د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

من الطريف أن أول من أشار إلى أهمية الاستهلاك التفاخري هو "ثورشتاين فبلن" في كتابه "نظرية الطبقة المترفة"، وهو بذلك يشير إلى أن بذور هذا المجتمع الجديد قد ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية منذ نهاية القرن الماضي، ولم ينظر إلى أثر الاستهلاك كقيمة اجتماعية في النظرية الاقتصادية إلا عندما كتب "دوزنبري" عن "أثر التقليد"، حين بيَّن أن استهلاك الفرد لا يتوقف على ذوقه وما يريده هو، بقدر ما يتأثر بما يستهلكه الآخرون، وبذلك أدخل فكرة التداخل بين أذواق المستهلكين في تحديد ذوق المستهلك.

ومعنى ذلك أن الاستهلاك أصبح قيمة اجتماعية، فالفرد لا يستهلك ما يريده فحسب، وإنما يستهلك ما يجد جيرانه وزملاءه يستهلكونه، ومن هنا نفهم الدور التي يقوم به الإعلان في العصر الحديث.

وإذا كان الاستهلاك ونوعه وتنوعه يحدِّد في العصر الحديث -إلى حد ما- مكانة العائلة الاجتماعية، فإن ذلك لم يكن كذلك دائماً، ففي القديم لم يكن المركز الاجتماعي يتحدد للفرد بمقدار ما يستهلكه، بل إنه من مدعاة السخرية أن يحاول الفرد أن يجاري النبلاء في حياتهم، وأن يحاول أن يستمد مركزه الاجتماعي من زيادة إنفاقه الاستهلاكي.

ومع ذلك، فإن الاستهلاك في ذاته قيمة اجتماعية كبرى، ويقاس مركز الفرد الاجتماعي بقدر ما يستهلكه من السلع والخدمات، ومدى قدرته على التغيير المستمر، "الموضة" دائماً في تغيير، حتى يشعر الفرد بحاجته إلى التغيير في استهلاكه، مما يؤدي إلى الاستهلاك المستمر.

إن التقدم الفني الهائل المتاح الآن والمستخدم في أساليب الإنتاج قد وفر القدرة المستمرة على زيادة الإنتاج والإنتاجية مما زاد من فرص الاستهلاك، وقد نجم عن ذلك أن الاستهلاك في المجتمع الحديث قد زاد بشكل لم يكن معروفاً فيما سبق، كما نجمت عنه مجموعة من القيم والقواعد التي تنظم حياة المجتمع في ضوء زيادة الاستهلاك، فزيادة الاستهلاك في حد ذاتها، وبصرف النظر عن الحاجات التي يشبعها هذا الاستهلاك المتزايد، قد أصبحت من قواعد الإنتاج في العصر الحديث.

وقد كان لهذه الظاهرة آثار بعيدة على الاقتصاد، كما لها آثار ونتائج خطيرة على السلوك الاجتماعي.

يقول "فرانسوا دال" في كتابه "مستقبل السياسات الإدارية": "إن غزو المستهلك لشيء مثير.."، إن ما تعمد إليه بعض الشركات المنتجة من إحلال سلع مماثلة أقل جودة، وبالطبع أقل سعراً، ليقبل الناس عليها، حتى تزول السلع الأصلية من السوق، وعندها ترفع سعر السلعة المثيلة، إن هذا نموذج من نماذج إغراء المستهلك، وأسلوب من أساليب غزوه.

تقول الإحصاءات الأخيرة: إن من العوامل التي تمثل نمطاً في الحياة يؤذي البيئة: السيارات، والبيوت الفخمة، ومراكز التسوق الكبرى، والسلع الاستهلاكية، ونوع الطعام المرتكز على الإفراط في أكل اللحوم، والغذاء غير الصحي.

إن السلوكيات الاستهلاكية بدأت تتغير اليوم، إما بسبب ثورة المتغيرات والإنتاجية الكبيرة، أو لأننا ننتهج مسلكاً استهلاكياً لإخفاء شيء معين في نفوسنا، كمستوانا المالي أو الثقافي مثلاً، ولذلك كان خيارنا عشوائياً، حسب ما يمليه ذوق المصمم أو حسب النص الإعلاني في التلفزيون، ولا خيار لنا كمستهلكين، ففي بعض الأحيان نشتري بضاعة لا لتلبية حاجة خاصة، بل لأنها ظهرت في إعلان مثير، إن شريحة كبيرة في مجتمعنا الاستهلاكي لا تتابع بدقة واهتمام وموضوعية مجريات الأحوال السوقية داخل وخارج بلادنا، ثم إن كثيراً من المستهلكين تستهويهم وتثير أحاسيسهم الاستهلاكية عقدة الندرة، فكل شيء نادر، يتسابق الناس لاختطافه من الأسواق!

 

__________________________________________

(*) الكاتب مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

الأربعاء, 29 مايو 2019 12:25

رمضان مفتاح حل أزمة الاستهلاك

لقد درجت أمانينا على اغتنام فرصة الصيام لتقويم الروح بفوائد روحية وتقويم الجسد بفوائد جسمية، فهل نتعود على اغتنام الفرصة لتقويم اقتصاد الأمة وهو جسمها وروحها من داء عضال هو داء الاستهلاك الدائم من غير إنتاج كاف؟! وهل يكون شهر رمضان فرصة ومجالاً لامتلاك إرادة التصدي لحالة الاستهلاك الشرهة التي تنتابنا في هذا الشهر الكريم؟!

إنّ للصوم أبعاداً اقتصادية عظيمة منها ما يدركها العقل البشري كأثره على صحة الإنسان مثلاً، الثروة البشرية، ومنها ما لا يستطيع العقل البشري إدراكه، فطوبى لمن اقتدى في صيامه وقيامه بمحمد صلى الله عليه وسلم.

إنّ من واجب المسلم أن يعمل على توفير ما تقوم به الحياة من مأكل ومشرب وملبس ومسكن.. إلخ من الضروريات، لصيانة دينه ونفسه ونسله، ولحفظ عقله وماله، كما يفترض في المسلم أن يتجنب النزعة الاستهلاكية قدر الإمكان، وإن كان هذا يختلف من شخص لآخر، بحسب يساره المادي وبقدر زهده في الدنيا ومباهجها، إلا أن هناك حدوداً لذلك على كل حال ينبغي مراعاتها.

