د. علي الصلابي

د. علي الصلابي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الإثنين, 15 أكتوبر 2018 11:36

رجل النهضة في عصره.. نظام الملك

عند حديثنا عن الدولة السلجوقية وسلاطينها ألب أرسلان وابنه ملكشاه، لا بد من تناول دور الوزير الكبير الأتابك نظام الملك. إذ يعد الوزير نظام الملك حجر أساس في الدولة السلجوقية وأحد أهم ركائز نهضتها القانونية والعمرانية والإدارية، فقد قال له السلطان ملكشاه: "قد رددت الأمور كلها كبيرها وصغيرها إليك، فأنت الوالد. وحلف له، ولقّبه ألقابًا من جملتها: أتابك، أيّ الأمير الوالد". وقال عنه الذهبي: (الوزير الكبير، نظام الملك، قوام الدين، أبو علي الحسن بن علي ابن إسحاق الطوسي، عاقل، سائس، خبير، سعيد، متدين، محتشم، عامر المجلس بالقرّاء والفقهاء. أنشأ المدرسة الكبرى ببغداد وأخرى بنيسابور، وأخرى بطوس، ورغّب في العلم، وأدرّ على الطلبة الصلات، وأملى الحديث، وبعُد صيته).

تنقلت الأحوال بالوزير نظام الملك إلى أن وزر للسلطان ألب أرسلان، ثم لابنه ملكشاه، فدبر ممالكه على أتم ما ينبغي، وخفف المظالم، ورفق بالرعايا، وبني الأوقاف. وأشار على ملكشاه بتعيين القواد والأمراء الذين فيهم خلق ودين وشجاعة، وظهرت آثار تلك السياسة فيما بعد، فقد كان من هؤلاء القواد الذين وقع عليهم الاختيار آق سنقر جد نور الدين محمود، الذي ولي على حلب وديار بكر والجزيرة. والذي قال عنه ابن كثير: (من أحسن الملوك سيرة وأجودهم سريرة).

وكذلك كان آق سنقر البرسقي أبرز قواد السلطان محمود السلجوقي، وكان أميرًا للموصل، واشتغل بجهاد الصليبيين، وفي سنة 520هـ قتله الباطنيون، وهو يصلي في الجامع الكبير في الموصل. قال عنه ابن الأثير: "وكان مملوكًا تركيًّا خيِّرًا، يحب أهل العلم والصالحين ويرى العدل ويفعله، وكان خير الولاة، يحافظ على الصلوات في أوقاتها، ويصلي من الليل متهجدًا".

- الوزير الكبير وتنظيم شؤون الدولة:

لما تولى ملكشاه أمور الدولة، انفلت أمر العسكر وبسطوا أيديهم في أموال النَّاس، وقالوا ما يمنع السلطان أن يعطينا الأموال إلا نظام الملك، وتعرض الناس لأذىً شديد. فذكر ذلك نظام الملك للسلطان، فبين له ما في هذا الفعل من الضعف، وسقوط الهيبة، والوهن، ودمار البلاد، وذهاب السياسة، فقال له: افعل في هذا ما تراه مصلحة! فقال له نظام الملك: ما يمكنني أن أفعل إلا بأمرك فقال السلطان: قد رددت الأمور كلها كبيرها وصغيرها إليك. وسماه أتابك الدولة. وفعلًا برزت كفايته وشجاعته وحسن سيرته، مما أثلج صدور الناس، فمن ذلك أن امرأة ضعيفة استغاثت به، فوقف يكلمها وتكلمه، فدفعها بعض حجّابه، فأنكر ذلك عليه وقال: إنما استخدمتك لأمثال هذه، فإن الأمراء والأعيان لا حاجة لهم إليك، ثم صرفه عن حجابته.

- نظام الملك والحركة العلمية والأدبية في أيامه:

كان يحب العلم وخصوصًا علم الحديث، فقد كان شغوفًا به، وكان يقول: إني أعلم بأني لست أهلاً للرواية، ولكني أحب أن أربط في قِطار ناقلة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمع من القشيري، أبي مسلم بن مهر بزد، وأبي حامد الأزهري.

وكان حريصًا على أن تؤدي المدارس النظامية التي بناها رسالتها المنوطة بها، فعندما أرسل إليه أبو الحسن محمد بن علي الواسطي الفقيه الشافعي أبيات من الشعر يستحثه على المسارعة للقضاء على الفتن التي حدثت بين الحنابلة والأشاعرة قام نظام الملك وقضى على الفتنة، ومما قاله أبو الحسن الواسطي من الشعر:

يا نظام الملك قد حــلّ ببغداد النظــــــام

وابنك القاطن فيهــــا مستهان مستضام

وبها أودى له قتلــــى غلام، وغــــــلام

عظُم الخطبُ وللحرب اتصـــــال ودوام

فمتى لم تحسم الــــداء أياديك الحســــام

ويكف القوم فـــــــي بغداد قتل وانتقام

فعلى مدرسة فيهــــــا ومن فيها السلام

لقد كان مجلس نظام الملك عامرًا بالفقهاء والعلماء، حيث كان يقضي معهم جُلّ نهاره، فقيل له: (إن هؤلاء شغلوك عن كثير من المصالح، فقال: هؤلاء جمال الدنيا والآخرة، ولو أجلستهم على رأسي لما استكثرت ذلك، وكان إذا دخل عليه أبو القاسم القشيري وأبو المعالي الجويني قام لهم وأجلسهما معه في المقعد، فإن دخل أبو علي الفارندي قام وأجلسه مكانه، وجلس بين يديه، فعوتب في ذلك فقال : إنهما إذا دخلا عليّ قالا: أنت وأنت، يطروني ويعظموني، ويقولوا فيّ مالا فيّ، فأزداد بهما على ما هو مركوز في نفس البشر، وإذا دخل عليّ أبو علي الفارندي ذكرني عيوبي وظلمي، فأنكسر فأرجع عن كثير مما أنا فيه...).

