د. عصام الفليج

د. عصام الفليج

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لم تكن الهجرة أمراً مستجداً على العالم، فقد بدأت منذ الخليقة، لأسباب عدة لا حصر لها، تختلف مع الزمان والمكان.

ومع انتظام الدول والأمم والحدود، أصبحت هناك إجراءات أمنية ينبغي الالتزام بها، التي منعت من استمرار الهجرة العشوائية.

ولعل السبب الرئيس للهجرة هو طلب الرزق، بالذات لدول أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية وأستراليا، وقد استقبلت تلك الدول المهاجرين من كل مكان بشكل منظم قبل أكثر من قرن، دون النظر للجنس والدين، وذلك بهدف المساعدة في البناء لقلة عدد السكان فيها، مقابل مساحات الأرض الشاسعة، وكانت الأعداد بكل الأحوال قليلة لصعوبة السفر آنذاك (انظر: فيلم "الجذور").

وارتفع «طلب» تلك الدول للمهاجرين بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، لانشغال السكان الأصليين بالحروب، وقيام الوافدين بتغطية النقص في المصانع والمعامل، ثم كثرة قتلى الحروب، ثم الثورة الصناعية والانفتاح الاقتصادي، مما احتاج إلى استيراد عمالة متوسطة المستوى وأقل، للقيام بأعمال البناء والصناعة والطرق والبنية التحتية والزراعة، وذلك لقلة الأيدي العاملة الأصلية، ولكونهم وافدين كانوا يشغلونهم "جبراً" ساعات أكثر في المصانع، ويقسون عليهم في العمل، وتقديراً لدورهم تم منح عدد كبير منهم الجنسية المحلية، علماً بأنهم كانوا يعامَلون معاملة مواطن من الدرجة الثانية، إلى أن صدرت قوانين تنظم العلاقة الوظيفية، ولولا هؤلاء المهاجرون، لما قامت الصناعة والريادة والاقتصاد في كل دول الغرب.

واستقرت خلال هذه السنوات العديد من الأسر الوافدة، وأصبح الجيل الثالث لا يعرف لغته ولا تاريخه، إلا أن معظمهم حافظوا على عاداتهم وتقاليدهم ودينهم، فرأينا الحيين الصيني والهندي، وتنوع المطاعم ومحلات الملابس والأطعمة الخاصة بهم، واتخذوا دور عبادة لهم، وكان الزواج من المواطنين الأصليين في أضيق الحدود.

ومن أبرز العادات التي حافظ عليها المهاجرون كثرة الإنجاب، فالأسرة الغربية الآن لا تنجب سوى طفل واحد، مع ازدياد مطرد للمواطنين المهاجرين.

وبعد ارتفاع المستوى الاقتصادي في الألفية الثالثة، ارتفع المستوى المعيشي للمواطن الغربي، وارتقى عن العمل الوظيفي المتدني، فكان لا بد من استمرار استيراد العمالة، والتي غالبا تكون من آسيا وأفريقيا وأوروبا الشرقية، ومن هنا كان سبب ارتفاع عدد المهاجرين أو مواطنين جدد.

وأما استقبال اللاجئين في أوروبا، فهو بناء على اتفاقيات دولية مع الأمم المتحدة، تلتزم بها كل دولة بنسبة معينة كل عام، مساهمة منها في الجانب الإنساني.

وظهرت في السنوات الأخيرة نعرة غريبة من الأحزاب اليمينية الأوروبية، ومن الرئيس الأميركي، تستفز فيها الشعب الأصلي، وتعتبر الوافدين مواطنين من الدرجة الثانية، وهو تصنيف ممقوت يمارسه المتطرفون في أوروبا، وأن عليهم طرد المهاجرين واللاجئين لأنهم ضيقوا عليهم في الوظائف والمدارس والرزق!

وللأسف يتناسق مع ذلك تصعيد إعلامي موجه يستفز المواطنين، بدعم من اللوبي الصهيوني، وكلنا يعرف من يملك الإعلام في العالم.

ولعل هذا الأسلوب الانتهازي والتهديد يثير قلق المهاجرين حتى لو كانوا من الجيل الثالث، يعيشون الخوف والهلع من وصول الأحزاب اليمينية (والمتطرفة منها) لرئاسة الحكومة، خوفا من الفوضى والإضرار بهم والاعتداء عليهم، كما حصل بعد أحداث 11 سبتمبر، وغيرها من الأمثلة.