إنّ الإنسان أهم بكثير من أي نموذج أو نظرية أو تفسير، هذا ما اكتشفه علماء الاقتصاد أخيراً، فالإنسان هو الذي يقرّر مستوى رفاهه ودرجة ثرائه، وكل الأمر متوقف على قراره وسلوكه، فبإمكانه إن أراد أن يكون معتدل الاستهلاك فيصبح حجم الوفر لديه بما يمكنه أن يصبح ثرياً، وبإمكانه إن كان نهم الاستهلاك كما هو حال الفرد في أغلب المجتمع الغربي أن يأكل ثروته.

وبعد أن كان علماء الاقتصاد مصرين على أن الدولة وسياستها هي العنصر الأهم في العملية الإنتاجية عادوا ليقرِّروا أن المستهلك والمنتج هم أسياد اللعبة.

فيوم يربي المجتمع عادات الاستهلاك ويهذبها ويوجهها، فإن عملية ترشيد واسعة ستؤدي إلى انتفاع هذا المجتمع بخيراته على أكمل وجه.

وهكذا فمفتاح حل الأزمات الحقيقي إنما يكمن في التربية الاستهلاكية، وهو مفهوم حديث نسبياً، وقد قال صلى الله عليه وسلم "كُلْ واشربْ والبسْ وتصدّقْ ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة"، وقد ورد عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قوله: "كل سرف فبإزائه حق مضيّع".

إن الصوم يربي في المسلمين ملكة الصبر ذلك أن أحد أسباب الكارثة التي حلّت بنا اليوم هي البطر في الاستهلاك والتبذير والبعد عن الدّين القيّم، قال تعالى: (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ {112}) (النحل)، وكلنا يعلم قصة قارون كما وردت في القرآن الكريم، وفرعون وغيرهم الذين جحدوا نعم الله.

فالإسراف والتبذير في الاستهلاك يعتبر سوء استخدام للموارد الاقتصادية والسلع التي أنعم الله بها على العباد لينتفعوا بها وهو عمل يذمه الإسلام ذمّاً كبيراً، حيث وصف الله المسرفين والمبذرين بأنهم إخوان الشياطين، لما لهذا العمل من آثار سيئة لا تقتصر على صاحبها الذي مارس الإسراف بل تمتد لتشمل المجتمع والعالم.

________________________________________

(*) مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الإثنين, 20 مايو 2019 10:04

للصوم سمات اقتصادية مميزة

يرى دافيد سترى أنَّ الصوم اقتصادي، ويقوم مقام مستحضرات التجميل، ويعطي جهاز الهضم راحة تامة، ويتيح للجسم الفرصة ليتخلص من السموم والفضلات المتراكمة، ويرمِّم نفسه بنفسه.

وفيما يلي نستعرض أهم السمات الاقتصادية لفريضة الصوم:

أولاً: الصوم والاستهلاك: من الواضح أنَّ هناك علاقة طردية بين شهر الصوم المبالغ فيه، والمرء يدهش من هذا النهم الاستهلاكي الذي يستشري لدى الناس عامة في هذا الشهر، فالجميع يركض نحو دائرة الاستهلاك والاستعداد للاستهلاك في رمضان، يبدأ مبكراً مصحوباً بآلة رهيبة من الدعاية والإعلانات التي تحاصر الأسرة في كل وقت ومن خلال أكثر من وسيلة، وبالتالي يكون المرء مهيأ للوقوع في دائرة الاستهلاك الرهيبة، الزوجة تضغط باتجاه شراء المزيد، والأولاد يُلحون في مطالبهم الاستهلاكية، والمرء نفسه لديه حالة شرهة لشراء أي شيء قابل للاستهلاك.

إنَّ هناك تبذيراً وإسرافاً إلى حد السفه، فالكميات التي يتم شراؤها في الأيام العادية، يتم تجاوزها إلى أضعاف الأضعاف في شهر رمضان، على الرغم من أنه لا يحتوي إلا وجبتين فقط.

ثانياً: الصوم والإنفاق: من الإنفاق ما افترض على سبيل الكفارة لمن لم يقدر على الصوم، ومنها زكاة الفطر.

إنَّ من معاني الصوم أنه إمساك عن شهوة البطن، وبالمعنى الاقتصادي هو تخفيض للإنفاق، أو ترشيد للإنفاق، ثم إنَّ الإنفاق البذخي في رمضان أمر لا يمكن أن يتسق مع وضعية مجتمعاتنا الإسلامية التي في أغلبها مجتمعات نامية تتطلب المحافظة على كل جهد وكل إمكانية من الهدر والضياع للموارد الاستهلاكية، وما نصنعه في رمضان هو هدرٌ لإمكانات مادية نمتلكها في غير موضعها، وهدرٌ لقيم سامية طالبنا الدين الإسلامي بالتمسك بها، وهدرٌ لسلوك قويم هو القناعة.

إن شهر الصوم فرصة ولا شك يتعلم فيها أفراد أمتنا عادة اقتصادية حميدة هي ترشيد الإنفاق، ليكون شهر الصوم فرصة دورية للتعرف على قائمة النفقات الواجبة، وفرصة لترتيب سلّم الأولويات، وفرصة للتعرف على مستوى الفائض الممكن الذي ينبغي توجيهه إلى أغراض استثمارية.

كما إنَّ شهر الصوم فرصة لتحقيق هذا الترشيد، ولتوسيع وعاء الفائض الممكن، ولكن شريطة أن يرتبط بقاعدة لا إسراف ولا تبذير، ولا شك أنها هي ميدان الترشيد، على المستوى الفردي والمستوى العام، انطلاقاً من قوله سبحانه: (وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ) (الأعراف: 31)، ومن قوله صلى الله عليه وسلم: "كل واشربْ والبسْ ما أخطأتك خصلتان: سرفٌ ومخيلة".

ثالثاً: نتائج وتوصيات:

1- إنَّ هذه الخصائص الاقتصادية هي خصائص كامنة في جوهر الصوم، باعتباره مرتبطاً بقوى اقتصادية، مثل: الاستهلاك والإنفاق والأموال ودرجة الحاجة ودرجة الإشباع، وأن تحريك هذه الخصائص وتنشيط فاعليتها هو مهمة البشر في الأمة الصائمة، على مستوى الأفراد ضبطاً لاستهلاكهم، وتقويماً لسلوكهم الاقتصادي، وعلى مستوى المؤسسات توفيراً للنظم الكفيلة بحسن تجميع وتوجيه أموال الكفارة وأموال الزكاة والصدقة، وحسن توظيف قوتها الاقتصادية.

