إننا نعيش في سعادة لو علم بها الملوك لجالدونا عليها بالسيوف! والسعادة التي لا تنقطع هي ما ذكره الله في سورة «هود»: (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا) (هود: 108).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

(*) دكتوراه جامعة برمنجهام

(1)  World Happiness Report 20 March 2019

https://worldhappiness.report/

(2)  Finland sees more suicides than EU average

https://yle.fi/uutiset/osasto/news

17 December 2018

(3)  More than 400,000 people in Finland take anti-depressants

yle.fi/uutiset/osasto/news

(4)  OECD health statistics 2018

(5)  One in three Finns believe in the Christian God- 14 November 2016

http://evangelicalfocus.com/europe/

(6)  Finland: recent trends and patterns in religion, secularism and atheism

http://www.o-re-la.org/index.php/analyses/item/1424-finland

(7)  Being depressed in the ‹word›s happiest country

BBC 25 September 2019

(8) https://www.adultdevelopmentstudy.org/publications

Harvard Medical School

عدد المشاهدات 2757

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top