قال عنه ابن الأثير: (وأما أخباره، فإنه كان عالماً، ديِّناً، جواداً، عادلاً، حليماً، كثير الصفح عن المذنبيين، طويل الصمت، كان مجلسه عامراً بالقرّاء، والفقهاء، وأئمة المسلمين، وأهل الخير والصلاح...).

كما كان الوزير الكبير من حفظة القرآن، ختمه وله إحدى عشرة سنة، واشتغل بمذهب الشافعي، وكان لا يجلس إلا على وضوء، وما توضأ إلا تنفَّل، واذا سمع المؤذن أمسك عن كل ما هو فيه وتجنبه، فإذا فرغ لا يبدأ بشيء قبل الصلاة، وكان إذا غفل المؤذن ودخل الوقت أمره بالأذان، وهذا قمة حال المنقطعين للعبادة في حفظ الأوقات، ولزوم الصلوات، وكانت له صلة بالله عظيمة وقال ذات مرة: رأيت ليلة في المنام إبليس فقلت له : ويحك خلقك الله وأمرك بالسجود له مشافهة فأبيت، وأنا لم يأمرني بالسجود له مشافهة وأنا أسجد له في كل يوم مرات، وأنشأ يقول: من لم يكن للوصال أهلاً فكلُّ إحسانه ذنوب.

وكان يتمنى أن يكون له مسجد يعبد الله فيه، ومكفول الرزق، قال في هذا المعنى: كنت أتمنى أن يكون لي قرية خالصة، ومسجد أتفرد فيه لعبادة ربي، ثم تمنيت بعد ذلك أن يكون لي رغيف كل يوم، ومسجد أعبد الله فيه.

ومن تواضعه أنه كان ليلة يأكل الطعام، وبجانبه أخوه أبو القاسم، وبالجانب الآخر عميد خُراسان، وإلى جانب العميد إنسان فقير، مقطوع اليد، فنظر نظام الملك فرأى العميد يتجنب الأكل مع المقطوع، فأمره بالانتقال إلى الجانب الآخر، وقرّب المقطوع إليه فأكل معه. وكانت عادته أن يحضر الفقراء طعامه ويقربهم إليه، ويدنيهم.

ومن شعره:

تقوس بعد طول العُمر ظهري وداستني الليالي أيَّ دَوْسِ

فأُمسي والعصا تمشي أمامي كأن قوامها وتر بقوسِ

وكان يتأثر بسماع الشعر، فعندما دخل عليه أبو علي القومَسَاني في مرضةٍ مرضها، يعوده فأنشأ يقول:

إذا مرضنا نوَينا كل صالحةٍ فإن شفينا فمِنَّا الزيغ والزَّلَلُ

نرجو الإله إذا خفنا ونسخطه إذا أمنَّا فما يزكو لنا عمل

فبكى نظام الملك وقال: هو كما يقول.

- الإصلاحات الإدارية والقانونية للوزير الكبير:

اهتم نظام الملك بالتنظيمات الإدارية، فكان اليد الموجهة لأداء الدولة في عهد ألب أرسلان، واتسعت سلطاته في عهد خلفه ملكشاه. فأشرف بنفسه على رسم سياسة البلاد الداخلية والخارجية مستفيدًا من فهمه ودرايته في شؤون التخطيط والتنظيم الإداري. وقد تضمن كتاب سياسة نامه الذي ألفه هذا الوزير في الآراء والنظريات الإدارية التي تعتبر أساسًا لنظام الحكم، وعمادًا لإدارة الأمم، وتظهر في صفحات الكتاب أهم الطرق الإدارية التي اتبعها الوزير الكبير في هندسة الدولة. ويأتي في مقدمتها وقوفه بشدة ضد تدخل أصدقاء السلطان المقربين في شؤون الدولة حتى لا يتسبب ذلك في اضطراب إدارتها. كذلك كان يهتم بشكل خاص بنظام البريد الذي كان رجاله يوافون الحكومة بكل أخبار المناطق التابعة لهم. هذا فضلًا عن حرصه الشديد بإرسال المخبرين إلى الأطراف في هيئة التجار والسياح والمتصوفة والعقارين، يتنسمون الأخبار ويرسلونها للسلطان ولوزيره. وكما نجح الوزير بإحباط العديد من المؤامرات ضد الحكم بفضل ما كان يصله منهم.

