د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الخميس, 05 يوليو 2018 14:46

كيف نقيس كفاءة المجتمعات؟

لقد انتشرت تطبيقات المعلوماتية في جميع أرجاء المجتمع محلياً وإقليمياً وعالمياً، إذ لم تعد نظم الاتصالات تنقل الرسائل والأصوات كما كانت عليه الحال في الماضي، بل أصبحت تقوم أيضاً بخدمات أخرى مثل: نقل الأموال عبر ما يعرف بالتحويل الإلكتروني، ونقل الأسواق، ونقل الحضور حيث يمكن حالياً من خلال الإنترنت التواجد عن بعد أو ما يعرف بنقل الحضور، وذلك بفضل الله ثم نظم التحكم الآلي والروبوت، وتجري حالياً إضافة تقنية ما يعرف بالرؤوس الناطقة، إلى جانب نقل سلع اقتصاد المعرفة إلكترونياً، حيث يجري شحن كثير من سلع اقتصاد المعرفة –حالياً– عبر شبكات الاتصالات عن طريق ما يعرف بأسلوب تنزيل البيانات، حيث تنقل الكتب والجرائد والبرامج ونتائج الأبحاث العلمية وما شابه، إنها بحق شبكات اتصالات حاضرنا التي تنقل النص والصوت والشكل.

الاتصال –كما قيل– شرط من شروط بقاء الكائن البشري، وقد أصبحت كفاءة المجتمعات تقاس بمدى كفاءة شبكة اتصالاتها، بعد أن باتت هذه الشبكة بمنزلة الجهاز العصبي للمجتمع، ومن دونها تتفكك أوصاله.

أما عن شأنها الحالي، فقد أصبحت نظم الاتصالات أهم عناصر البنى التحتية لإقامة مجتمع المعلومات، وأصبح مدى كفاءتها أهم مؤشر لقياس مدى جاهزية المجتمع لدخول عصر اقتصاد المعرفة، وهي تعد بمنزلة بطاقة العضوية لنادي العولمة.

وربما يفسر هذا النقلة النوعية الحادة التي شهدها العالم في الحقبة الأخيرة على صعيد الاتصالات، وذلك نتيجة للعوامل التالية

1- ظهور الإنترنت الذي أصبح وسيط الاتصال الأول.

2- التحول من السلكي إلى اللاسلكي، المتمثل حالياً في الهواتف النقالة.

3- استخدام الألياف الضوئية ذات السعة الهائلة لتدفق المعلومات.

إنَّ العالم بموج حالياً بقنوات الاتصال، ما بين بحرية وأرضية وكوكبية وما فوق كوكبية، وتغلفه صوبة كثيفة من الأقمار الصناعية، بعضها يبث رسائل إعلامية، ويقيم حلقات الوصل بين أطراف المعمورة من أجل الاتصالات الهاتفية وتبادل المعلومات.

إنَّ الطلب على الاتصالات ينمو بمعدلات متصاعدة وتتضاعف سعى شبكات الاتصالات عالمياً كل بضعة أشهر وكل ما كان يجري تبادله عبر شبكة الإنترنت في نهاية القرن الماضي يُنقل حالياً عبر كابل واحد من الألياف الضوئية.

 

 

(*) مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الخميس, 14 يونيو 2018 12:41

أسس اقتصادية مهمة

 

المقاصد والقواعد:

إن من الأسس التي يجب معرفتها لمن يتصدّى لبيان حكم الله، ولمن يطلع على مراجع التراث الإسلامي أن يفرِّق بين ثلاثة اصطلاحات، هي: القواعد الفقهية، والمقاصد الشرعية، وأصول الفقه، فكثيراً ما يحدث لبس بينها، فيترتب عليه خطأ وخلط، ونتائج غير دقيقة.

فالقاعدة الفقهية "تستنبط من استقراء النصوص الجزئية المستدل بها على أحكام فرعية"، وهي تنبني على الأكثرية، فتشمل أحكام معظم الفروع التي تنطبق عليها.

وأما المقاصد الشرعية "فهي الأهداف العامة التي يتوخاها التشريع الإسلامي"، وهي تتعدد وتتدرج في أهميتها ما بين الضرورات والحاجيات والتحسينات.

وعلم أصول الفقه "يبحث في أدلة الفقه الإجمالية، ومعرفة كيفية استنباط الأحكام منها، وحال المستفيد لتلك الأحكام"، وهذه هي المعارف الثلاث لأصول الفقه:

أ- معرفة أدلة الفقه (ما هو متفق عليه، وما هو مختلف فيه).