أعتقد أنه على الحكومات أن تنتبه لذلك الاختراق الفكري الذي يهدد استقرار البلاد، وضرورة توعية المواطنين بكل ما مضى، وأن التعايش وقبول الآخر هو السبيل الأمثل لاستقرار البلاد.

 

___________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

 

اشتهرت فنلندا بأنها الأفضل تعليما على مستوى العالم، منافسة جيرانها من الدول الاسكندنافية، ولك أن تتخيل أن سبب ذلك هو تقليل أيام الفصل الدراسي، وتقليص ساعات التدريس في الأسبوع، وتجميد الاختبارات الموحدة، وإلغاء الواجبات المنزلية، فتوجت بالمراكز الأولى في اختبارات القياس الدولية.

صاحب هذه الفكرة د.باسي سالبرغ، صاحب كتاب «الدروس الفنلندية»، الذي يبدأ بالتذكير بأهداف التعليم: بناء اقتصاد جيد، والمحافظة على ثقافة البلد، ويقول: أباد التعليم الفنلندي 99% من جراثيم التعليم العالمي، وهي: كثافة المواد، كثرة الاختبارات، طول وقت الدوام، الواجبات والدراسة المنزلية، لأنها ممارسات غير تربوية، إضافة إلى التشدد في محاسبة الطالب والمعلم، كل ذلك من شأنه إرهاق المعلم والتلميذ معًا، وإضعاف عملية التعليم ككل.

ونرى نتيجة ذلك.. الطالب أقل قلقًا، والمعلم أقل توترا، والأبوين أكثر راحة.

ويحذر د.سالبرغ من إلزام الطالب بمعلومات تفصيلية وحفظها (يعتبرها حشو وتلقين) لم يحفظها كُتَّابها الأصليون أساسًا، ولا يتداولها إلا أهل التخصص الدقيق، ويسميها «المعرفة المعزولة». وينبغي التركيز على تعليم الطالب التفكير الإبداعي، والضمير الأخلاقي، والمهارات التواصلية، والموهبة الخاصة. وهذه لا تتطلب مصطلحات جامدة، ولا حفظ نصوص مطولة.

كما أن للمدرسة دور أكبر من أن تحكم على طالب من خلال ورقة، فالتعليم ليس للتقييم، والتوصيف الوظيفي للمعلم محدد بمساعدة كل طالب لفهم المادة داخل الصف، دون ملاحقته بامتحانات طويلة وقصيرة ومفاجئة، ومواسم رعب نهائية.

وبالتالي.. لا يعطى طلاب الابتدائية شهادات تحدد مستواهم بالدرجات والتقديرات، تجنبًا للتصنيفات والمقارنات المبكرة بين الأقران.

وأشار د.سالبرغ إلى الانتقال من مرحلة "توحيد التعليم" إلى مرحلة «تفريد التعليم»، التي تقوم على تفاوت الطلبة في قدراتهم وإمكانياتهم خلال عملية التعلم. ففي مرحلة التفريد يوجَّه المعلم إلى وضع خطة فردية تتناسب مع الاختلافات الطبيعية بين طالب وآخر. وتتسم هذه الخطط الفردية بالمرونة العالية، بحيث يتمكن المعلم من متابعة أداء كل تلميذ على حدة، وبحسب نقاط قوته وضعفه يحدد مدى تطور مستواه التعليمي، ولا يقارَن بتلميذ بآخر، فكل تلميذ له مسار تقييمي خاص يدركه معلمه جيدًا.

وقد يؤدي ذلك إلى استمرار المعلم في تدريس نفس الصف بنفس الطلبة لأكثر من خمس مراحل متتالية، وربما يعرف تلاميذه أكثر مما يعرفهم آباؤهم، وبذلك تلاشت نسب الرسوب في مدارس فنلندا.

وترى المدرسة الفنلندية أن رسوب الطالب نوعًا من الظلم الواقع عليه، لأنه الوحيد الذي يتحمَّل فشل الإدارة والمناهج والمعلمين.

وعندما يُقرَع جرس المغادرة إلى البيت، يكون الطالب في هذه اللحظة قد امتلك باقي يومه؛ يمكث مع والديه، يلعب مع رفقته، يلتحق بناديه.

إن المجتمع بحاجة إلى طالب مُعَد نفسيًّا لمواجهة المشكلات، وذهنيًّا لابتكار الحلول، وهذا ما كان ينتظره الاقتصاديون من التعليم، باعتبار المدرسة منصة ملهمة لبث الأفكار المبتكرة في المجتمع. فانتقلت فنلندا من اقتصاد يعتمد على الموارد، إلى اقتصاد يعتمد على الابتكار.