عمل نظام الملك على الحد من استغلال الموظفين والولاة لسلطاتهم حتى لا يجوروا على الرعية، حيث كان يغير العمال مرة كل سنتين أو ثلاث ضمانًا لعدم تلاعبهم في أعمالهم، ولما ألغى السلطان ألب أرسلان وظيفة صاحب البريد وصاحب الخبر رتب الوزير نظام الملك في كل منطقة رجلًا نزيهًا لمراقبة تصرفات العمال والقضاة وأصحاب الحسبة. وكان نظام الملك يصرف رواتب مجزية للموظفين في المناصب الحساسة خشية الاختلاس أو الرشوة، وكان حريصًا على مراجعة حسابات الدولة في نهاية كل عام لمعرفة الدخل والمنصرف والموازنة بينهما.

- نظام الملك والنهضة الاقتصادية في عهده

كان لنظام الملك دور مهم في إصلاح الأراضي في الدولة، وتنظيم توزيعها بين الناس. وجرت العادة لدة الخلفاء والأمراء أن تجني الأموال في البلاد، وتجمع في العاصمة. فلما اتسعت رقعة الدولة السلجوقية في عهد الوزير الكبير لاحظ أن دخل الدولة من خراج الأراضي قليل لحاجتها إلى الإصلاح، فضلًا عن عدم اهتمام الولاة بها، فوجد أن من الأصلح للدولة أن توزع النواحي على شكل إقطاعات على رؤساء الجند. وبالتالي يدفع كل مُقطع مبلغًا من المال لخزانة الدولة مقابل استثماره للأراضي التي أقطعت له، فكان هذا الإجراء سببًا في تنمية الثروة الزراعية، إذ اهتم المقطعون بمعارتها مما أدى إلى زيادة انتاجها، وظل هذا النظام قائمًا حتى نهاية الدولة السلجوقية. وكما طلب الوزير الكبير من العمال والولاة أن يكونوا على تواصل مباشر مع المزارعين، ويمدوا لهم المساعدة بتزويد من يحتاج منهم بالبذور والدواب، وأن يحسنوا معاملة الزراع حتى لا يضطروا إلى هجر مواطنهم. فالوزير استهدف من توزيع الأراضي على معظم أفراد الجيش لأنه أدرك أنه من قبائل مختلفة العناصر، فأراد أن يجعل الجماعات تستقر في أراض تقطع لها، فترتبط بالأرض وتشعر بشعور المواطنة مما يسهل على الدولة الإمساك بكل مفاصل البلاد، والتخفيف من المنازعات فيما بينها وكذل التخفيف من المصاريف والتكاليف الباهضة. والأهم من كل ذلك حماية الدولة من الأخطار المحدقة بها.

- وفاة الوزير نظام الملك:

يقال: إنه أول مقتول قتلته الإسماعيلية (الباطنية)، فانبث الخبر في الجيش، وصاحت الأصوات، وجاء السلطان ملكشاه حين بلغه الخبر، مظهراً الحزن، والنحيب والبكاء وجلس عند نظام الملك ساعة، وهو يجُود بنفسه، حتى مات، فعاش سعيداً، ومات شهيداً فقيداً حميداً. وكان قاتله قد تعثر بأطناب الخيمة، فلحقه مماليك نظام الملك وقتلوه. وقال بعض خدامه: كان آخر كلام نظام الملك أن قال: لا تقتلوا قاتلي، فإني قد عفوت عنه وتشهد ومات.

ولما بلغ أهل بغداد موت نظام الملك حزنوا عليه، وجلس الوزير والرؤساء للعزاء ثلاثة أيام ورثاه الشعراء بقصائد، منهم مقاتل بن عطية حيث قال:

كان الوزير نظامُ الملكِ لؤلؤة يتيمة صاغها الرحمن من شرفٍ

عزَّت فلم تعرفِ الأيامُ قيمتها فرَّدها غيره منه الى الصــــدف.

قال عنه ابن عقيل: بهر العقول سيرة النظام جوداً وكرماً وعدلاً، وإحياءً لمعالم الدين، كانت أيامه دولة أهل العالم، ثم ختم له بالقتل وهو مارٌّ إلى الحج في رمضان فمات ملكاً في الدنيا، ملكاً في الآخرة، رحمه الله.

 

المراجع:

  1. علي محمد الصلابي، الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط.
  2. الذهبي، سير أعلام النبلاء.
  3. ابن كثير، البداية والنهاية.
  4. محمد العبده، أيعيد التاريخ نفسه.
  5. ابن الأثير، الكامل في التاريخ.
  6. السبكي، طبقات الشافعية الكبرى.

يصادف تاريخ اليوم الذكرى السابعة والثمانين لرحيل شيخ المجاهدين عمر المختار، ففي مثل هذا اليوم في 16 سبتمبر 1931م، أعدم المحتل الإيطالي فارساً عربياً ومجاهداً عظيماً، كان بين الناس رجلاً، وبين الرجال بطلاً، وبين الأبطال قدوة ومثلاً ، وخسرت الأمة العربية والإسلامية رمزاً كبيراً في تاريخها النضالي والبطولي، حيث انضم إلى صفوة التاريخ الإسلامي اسماً جديداً ضمن الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ، فهو بنيان أسس على التقوى أصله ثابت وفرعه في السماء ، وشجرة طيبة تؤتي أكلها في كل حين، عاش مباركاً في حياته ومباركاً في مماته.

