د.أشرف دوابه

د.أشرف دوابه

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 حملت الحضارة الإسلامية شعلة النور والهداية والعدل للعالمين، فما عرفت عنصرية أو ظلماً أو إقصاء، بل كانت راية للعدل وميزاناً للقسط؛ (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (الحديد: 25)، وتحت راية العدل برز الاقتصاد في تلك الحضارة لعمران الأرض؛ (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) (هود: 61)، وانطلاقاً من عهد الرسالة والخلافة الراشدة والدولة الأموية الممتدة في ربوع الأرض، سوف نركز على البناء الاقتصادي في الحضارة الإسلامية في تلك المراحل من حياة الأمة الإسلامية.

إن البناء الاقتصادي في الحضارة الإسلامية قوامه الإنسان باعتباره خليفة الله في أرض الله؛ (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) (البقرة: 30)، لتحقيق الرسالة السامية وهي العبادة لله عز وجل؛ (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ {56}) (الذاريات)، باعتبار العبادة اسماً جامعاً لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة، لذا فالسلوك الاقتصادي من إنتاج وتوزيع واستهلاك وتدبير لا يقتصر في الحضارة الإسلامية على الجوانب المادية فحسب، بل يتعدى ذلك إلى التوجيه نحو السلوك الإنساني الرشيد الذي يحقق التوازن بين الجانب النفسي والجانب المادي؛ (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ {1} إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ {2} فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ {3} الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ {4}) (قريش)، بميزان قوامه البناء والتعمير والإصلاح لا الهدم والتخريب والتدمير، قوامه العدل والإحسان والرحمة، لا الفحشاء والمنكر والبغي؛ (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ {89} إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ {90}) (النحل).

المنطلقات الاقتصادية للرسول:

لقد جاء الرسول صلى الله عليه وسلم ليحمل للدنيا قيمة التكريم للإنسان بغض النظر عن جنسه ونوعه ولونه؛ (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً {70}) (الإسراء)، ولم يكن الاقتصاد يوماً من الأيام بعيداً عن منطلقاته، بل كان منبعاً رئيساً لتلك المنطلقات، فحينما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة اتخذ بناء اقتصادياً حضارياً للأمة من خلال قرارته الثلاثة ممثلة في بناء المسجد الذي كان تعليم الاقتصاد جزءاً منه، وكذلك المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار التي كانت مؤاخاة اقتصادية امتدت إلى الميراث، فضلاً عن قرار إقامة سوق المدينة، فقد وجد النبي صلى الله عليه وسلم سوق المدينة في بني قينقاع -أحد أحياء اليهود- وكان هؤلاء اليهود أصحاب السيطرة والنفوذ لما عرف عنهم من الأثرة والظلم، وأكل المال بالباطل، وتعاطي الربا، والاحتكار وغير ذلك، فما كان منه إلا أن اختار موضعاً آخر يناسب عمليات البيع والشراء، وإجراء المبادلات والمعاملات بين الناس، وجعله فسيحاً منظماً، وقال: «هَذَا سُوقُكُمْ فَلاَ يُنْتَقَصَنَّ وَلا يُضْرَبَنَّ عَلَيْهِ خَرَاجٌ» (رواه ابن ماجه).

وحينما امتدت ربوع دولة الإسلام وفتح الله على المسلمين مكة المكرمة لم ينفصم الاقتصاد عن واقع حياة الناس، فظهرت حقيقة قيمة البعد العقدي والأخلاقي في الاقتصاد وبناء الحضارة الإسلامية، فحينما نزل قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ {28}) (التوبة)، رأي بعض مسلمي مكة الذين يعيشون على التجارة في موسم الحج أن منع المشركين من الحج إلى بيت الله الحرام سوف يؤدي إلى كساد تجارتهم وانهيارها، وجاء الوعد من الله تعالى ليريح بالهم ويبين لهم أن أمر الرزق بيد الله تعالى، وإن كانوا يخافون الفقر فسوف يغنيهم الرزاق من فضله.

لقد أقام الرسول صلى الله عليه وسلم بناء حضارياً اقتصادياً لا يعرف للغش والغبن والاحتكار والربا وأكل المال بالباطل سبيلاً، بناء حرص على جمع الزكاة لتحقيق التوازن الاجتماعي وإقطاع الأرض لمن يريد أن يحييها بالاستصلاح لتوسيع العمران، واحترام الملكية الفردية بصورة لا ضرر فيها ولا ضرار.

البعد الاقتصادي عند أبي بكر وعمر:

ولما جاء الخلفاء الراشدون من بعده، كان أهم ما تميز به عصر الصديق إبراز قيمة البعد الاقتصادي الحضاري في المحافظة على حقوق الفقراء والذود عنها بالسيف، ففي الوقت الذي كرست فيه النظم الوضعية الانحياز للأغنياء على حساب الفقراء حتى يومنا هذا، قال أبو بكر رضي الله عنه كلمته المشهورة: «والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه».

كما ضرب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أروع الأمثلة في البناء الحضاري الاقتصادي، وفي مقدمة ذلك سياسته الاقتصادية التي اتسع مجال التكافل الاجتماعي فيها ليشمل المسلمين وغيرهم، فقد مرَّ عمر بن الخطاب بباب قوم، وعليه سائل، شيخ كبير ضرير البصر، فضرب عضده من خلفه، وقال: مِنْ أيّ أهل الكتاب أنت؟ فقال: يهودي، قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسألُ الجزيةَ والحاجةَ والسنَّ، فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منـزله فرضخ له بشيء من المنـزل، ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال: انظر هذا وضرباءَه، فواللهِ ما أنصفناه أنْ أكلْنا شبيبته ثم نخذلُه عند الهَرَمِ!