2- إنَّ في شهر الصوم فرصة للقادرين لاستجلاء مشاعر المحتاجين، ولكن هذا مرتبط بعدة عوامل، منها: أن يُحدث الصوم أثره في نفوس القادرين إزاء المحتاجين، ومنها توفر الحس الديني الذي يكفل التقدير المناسب لضرورة بذل الكفارة وأهمية إخراج زكاة الفطر، ومنها حسن توجيه هذه الأموال.

3- إنَّ خطة لمواجهة الشراهة الاستهلاكية أصبحت مطلوبة في رمضان وغير رمضان، إن هذه الحالة من شراهة الاستهلاك المتنامية فينا دلالة على المدى الهائل من التخلف السلوكي الذي تعيشه مجتمعاتنا الإسلامية، والمتأمل لصناديق وأكياس القمامة يرى أننا في حاجة إلى إعادة النظر في قيمنا الاستهلاكية باتجاه تعديلها لتصبح قيماً إنتاجية أو قيماً استهلاكية رشيدة.

إذن؛ الاستهلاك والإنفاق لهما أبعاد خطيرة كثيرة تهدِّد حياتنا الاقتصادية، وتهدِّد أمننا الوطني، فهل يكون شهر رمضان فرصة ومجالاً لامتلاك إرادة التصدي لحالة الاستهلاك الشرهة، وأساليب الإنفاق البذخية؟!

 

_______________________________________

مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لقد درجت أمانينا على اغتنام فرصة الصيام لتقويم الروح بفوائد روحية وتقويم الجسد بفوائد جسمية، فهل نتعود على اغتنام الفرصة لتقويم اقتصاد الأمة وهو جسمها وروحها من داء عضال هو داء الاستهلاك الدائم من غير إنتاج كافٍ؟! وهل يكون شهر رمضان فرصة ومجالاً لامتلاك إرادة التصدي لحالة الاستهلاك الشرهة التي تنتابنا في هذا الشهر الكريم؟!

إنّ للصوم أبعاداً اقتصادية عظيمة منها ما يدركها العقل البشري كأثره على صحة الإنسان مثلاً، الثروة البشرية، ومنها ما لا يستطيع العقل البشري إدراكه، فطوبى لمن اقتدى في صيامه وقيامه بمحمد صلى الله عليه وسلم.

إنّ من واجب المسلم أن يعمل على توفير ما تقوم به الحياة من مأكل ومشرب وملبس ومسكن.. إلخ من الضروريات، لصيانة دينه ونفسه ونسله، ولحفظ عقله وماله، كما يفترض في المسلم أن يتجنب النزعة الاستهلاكية قدر الإمكان، وإن كان هذا يختلف من شخص لآخر، بحسب يساره المادي وبقدر زهده في الدنيا ومباهجها، إلا أن هناك حدوداً لذلك على كل حال ينبغي مراعاتها.

إنّ الإنسان أهم بكثير من أي نموذج أو نظرية أو تفسير، هذا ما اكتشفه علماء الاقتصاد أخيراً، فالإنسان هو الذي يقرّر مستوى رفاهه ودرجة ثرائه، وكل الأمر متوقف على قراره وسلوكه، فبإمكانه إن أراد أن يكون معتدل الاستهلاك فيصبح حجم الوفر لديه بما يمكنه أن يصبح ثرياً، وبإمكانه إن كان نهم الاستهلاك كما هو حال الفرد في أغلب المجتمع الغربي أن يأكل ثروته.

وبعد أن كان علماء الاقتصاد مصرين على أن الدولة وسياستها هي العنصر الأهم في العملية الإنتاجية عادوا ليقرِّروا أن المستهلك والمنتج هم أسياد اللعبة.

فيوم يربي المجتمع عادات الاستهلاك ويهذبها ويوجهها، فإن عملية ترشيد واسعة ستؤدي إلى انتفاع هذا المجتمع بخيراته على أكمل وجه.

وهكذا فمفتاح حل الأزمات الحقيقي إنما يكمن في التربية الاستهلاكية، وهو مفهوم حديث نسبياً، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "كُلْ واشربْ والبسْ وتصدّقْ ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة"، وقد ورد عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قوله: "كل سرف فبإزائه حق مضيّع".

إن الصوم يربي في المسلمين ملكة الصبر ذلك أن أحد أسباب الكارثة التي حلّت بنا اليوم هي البطر في الاستهلاك والتبذير والبعد عن الدّين القيّم، قال تعالى: (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ {112}) (النحل)، وكلنا يعلم قصة قارون كما وردت في القرآن الكريم (القصص: 76 - 83)، وفرعون وغيرهم الذين جحدوا نعم الله.

فالإسراف والتبذير في الاستهلاك يعتبر سوء استخدام للموارد الاقتصادية والسلع التي أنعم الله بها على العباد لينتفعوا بها وهو عمل يذمه الإسلام ذمّاً كبيراً، حيث وصف الله المسرفين والمبذرين بأنهم إخوان الشياطين، لما لهذا العمل من آثار سيئة لا تقتصر على صاحبها الذي مارس الإسراف بل تمتد لتشمل المجتمع والعالم.

إن الجميع يركض نحو دائرة الاستهلاك المفرط، والاستعداد للاستهلاك في رمضان يبدأ مبكراً مصحوباً بآلة رهيبة من الدعاية والإعلانات والمهرجانات التسويقية التي تحاصر الأسرة في كل مكان وزمان ومن خلال أكثر من وسيلة، فالزوجة تضغط باتجاه شراء المزيد والأولاد يُلحون في مطالبهم الاستهلاكية والمرء نفسه لديه حالة شراهة لشراء أي شيء قابل للاستهلاك وبكميات أكثر من اللازم.

ومن الأسف أن اعتاد بعض الناس على بعض العادات السيئة الدخيلة على شهر رمضان التي تتمثل في طريقة الإنفاق الاستهلاكي وهي ليست من الإسلام.