ب- معرفة كيفية الاستنباط.

جـ- معرفة حال المستفيد (مجتهداً أو مقلداً).

وبعد معرفة الفوارق العلمية بين هذه المصطلحات، فإن الأمر يقتضي وعياً لما يكتب أو ينشر من آراء حول اقتصاديات الإسلام، تتجاوز النص، باسم المصلحة أو مقاصد الشريعة أو القواعد الكلية.

الضرورات والحاجات:

لقد عانت الإنسانية كثيراً من المشكلات، من الفلسفة الرأسمالية التي تقدم مصلحة الفرد على مصلحة الجماعة، ومن الفلسفة الاشتراكية التي تقدم مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد، ولعلّ تجربة الفرد في أمريكا وروسيا أبلغ دليل على ذلك.

ومن هنا فقد وازن الإسلام بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة، فأعطى الفرد القدر الذي لا يطغى به على الجماعة، وأعطى الجماعة كذلك قدراً لا تطغى به على الفرد، سواء من حيث الحقوق أو الواجبات، ومن ذلك:

1- الفرد مسؤول عن عمله مسؤولية فردية، قال تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) (فاطر: 18)، وقال سبحانه: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ {38}) (المدثر).

2- الفرد مسؤول مسؤولية جماعية أيضاً، قال تعالى: (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً) (الأنفال: 25).

3- التكليف موجّه للجماعة في كثير من الأمور، قال سبحانه: (وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ) (الشورى: 38).

4) العلاقة بين الفرد والمجتمع في الأمة المسلمة علاقة تعاون لا علاقة صراع، قال تعالى: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: 2).

والشريعة الإسلامية تهدف -كما هو معلوم- إلى تحقيق الخير للناس في الدنيا والآخرة، فتجلب لهم المنافع، وتدفع عنهم المضار، من أجل تحرير المجتمع من الخوف والجوع، ومن أجل تحقيق الأمن والتكافل، وهذا كله من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية.

وبينما يقتصر الغرب على تقسيم الحاجات إلى ضرورية وكمالية، نجد الشريعة الإسلامية تقسّم المقاصد أو المصالح إلى ضرورية وهي ما لا يمكن أن تقوم بدونها الحياة، وحاجية وهي ما لا تُتحمل الحياة بدونها إلا بمشقة، وتحسينية وهي ما يُجمِّل الحياة ويُحسِّنها من مكارم الأخلاق ومحاسن العادات.

الطيبات والخبائث:

يعتبر الاقتصاد الوضعي اللذة غايته القصوى، ولذا يستبعد القيم والأخلاق من ميدان الدراسة، كما أنه لا يفرِّق بين الخبيث والطيِّب من السلع والخدمات، ولا يسترشد إلا بالرغبة الحسية بصرف النظر عن النتائج الصحية والنفسية والاجتماعية.

وأما في الاقتصاد الإسلامي فإن الطيِّب هو الحلال، والخبيث هو الحرام، وتحديد الطيب والخبيث في الإسلام يراعى فيه الجسد والروح معاً.

ولذا، فإن تحديد المنافع لابد أن يرتبط بالحلال والحرام، قال تعالى: (وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ {216}) (البقرة).

وعلى سبيل المثال: الخمر: فيها منافع وآثام، ولكنّ إثمها يغلب نفعها، ولذا حرّمتها الشريعة الإسلامية، قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) (البقرة: 219)، وحين حرّم الله الخمر، فإن ذلك سببٌ في نجاة المجتمع من شرور ومصائب منها: إتلاف الصحة وإهلاكها، وضعف الإنتاجية، وانتشار العداوة والبغضاء في المجتمع.

 

(*) مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

السبت, 09 يونيو 2018 16:00

أتدرون ما الاقتصاد؟


جاء في تراثنا في بيان معنى الاقتصاد قول سفيان بن حسين - رحمه الله - لأصحابه وتلاميذه: أتدرون ما الاقتصاد؟! هو الشيء الذي ليس فيه غلو ولا تقصير؛ أي: ليس فيه إسراف ولا بخل.