إنه المجاهد العربي الليبي المسلم عُمر بن مختار بن عُمر المنفي الهلالي، ولد في 20/آب عام 1858م، في منطقة الجبل الأخضر في برقة، في قرية تسمى جنزور، واشتهر في العالم باسم عمر المختار، وقد لقب بالعديد من الألقاب منها (أسد الصحراء) و(شيخ المجاهدين) و(شيخ الشهداء)، ويعتبر عمر المختار قائد السنوسية في ليبيا، عاش حياته من أجل الجهاد ومحاربة الغزاة، أملاً في تحرير أراضي بلاده من الطامعين، واستطاع أن ينحت اسمه في التاريخ حتى أنه يعد من أشهر المقاومين العرب والمسلمين، حيث قاد الجهاد ضد الغزو الإيطالي لليبيا، وقام بقيادة المئات من المعارك ضد الإيطاليين.

تلقى تعليمه الأول في زاوية جنزور ثم سافر إلى الجغبوب، ومكث بها 8 أعوام للدراسة وتحصيل العلم على يد كبار علماء ومشايخ السنوسية، في مقدمتهم الإمام المهدي السنوسي، قطب الحركة السنوسية، ودرس اللغة العربية، وعلوم الشريعة والحديث، وحفظ القرآن الكريم.

ظهر نبوغه وتميزه مما استدعي اهتمام ورعاية أستاذه (السنوسي)، ثم انخرط المختار في صفوف المجاهدين في الحرب الليبية الفرنسية، واستقر لفترة في (قرو) مناضلاً ومقاتلاً، ثم عين شيخًا لزاوية (عين كلك)، ليقضي فترة من حياته معلمًا.

وبعد وفاة الشيخ المهدي السنوسي في 1902، تم استدعاؤه وعين شيخًا لزاوية (القصور)، وعاش حرب التحرير والجهاد منذ بدايتها، وعندما أعلنت إيطاليا الحرب على تركيا في 29 سبتمبر 1911، وقصفت البارجات الحربية مدن الساحل الليبي، وكان عمر المختار مقيمًا في (جالو) بعد عودته من مدينة (الكفرة)، وبعد علمه بالغزو الإيطالي سارع إلى المجاهدين ونظم صفوفهم، حتي وصل أحمد الشريف السنوسي، المجاهد الليبي، من الكفرة.

وشهدت الفترة التي أعقبت انسحاب الأتراك من ليبيا سنة 1912، أعظم المعارك في تاريخ الجهاد الليبي، كانت معارك كر وفر تركز معظمها على مدينة درنة (شمال شرق)، منها معركة (يوم الجمعة) 16 مايو/ أيار 1913، دامت يومين، وانتهت بمقتل 70 جندياً إيطالياً وإصابة نحو 400 آخرين ، ومعركة (بو شمال) في منطقة عين مارة وفي فبراير عام 1914 معارك (أم شخنب) و (شلظيمة) و(الزويتينة) كان خلالها المختار يتنقل بين جبهات القتال و يقود المعارك، مما اكسبه احترام الجميع بمن فيهم أعدائه.

ومع بداية الحرب العالمية الأولى، وبعد الانقلاب الفاشي في إيطاليا في أكتوبر 1922 وبعد انتصار جبهة إيطاليا، اشتدت الضغوط على إدريس السنوسي، الذي عقد صلحاً مع إيطاليا، وقد غضب عمر المختار وباقي شيوخ القبائل وقادة الحركة عند علمهم بذلك، فقدَّموا إليه وثيقة يبايعونه فيها زعيماً لهم، شريطة أن يكون ذلك للجهاد ضد الطليان فقط. ولم يكن لدى إدريس خيار سوى قبول البيعة، إلا أنَّه شد الرحال إلى مصر مدعياً المرض والحاجة للعلاج، وقد تبيَّن فيما بعد عند زيارة عمر المختار له هناك أنه كان بصحَّة جيدة. لكن بعد رحيل إدريس ومع اندلاع الحرب مجدداً في المنطقة أصبحت مسؤولية القيادة كلّها ملقاةً على عاتق عمر المختار، فأصبح هو زعيم الحركة الجهادية في منطقة الجبل الأخضر، وبات يجمع المال والسلاح ويحرّض القبائل ويترأس الهجمات ضد الطليان في برقة.

استمر المجاهدون في الجبل الأخضر يشنون الهجمات على القوات الإيطالية وحققوا انتصارات رائعة من أشهرها موقعة يوم الرحيبة بتاريخ 28 مارس 1927م، ومعركة أم الشافتير (عقيرة الدم) وقد تكبّد فيها الطليان خسائر جسيمة. وواصل المختار كفاحه ضد المستعمرين الإيطاليين وكبدهم خسائر فادحة في أكثر من ألف معركة خاضها ضدهم في عشرين عاماً، ويذكر أن الإيطاليين فاوضوا عمر المختار وحاولوا إغراءه في مرات عديدة لكنهم فشلوا، فقد كان يقابلهم بجملة واحد هي: "ارحلوا من ليبيا كلها".

وفي النهاية تمكنت القوات الإيطالية من إلقاء القبض عليه، بعد أن وقع في أسرهم ، وذلك في إحدى المعارك في الحادي عشر من أيلول من عام 1931م، وذلك بعد يومين من القتال العنيف.