ومن ثم فإن الزوجة التي تـُعد وتطبخ والزوج الذي يجلب وينفق كلاهما متهم بالشراهة الاستهلاكية التي تنتاب مجتمعنا في رمضان وغير رمضان.

لذا، يمكن القول، بصفة عامة، إن الإسراف في هذا الشهر (رمضان) وفي غيره، سمة من سمات منطقتنا العربية، فعندما يأتي شهر رمضان نرى أن أغلبية من المسلمين يرصدون ميزانية تختلف عن الأشهر العادية، وتبدأ بمضاعفة استهلاكها، ويكون النهار صوماً وكسلاً والليل طعاماً واستهلاكاً غير عادي.

إنّ صفة استهلاك المسلم هي الكفاية لا التبذير، وإن منفعته وإشباعه يتحقق ليس فقط بالإشباع المادي بل من خلال الإشباع الروحي بأداء الواجب نحو المسلمين من مال الله الذي رزقه إياه، وإن منفعته تتحقق حتى في قيامه بواجبه نحو المسلمين وقبل ذلك أهله وزوجته وولده.

ولذا، يسعى المسلم إلى مرضاة الله تعالى، فيشكر الله على نعمه ويحمده ليحقق منفعة بسد حاجته، وبلوغ متعته والكفاية عن الحرام، وتحقيق مرضاة الله ونيل ثوابه عز وجل.

إن شهر الصيام فرصة دورية للتعرف على قائمة النفقات الواجبة بالمفهوم الاقتصادي، وعلى قائمة الاستبعاد النفقي ثم فرصة لترتيب سلم الأولويات، ثم فرصة كذلك للتعرف على مستوى الفائض الممكن.

ثم إن شهر رمضان فرصة لتحقيق ترشيد أفضل، ولتوسيع وعاء الفائض الممكن، ولكن شريطة أن يرتبط بالقاعدة القرآنية الإرشادية المعروفة: "كلوا واشربوا ولا تسرفوا..." هذه القاعدة، ولا شك هي ميدان الترشيد على المستوى الفردي والمستوى العام.

لقد أكدّ الباحثون حقيقة مهمة تنص على أن فوضى الاستهلاك تبرز بوضوح، حينما تبدأ الزوجة بعرض نفقاتها لتكون نفقات من السلع والمواد الغذائية التي تبتلع فعلاً الدخل الشهري حتى آخر قرش فيه.

وتنتقل عدوى التبذير إلى الأطفال؛ فينمو معهم انعدام الحس بقيمة الأشياء فلا يحافظون بالتالي على ألعابهم أو كتبهم، وفي ظل ذلك، لا يعود قضية وقتية حالية، بل مسألة تمتد إلى المستقبل ولا يعود التبذير والترف مقتصراً على الأسرة بل والوطن كذلك، فشهر رمضان يجري تحويله عاماً بعد عام إلى مناسبة للترويج الكثيف والحاد لمختلف السلع، وتسهم في ذلك بقوة مختلف وسائل الإعلام وفنون الدعاية ووكالات الإعلانات.

 

________________________________________

مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الأربعاء, 03 أبريل 2019 11:29

اقتصاد اللامساواة

إذا كان من المهم التمييز من حيث المفهوم بين فكرة الفقر كنقص في القدرة والفقر كنقص في الدخل، فإنه ليس في الإمكان ربط المنظورين بعضهما ببعض ما دام الدخل وسيلة مهمة للحصول على القدرات. وحيث إن القدرات المعززة من أجل بناء الحياة تنزع طبعيا إلى توسيع قدرة المرء ليكون أكثر إنتاجية وأقدر على الحصول على دخل أكبر.

إن الأمر لا يقتصر على أن، كمثال، توافر تعليم أساس أفضل ورعاية صحية أفضل من شأنهما أن يؤديا إلى تحسن نوعية الحياة مباشرة، بل إنهما أيضاً يزيدان من قدرة الشخص على الحصول على الدخل والتحرر من فقر الدخل أيضاً. وكلما زاد المدى الذي يتحقق بفضل التعليم الأساس والرعاية الصحية أصبح من المرجح أكثر أن تتوافر لمن يتوقع حالة من الفقر فرصة أفضل للتغلب على ما يعانيه من عوز.

وإذا كان من المهم تأكيد هذه الروابط بين فقر الدخل وفقر القدرة، فإنه من المهم أيضاً ألا تغيب عن نظرنا حقيقة أساسية وهي: أن خفض فقر الدخل وحده ربما لا يكون الحافز النهائي للسياسة المناهضة للفقر. وثمة خطر من النظر إلى الفقر بمعنى ضيق ومحدود هو الحرمان من الدخل، ثم تبرير الاستثمار في التعليم والرعاية الصحية وغير ذلك على أساس أنها وسائل جيدة لبلوغ الغاية وهي خفض دخل الفقر، إذ إن هذا خلط بين الوسائل والغايات.

إن القضايا التأسيسية الرئيسة تلزمنا بأن نفهم الفقر والحرمان في ضوء الحياة التي يمكن للناس عمليا أن يحيوها، والحريات التي يمكن فعليا أن يحظوا بها.

فالفقر المدقع يتركز الآن، بكثافة شديدة الوطأة، في إقليمين محددين في العالم: جنوب آسيا وأفريقيا جنوب الصحراء. إذ إن بها من بين جميع مناطق العالم أدنى المستويات من حيث دخل الفرد.

بيد أن هذا المنظور لا يعطينا فكرة واضحة وكاملة عن طبيعة ومحتوى حالات الحرمان في كل منهما ولا عن فقرهما النسبي. إننا بدلا من هذا، إذا نظرنا إلى الفقر باعتباره حرماناً من القدرات الأساسية، فسوف نحصل على صورة أكثر وضوحاً ودلالة من المعلومات عن مظاهر الحياة في هذه الأجزاء من العالم.

إنَّ هناك من ينتقد الاقتصاديين أحياناَ لإفراطهم في التركيز على الفعالية دون المساواة. وقد نجد بعض العذر لهذه الشكوى، ولكن يجب ملاحظة أن ظاهرة عدم المساواة حظيت باهتمام الاقتصاديين أيضاً على مدى تاريخ البحث العلمي.

إن آدم سميث الذي غالباً ما يراه البعض "أباً للاقتصاد الحديث" كان معنياً للغاية بالهوة بين الغني والفقير.