كما راعى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه التوازن الاجتماعي في تقسيم الأرض التي افتتحت عنوة بين المسلمين حينما قال له معاذ رضي الله عنه: والله إذن ليكوننَّ ما تكره، إنك إن قسمتها صار الرَّيْع العظيم في أيدي القوم، ثم يبيدون فيصير ذلك إلى الرجل الواحد أو المرأة، ثم يأتي من بعدهم قومٌ يسدُّون من الإسلام مسداً، وهم لا يجدون شيئاً، فانظر أمراً يسع أوَّلهم وآخِرَهُمْ، فصار عمر إلى قول معاذ.

النموذج الأندلسي الحضاري والاقتصادي:

وحينما أخذت الدولة الإسلامية في الاتساع في ظل حكم الأمويين أبقت كذلك أهل الأرض على أرضهم مع دفعهم الخراج من الإنتاج الزراعي للأرض، ويعد النموذج الأندلسي نموذجاً فريداً في البناء الحضاري الاقتصادي، ففي العام 822م كانت نصف المساحة المزروعة في الأندلس من أراضي العشر، وبدا دور الدولة واضحاً في دفع عملية الإنتاج الزراعي، وتشجيع استصلاح الأراضي وتحسين قواعد الزراعة لصالح أهل البلاد أنفسهم وليس كما عمل المستعمر في ديار المسلمين من استغلال الأراضي في الدول التي استعمرها لصالح بلده الأم.

كما شهدت الفترة ما بين 822 - 950م توجهاً كبيراً نحو التوطن في المدن التي أنشأها المسلمون بالأندلس، حتى تضاعف على سبيل المثال عدد القرى ثلاث مرات في ولاية قرطبة وحدها، كما كانت مدن الأندلس لا سيما المرية وإشبيلية ومالقة مراكز ضخمة ومهمة للتجارة الدولية من جميع مناطق البحر الأبيض المتوسط دون تمييز بين تاجر مسلم وغيره من أصحاب الديانات الأخرى من اليهود والمسيحيين.

وقد تغيرت الحال بعد تحول الأندلس للحكم المسيحي، فباتت التجارة الدولية للمسلمين نسياً منسياً، ويذكر «أوليفا ريمي كونستبل»، أستاذ التاريخ في جامعة كولومبيا، أن القوة النسبية والشهرة التي تمتعت بها جماعات التجار في الأندلس عانت تغيراً ملموساً بين القرنين الرابع والسابع الهجريين (العاشر والثالث عشر الميلاديين)، حيث سيطر التجار المسيحيون على التجارة الدولية.

وقد كان ذلك التضييق على التجار المسلمين عاملاً رئيساً لنمو سريع في موانئ أوروبا الجنوبية ولجماعات التجار فيها، وفقدت ثغور الأندلس نقاط توزيع البضائع القادمة من شرق العالم الإسلامي إلى غربه؛ ومن ثم فقدت أهميتها التجارية التي كانت تتمتع بها فيما قبل القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) من إنتاج البضائع واستهلاكها وإعادة توزيعها، وغدت الأسواق الإسبانية مجرد تابع لفلك التجارة الأوربية، واقتصرت على استهلاك البضائع المستوردة، وغدت بشكل متزايد مصدراً للمواد الخام للأسواق الأوروبية، ولكنها لم تعد مركز توزيع دولياً للبضائع، وحل محل ثغورها بصورة ملحوظة مدينة جنوة الإيطالية التي أصبحت مركزاً لتخزين وتوزيع البضائع الدولية، واستفادت من البناء الاقتصادي للحضارة الإسلامية في الأندلس الذي كان منطلقاً للبناء الاقتصادي في الحضارة الغربية.

لقد كانت الأندلس في ظل حكم المسلمين دولة إنتاج وتوزيع، ويكفي أن نذكر هنا ما سطره ابن حوقل عن انطباعات المسافرين وأوصاف الجغرافيين عن الأندلس بقوله: «وتتباهى هذه المدن بمواقعها ومبالغ خراجها ومداخيلها، ولا توجد مدينة منها لا تعرف الاكتظاظ، أو ليست محاطة بالأرياض القروية الواسعة أو بولاية كاملة، مع وجود القرى والفلاحين الذين يتمتعون بالنعمة ويمتلكون المواشي الصغيرة والكبيرة والمعدات الجيدة وحيوانات الحمل والحقل.. وتقارب أثمان السلع فيها أثمان المناطق المشهورة برخصها، الغنية بمواردها، المنعمة حيث تطيب الحياة».

كما يكفي هنا أن نشير إلى ما ذكره الباحث الإسباني «بدرو شلميطا» من توصيف لحضارة المسلمين في الأندلس مقارنة بالحضارة الغربية بقوله: «لقد كان الأندلس بالنسبة إلى سكان الممالك النصرانية الشمالية من شبه الجزيرة الأيبيرية قطعة من الجنة وأرض المعاد، لم يطل الزمن بهذا الشعور حتى تحول إلى الطمع والنهب والخطف، وأدى انتشار هذه المشاعر إلى ظهور سياسة عدوانية مخططة من أجل غايات اقتصادية، فكان احتلال الأندلس واستثماره فيما بعد الهدف المعلن عنه في صفوف الطبقات العليا من المجتمع الإسباني النصراني.

هذا المجتمع الذي فضل سياسة ابتزاز الجار على سياسة تنمية الموارد الداخلية، لأنها موجهة قبل كل شيء إلى الحصول على الغنائم وفرض الإذلال، وإذا أردنا فعلاً معرفة درجة غنى الأندلس وأهميتها، فيجب أن نتذكر أنها قامت على الاكتفاء الذاتي، وأن نموها دام ثلاثة قرون.

لقد كانت الأندلس قادرة في سنة 400هـ/ 1009م وحتى 75 سنة إضافية على أن تدعم وتمول -دون إرادة منها- نمو مجموعة اجتماعية أخرى، طفيلية وأجنبية؛ هي الدول النصرانية الشمالية، ومن الصعب تقديم دليل أفضل من ذلك لحقيقة الاقتصاد الأندلسي وأهميته منذ نشأته وحتى تولي المرابطين السلطة».