وانعقدت محكمة صورية في يوم 15 سبتمبر، وقضت بالحكم على شيخ المجاهدين بالإعدام شنقاً، وأُحضر المختار مكبلاً في اليوم التالي 16 سبتمبر في تمام الساعة التاسعة صباحاً، وسار إلى منصة الإعدام وهو ينطق الشهادتين، وأعدم أمام الآلاف من الليبيين بمركز سلوق (جنوب بنغازي) في عام 1931م.

أصبح المختار عند العرب عمومًا والمسلمين خصوصًا مثالاً للقائد الصالح صاحب العقيدة السليمة السويَّة ، وشهيدًا بطلًا بذل نفسه وماله للدفاع عن دينه وبلده ضدّ المحتل الغاصب، فكانت وفاته وقوداً جديداً للثورة التي انتهت بانسحاب الإيطاليين من البلاد عام 1943، وكانت كلماته من أبرز العبارات التي جالت على لسان المقاومين العرب في ثوراتهم الأخيرة ، كالكلمة الأخيرة التي قالها للضابط الإيطالي "الجنرال رودولفو جراتسياني" الذي حقق معه: "نحن لا نستسلم.. ننتصر أو نموت.. وهذه ليست النهاية.. بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والأجيال التي تليه.. أمَّا أنا.. فإن عمري سيكون أطول من عمر شانقي".

إنه عمر المختار البطل الذي لم ييأس أو يستسلم، ولم تغره أموال الدنيا آثر أن يبقى الرمز والأصالة، ظل في كبريائه حتى حين عضت السلاسل قدميه ويديه، حيث قال: "إن الظلم يجعل من المظلوم بطلاً، وأما الجريمة فلا بد من أن يرتجف قلب صاحبها مهما حاول التظاهر بالكبرياء"." كن عزيزاً وإياك أن تنحني مهما كان الأمر ضرورياً، فربما لا تأتيك الفرصة كي ترفع رأسك مرةً أخرى".

وحين أعدمه المستعمر الإيطالي ألهب خيال المبدعين وأضرم نار المقاومة في قلوب الملايين, إنه اللواء الذي يستنهض الوادي صباح مساء في رائعة الشاعر أحمد شوقي، وهو السيف العربي الذي استلّ من غمده ونافح حتى آخر قطرة من دمه, إن بطولة عمر المختار ستبقى أسطورة حقيقية حيّة نابضة في قرائح الشعراء, ومصدر وحي وإلهام في عيون المبدعين ومدرسة كفاح وطريق هداية للأجيال الحرة ، ولن ننسى مقولته الخالدة : "إنني أؤمن بحقي في الحرية، وحق بلادي في الحياة، وهذا الإيمان أقوى من كل سلاح".

 

المراجع

- خليفة محمد التليسي، معجم معارك الجهاد في ليبيا 1911-1931م. الدار العربية للكتاب، طرابلس، 1983م.

- عصام عبد الفتاح، عمر المختار ورجاله "سيد شهداء القرن العشرين"، دار كنوز للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر.

- علي محمد محمد الصَّلَّابي، الشيخ الجليل عمر المختار: نشأته، وأعماله، واستشهاده. المكتبة العصرية، صيدا-لبنان.

- علي محمد محمد الصَّلَّابي، أعلام التصوف السنّي : سيرة المجاهد عمر المختار، إسطنبول، تركيا، دار الروضة، 2017م.

- هاشم يحيى الملاح، "جهاد عمر المختار وتضحيات الجماهير". مجلة البحوث التاريخية، العدد (2)، يوليو 1988م.

 

- المصالحة يجب أن تكون بلسماً لمعالجة الجروح وإزالة الألغام الاجتماعية التي زرعها النظام السابق 

 - البعدان القبلي والجهوي تستثار فيهما النعرات التي تحجب حقائق الأشياء وتشوش على صوت العقل 

 - لا بد من أطر قانونية تنصف المظلوم وتجبر الضرر حتى لا يتحول المجتمع إلى ثقافة الغابة

 