ووثق المعلم الأمريكي تيموثي ووكر في كتابه "دَرِّس مثل فنلندا" تجربة التدريس في فنلندا، وصف المنهج الفنلندي بصفات ست جمعها في كلمة (SIMPLE)، وهي الأحرف الأولى من كلمات: Sensible (معقول)، وIndependent (مستقل)، وModest (متواضع)، وPlayful (مرِح)، وLow-stress (منخفض التوتر)، وEquitable (عادل)، ولخص ذلك بالآتي:

  • معقول: منهج خفيف مليء بفترات الاستراحة، بواقع 15 دقيقة حرة بعد كل 45 دقيقة تعلُّم.
  • مستقل: يتمتع الطالب بقدر كبير من الاستقلالية داخل الفصل؛ حركته، حواره مع معلمه، تعاونه مع زملائه، وتشكيل فرق عمل جماعية.
  • متواضع: عدم اشتراط توفير أفضل التقنيات وأرفع الميزانيات لتطوير التعليم، فمن خلال منهج متوازن يراعي الطالب؛ يمكنك أن تكون الأفضل في العالم.
  • مرح: يبدأ الطالب التعلم في سن السابعة، وقد قضى طفولته السابقة باللعب، فيدخل المدرسة ليدرس 3 ساعات في اليوم فقط، مليئة بالتعلم من خلال اللعب، ويقضي باقي وقته في المدرسة في اللعب أيضًا، ثم يرحل باكرًا من المدرسة ليلتحق بناديه ليستكمل اللعب. هذه قوة اللعب.
  • منخفض التوتر: بيئة التعلم داخل المدرسة وبعد المدرسة يجب أن تكون هادئة ومريحة، ولا تتطلب إضفاء أجواء توتر وإجهاد. الهدوء والاسترخاء مطلبان مهمان للتلميذ والمعلم معًا.
  • عادل: لا يهم أين تسكن، فأنت دائمًا قريب من المدرسة التي ترغب فيها. لا توجد شروط تعقد قبول ابنك بالمدرسة المطلوبة، هذا حق للجميع.

إن المنهج الفنلندي يحترم النزعة الحركية للطفل، ويتجاوب مع فطرته بمزيد من الألعاب التعليمية والمساحات الحوارية والتعبيرية مع المعلم، وهذا ما جعل شركة «Angry Birds» (شركة فنلندية) تسعى لتصميم ألعاب تشرح المسائل العلمية من خلال المغامرة والترفيه.

ويطرح أركان العملية التعليمية باختصار:

  • الطالب: لا حاجة لتعليمه كل شيء مبكرًا، ومهمتك أن تحفز فضوله الطبيعي نحو التعلم حتى يكبر، ويختار تخصصه المناسب.
  • المعلم: خفف عنه العبء المطلوب منه تدريسه، وامنحه الثقة، وأعطه صلاحيات أوسع لحل المشكلات اليومية دون الرجوع للإدارة.
  • المنهج: قدِّم مناهج عملية تركز على مهارات اجتماعية وإدارية، ونظرية تراعي الفروق الفردية بين الطلبة، وعلم جزء من المنهج من خلال المسابقات الفردية والجماعية داخل المدرسة.

هذا ملخص تقرير صحفي حول التعليم الفنلندي، نشرته بعض المواقع الالكترونية، وليس بالضرورة أن ما يناسب غيرنا يناسبنا، المهم أن نستفيد من تجارب الآخرين، ولو بشكل جزئي، حتى نستطيع الارتقاء بالتعليم في بلادنا.

 

الثلاثاء, 11 ديسمبر 2018 14:35

مطبق سمك كويتي في مركز إسلامي

زرت قبل 20 عاماً تقريباً إحدى الدول الآسيوية لافتتاح بعض المشاريع الخيرية، بصحبة ثلة من أهل الخير والمتبرعين، وبعد حفل الافتتاح في إحدى الجزر الكبرى في تلك الدولة، دعينا على الغداء في المركز الإسلامي، وفوجئنا بأن الغداء كان «مطبق سمك ودقوس»، فأكل الوفد بحرارة بعد انقطاع دام أياماً بأكلات آسيوية، وبعد أن انتهينا من الغداء قلنا لرئيس المركز: هذه الطبخة كويتية.

فقال: نعم.. إنها من طبخ بناتكن من خريجات جامعة الكويت الحاصلات على منح دراسية، وقد تعلمن هذه الطبخات من خلال الأنشطة الطلابية، وعلاقتهن بالطالبات الكويتيات.