حضارة فقدت إنسانيتها!

إن الحضارة الغربية إذا كان نبتها جاء من التقليد والمحاكاة للحضارة الإسلامية في دولة الأندلس، إلا أنها فقدت إنسانيتها يوم أن قدمت التعصب الطائفي على الكرامة الإنسانية، وهدمت الإنسان المسلم بمحاكم التفتيش قبل أن تهدم إنتاجه وتوزيعه وتستولي على موارده، وهذا ديدن تلك الحضارة التي قامت على جماجم المسلمين في الأندلس، وجماجم الهنود الحمر في أمريكا، ولم تترك بلداً استولت عليه إلا نهبت مقوماته وخيراته.

والمتتبع للمدارس الاقتصادية التي تبنتها الحضارة الغربية يجد أنها مدارس قامت على استعباد الآخر واستغلال ثرواته لصالح الدول الغربية، فإسبانيا التي قامت على جماجم المسلمين في الأندلس كانت منبتاً لظهور مدرسة التجاريين، تلك المدرسة التي عرفت طريقها للظهور في القرن السادس عشر الميلادي، وكانت منطلقاً للأطماع الاستعمارية من خلال دعوتها لتدخل الدولة لمنع تسرب الذهب والفضة إلى خارج البلد، وتشجيع الصادرات لجلب أكبر قدر منهما، وهو ما فتح المجال أمام الغرب لاستعمار البلدان النامية -وفي القلب منها البلدان الإسلامية- لتدعيم أرصدتها من الذهب والفضة.

وظهرت بعدها مدرسة الطبيعيين في فرنسا في القرن الثامن عشر الميلادي، التي كانت ترى أن كل شيء له قانونه الطبيعي، وأن المجتمع الإنساني يجب ألا يتدخل أبداً في القوانين الطبيعية وإلا فسدت حياته، وحيث إن النشاط الاقتصادي مثل أي شيء له قانونه الطبيعي، فيجب أن يترك حراً تماماً دون تدخل من جانب الدولة، واعتبرت تلك المدرسة أن الطبيعة وحدها هي التي تعطي ناتجاً صافياً للناس، ولذلك ركزت كل اهتمامها على النشاط الزراعي باعتباره المصدر الأساسي للدخل، وكانت أيضاً مدخلاً لاستعمار البلدان الإسلامية والاستيلاء على أراضيها.

استعباد أرباب الأعمال:

وحينما ظهرت المدرسة التقليدية وانتشرت في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، كان اهتمامها منصباً على الثروة وكيفية نموها، في حين لم تلق بالاً لصانع هذه الثروة، واستعبد أرباب الأموال أرباب الأعمال، وباتت المرأة فريسة للرأسمالية الصناعية واستغلالها، وكان ذلك مدعاة لظهور المدرسة الاشتراكية في منتصف القرن التاسع عشر التي كانت رد فعل للمدرسة التقليدية والنظام الاقتصادي الرأسمالي، تلك المدرسة التي طالبت بإرساء نظام الملكية الجماعية بدلاً من الملكية الخاصة، وحاربت الدين ووصفته بأفيون الشعوب، وكان من نتيجة ذلك أن انتكست الاشتراكية بمخالفتها للفطرة الإنسانية، ولم تعرف شعوبها سوى الاشتراكية في الفقر بالوقت الذي تحول حكامها ورجال الحزب إلى مرتع للترف والثراء، وهو ما عجل بانهيارها في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي.

إن الماضي والحاضر يكشفان أن المدارس الاقتصادية الغربية لم تهتم إلا بذاتها، واستخدمت غيرها لتحقيق مآربها، وحالت بين دول العالم الثالث واللحاق بركاب التقدم، مستخدمة في ذلك قدرتها العسكرية، أو قوتها الناعمة من خلال مندوبيها في تلك الدول الذين وصلوا لأعلى المناصب بدعمهم، أو من خلال المؤسسات المالية الدولية التي تجيد استعباد تلك الدول بالديون، وهذا بعكس الحال في الحضارة الإسلامية التي حملت التنمية والرحمة والعدل للعالمين.

إنه رغم ما وصلت له الحضارة الغربية من تقدم مادي، فإنها فشلت في بناء إنسان صالح سوي، فأخفقت في تحقيق الأمن النفسي والروحي جنباً إلى جنب مع الأمن المادي للإنسان، حيث نظرت النظريات الاقتصادية لتلك الحضارة إلى الإنسان على أنه كائن عضوي جل همه إشباع غرائزه وشهواته وحاجته المادية، دون أي اعتبارات أخلاقية أو روحية، وكان من نتيجة ذلك أن تفاقمت المشكلات سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي من بطالة وتضخم وانحلال أسري وتفلت أخلاقي وشذوذ وذوبان للهوية.

وكل هذا يبرز مدى حاجة العالم ليستظل بظلال الحضارة الإسلامية ونظامها الاقتصادي الذي يراعي الفطرة الإنسانية، ويوازن بين الأمن الروحي والمادي، ويرسخ مفاهيم الأخلاق الفاضلة، وسد حاجات المجتمع، وتحقيق الحياة الطيبة لأفراده.

الأربعاء, 07 مارس 2018 13:15

الإدارة المالية للأسرة المسلمة

 

- الإدارة الاقتصادية تعمل على تحديد الأوجه اللازمة للإنفاق من حيث أهميتها وأولويتها

- إذا زادت النفقات المتوقعة عن الإيرادات فيعني ذلك وجود عجز وهو ما تعاني منه غالبية الأسر

- الوقت والجهد المبذولان في التخطيط أهون بكثير من أزمة مالية تعصف بالأسرة

- ميزانية الأسرة تعتبر من أهم الاختبارات التي تواجه الزوجين مع أول كل شهر

 

تمثل الأسرة المسلمة رغم صغرها أهم المؤسسات في المجتمع، فهي في حقيقتها شركة تقوم على المودة والرحمة، وهذا الكيان المؤسسي للأسرة المسلمة يفرض وجود كيان إداري لها، ذات أهداف وخطط لإدارة ذلك الصرح الصغير.