وليس ذلك إلا تبيين وتفسير للقوام الذي جاء في قوله - سبحانه -: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67]، فالاقتصاد هو المنزلة بين المنزلتين المتطرفتين؛ منزلة البخل والتقتير، ومنزلة الإسراف والتبذير.
وقد بيّن لنا الرسول - صلى الله عليه وسلم - قيمة هذا الاقتصاد ومكانته في الإسلام، حين جعله من أجزاء النبوة، وذلك بقوله - عليه السلام -: ((السمت الصالح، والهَدْي الصالح، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءًا من النبوة)).
كذلك، فقد ورد أن عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - كان يقول: "إن من أحب الأمر إلى الله - عز وجل - القصد في الغنى والعفو في المقدرة".
ولهذا، فقد كان الاقتصاد وعدم الإسراف من العلامات التي تميِّز المؤمن عن غيره؛ فعن الحسن البصري - رحمه الله - قال: "إن من علامة المؤمن: قوة في دين، وحزمًا في لين، وإمامًا في يقين، وحِلمًا في علم وكيسًا في مال، وإعطاءً في حق، وقصدًا في غنًى، وتجمُّلاً في فاقة، وإحسانًاً في قدرة..".
ولما كان التبذير يؤدي إلى الفقر، فقد لزم أن يؤدي الاقتصاد إلى الغنى، لهذا فقد نفى رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم - الفقر عن المقتصد، فقال - عليه السلام -: ((ما عال مقتصد))، وفي رواية أخرى: ((السؤال نصف العلم، والرفق نصف العيش، وما عال من اقتصد)).
ولما كان المأكل والمشرب ضروريين لحياة البشر، فقد لزم عليهم الحفاظ عليهما وعدم الإهمال أو التفريط فيهما؛ إذ لا قوام لهم إلا بهما، وقد دعانا الله - سبحانه - لهذا، فقال - عز وجل -: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف: 31].

وقيّد لنا - سبحانه وتعالى - هذا المأكل والمشرب بكونه حلالاً خالصًا بعيدًا عن شبهة الحرام، فقال - جل ذكره -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [البقرة: 172]، وذلك بشرط عدم الإسراف أو التبذير؛ لأنه - تعالى - لا يحب المسرفين، ومن هنا فقد كان القصد طريقًا إلى نيل محبة الله.
وقد أظهر رسول الهدى - عليه السلام - بشاعة من يسرف في مأكله، وسمَّى ذلك شرًّا، بقوله - عليه السلام -: ((ما ملأ ابن آدم وعاء شرًّا من بطنه، حسب ابن آدم أكلات (لقيمات) يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث طعام، ثلث شراب، وثلث نفس)).
وقد أدرك الكثير من العلماء المتخصصين في العلوم الطبية في عصرنا الحاضر هذه الحقيقة، وبدأوا بعلاج الكثير من الأمراض انطلاقًا من مبدأ التقليل من الطعام.
ورد عن الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- قوله: "أيها الناس، إياكم والبطنة، فإنها مكسلة عن الصلاة، مفسدة للجسم، مؤشرة للسقم، ولكن عليكم بالقصد في قوتكم، فإنه أدنى من الإصلاح، وأبعد من السرف، وأقوى على عبادة الله - عز وجل - فإنه لن يُهلك عبد حتى يؤثر شهوته على دينه".
ومن هنا، فقد كانت البطنة مؤدية إلى الفقر؛ إذ هي في أولها إسراف في الأموال من أجل توفير الكثير من الطعام والشراب، وهي في آخرها إهدار للأموال لمعالجة ما لحق الإنسان المسرف من أمراض ومتاعب.
والأمر بالاقتصاد والاعتدال والتوسط يسري في كل مناحي الحياة الملبس والمسكن، والمركب والخادم، ووسائل الاتصالات والمواصلات والترفيه.
بيد أن هناك قضية مهمة، هي أن الاقتصاد في الحاجات الأساسية لا يعني أن يعيش المسلم بعيدًا عن التمتع في هذه الحياة وفق الضوابط الشرعية والقيود الأخلاقية.
ذلك لأن التمتع بهذه الدنيا ونعيمها لا يتنافى مع نظرة الإسلام الاقتصادية؛ يقول - صلى الله عليه وسلم -: ((ثلاث من نعيم الدنيا، وإن كانت لا نعيم لها، المسكن الواسع، والزوجة الصالحة والمركب الموافق)).
ورحم الله الحسن البصري القائل: إن المؤمن أخذ عن الله - تعالى - أدبًا حسنًا، إذا وسع عليه وسع، فإذا قتّر عليه قتر.
وصدق الله القائل: {وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [القصص: 77].

(*) مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. 