وأردف قائلاً: إنهن فرحات جداً بقدومكم، وقد كتبن لكم أبيات شعر ترحيبية على السبورة باللغة العربية، وما زلن يستذكرن تلك الأيام الطيبة التي قضينها في الكويت، ورأين فيها العلم والخير والبركة.

وهن الآن يطلبن من الوفد أن ينشد لهن بعض الأناشيد الكويتية المشهورة، فما كان من الشيخ سعود الكندري، يرحمه الله، إلا أن بادرهن بالنشيدة تلو الأخرى، ونحن نردد معه، وهن ينظرن من خلف النوافذ والأبواب والفرحة تغمرهن.

استذكرت هذه الزيارة واستشعرت أثر عمل الدولة الخيري في العالم، دون انتظار شكر أو اشتراط أمر، وكان نصيبي مع أناس قدروا ذلك ومازالوا يقدرونه.

وأذكر خلال جولاتي برفقة د. خالد المذكور، حفظه الله، أن أحد السفراء الكويتيين طلب من د. خالد أن يكلم وزارة التربية لتقديم المزيد من المنح الدراسية لهذه البلاد وغيرها، ابتداءً من المعهد الديني، ومروراً بالمعاهد المهنية والكليات التخصصية، لأن وزراء التربية في تلك البلاد يثقون بمخرجات التعليم في الكويت، خصوصاً في مجالات الدراسات الإسلامية والشريعة، ويرون أن من يعود من الكويت يكون معتدلاً غير متطرف، كما يحصل في دول أخرى.. وبين السفير أن أعداد المنح المطلوبة للدراسة في الكويت أكثر من المطروحة.

وبالفعل تم نقل هذه الملاحظات لوكيل وزارة التربية آنذاك بشكل شفوي، ولا أعلم إن اتخذ أي إجراء لذلك.

هذه السمعة الطيبة للكويت في مجال الفكر الوسطي والاعتدال الديني، إنما هي صورة إيجابية للفكر التربوي والتعليمي في الكويت، وينبغي أن تحافظ وزارة التربية على هذا المستوى بشكل يتناسب مع تجدد الحياة، واتساع الخدمات، وبالأخص في المعهد الديني للمرحلتين المتوسطة والثانوية، والدراسات الإسلامية في كلية التربية، ودراسات كلية الشريعة في الجامعة، وغيرها من التخصصات، والذين شاركونا المقاعد منذ السبعينيات.

وكان الأمر في السابق أيسر في قبول الطلبة من خلال الجمعيات الخيرية الكويتية، أو الرموز الإسلامية الذين يمثلون الكويت في محافل كثيرة، فتكون مناسبة لإحضار عشرات الطلبات من كل بلد، إلا أن الوزارة بدأت تجعل استقبال الطلبات عن طريق سفارات تلك الدول، التي غالباً تكون القرى بعيدة عنهم، ويحرصون على اختيار المقربين لديهم من نفس الحزب، وأحياناً يرسلون غير مسلمين لتضطر الوزارة لقبولهم في مجالات أخرى، رغم أن الأصل والحاجة هي في المجال الشرعي.

ولفت نظري في حملة «بالقرآن نرعاهم» التي نظمتها جمعية المنابر القرآنية لدعم ذوي الهمم في تعلم القرآن الكريم وحفظه، وجود شباب صم من البحرين وعُمان يدرسون في مدرسة الصم الكويتية باستضافة وزارة التربية، فسعدت لذلك كثيراً، وأن الوزارة مازالت تستضيف الطلبة من مختلف دول العالم.

إن أثر عمل الخير سيبقى مخلداً عبر الزمن، وما علينا سوى الاستمرار به وتطويره ودعمه، والله يحفظ الكويت من كل شر.

 

__________________________

يُنشر بالتزامن مع صحيفة "الأنباء" الكويتية.

 

الأربعاء, 05 ديسمبر 2018 14:28

هل ما زال الأمل قائماً بالعودة؟!