كذلك فإن بعض العلماء الاجتماعيين والفلاسفة كانوا جميعاً من المعنيين موضوعياً بهذه الظاهرة، وهم اقتصاديون نذروا جهدهم لدراستهم.

والملاحظ في السنوات الأخيرة ازدهار الدراسة الاقتصادية لظاهرة عدم المساواة كموضوع دراسي، وذلك على أيدي رواد عظام.

وليس معنى هذا إنكار أن تركيز الاهتمام على الفعالية واستبعاد الاعتبارات الأخرى مسألة شديدة الوضوح في بعض المؤلفات الاقتصادية. ولكن الاقتصاديين كمجموعة لا يمكن اتهامهم بإغفال ظاهرة اللامساواة كموضوع للدراسة.

ختاماً أقول وإذا كان ثمة سبب للامتعاض، فإنه ينصب على الأهمية النسبية التي توليها أغلب الدراسات الاقتصادية لحالة عدم المساواة داخل نطاق محدود، أعني اقتصاد اللامساواة.

 

___________________________________________

مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الأحد, 10 فبراير 2019 10:44

سوق رأس المال الفكري

 طوال التاريخ، نشب جدال حول طريقة إحراز تقدم اقتصادي.

لكن مفهوم أن التجارة تنتج تقدماً بشرياً وأن فقدانها يحكم على الناس بعيش الكفاف، لم يقبله الجميع، فهذه العداوة القديمة نحو التجارة والمتاجرة، كوسيلة لزيادة ثروة الأمم، من الصعب أن تموت، وحتى القرن الثامن عشر، قلّما كان ينظر إلى التدفق الحر للتجارة بأنه مفيد.

إن الخرائط التي ننظر إليها الآن، والعلاقات التجارية التي نعتبرها الآن كأمر مُسلّم به، تحمل القليل من شبه تلك الخرائط والعلاقات التي كنا نعرفها قبل جيل من الزمن.

فالسوق هي الطريقة الوحيدة المعروفة لتوفير معلومات تمكّن الأفراد من أن يحكموا على المزايا النسبية لمختلف استعمالات الموارد التي ليست لديهم عنها معرفة مباشرة، التي عن طريق استعمالها، سواء قصدوا ذلك أم لا، يخدمون احتياطات أفراد بعيدين غير معروفين، وهذه المعلومات مشتتة تشتتاً جوهرياً ولا يمكن جمعها معاً وإيصالها إلى هيئة مفوّضة بمهمة خلق نظام خلقاً متعمداً.

لقد كانت قدرة الدول ذات السيادة التقليدية هذه تتآكل تقريباً بنفس السرعة التي تتآكل فيها سلطات الدول الفردية في التحكم بالتقلبات قصيرة الأجل في قيم عملاتها الخاصة، وتتآكل على نحو كبير؛ لأن المفهوم الكلاسيكي للتجارة الدولية آخذ في أن يصبح مهجوراً.

وقد ظلّ العالم يتحرك بخطوات متقطّعة، ومع حدوث عدد كبير من التراجعات، نحو اقتصاد عالميّ منذ بداية الزمن تقريباً، لكن هذه العملية تسارعت كثيراً في العقود القليلة الماضية، ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى أن شبكة المعلومات العالمية المتنامية والأسواق المالية العالمية والتحسينات في النقل قد سهّلت كثيراً صعوبات التجارة والإنتاج الدولية.

ولقد نتج عن هذا التسارع نحو اقتصاد عالميّ تغيير أساسي في عمل العالم، والقوة الدافعة لهذا التغيير هي تقنية المعلومات، وخاصة الأهمية النسبية لرأس المال الفكري بعلاقته برأس المال المادي.

فرأس المال الفكري -الذكاء الإنساني- أصبح الآن العامل المسيطر في الإنتاج، وأهم سوق في العالم، جوهرياً، هي سوق رأس المال الفكري.

والدول التي تحترم حرية رأس المال الفكري، وتتكيف معه تبعاً لذلك، ستزدهر في الاقتصاد العالمي، أما الدول التي تتخيل أنه يمكن استبعاد أو تذليل هذا الشكل الأقوى من رأس المال، فإنها ستذوى.

إن انفجار التجارة العالمية الهائل لم يخلق سوقاً عالمية فقط، بل إن شبكة المعلومات العالمية جعلت في الإمكان كذلك نقل تقسيم العمل عبر جميع حالات الإنتاج والتسويق مع اكتساب قيمة مضافة في عدة أقطار.

إن الكثير من هذه التجارة، وخاصة التقنية الغنية بالمعلومات، تتم أو تسهّل بشبكة معقّدة بدرجة متزايدة من التحالفات بين شركات تشترك في موارد تقنية وفكرية ثمينة، وهذه المشاركة في رأس المال الفكري قد تأخذ شكل منتوجات متطوّرة تطوراً مشتركاً، تصبّ كل منها في خطوط إنتاج الآخرين أو تورد مكونات حدود قاطعة للآخرين، أو ببساطة توفير أفضل وأحدث التنافسات التقنية فائقة السرعة.

قد نرى المساحة بين الذكاء (ما نعرفه) والجهل (ما لا نعرف أننا لا نعرفه) فرصة لاستكشاف مدينة المعرفة المستقبلية، وتعتبر هذه المساحة فرصة لروح المبادرة في المجتمع، بما يضيف إلى عملية تطور مدينة المعرفة، وهذه التساؤلات –التي يمكن اعتبارها علماً وفناً– يمكن أن تكون بعداً مبدئياً لحفز واستثارة العقل، لكن ما أهم التساؤلات الواجب طرحها لحفز عملية التفكير لما يكمن في مدن المعرفة؟ إليكم بعض الاقتراحات:

ما الذي يحكم اليوم؟ ما الذي نعرفه عن مدن المعرفة مقابل ما لا نعرفه عن هذه المدن؟ ما الخواص أو المميزات الأهم لمدينة المعرفة؟ ما الذي يوجه نشأة وارتقاء مدينة المعرفة، الذي يمكن تسميته بعوامل العرض أو الطلب؟ إذا كنت تهاجر إلى مدينة أخرى، ما الذي تبحث عنه في هذه المدينة؟ أما إذا كنت ستقيم، فما أكثر شيء تقدره في مدينتك؟ ما الذي يجعل مدينتك جاذبة للطبقة المبدعة من العاملين في مجال المعرفة؟ كيف نحول مرفأ البضائع التقليدي إلى مرفأ معرفة؟ ما نوع التجديدات الاجتماعية التي نراها اليوم في مدينة المعرفة؟ إذا طرحت مدينتك للبيع، هل كنت تشتريها؟ هل ظهر في المجتمع منطق للقيمة أو أنماط من الذكاء الخلاق، مما يستدعي وجود روح المبادرة لدى هذا المجتمع؟ وأخيراً، ما إمكانات الربح المستقبلية، أو الجذور التي تخلق ثمار مدينة المعرفة؟

إن من مهام الاقتصاد إيجاد وسيلة لدمج وسائل الإنتاج بأكثر الطرق كفاءة، ويقتضي هذا تحديداً لعوامل الإنتاج الضرورية لإيجاد نظام قادر على صنع القيمة، وكذا تحديد السياق الملائم لذلك، وكما يرى «ليف»، فإنه يمكننا اليوم أن نلاحظ في كثير من المنظمات أن التعبير عن المعرفة –على أنها عامل من عوامل الإنتاج– أصبح أكثر انتشاراً مع الوقت.

ويشير «كاريللو» إلى المعرفة كحدث تتمثل عناصره الأساسية في: «المفعول به»؛ وهو المعرفة ذاتها (الأفكار، والصور، والعروض التقديمية)، و»الفاعل» للمعرفة (الوكيل الذي يؤدي الفعل)، و»السياق» المعرفي ذو الطبيعة المرجعية (إعطاء معنى للعلاقات الممكنة ذات الصلة بالحدث)، وتتضمن التنمية القائمة على المعرفة تحديداً للفئات المتعلقة بالقيمة، والوكلاء، والمستفيدين من النظام المعرفي.

في الاقتصاد ما بعد الصناعي، احتلت الأنشطة المتعلقة بالمعرفة موقع القلب من جهود خلق الثروة الوطنية والحفاظ على النمو الاقتصادي، فيما عرف باسم «الاقتصاد المعرفي»، «الاقتصاد القائم على المعرفة»، «الاقتصاد الكوني المعتمد على المعرفة»، «الاقتصاد الشبكي الجديد» أو اختصاراً «الاقتصاد الجديد»، وقد عرفت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) “الاقتصاد القائم على المعرفة” بأنه “الاقتصاد الذي يكون فيه إنتاج ونشر واستخدام المعرفة محركاً رئيساً للنمو وصناعة الثروة وخلق فرص للعمل في جميع الصناعات”، وفي هذا الصدد، أشار عديد من الكتاب والمؤلفين إلى تقنيات الاتصال والمعلومات وكذا العولمة باعتبارها المحرك الرئيس لهذا الاقتصاد.

في جميع أنحاء العالم، تقود المتاحف وغيرها من المرافق الثقافية عمليات التنمية الاقتصادية الإقليمية والحضرية الجديدة، ولا يمكن للتنمية الإستراتيجية للمدن أن تحدث من دون دور مناسب للثقافة والمعرفة، وتنشأ المدن وأقاليم المدن والفراغات الجديدة –أكثر من أي وقت مضى– كوحدات وثيقة الصلة بالتجمعات البشرية، وتقوم هذه الفراغات بدور حاسم في تعزيز السياسات الجديدة لدعم التنافسية والرفاهية.

وقد تحولت هذه الفراغات من نطاقات سلبية لإدارة الموارد المادية إلى عوامل نشطة حقيقية، بالإضافة إلى ذلك، فقد تطورت المعرفة والثقافة من كونها عوامل إنتاجية جامدة –مع رأس المال والقوى العاملة– وميزة نسبية في الماضي، إلى كونها مكوناً حيوياً يدعم الميزة التنافسية للأمة والمنطقة أو المدينة.

وللأسف، اليوم تموت العديد من المدن في مختلف أنحاء العالم، ويعتبر الركود إحدى أهم المشكلات الرئيسة التي تواجهها هذه المدن، وقد وصلت بعض المدن إلى مستوى عدم القدرة على تجديد خدماتها، أو تنفيذ بناها التحتية، أو الاستثمار في رأس المال البشري فيها؛ وبالتالي، فإن هذه المدن تفقد جاذبيتها لدى المواطنين بشكل عام ولدى المجموعة الشابة المتعلمة على وجه التحديد.

ونتيجة لذلك يغادر المواطنون المدينة التي ذهبوا فيها إلى المدرسة، ونشؤوا في ظلالها وشعروا فيها بأنها لهم بمنزلة البيت الكبير.

عدد قليل من المفاهيم في العالم اليوم قد يستطيع بلورة ملامح فجر الألفية الجديدة بشكل أفضل من مجرد تحول الأقاليم والمدن إلى مجتمعات المعرفة، والآن فقط يمكن إدراك المغزى الحقيقي وراء التطور الحضري لسكان العالم، وفوق ذلك ارتقاء وتطور خبرة الحياة الحضرية في اقتصاديات عصر ما بعد الثورة الصناعية، ليبدو مجتمع القرن الحادي والعشرين مجتمعاً ما بعد صناعي تلوح مدينة المعرفة أفقه.

فمن ناحية، يمكن اعتبار القرن الحادي والعشرين قرناً للمدن، وعلى الرغم من أن الهجرة الجماعية لسكان الريف إلى المدن قد بدأت مع الثورة الصناعية، فإن عملية الهجرة ما تزال مستمرة وإن كانت أقل بكثير مما كانت عليه في الماضي.

فمنذ قرنين من الزمان، لم يتعد سكان هذه المدن 0.5% من الوجود الإنساني على الأرض، وحتى الثمانينيات من القرن العشرين، لم يتعد سكان المناطق الحضرية على مستوى العالم 30% من إجمالي عدد السكان، أما الآن، فنسبة سكان المدن في العالم تتخطى 50%، ومن المتوقع أن تصل إلى 75% بحلول عام 2025، وقد تم الوصول إلى هذه النسبة بالفعل في معظم الدول المتقدمة.

ولذا، فيمكننا القول: إن أكبر عميلة تحضر للجنس البشري –بعد 40 ألف سنة من ظهور هذا الجنس– تحدث الآن، إنه بحق "قرن المدن"، حيث تسود ظاهرة الخبرة البشرية الحضرية كحقيقة واقعة للألفية الجديدة.