يتبادر إلى بعض الأذهان أن مشروع المصالحة الوطنية التي نريد هو معالجة لما حدث أثناء ثورة السابع عشر من فبراير في ليبيا، متناسين أن هذه الثورة وما حدث فيها نتاج منطقي للظلم والفساد والاستبداد الذي عشش طوال الأربعة عقود الماضية، ولم يكن وليد اللحظة، ولا يمكن اختزاله في حادث معين أو قضية بعينها.
لقد شوه النظام السابق جهاد الأبطال الذين صنعوا الاستقلال، وشوه نضالاً وحراكاً ثقافياً واجتماعياً كان من أسس هذا الاستقلال، وشوه النظام نخبة ثقافية، وأودعها السجون حقبة السبعينيات، واستولى على أموال الموسرين بحجة تصفية البرجوازية، وصادر الممتلكات الخاصة وحارب الناس في قوت أولادهم، وانبرى يُطلق الأوصاف المقيتة لكل معارضيه، وأدخل البلد في حروب لا طائل من ورائها، ذهب جراءها آلاف الضحايا من أبناء هذا الشعب، وجنى الوطن من ورائها فقداً لعدد كبير من أبنائه بالإضافة إلى قائمة طويلة من اليتامى والمتضررين.
كما أعدم معارضيه على رؤوس الأشهاد، وزج بالآلاف من أبناء الشعب في السجون والمعتقلات ليواجهوا أقذر أساليب الكبت والتعذيب، وشرد آلاف الأسر من ورائهم في الداخل بقانون العقوبات الجماعية الذي هدم بموجبه حتى البيوت، أما من تمكنوا من الهجرة القسرية، فقد قام بملاحقتهم قتلاً وتهديداً ورصداً وتشويهاً، وحارب الناس في قوتهم وسهل سبل الفساد حتى صار الشعار «رزق حكومة»، «واخنب واهرب» و»اللي ما تأخذه، يأخذه غيرك».
ولم تكن هذه الانتهاكات تنفذ من رأس النظام مباشرة، بل استخدم فيها أذرعاً من أبناء الشعب، معتمداً في التغرير على تجاذبات قبلية وجهوية، وأطماع شخصية استجاب لها السذج وضعاف النفوس، ومعتمداً على الضيق في فرص العمل والكسب الذي نتج عن سياساته المتقلبة ونظرياته المزعومة، حتى ألجأ قطاعاً عريضاً من الموظفين والعاطلين والشباب بل وحتى من المتقاعدين والنساء المطلقات إلى العمل ضمن جهاز الأمن الداخلي في كتابة التقارير والوشاية بالمواطنين من أجل لقمة العيش، ليحصد الوطن جراء ذلك جرحاً غائراً بأياديه! فمن وقع عليهم الانتهاك هم من أبنائه، ومن مارس هذا الانتهاك من أبنائه أيضاً، وقد يتذبذب البعض بين الصنفين حيناً من الزمن.

المصالحة الوطنية
إن الانتهاك لدى البعض لم ينته بمجرد موت رأس النظام وهروب أعوانه المقربين وكتائبه، بل كل من مارس الانتهاك بطريق مباشر أو غير مباشر، لا بد أن يقع في دائرة استرداد الحقوق، وليس المقام لمناقشة هذه الرؤية ومدى أحقية هذا الرأي، ولكن يجب التأكيد على أن مشروع المصالحة الوطنية لا بد أن يكون البلسم الذي نعالج به -بعد توفيق الله سبحانه وتعالى- هذه الجروح، ونزيل به الألغام الاجتماعية التي خلفها نظام الظلم والفساد والاستبداد بين أبناء المجتمع الواحد.
إن مشروع المصالحة الوطنية يجب أن ينحو إلى شخصنة القضايا قدر الاستطاعة والممكن، بحيث لا تكون القضية قضية قبيلة معينة ضد قبيلة أخرى، أو قضية جهة ضد جهة أخرى، أو منطقة ضد منطقة أخرى، بل قضية فرد أو أفراد ضد فرد آخر أو أفراد آخرين.
إننا يجب أن نجرد القضايا من البعد القبلي والجهوي؛ لأنهما بعدان تستثار فيهما الحميات والنعرات التي تحجب حقائق الأشياء وتشوش على صوت العقل والمنطق والإنصاف، يجب أن ينحو مشروع المصالحة إلى تحديد المسؤولية الفردية فيما وقع ويقفل الطريق على كل ما من شأنه أن يخرق النسيج الاجتماعي للمجتمع الليبي.
ما حدث خلال العقود الأربعة الماضية يفوق الوصف، وبعض الجرائم لا يتخيلها العقل السوي وتأباها النفوس المتزنة؛ فما ذنب أطفال صغار يتم حرمانهم من حقوقهم المدنية حتى من لقمة العيش لجرم اقترفه أبوهم أو أحد أفراد أسرتهم، هذا إذا سلمنا بالجرم؟! ما ذنب أسرة يهدم عليها بيتها وتشرد في الشارع بلا مأوى ولا حتى سقف يظلهم لمخالفة اقترفها أحد أبنائهم، هذا إذا سلمنا بالمخالفة؟! كيف يستسيغ المنطق أن يمثل بجثث المعارضين وتنبش قبورهم؟!
ولكن على بشاعة ما حدث وفظاعته، فإن سفينة الأمان في المجتمع يجب ألا تخرق بأيادي العابثين، والمصالحة الوطنية يجب ألا تخول أحداً -كائناً من كان- أن يسترد حقه أو مظلمته بشكل فردي، مهما كان حجم الظلم الذي وقع عليه، بل لا بد من أطر قانونية تنصف المظلوم وتجبر الضرر وترد الحقوق، حتى لا يتحول المجتمع إلى ثقافة الغابة التي يأخذ فيها كلٌ حقه بيده.
بل إن مشروع المصالحة يجب أن يذهب أبعد من ذلك، بأن يعتبر كل فعل يمارس بذريعة استرداد الحقوق خارج الأطر القانونية، جريمة يعاقب صاحبها مهما كان بشاعة الظلم والانتهاك الذي وقع عليه، وهذا ليس استخفافاً بالانتهاكات ولا تهميشاً للمظلومين، بل حتى لا يتحول المجتمع إلى مجتمع أدغال، ولأن ظاهرة استرداد الحقوق بشكل فردي ودون أطر قانونية، إذا فتح بابها، فإن المئات ستسول لهم أنفسهم الاعتداء على الأعراض والممتلكات بحجة استرداد الحقوق، وحينها يُفقد الأمن الذي هو الأساس الذي تقوم عليه الدولة، ونقع في عين ما كان يعاب على النظام البائد.