ومن أهم الإدارات الداخلية في تلك المؤسسة هي الإدارة المالية، والإدارة المالية للأسرة المسلمة مهمة جداً؛ إذ إن المال هو عصب الحياة، وبه تكون النفقة واستمرارية الحياة.

وينظر للإدارة المالية للأسرة المسلمة على أنها مجموعة الأنشطة الإدارية التي تتعلق بالبحث عن الأموال اللازمة وتوفيرها، والتأكد من حسن استخدامها وفقاً لأوجه الإنفاق المحددة.

فوظيفة الإدارة المالية للأسرة المسلمة يترتب عليها التخطيط لمصادر الإيرادات المتوقعة خلال فترة زمنية قادمة، كما أنها تتناول من ناحية أخرى تحديد أوجه الإنفاق لهذه الإيرادات وفقاً لما هو محدد لها، فهي لا تقوم فقط بدور البحث عن المال وإنفاقه، وإنما تعمل أيضاً على تحديد الأوجه اللازمة للإنفاق من حيث أهميتها والأولوية التي يجب أن تحتلها بين مصادر الإنفاق الأخرى.

ونظراً للظروف التي تمر بها غالبية الأسر المسلمة من كون الدخل لا يفي بتمويل ذلك الصرح لتحقيق أهدافه وطموحاته، فإن الأمر يتطلب وضع تصور لإدارة المال في الأسرة المسلمة من خلال الاعتماد على التخطيط المالي، فالوقت المبذول في التخطيط وكذلك الجهد أهون بكثير من أزمة مالية طاحنة تعصف بالأسرة، وتخيم جو من الكآبة والحزن على جميع أفراد الأسرة، كان يمكن تلافيها ببذل بعض الوقت في التخطيط.

من أجل هذا يضع خبراء المشكلات الزوجية ميزانية الأسرة المسلمة في مقدمة الموضوعات الزوجية، لأنه إذا كانت الميزانية سليمة فسوف تسير حياة الزوجين في مسار سليم، أما إذا اضطربت الميزانية؛ فإن  حياتهما سوف تضطرب، ومن المهم أن يتفاهما على كل البنود، وأن يشجع كل منهما الآخر على حسن تصرفه، وحسن تدبيره، فهذا التفاهم لصالح الأسرة في النهاية واستمراريتها، فعادة ما تبدأ المشكلات في الحياة الزوجية من نقطة الميزانية، وبعدها يمكن أن تنفجر بقية المشكلات، وربما فقدان الحب والود شيئاً فشيئاً، حتى يمكن القول: إن مشكلات الميزانية إذا دخلت من الباب؛ هرب الحب من الشباك.

إن الواقع –للأسف الشديد- يكشف عن أن معظم الأسر المسلمة لا تهتم بالتخطيط لميزانيتها، سواء بشكل يومي أو شهري أو حتى سنوي، عكس الأسر الأوروبية التي تحرص على وضع ميزانية لنفقاتها الأسبوعية والشهرية لا تتجاوزها مهما كانت الظروف، هذا في الوقت الذي يحث ديننا على التخطيط، ويأمرنا بتطبيقه على أرض الواقع، ففي الحديث: «اعقلها وتوكل».

إن ميزانية الأسرة المسلمة تعتبر بحق من أهم الاختبارات التي تواجه الزوج والزوجة مع أول كل شهر، حيث تحتاج إلى مجهودات كبيرة ليتم ضبطها بما يغطي كافة احتياجات الأسرة سواء أكانت دائمة أو غير دائمة، وبما يضمن توفير فائض شهري يساعد الأسرة على تأمين حياتها.

ومع ارتفاع أسقف الاستهلاك، وكذلك اشتعال الأسعار، أصبحت العديد من الأسر المسلمة تعاني عجزاً مزمناً في الميزانية، وتتحمل الزوجة عبء هذا العجز باعتبارها «وزير اقتصاد الأسرة»، كما أنها تحدد بالاشتراك مع الزوج أولويات الإنفاق ونسبة الادخار الممكنة من الدخل الشهري، وكلما كانت الزوجة مقتصدة ومدبرة ولديها قدرة للتغلب على الرغبات الاستهلاكية، وبصفة خاصة الرغبات غير الضرورية؛ وصلت بأسرتها إلى بر الأمان.

وإعداد ميزانية عملية للأسرة المسلمة يتطلب من الأسرة الاجتماع لمناقشة احتياجات الأسرة خلال الفترة المقبلة، والقيام بخطوات إعداد الميزانية، وأيضاً متابعة الميزانية التي تم إعدادها من خلال مقارنة الميزانية التقديرية للأسرة المسلمة بالميزانية الفعلية، ويمر إعداد ميزانية الأسرة بعدد من الخطوات العملية، تتمثل فيما يلي:

1- تحديد إيرادات الأسرة المسلمة:

وذلك بتحديد وتسجيل جميع الإيرادات المتوقع الحصول عليها في الفترة المحددة للميزانية -ولتكن سنوية– سواء أكانت إيرادات أساسية؛ كالمرتب الشهري، وإيجارات الأملاك (أراضٍ، مبانٍ، وخلافه)، والحوافز الدورية، وأجر العمل الإضافي، والعائد الدوري للاستثمار، أو كانت إيرادات مساعدة لا تتصف بصفة الثبات والديمومة، مثل الحوافز غير الدورية، والمكافآت، والإعانات، وما تقدمه الزوجة لزوجها من أموالها الخاصة.

ويلاحظ أنه إذا كان رب الأسرة ذات مهنة حرة؛ طبيباً، أو محامياً، أو حرفياً، أو تاجراً، يكون تقدير الإيرادات تقريبياً، أما في حالة الراتب الثابت المنتظم كالموظف، فيكون أقرب إلى الواقع، ويحسب المجموع الكلي لهذه الدخول مع مراعاة عدم المبالغة في تقدير أي منها.