ومن ناحية أخرى، يمكن اعتبار القرن الحادي والعشرين "قرناً للمعرفة"، أو "قرناً للتعلم"، فبعد الحرب العالمية الثانية، تحول أكثر من 50% من إجمالي الناتج المحلي لعدد متزايد من الدول الصناعية من التنمية المادية إلى التنمية القائمة على المعرفة.

وعلى الساحة الدولية، فقد أكدت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية والبنك الدولي الأهمية الحاسمة للاقتصاد القائم على المعرفة كحقيقة عالمية تم إثباتها بنهاية القرن الماضي.

وقد تنبأ كل من تايتشي ساكايا، وبيتر دروكر –من بين آخرين– بمجيء الاقتصاد القائم على المعرفة في نهاية القرن الماضي، كأرضية لتأسيس مجتمع المعرفة، ووفقاً لما يرى ساكايا، فإننا بصدد تدشين عهد جديد: "أرى أننا ندخل مرحلة جديدة من الحضارة، التي تكون فيها القيمة المرتبطة بالمعرفة هي القوة الدافعة"، ولذا فنحن قد دخلنا بالفعل في "قرن المعرفة".

وتشكل الدراسات النظرية والتجريبية على مدن المعرفة ملامح مجال ناشئ متعدد التخصصات.

أولاً: يبدو هذا المجال -حتى الآن– ليس فقط كابن صغير لهذا القرن الجديد، بل يبدو كفتى سريع النمو، وتشهد المصادر الهائلة للمعلومات المتاحة في هذا المجال وكذا وجود معظم عناصر التوجه المؤسسي إليه –كمجلات النشر المتخصصة، والشبكات والمجتمعات المتخصصة، والمؤتمرات المتخصصة– بهذا النمو الفتي، ويقوم مركز تبادل معلومات مدن المعرفة (www.knowledgecities.com) بتجميع القوائم الخاصة بعدة مجالات، منها:

1- قواميس المصطلحات الخاصة بالمجال.

2- مبادرات التنمية القائمة على المعرفة.

3- الجمعيات والمنظمات الدولية ذات الصلة.

4- أبعاد قيمة التنمية الحضرية القائمة على المعرفة

5- التصنيفات.

6- الطبعات الخاصة

7- الأدبيات.

8- المراجع الإلكترونية ذات الصلة بمدن المعرفة والتنمية القائمة على المعرفة.

ثانياً: يمكن وصف مجال مدن المعرفة الناشئ على أنه مجال قبل نموذجي، وعلى الرغم من تنامي الاهتمام بمدن المعرفة بشكل متسارع، فإن المجال لا يزال يفتقر إلى الإجماع بشأن الأطر النظرية والمنهجية الملائمة.

ثالثاً: فإن المجال الجديد يبني نفسه على تخصصات ناشئة وغير مألوفة، فبينما تعتبر التنمية القائمة على المعرفة نتاجاً للتقارب بين نظرية النمو الاقتصادي وإدارة المعرفة، فإن مدن المعرفة –كأحد فروع مجال التنمية القائمة على المعرفة– يمكن اعتبارها نتاجاً للتقارب بين الدراسات الحضرية والتخطيط وإدارة المعرفة، وهذه المجالات –كسائر المجالات الفرعية لإدارة المعرفة– تم تأسيسها على علوم المعرفة، كالتاريخ والإنسانيات والأحياء وعلم النفس والاقتصاد والعلوم السياسية وعلم الاجتماع، أما مدن المعرفة على وجه الخصوص، فإنها تستفيد أيضاً من علم الجغرافياً والعديد من علوم التقنية.

الأحد, 07 أكتوبر 2018 10:53

التعليم الاقتصادي!

نحن نعيش في عصر «خبراء دهاليز السياسات» الذين يحكمون على نجاح أو فشل أي برنامج من خلال تأثيره على معدل الإنتاج وعلى جودة المنتج وعلى مقدار الجهد المبذول، وهؤلاء الخبراء يستخدمون مصطلحات علم الاقتصاد دون مضمونه في تحليلهم لتلك البرامج.

إن هناك فكرة تتردد كثيراً؛ وهي أن أفضل وسيلة لتعليم الطلاب هذه الأيام هي ألعاب الكمبيوتر، يقول «ستيفن لاند سبيرج»، مؤلف كتاب «فيلسوف الاقتصاد»: عدت للتو من اجتماع بخصوص تصميم إحدى ألعاب الكمبيوتر عن الأسواق المالية، وفي هذه اللعبة يدير كل طالب مشروعاً خيالياً، ويجمع رأس المال عن طريق بيع الأسهم أو السندات كيفما يتراءى له، ثم يستخدم رأس المال في شراء عناصر الإنتاج المختلفة، وينسق عمل هذه العناصر المختلفة بحيث يحصل في النهاية على منتج، ويجني الأرباح حسب أدائه.

هنا نجد أنفسنا أمام سؤال مهم: ما مقياس النجاح في «لعبة محاكاة الواقع الاقتصادي» تلك؟ أرى أن نستخدم نفس المقياس الذي يستخدمه علماء الاقتصاد لقياس النجاح في لعبة الحياة نفسها، وهذا المقياس لا ينظر إلى معدل الإنتاج أو أصول الممتلكات، وإنما ينظر إلى قدر الاستمتاع برحلة الحياة.

واستكمالاً للعبة محاكاة الواقع الاقتصادي، فلنجعل مكافأة العمليات التجارية المربحة عن طريق طباعة بعض الكوبونات التي يستطيع الطلاب استبدال سلع استهلاكية ذات قيمة حقيقية بها، وبإمكان الطلاب استبدال الكوبونات فوراً، أو الاحتفاظ بها لاستخدامها في المستقبل، أو اقتراض بعضها من الطلاب الراغبين في الإقراض، وهناك يوم يختار بصورة عشوائية لكل طالب ينتهي فيه دوره في اللعبة بأن «تموت» الشخصية التي يلعبها، وعندها تنتقل مدخراته إلى «وريث» محدد، وتنتهي كذلك فرصه في الاستهلاك.