 

(*) كاتب ومؤرخ إسلامي ليبي

الأربعاء, 01 أغسطس 2018 13:12

الرضا بالقضاء والقدر

تقدير الله تعالى وقضائه في الأمور منوط بإرادته وتقدير آجال خلقه وأوقات وأماكن القضاء والقدر. ويمكن إدراك معنى الرضا بالقضاء والقدر من خلال قياسها بالميزان الإلهي الحق ووصايا النبي الكريم لأمته.

الفكرة الأولى: القَدر في الميزان الإلهي

يطلق القدر على الحكم والقضاء أيضًا، ومن ذلك حديث الاستخارة "فاقْدُرُه ويسرّه لي". والمعنى الشرعي للقضاء والقدر: هو تقدير الله تعالى الأشياء في القدم، وعلمه سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة وكتابته سبحانه لذلك ومشيئته لها ووقوعها على حسب ما قدرها جلّ وعلا و خلقه لها. ومراتب القدر أربع،: كما هو ظاهر في التعريف: العلم، الكتابة، المشيئة، الخلق والتكوين.

أما أدلة القرآن على وجوب الإيمان بالقدر، فهو في قوله سبحانه وتعالى:" إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ" (القمر: 49). وفي قوله جل وعلا: "سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا" (الأحزاب، آية 38)؛ أيّ قضاء مقضيًا، وحكمًا مبتوتًا وهو كظل ظليل، وليل أليل، وروض أريض في قصد التأكيد.

والأدلة من السنة النبوية على وجوب الإيمان بالقدر في حديث جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره من الله، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه.

الفكرة الثانية: وصايا نبوية لتدريب النفس على الرضا بالقضاء والقدر:

كان الرسول صلى الله عليه وسلم مربيًا ومزكيًا لنفوس أصحابه، وهي المهمة التي شرفه الله سبحانه بها، وتتجلى هذه التزكية، بأوضح صورها من خلال هذه الوصايا الثلاثة التي تُعد بحق نماذج العلاج النبوي لأمراض النفوس وتدريبها عملياً على التسليم لقضاء الله وقدره والرضا به.

- الوصية الأولى: قوة الإيمان ومجاهدة النفس: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير، أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شئ فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان.

وفي هذا الحديث النبوي يبين الرسول صلى الله عليه وسلم أن من أراد نيل محبة الله ورضوانه فعليه أن يبادر إلى تقوية إيمانه ومجاهدة نفسه، وطلب القوة في العلم والجسم، وغير ذلك من عناصر القوة النافعة التي تتضافر جميعها لتكوين شخصية المسلم الذي يحبه الله سبحانه

- الوصية الثانية: دعاء الاستخارة: فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كالسورة من القرآن، يقول: إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم إن هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فأقدره لي، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله، فأصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم أرضني به، ويسمي حاجته.

وهذه الوصية النبوية تعد تدريبًا عمليًا على توطين النفس ورضاها بالقضاء والقدر، وتسليمها لما يقدر الله، اعتقادًا بأن ذلك هو الأصلح، والأنفع للعبد، فإذا همَّ المسلم بأمر من الأمور المباحة، من سفر أو زواج، أو تجارة أو غير ذلك فعليه أن يبادر إلى العمل بهذه الوصية النبوية، فيدعو بدعاء الاستخارة متذللاً أمام ربه، متواضعاً بين يديه، مستسلمًا لأمره، راضيًا بحكمه، داعياً أن يختار الله له ما فيه الخير في دينه ومعاشه وعاقبة أمره، وأن يصرف عنه هذا الأمر إن كان فيه شر، ثم يعزم على هذا الأمر، فإن انشرح صدره له، ويسر الله طريقه، وهو الخير الذي اختاره الله، وإن جاء الأمر على عكس ذلك، فعليه أن يفرح، لأن الله صرف عنه شرًا واختار له ما يصلحه، ولو لم يدرك الحكمة فلتطمئن نفسه ولا يبقى متعلقاً بهذا الأمر، أو قلقاً من أجله، وبهذه الوصية النبوية، يدرب المسلم نفسه عملياً على الرضا بقضاء الله، والتسليم لأمره، ويجاهد نفسه على مخالفة هواها ويربيها على الالتزام بأمر الله، لأن في ذلك صلاح دنياه وآخرته.

الفكرة الثالثة: القدر خير وشر

لابدَّ هنا من البيان أن تقسيم القدر إلى خير وشر، إنما هو بإضافته إلى الناس والمخلوقات، أما بالنسبة لله عز وجل، فالقدر كله خير وحكمة وعدل ورحمة من الله سبحانه الذي قضى بتقدير المصائب والبلايا وكل ما يكرهه الإنسان لحِكم كثيرة من أبرزها:

- الابتلاء لعباده: واختبارهم وتمحيص الإيمان في قلوبهم وزيادة درجاتهم وثوابهم إذا صبروا، قال تعالى: "وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ" (الأنبياء: 35).