2- تحديد نفقات الأسرة المسلمة:

وذلك برصد وتحديد وتسجيل جميع المصروفات المتوقع إنفاقها أثناء مدة الميزانية وفي مقدمتها النفقات الأساسية، مثل: الطعام والشراب وإيجار المسكن والملابس والتعليم وفواتير التليفون والكهرباء والمياه والغاز وغيرها، وأقساط المشتريات، والانتقالات والنظافة، وكذلك الطوارئ التي تنتج من ظروف طارئة كمرض وخلافه، وتعتبر مصاريف الطوارئ من المصاريف المهمة والضروري استقطاعها من الدخل، ويفضل أن تتراوح بين 5 - 10% من الدخل، وفي حالة عدم إنفاقها توجه للادخار.

وإلى جانب تلك النفقات، يتم تحديد النفقات الكمالية التي يمكن للأسرة الاستغناء عنها، مثل: الولائم، والمجاملات، واشتراكات النوادي، وغيرها من السلع والخدمات الترفيهية.

3- تحديد الفائض أو العجز:

وذلك من خلال مقابلة الإيرادات المتوقعة بالنفقات المتوقعة، فإذا زادت الإيرادات المتوقعة عن النفقات المتوقعة، فيعنى ذلك وجود فائض، وحينئذ يمكن للأسرة المسلمة توجيه ذلك الفائض للاستثمار فيما أحل الله.

أما إذا زادت النفقات المتوقعة عن الإيرادات المتوقعة، فيعنى ذلك وجود عجز، وهو ما تعاني منه غالبية الأسر المسلمة، وحينئذ يمكن للأسرة معالجة هذا العجز من خلال بديل أو أكثر من البدائل التالية:

1- محاولة زيادة بعض بنود الإيرادات إن أمكن.

2- سحب مبالغ من المدخرات إن وجدت.

3- تعجيل الحصول على بعض الإيرادات إن أمكن.

4- الحصول على قرض حسن من الغير.

5- إلغاء أو تأجيل بعض النفقات.

ويعتبر البند الأخير من أهم البنود، حيث يمكن للأسرة المسلمة الاستغناء عن الكماليات، فإن لم تف بعلاج العجز اتجهت لترشيد النفقات الأساسية.

  يعد البناء الاقتصادي للأسرة المسلمة من العوامل الرئيسة لتماسكها واستقرارها، واستمرار المودة والرحمة فيها.

وقد كشف واقعنا المعاصر عن الانفلات الاستهلاكي للأسرة، وانتشار ثقافة التداين، حتى انفصمت عرى الكثير من الأسر المسلمة، وأظهرت العديد من الإحصاءات في الدول الإسلامية تنامي نسب الطلاق بصورة متسارعة حتى جاوزت 75% من الأزواج الجدد، ويرجع ذلك في الأساس إلى البعد المادي بتحميل الزواج من الأعباء المادية ما يجعل الزوجين بعد الزواج مكبلين بقيود الديون، وقديماً أوصت سيدة صالحة ابنتها قائلة: لا تكلفي زوجك إلا ما يطيق طبقاً للأحوال، وارفعيه بيدك عن مواطن الضعف والضيق؛ فحمل الصخور أخف من حمل الديون.

إن الأزمات المالية المتلاحقة للأسر المسلمة التي تقضي على ما تبقى فيها من حب وود، تتطلب من تلك الأسر أن تسارع بالوقوف مع نفسها، ومدارسة أمورها الاقتصادية، وأخذ القدوة ليس من الجيران المسرفين أو الأقارب المترفين، بل من سيرة النبي الكريم وأصحابه الأخيار المقتصدين.

أسرة تحوطها الملائكة

ولنعطِ مثلاً هنا عن نموذج لأسرة مسلمة طيبة مباركة كيف تعاملت مع حياتها الاقتصادية برشادة، وعاشت تحمل في بيتها الغنى النفسي مع الرشد المالي، هي أسرة الإمام على بن أبي طالب رضي الله عنه.

فقد تقدم علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لخطبة السيدة فاطمة، أحب بناته إلى قلبه، وكان علي فقيراً في ماله، ولكنه كان غنياً بإيمانه، وتقواه، وجهاده في سبيل الله، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم ابنته فاطمة برغبة علي في الزواج بها، فسكتت علامة على قبولها ورضاها، فزوّجها النبي صلى الله عليه وسلم علياً، وكان صداقها درْع علي رضي الله عنه الذي لم يكن يمتلك شيئاً غيره، والذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد أهداه له من قبل.

يقول علي رضي الله عنه: “لما أردت أن أبني بفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعدت رجلاً صواغاً من بني قينقاع أن يرتحل معي فنأتي بإذخر أردت أن أبيعه من الصواغين وأستعين به في وليمة عرسي” (رواه البخاري).

لقد سعى علي إلى العمل بكل جهد وإخلاص حتى يحقق ما يرجوه في زواج سيدة نساء أهل الجنة، وزف علي وفاطمة زفافاً مباركاً هادئاً، ليس مبهرجاً بالترف والإسراف، ولم يعرف ما تعرفه بعض الأسر المسلمة في زماننا من بناء أول يوم في بيتها على المعصية، من خلال ما نراه من تعرّ واختلاط، وتفاخر بالراقصين والراقصات والمغنيين والمغنيات، ومسابقة العروس عروسه في الرقص أمام الرجال والنساء دون حياء أو وقار.