تستقبل دول العالم المتقدم العديد من المهاجرين إليها لأسباب مختلفة (اقتصادية، سياسية، دراسية.. إلخ)، وغالباً يكون تفكير ذلك المهاجر البقاء بضع سنوات، ثم العودة إلى بلدته التي يعشقها، وتمتد به السنوات تلو السنوات حتى يتزوج وينجب ويدخل أبناؤه المدارس، والأمل مازال قائماً بالعودة، ويحصل على الجواز، ويكبر أبناؤه ويدخلوا الجامعة، والأمل ما زال قائماً بالعودة، ويعمل الأبناء في أماكن متعددة وفق جنسيتهم الجديدة؛ ليمثلوا الجيل الثاني من ذلك المهاجر، ثم يتزوجوا وينجبوا ويدخل أبناؤهم المدارس، ويصبح ذلك المهاجر جداً، والأمل ما زال قائماً بالعودة، ويكبر الأحفاد ويدخلوا الجامعة، ويعملوا في عدة وظائف، ليمثلوا الجيل الثالث من ذلك المهاجر، ولا نعلم هل ما زال ذلك المهاجر على قيد الحياة أم لا، وإن كان حياً فهل الأمل ما زال قائماً بالعودة؟!

تبقى هذه السلسلة من المهاجرين سُنة الحياة منذ بدء الخليقة، من جميع الأجناس والأعراق والأديان، وإلا لما وصل البشر إلى أقاصي الأرض شمالاً وجنوباً، وشرقاً وغرباً، ليتم إعمار الأرض حتى تستوعب تلك الهجرات المتوالية.

وهناك من استثمر هذه الهجرات علمياً واقتصادياً وعسكرياً وفنياً ورياضياً وثقافياً ودينياً وقيمياً.. وغير ذلك، (نقلت اليابان التقنية من ألمانيا، لتكون رائدة الصناعة في العالم)، ولو استعرضنا أسماء كبار المستثمرين والسياسيين والاقتصاديين والرياضيين في العالم؛ لوجدنا عدداً كبيراً من المهاجرين، وهناك من هاجر ومات ولم تكن له بصمة في هذه الحياة، لا على نفسه ولا ذريته ولا مجتمعه.

ومن هؤلاء المهاجرين مسلمون من عدة أجيال، فمنهم من فقد لغته الأم (مع أنهم يتعلمون لغتين بالمدرسة)، ومنهم من فقد دينه (بالاسم فقط)، ومنهم من فقد قيمه وهويته، ومنهم من نقل مشكلاته وخلافاته من الموطن الأصلي إلى المهجر، ومنهم من تقوقع على نفسه، فلا استفاد من الفرص المتاحة له كمواطن في بلد متقدم، ولا ارتقى بنفسه فكراً وعلماً وثقافة، وثبت أن ذلك كله مرتبط بمدى اهتمام الأسرة بالأولاد؛ تربية وتوجيهاً وتعليماً، ومدى تفاعل الوالدين مع فعاليات ومرافق المجتمع، في الدوائر الأقرب فالأبعد.

ومنهم من ارتقى بنفسه في شتى المجالات؛ فرأيناه محافظاً ولورداً وبرلمانياً ووزيراً ورئيساً، ورأيناه طبيباً ومهندساً ومحامياً وصيدلانياً ولاعباً، (في لندن "رابطة أطباء القلب المصريين" لكثرتهم، فما بالك بباقي التخصصات؟!)، ورأينا البرلمانيين والإعلاميين والرموز الاجتماعية والاقتصادية، ووصل بعضهم إلى حد الثراء، وعلاقات سياسية واجتماعية لا حدود لها، ويحرصون على أداء صلاة الجمعة في المسجد، شيء جميل، ولكن.. ما أثر ذلك على المجتمع المسلم؟ وما أثر ذلك على الدعوة الإسلامية؟ وما أثر ذلك على أبنائهم في بلد المهجر؟!

لقد دفعوا ثمن الهجرة كثيراً من عواطفهم وعلاقاتهم وأحبابهم، وحققوا ما لم يتوقعوه أو يحلموا به، لكنهم لم يعكسوا ذلك حمداً وشكوراً في الحرص على تعليم أبناء المسلمين القرآن الكريم واللغة العربية وأصول الدين الإسلامي التي تعلموها في موطنهم الأصلي، ولا في دعم المراكز الإسلامية التي تقوم بذلك نيابة عنهم، التي تتسول الأموال كل صلاة جمعة، ومن الدول المانحة.

ولا نعلم.. هل قدموا رسائل إيجابية عن الإسلام؟ هل دافعوا عن الإسلام من خلال عملهم أو مناصبهم؟

إذاً أصبحت الهجرة هنا مضيعة للدين والمال، والعمر والأجيال، فما دامت الهجرة قسرية، فلنجعلها إيجابية بعطائنا لأجل ديننا، فما لم يحصل عليه غيرك، لتكن أنت سبباً في حصوله عليه، لعل الأمل بالعودة يعود.

الصفحة 1 من 11
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top