- التربية والتأديب: والجزاء المعجل لكي يثوب الإنسان إلى رشده، ويرجع عن خطئه، قال تعالى: "فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ" (النحل: 34).

ما يصيب الإنسان إن كان يسره فهو نعمة بينه، وإن يسوؤه فهو نعمة، لأنه يكفر خطاياه، ويثاب عليه بالصبر. ومن جهة إن فيه حكمة ورحمة لا يعلمها العبد، قال تعالى: "وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لكم" (البقرة: 216). وكلتا النعمتين تحتاج مع الشكر إلى صبر وفي بيان قوله تعالى: "مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ" (النساء: 79). نلاحظ: فرّق سبحانه وتعالى بين الحسنات التي هي النعم، وبين السيئات التي هي المصائب، فجعل هذه من الله وهذه من نفس الإنسان، لأن الحسنة مضافة إلى الله، إذ هو أحسن بها من كل وجه.. أما السيئة فهو إنما يخلقها لحكمة، وهي باعتبار تلك الحكمة من إحسانه فإن الرب لا يفعل سيئة قط بل فعله كله حسن وخير.

وللقضاء والقدر مراتب أعلاها:

  1. العلم من مراتب القدر

الإيمان بعلم الله عز وجل المحيط بكل شيء من الموجودات والمعدومات والممكنات والمستحيلات، فعلم ما كان وما يكون ومالم يكن لو كان كيف يكون، وأنه علم ما الخلق عالمون قبل أن يخلقهم، وعلم أرزاقهم وآجالهم وأحوالهم وأعمالهم في جميع حركاتهم وسكناتهم وشقاوتهم وسعادتهم ومن هو منهم من أهل الجنة ومن هو منهم من أهل النار من قبل أن يخلقهم ومن قبل أن يخلق الجنة والنار، علم دق ذلك وجليله وكثيره وقليله وظاهره وباطنه وسره وعلانيته ومبدأه ومنتاه، كل ذلك بعلمه الذي هو صفته ومقتضى اسمه العليم الخبير عالم الغيب والشهادة علّام الغيوب. والأدلة من القرآن الكريم كثيرة منها قوله تعالى:" وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ" (الأنعام: 59).

2- الإرادة والمشيئة

إن كل ما يجري في هذا الكون فهو بمشيئة الله، سبحانه وتعالى، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يخرج عن إرادته الكونية شيء. ومن الأدلة في القرآن الكريم: قال تعالى:" إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" (يس: 82). أي: إنما يأمر بالشيء، أمراً واحداً لا يحتاج إلى تكرار. وفي قوله تعالى: "وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً" (هود: 118). وورد في الحديث النبوي: عن أبي موسى الأشعري، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه السائل أو طلبت إليه حاجة قال: اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ما شاء.

  1. الكتابة

وهي أن الله تعالى كتب مقادير المخلوقات، والمقصود بهذه الكتابة الكتابة في اللوح المحفوظ، وهو الكتاب الذي لم يفرط فيه الله من شيء، فكل ما جرى ويجري فهو مكتوب عند الله وأدلة هذه المرتبة كثيرة نذكر منها:

قوله تعالى:" مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ" (الأنعام: 38)، على أحد الوجهين، وهو أن المقصود بالكتاب هنا اللوح المحفوظ، فالله أثبت فيه جميع الحوادث، فكل ما يجري مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ. وقوله تعالى: "وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ" (يس: 12)؛ أي: جميع الكائنات مكتوب في كتاب مسطور مضبوط في لوح محفوظ، والإمام المبين هَهُنا: هو أم الكتاب.

  1. مرتبة الخَلق:

وهو الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى خالق كل شيء، فهو خالق كل عامل وعمله، وكل متحرك وحركته، وكل ساكن وسكونه، وما من ذرّة في السماوات وفي الأرض إلا والله سبحانه وتعالى خالقها وخالق حركتها وسكونها، سبحانه لا خالق غيره ولا ربّ سواه، كما في قوله تعالى: "قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ* وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ" (الصافات: 95 - 96)؛ أي خلقكم وعملكم، فتكون ما مصدرية، وقيل: إنها بمعنى الذي، فيكون المعنى: والله خلقكم وخلق الذي تعملونه بأيديكم وهو الأصنام. ووردت أدلته في قول البراء بن عازم رضي الله عنه، حيث قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق ينقل معنا التراب وهو يقول:

والله لولا الله ما اهتدينا ولا صمنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا

والمشركون قد بَغَوْا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا

وفي رواية أخرى للبخاري: ولا تصدقنا ولا صلينا، بدل: ولا صمنا ولا صلينا، وبهذه الرواية يستقيم الوزن، قال ابن حجر: وهو المحفوظ. ودليل هذه المرتبة قوله: لولا الله ما اهتدينا، ولا تصدقنا ولا صلينا، فإنها دليل على أن الله هو خالق العباد وأفعالهم ومنها: الهداية، والصدقة، والصلاة.

تبرز لنا آيات وأحاديث القضاء والقدر عظمة الخالق وحسن تقديره لحياة الخلق ومراتب الميزان الإلهي، فهو المعطي والمانع والغائب والشاهد ومقدر الأقدار لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top