لقد كان زفاف علي وفاطمة تحوطه الملائكة بذكرهما ومن حولهما لله، وقد ارتبط قلباهما بحب رباني بجمْع بينهما في الدنيا والآخرة، وانتقلا إلى بيت الزوجية الذي لم يعرف أثاثاً ذات تحف نادرة ورياش فاخرة وأصداف غالية، وإنما عرف أثاثاً بسيطاً في الظاهر ولكنه يحمل قلبين كبيرين (باب مدينة العلم وسيدة نساء العالمين)، قلبين لا تخدعهما المظاهر الفانية ولا الشكليات الزائلة، فكان جهازهما الذي بعثه لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم “خميلة ووسادة من آدم حشوها ليف ورحيين وسقاء وجرتين” (رواه أحمد).

وكانت السيدة فاطمة تقوم على خدمة زوجها ورعاية شؤون البيت، وكان علي يقسم عمل البيت بين أمه فاطمة بنت أسد، وزوجته فاطمة رضوان الله عليهما، فيقول لأمه: اكْفي فاطمة بنت رسول الله سقاية الماء والذهاب في الحاجة، وتكفيك الداخل: الطحين والعجين.

كما كان علي يقتدي بسُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعاون أهله في تدبير شؤون البيت، وقد قال لفاطمة ذات يوم: “والله لقد سنوت حتى لقد اشتكيت صدري، قال: وقد جاء الله أباك بسبي، فاذهبي فاستخدميه، فقالت: وأنا والله قد طحنت حتى مجلت يداي، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “ما جاء بك أي بنية؟”، قالت: جئت لأسلم عليك، واستحيت أن تسأله ورجعت، فقال علي: ما فعلت؟ قالت: استحييت أن أسأله، فأتيناه جميعاً، فقال علي رضي الله عنه: يا رسول الله، والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقالت فاطمة رضي الله عنها: قد طحنت حتى مجلت يداي، وقد جاءك الله بسبي وسعة فأخدمنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوي بطونهم، لا أجد ما أنفق عليهم ولكني أبيعهم وأنفق عليهم أثمانهم”، فرجعا فأتاهما النبي صلى الله عليه وسلم وقد دخلا في قطيفتهما، إذا غطت رأسيهما تكشفت أقدامهما، وإذا أغطيا أقدامهما تكشفت رأساهما، فهبا للقائه، فقال: “مكانكما”، ثم قال: “ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟”، قالا: بلى، فقال: “كلمات علمنيهن جبريل عليه السلام، فقال: تسبحان في دبر كل صلاة عشراً، وتحمدان عشراً، وتكبران عشراً، وإذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين وكبرا أربعاً وثلاثين”، قال: فوالله ما تركتهن منذ علمنيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم” (رواه أحمد).

يا الله! أي حياء هذا من جانب البنت! وأي عدل هذا من جانب الأب الذي لم يسمح لنفسه أن يستبيح المال العام، ورفض أن يعطي فلذة كبده فاطمة وابن عمه زوجها علياً خادماً رغم ما يراه أمام عينيه من فقرهما حتى عجز اللحاف أن يغطي جسدهما! ومع ذلك فإنه بحنان الأب ودفئه ورحمته يسعى إليهما في عقر دارهما ويشاركهما في مضجعهما ويرشدهما إلى خير زاد، إلى المداومة على ذكر الله، ذلك الذكر الاقتصادي، فما تركوا ذلك الذكر منذ تعلماه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكفاهما الله ما أرادا، وتغلبا على المصاعب، وهزما المتاعب، وعاشا عيشة سعيدة هنيئة رزقا فيها بالبنين والبنات ورفرفت على بيتهما السكينة والوئام.

إن هذه المواقف الربانية ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فيا ليت أسرنا تعود إلى هذا الإرشاد النبوي الكريم ليكون السبيل لحل مشكلاتها، والخروج بها من أزمتها الاقتصادية التي ما تفتأ أن تأكل الأخضر واليابس في بلادنا.

أعلن الرئيس الأمريكي «دونالد ترمب» في 6 ديسمبر 2017م قراره الجائر باعترافه بالقدس عاصمة لـ»إسرائيل» ونقل السفارة الأمريكية لها في وقت لاحق، متحدياً بذلك مشاعر أكثر من مليار و600 مليون مسلم في بقاع المعمورة، ويأتي قرار «ترمب» بعد مائة عام مضت على «وعد بلفور» الذي به أعطى من لا يملك أرض فلسطين لمن لا يستحق، ولم يكتف «ترمب» بذلك، بل استخدمت الولايات المتحدة حق «الفيتو» في الأمم المتحدة للحيلولة دون رفض قرار «ترمب».

تسارعت تلك الأحداث، والعالم الإسلامي يشهد المدافع عن حرمة القدس والمتواطئ الذي لبس لباس الصهاينة وإن تسمى بأسماء إسلامية وارتدى لباساً عربياً، حتى إن تحرك منظمة التعاون الإسلامي بقيادة تركيا ضد قرار «ترمب» وجد من يعوقه ويحول دون فاعليته حتى اقتصر حضور قمة القدس بإسطنبول على ستة عشر رئيس دولة إسلامية في الوقت الذي زاد عددهم في قمة «ترمب» بالرياض على خمسين رئيس دولة إسلامية التي عاد منها «ترمب» محملاً باتفاقيات اقتصادية وعسكرية بلغت 460 مليار دولار، ووصف «ترمب» في حينها تلك الصفقات في حسابه على «تويتر» بـ»الحلب»، وأنه سوف يترتب عليها توفير وظائف للأمريكيين.

وفي ظل تلك الظروف العصيبة التي يتم فيها تقديم القدس والأقصى لقمة سائغة للصهاينة من قبل الأمريكيين، ونسيان أو تناسي تلك القضية باعتبارها قضية المسلمين الأولى والمحورية بفعل فاعل، ينبغي التأكيد على أن هذه الأرض المباركة هي أرض وقفية؛ بها أولى القبلتين ومسرى النبي الأمين، وهي الامتداد الطبيعي لمكة المكرمة والمدينة المنورة ومحور الدفاع عنهما، ومن ثم تبدو أهمية بذل الغالي والنفيس لتحرير فلسطين، وإذا كان التخاذل الرسمي بدا واضحاً جلياً من بعض الدول في الواقع العملي ودون حياء، فإن نبض الشعوب ما زال باقياً، ولن تموت قضية يحملها شعب في قلبه، ويضعها في بؤرة اهتماماته باعتبارها قضية إسلامية مقدسة والبعد عن تقزيمها بوصفها بالعربية أو الفلسطينية، فالكيان الصهيوني يتباهى بدولته الدينية التي سماها باسم نبي من أنبياء الله.