للتواصل : عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الإثنين, 04 يونيو 2018 22:24

الصحة من منظور اقتصادي

يُعدُّ رفع المستوى الصحي للسكان هدفاً أساساً يتوجب الوصول إليه سواء من أجل تأمين الرفاهية للفرد أو لرفع إنتاجية العمل.

إن الطبيعة المزدوجة للصحة وسيلة وغاية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في آن واحد لتؤكد ضرورة توفير الاعتمادات المالية الكافية، بحيث تكون قادرة على النهوض بالخدمات والبرامج الصحية، وكذا قادرة على معالجة أية مشكلات صحية جديدة قد تظهر في المستقبل.

فالصحة هدفها الإغاثة والعناية بالمريض، وذلك بالاستناد إلى الأخلاق المهنية للأطباء، أما الاقتصاد فهدفه المعرفة الموضوعية للظواهر ذات الارتباط بالاستهلاك والإنتاج والتوزيع والموارد على ضوء التكلفة. ومن ثم فكيف نجمـع بين هذين الاختصاصيين المتناقضين ظاهريـاً من حيث المفهوم؟!

بداية ينبغي أن نتذكر تطور المشاكل الصحية، إذ قبل خمسين عاماً كانت المشاكل الصحية والأمراض، لا تستدعيان النظر إليهما لا من الوجهة الاقتصادية، ولا حتى من الأوجه التي تهم المجتمع، عدا الأمراض الوبائية، فلقد كان الطب طباً فردياً.

وفي بداية هذا القرن أصبح الهدف الأساس هو وضع نظام للتأمين الطبي، وذلك لصالح المعوزين والعاجزين خاصة. والهدف الثاني هو تنمية وتطوير شبكة المستشفيات والمؤسسات للعناية والوقاية، والتي تسمح بدورها بنشر التقنية الجديدة المعروضة من خلال العلوم الطبية.

ففي أقل من نصف قرن انتقلت المشاكل الصحية من الحيز الفردي إلى الحيز الجماعي.

ومن ثم، فينبغي أن نحلل وبأسلوب علمي طبيعة الظواهر ذات الصلة بالاستهلاك الطبي لتكاليف السلع والخدمات المستخدمة في قطاع الصحة وإدارة مؤسسات الخدمات التي تتنافس في الحماية الصحية. وهذا هو المبرر الأول لظهور اقتصاديات الصحة.

ويترتب على هذا مبرر ثان، يتمثل في أهمية توفير الموارد الصحية الكافية لتحقيق المشاريع الصحية اللازمة لرفع المستوى الصحي.

إن هناك مجموعتين كبيرتين من الدراسات الاقتصادية الممكن عملها : تلك التي تحاول تحديد القسم الملائم تخصيصه للقطاع الصحي داخل مجموع اقتصاد البلد، حيث نهتم بتحديد معايير الاختيار بين الصحة والقطاعات الكبيرة الأخرى للاستثمار الجماعي كالزراعة والصناعة والنقل.

ويبدو أنه من المتعذر تنفيذ مثل هذه الدراسة في الوقت الحاضر. وذلك بسبب غياب وحدة قياس تبين الفوائد – التكاليف للاستثمارات في مختلف القطاعات الاقتصادية. حيث إن الوحدة المالية يصعب استخدامها في نطاق الصحة وخاصة أنه لا يوجد سعر للصحة. أما المجموعة الثانية من الدراسات الاقتصادية فهي التي تحاول تحديد نصيب كل قسم من أقسام القطاع الصحي من مجمل الموارد المخصصة لهذا القطاع ككل.

حيث نهتم بالاختيارات الداخلية الملائم عملها ضمن القطاع الصحي، وهدفها تحديد سلم الأفضلية لنماذج مختلفة من الأعمال، فهل نبدأ بالعناية في المستشفيات أولاً أم بالعناية الطبية المتنقلة (كالتلقيح)، أم بالطب المهني المتعلق بحوادث العمل ؟ وهل ترتكز الجهود الصحية لصالح فئة من السكان (كالقوة العاملة مثلاً) أم لفئة أخرى من السكان (كالمسنين). وهنا، نستطيع أن نتساءل على سبيل المثال، كيف توزع الجهود الجماعية بين العناية والوقاية والبحث العلمي الطبي؟!

ويبدو أن هذه الدراسة أكثر صلابة وعقلانية من الدراسة الأولى التي تهتم بتحديد معايير الاختيار بين الصحة والقطاعات الكبيرة الأخرى.

 

(*) مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

 للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الصفحة 1 من 26
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top