هكذا تنتهي اللعبة؛ فلا يحصل الطلاب على درجات لاشتراكهم في اللعبة، ولا يوجد معلم يتابعهم، ولا يجدون من يخبرهم إن كان أداؤهم جيداً أم ضعيفاً، فالطلاب صورياً يعيشون ثم يموتون، وإذا كان أداؤهم جيداً يحصلون على مكافآت، وإذا قرر الطالب أن الأمر لا يستحق عناء الأداء الجيد، فلا بأس بذلك.

يتعلم الطلاب الكثير من هذه اللعبة، فمنها يتعلمون أن النجاح في الحياة لا يقاس بالمقارنة بما حققه الآخرون، وإنما بتحقيق ما يُرضي الطموح الشخصي للإنسان، ويتعلمون أن في «لعبة الحياة» هناك الكثير من الفائزين، وأن فوز أحد اللاعبين لا يقلل أبداً من قيمة نجاح الآخرين، ويتعلم الطلاب أيضاً أن العمل الجاد لا بد له من مكافأة، إلا أنه يحرم صاحبه من ممارسة بعض الأنشطة الأخرى، وأن الطموحات التي يتنافس الناس من أجل تحقيقها تختلف تماماً من فرد إلى آخر، والأهم من كل ما سبق أنهم يتعلمون أن جوهر الحياة الاقتصادية ليس العمل الجاد وتكديس الأشياء فقط، بل هو استهلاك أمثل لهذه الأشياء والاستمتاع بأوقات الفراغ.

ولا تتصور أنني من علماء الاقتصاد الذين يتحمسون ظاهرياً لمبادئ علم الاقتصاد، بينما يعترفون في أنفسهم أن الحياة تختلف كثيراً عما تقدمه النماذج الاقتصادية، فالعكس هو الصحيح، ولعبة محاكاة الحياة المذكورة آنفاً تعد تأكيداً صريحاً على القيم التي يهتم بها علماء الاقتصاد، فكل النماذج الاقتصادية السائدة تفترض أن الهم الأكبر للناس هو الاستهلاك أكثر والعمل أقل، وكل هذه النماذج لا تحكم على أي سياسة اقتصادية بالنجاح إلا حين تساعد الناس على تحقيق أحد هذين الهدفين، وطبقاً لمقاييس علم الاقتصاد، فإن السياسة التي لا تفعل شيئاً سوى تشجيع الناس على أن يعملوا أكثر وأن يموتوا أثرياء هي سياسة سيئة.

السبت, 08 سبتمبر 2018 15:07

سفينة الاقتصاد.. قوارب النجاة

 

لقد تبارى الكتاب والحكماء منذ القدم في الوقوف على أسرار النجاح، والمسألة لا تحتاج إلى الكثير من البحث والاستقصاء.

فما دام المرء مسروراً من عمله واجداً فيه لذة ومتعة، كان النجاح حليفه، ومهما واصل الليل بالنهار وهو على مضض، أو فاتر الشعور نحوه، فالنتيجة التي لا مناص عنها هي الفشل في هذا العمل.

ولو أنَّ جيمس واط، وستيفنسون، وأديسون تطرق اليأس إلى نفوسهم، بعد أن فشلت تجاربهم مئات المرات، ورماهم الناس بالشذوذ وغرابة الأطوار –إن لم يكن بالجنون– فكفوا عن بذل الجهد والوقت والمال، وألقوا سلاحهم؛ لما كان هناك آلات وسفن بخارية، ولا سكك حديدية، ولا ضوء كهربائي، ولا هاتف، ولا فوتوغراف، ولا لاسلكي ولا بنسلين.

المثابر لا يتقهقر، ومعنى هذا أنه يتقدم، وما أروع المثل الذي يقدمه لنا ربان السفينة المشرفة على الغرق: انظر إليه وهو يهيئ قوارب النجاة لإنقاذ الأطفال والنساء، ثم الشيوخ فبقية المسافرين، فضباط السفينة، فبحارتها.

فإذا ما تبقى لوح من الخشب يتعلق به في لجة أليم الفائر كان بها، وإلا فيهوي إلى القاع مع حطام مركبه، مرتاح الضمير، بعد أن أدى واجبه، وليست كل الواجبات بهذه الخطورة، بيد أن أتفه الواجبات وأقلها أهمية، لها ضرورة وحتمية تعرفهما النفوس النبيلة، الواجب يدفع الأقلية من الناس إلى الفضيلة والأكثرية منهم إلى الضجر والبطر.

إنَّ كلاً من الجشع والتقتير تبذير، وكما أن الرجل الذي يمعن في المساومة نشال، كذلك المبذر لص يسرق نفسه، والصغائر كالثقوب في قاع السفينة، تؤدي بها إلى الغرق إن لم يكن عاجلاً فآجلاً، ومن الحكمة أن يبدأ الاقتصاد مبكراً، أي قبل أن تهرم الأعصاب ويتضاءل النظر، وتنخر الأسنان، وتشيخ المعدة.

ولو أننا سألنا كلاً من روكفلر، وفورد، وكارنيجي، وفندربلت، وهرست، ومورغان، وبفربروك، عن شعاره الذي كان له أكبر أثر في تكوين ثروته، لأجابك: "الوقت من ذهب".

ولو أننا وجهنا السؤال نفسه إلى كبار العلماء والسياسيين، والقادة، والمخترعين، والمكتشفين، وكل من شق طريقه في الحياة صعوداً إلى ذروة النجاح، لأجابنا بلا تردد: "الوقت من ذهب"، أفلا نعجب بعد ذلك أن نرى الملايين جلوساً سبهلالاً طيلة أوقاتهم.

أرأيت والداً أو مربياً ينهى ولده أو تلميذه عن الكذب ويأتي مثله؟! يظن الكثيرون ممن يتولون أمور الآخرين أن إسداء النصائح، وإلقاء العظات، كافية لتقويم ذلك الآخر وتهذيب خلقه، وإن كانوا هم مثالاً للاعوجاج والفساد، إنَّ من طبيعة الأشياء أنَّ التابع يقتفي المتبوع وينسج على منواله، رغم النصائح والعظات.

يظن بعض الناس أنَّ حكمة الاقتصاد تقتصر على المال، وفاتهم أنها تشمل ما هو أهم من هذا بكثير، تشمل الوقت والجهد، والحب والكراهية، واللطف والعنف، والرضا والسخط، والواقع والخيال.

 

مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

الصفحة 1 من 30
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top