الجهاد الاقتصادي

إن ما تمر به فلسطين من اعتداء سافر وما يلقاه الصهاينة من دعم واضح من الإدارة الأمريكية لا سيما في قرارها الأخير بتهويد القدس يوجب على الشعوب الإسلامية السعي نحو الجهاد الاقتصادي لتحرير الأقصى، ولا أقل في الوقت الراهن من القيام بهذا الجهاد إيجاباً وسلباً باعتبار ذلك من أضعف الإيمان.

ونقصد بالجهاد الاقتصادي الإيجابي تربية النفس وتطويعها على الإنفاق في سبيل الله، والخروج من دائرة استعباد المال، بتخصيص مبلغ شهري من دخل الفرد لدعم قضية فلسطين، وليتذكر كل مسلم ما شهدته غزوة “تبوك” من معالم ونماذج، فقد تسابق المسلمون في إنفاق الأموال وبذل الصدقات، وكان عثمان بن عفان قد جهز عيراً للشام، 200 بعير بأقتابها وأحلاسها، و200 أوقية، فتصدق بها، ثم تصدق بـ100 بعير بأحلاسها وأقتابها، ثم جاء بـ1000 دينار فنثرها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، فكان رسول الله يقلبها ويقول: “ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم”، ثم تصدق عثمان وتصدق حتى بلغ مقدار صدقته 900 بعير و100 فرس غير النقود.

وجاء عبدالرحمن بن عوف بـ100 أوقية فضة، وجاء أبو بكر بماله كله، ولم يترك لأهله إلا الله ورسوله، وكانت 4 آلاف درهم، وهو أول من جاء بصدقته، وجاء عمر بنصف ماله، وجاء العباس بمال كثير، وجاء طلحة، وسعد بن عبادة، ومحمد بن مسلمة، كلهم جاؤوا بمال، وجاء عاصم بن عدي بـ90 وسقاً من التمر، وتتابع الناس بصدقاتهم قليلها وكثيرها، حتى كان منهم من أنفق مداً أو مدين لم يكن يستطيع غيرها، وبعثت النساء ما قدرن عليهن من مسك ومعاضد وخلاخل وقرط وخواتيم.

وقد وصل الأمر غايته في هذه الغزوة حينما جاء سبعة من بني مقرن إلى رسول الله لا يجدون ما يساهمون به في الإنفاق، وطلبوا من الرسول أن يحملهم معه في هذه الغزوة، ولم يجد الرسول ما يحملهم عليه فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع، حتى سموا بـ”البكائين السبعة”، ونزل فيهم قرآن يُتلى حتى قيام الساعة؛ (وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ {92}‏) (التوبة)، ولم يمسك أحد يده ويبخل بماله في هذه الغزوة إلا المنافقون؛ (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ {79}‏) (التوبة).

وقد كانت غزوة «تبوك» صورة واضحة كاشفة لنعمة الإيمان ومعرة النفاق، وكذلك اليوم ما يدور على أرض فلسطين يكشف بوضوح حقيقة المجاهدين المرابطين، ويفضح بامتياز حقيقة المنافقين المتصهينين، فليحرص كل مسلم أن يكون في زمرة المجاهدين المرابطين في أرض فلسطين بالمال أو النفس، وليفر من أن يكون منافقاً متصهيناً مخذلاً لجهاد إخوانه في فلسطين الذين قال في حقهم رسول الله: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك»، قالوا: يا رسول الله، وأين هم؟ قل: «ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس» (رواه الطبراني).

وليعلم كل مسلم غيور على دينه يستشعر بالتبعة والمسؤولية تجاه إخوانه في أرض فلسطين أن الدولة العبرية تعتمد بشكل رئيس على ما يجمع إليها من تبرعات، فما من اقتصاد في العالم يعتمد على المساعدات الخارجية مثل الاقتصاد «الإسرائيلي»، حيث تصل هذه المساعدات في وقت السلم إلى ما بين 6 - 7 مليارات دولار سنوياً، بين مساعدات رسمية وغير رسمية، ويقدر حجم المساعدات الأمريكية فقط المقدمة لـ»إسرائيل» منذ عام 1949 وحتى نهاية عام 2012م بمبلغ 112 مليار دولار أمريكي، وشكلت تلك المساعدات منذ عام 1950 حتى العام 2012م نسبة 4% من مجموع الناتج المحلي «الإسرائيلي».

سلاح المقاطعة

أما الجهاد الاقتصادي السلبي فنقصد به مقاطعة السلع والخدمات الصهيونية، إضافة إلى أهمية التركيز في الوقت الحالي ومستقبلاً على مقاطعة السلع والخدمات الأمريكية بصورة منظمة وبنَفَس طويل، وكذلك عدم الاحتفاظ بأرصدة دولارية وتغييرها إلى عملات أخرى، فضلاً عن اتجاه المستوردين إلى إحلال العملات الأخرى محل التعامل بالدولار.

وإذا كان سلاح المقاطعة يمثل أضعف الإيمان والحد الأدنى المطلوب للمقاومة، فإنه في حقيقته سلاح فعَّال ومهم، فأمريكا تناصر دولة الكيان الصهيوني بالباطل، مستخدمة في ذلك المال والسلاح و”الفيتو” الأمريكي، ولا ينبغي لنا أن نستخدم أموالنا في دعم عدونا، والمساهمة في تحويل هذه الأموال إلى صواريخ وقذائف مدفعية ورصاص تستقر في صدور إخواننا في فلسطين.

والمقاطعة الاقتصادية ليست بدعاً، فقد عرفها وطبقها المشركون في مكة على بني هاشم وبني المطلب حتى يسلموا إليهم رسول الله للقتل، وامتنعوا عن البيع لهم أو الابتياع منهم، وقطعوا عنهم الميرة والمادة، حتى بلغهم الجهد والتجؤوا إلى أكل الأوراق والجلود.

كما طبقها ثمامة بن آثال الحنفي بعد إسلامه على مشركي مكة، فقد خرج معتمراً بعد إسلامه، فلما قدم مكة قالوا: أصبوت يا ثمامة؟ فقال: لا، ولكني اتبعت خير الدين، دين محمد، ووالله لا تصل إليكم حبة من اليمامة حتى يأذن فيها رسول الله، ثم خرج إلى اليمامة، فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئاً، فكتبوا إلى رسول الله: إنك تأمر بصلة الرحم، وإنك قد قطعت أرحامنا، وقد قتلت الآباء بالسيف، والأبناء بالجوع، فكتب رسول الله أن يخلي بينهم وبين الحمل.

وفي القرن الماضي قاطع الزعيم الهندي “غاندي” العادات والمنتجات البريطانية، وحمل الهنود على ذلك؛ حتى أعلنت بريطانيا سحب آخر جندي إنجليزي من الهند عام 1947م، كما قاطعت مصر المنتجات البريطانية بعد أحداث ثورة 1919م، وعقب معاهدة 1936م حتى تم إلغاؤها عام 1951م.

وفي حرب أكتوبر 1973م حققت المقاطعة الاقتصادية العربية من خلال سلاح البترول نصراً فريداً، حتى قال الملك فيصل قولته الشهيرة لـ”كسينجر”، وزير الخارجية الأمريكي، الذي جاء يساومه حينذاك: “إننا على استعداد أن نعيش بالتمر والماء وفي الخيام على ألا نفرط في حقوقنا”.

وفي أيامنا هذه، مازلنا نجد فرنسا تقاطع ليل نهار ليس البضائع الأمريكية فحسب، بل اللغة الإنجليزية، والأفلام والوجبات الأمريكية.

بل إن أمريكا نفسها طبقت سلاح المقاطعة ما بين عامي 1993 - 1996م ستين مرة ضد 35 بلداً ومازالت تطبقه، وإن استخدمته بشكل مقلوب ووحشي من خلال حصارها للدول والشعوب غير الموالية لها من كوبا إلى إيران مروراً بليبيا وكوريا الشمالية والسودان والعراق الذي فرضت عليه مقاطعة شاملة منذ أغسطس عام 1990م وحتى عدوانها عليه واحتلاله وإسقاط نظام “صدام حسين” في عام 2003م.

بل إن “إسرائيل” نفسها طبقت سلاح المقاطعة على السلع البلجيكية في عام 2003م، وطلبت من يهود العالم عدم شراء هذه السلع رداً على قرار المحكمة العليا البلجيكية بإمكانية محاكمة “أرييل شارون”، رئيس الوزراء “الإسرائيلي”، كمجرم حرب بمجرد خروجه من الوزارة وانتهاء حصانته، وقد أدت هذه المقاطعة إلى تراجع السلطات البلجيكية عن موقفها بشأن هذه المحاكمة.

فلا قيمة لما يردده الواهنون والمخذلون والمنهزمون من عدم جدوى المقاطعة، فما لا يدرك كله لا يترك كله، ومن المعروف أن الولايات المتحدة دولة تحركها المصالح، والمطلع على آليات العمل السياسي الأمريكي بها يجد أنها لا يحكمها السياسيون بقدر ما يحكمها رجال المال والأعمال.

فالسياسيون وأعضاء مجلس الشيوخ والنواب في غالبيتهم يمثلون الشركات الكبرى الأمريكية، والإضرار بمصالح هذه الشركات وأرباحها إضرار مباشر باللاعبين الحقيقيين خلف الستار القادرين على تحويل مسار السياسة الأمريكية بالفعل لا بالقول، وهو ضرب على العصب الحساس العاري.

إن مقاطعة السلع والمنتجات الأمريكية سيؤدي إلى كساد تلك المنتجات وتكدسها في مستودعات الشركات، ومن ثم انخفاض دخل تلك الشركات، واضطرارها إلى تسريح الآلاف من العمال، وبالتالي انتشار البطالة؛ مما يشكل عامل ضغط على الحكومة الأمريكية للنظر في سياستها مرات ومرات، وهو ما قد يصل بها في نهاية المطاف إلى تغيير سياستها وفقاً لمصالحها المادية في بلد النفوذ فيه لرأس المال، وهذا ما أكده البروفيسور الفرنسي المسلم “روجيه جارودي” في قوله: “إن نقطة ضعف الولايات المتحدة الاقتصاد، وهي مهددة بانفجار رأسمالي أسوأ مما حدث عام 1929م؛ مما دفع “بول ماري دولاجورس” ليطلق عليها لقب الإمبراطورية الأخيرة، فهناك 33 مليون أمريكي يعيشون تحت خط الفقر، وهناك طفل من ثمانية أطفال لا يأكل ما يكفي لسد جوعه، إن هذه المعادلة تؤكد أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تتحمل أبداً خسارة مليار أو مليارين من زبائنها؛ إذ سيؤدي ذلك إلى الانهيار الفعلي للاقتصاد الأمريكي”.

وختاماً؛ فإنه تبدو أهمية تحويل الجهاد الاقتصادي الفردي إيجاباً وسلباً إلى عمل مؤسسي من خلال مؤسسات المجتمع المدني حتى يكتب له الفعالية والاستمرار، كما أن الأمل لا يزال معقوداً نحو بعض الدول الإسلامية الحرة للعمل على تقنين ذلك والدعوة إليه وخلق الوعي به، مع تفعيل نظام المدفوعات الثنائية بين تلك الدول بعيداً عن الدولار الأمريكي.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top