سامي راضي العنزي

سامي راضي العنزي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الثلاثاء, 01 سبتمبر 2020 21:30

الحلم والتواضع وعباد الرحمن

لا شك أن هناك الكثير والكثير من الآيات القرآنية والنصوص النبوية التي تحض المسلم على التواضع والحلم والتعقل، وتقديم الهدوء والعقل في كل حركة وسكنة من حياتنا كمسلمين؛ يقول تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً {63} وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً {64} وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً {65} إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً) (لفرقان).

السكينة والوقار والتواضع لله تعالى ولعباده؛ قال تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً) من جميل صفات عباد الرحمن تواضعهم لله جل جلاله ولعباده؛ فيمشون بسكينة وطمأنينة ووقار (في مشيهم بذاتهم أو قيادتهم مركباتهم)، وهذا التواضع هو ثمرة من ثمار الإيمان وأثرٌ من آثاره.

يقول بعض المفسرين: يقول تعالى: هؤلاء الذين وصفت صفتهم من عبادي وذلك بقوله تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً) يثابون على أفعالهم هذه التي فعلوها في الدنيا ويثابون في الجنة وهي "الغرفة" بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاماً، قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: (الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً)؛ أي بالطاعة والعفاف والتواضع، ومن مظاهر تواضعهم أنهم إن واجهوا في طريقهم بعض أهل السفه فإنهم يخاطبونهم بسديد الكلام البعيد عن السفه، وهذا معنى قوله تعالى: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً)، فبهذا جمعوا لأنفسهم سلامة العثرتين؛ عثرة الرجل وعثرة اللسان، نعم لا يقابلون الجاهلين والسفهاء بمثل جهلهم، وإنما يعرضون عنهم سواء بالقول أو "بالسير رجلاً أو مركبة"، إنما يعرضون عنهم لسلامة النفس والعقل والطريق، فيدفعون الإساءة بالإحسان كما قال تعالى: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ {34} وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) (فصلت).

من صفات عباد الرحمن التواضع والحلم، وبيَّن الله تعالى في كتابه العظيم صفتهم؛ يقول جل جلاله: (وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)، تقول أم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها: "إنكم لتغفلون أفضل العبادة.. التواضع".

ومن علامات التواضع، يقول سيدنا عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: "إن من رأس التواضع أن تبدأ من لقيت بالسلام، وأن ترضى بالدون من شرف المجلس، وتكره المدحة والسمعة والرياء بالبر".

لو دققنا باللفظة بذاتها نجدها مكرمة لهؤلاء العباد، حيث إضافتهم إلى الرحمن، نعم فما كانوا له عباداً إلا برحمته وفضله ومنته الرحمن الرحيم، هو سبحانه سخر لهم السبب للطاعة ويسّر لهم كل السبل أو سبل الخير ليثبتهم على الإيمان ومن ثم يكونوا "عباد الرحمن" بفضله ومنته، ولا شك هذا له ميزة في الدنيا، وأفضل منها في الآخرة جنة الخلد دار السلام.

صفات عباد الرحمن الحسنة كثيرة، ولكن أظهرها التواضع والحلم، جاء رجل لأحد الصالحين وقال له: "إن قلت كلمة ستسمع عشراً"؛ يعني سيرد عليه بقسوة الكلام وكثرة اللفظ السيئ، فقال له الرجل الصالح الحليم: "وأنت إن قلت عشراً لن تسمع بفضل الله كلمة واحدة"، نعم هذا هو التواضع المدموج في الحلم ورقي العقل الذي يحبه الله تعالى ورسوله الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

العبودية إما أن تكون إلى حق؛ وهي التوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له، وإما إلى باطل وهي تمثل عبادة الشهوات والهوى، وشتان بينهما، أما إن أخلص العبد الكيس الفطن بالتوجه إلى عبادة الحق الرحمن الرحيم وفقه تعالى واكتنفه تحت عنوان "عباد الرحمن" بفضله ومنته وكرمه جل جلاله.

نختم بهذه القصة مع الزاهد عبدالله بن المبارك إذا لم تخني الذاكرة وحلمه وروعة فنه في الدعوة وتوصيل المعلومة بفن وتواضع، عطس رجل عنده ولم يقل: "الحمد لله"؛ فقال له العابد الزاهد: أخي في الله ماذا يقول المسلم إن عطس؟ فقال، يقول: "الحمد لله"، قال الزاهد الحليم بكل تواضع: "إذاً.. يرحمك الله".

 

_______________________

إعلامي كويتي.

الأحد, 30 أغسطس 2020 15:55

فضل الصحابة في نقل الدين

لا شك أن للصحابة الكرام الفضل على أمة الإسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهم القاعدة الصلبة التي عاصرت وصاحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتربت على يديه، وتحملت معه ما تحملت وذلك بفضل الله وحكمته ومنته ليكون الإسلام في مأمن من التغيير والتحريف مع مرور الزمن، فكان الصحابة رضي الله عنهم المرجعية الصلبة الثابتة نزاهة وعدالة ونقاوة؛ ومن خلالهم الوصول خبراً مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وتقاريره وأفعاله عليه الصلاة والسلام..

لا شك أن الله تعالى نظر إلى مخلوقاته الإنس والجن فلم يجد أفضل من جموع الصحابة ليكونوا رفاق حبيبه صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فاختارهم لجدارتهم لهذه المهمة وهو العليم والخالق العظيم.

نعم، اختارهم لنبيه وحبيبه صلى الله عليه وسلم، فلا يختار لحبيبه إلا من يحب، وقد قال الله تعالى فيهم مع حبهم صلى الله عليه وسلم " مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ۚ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ۗ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا " (29 الفتح).

في هذه الآيات بين الله تعالى منزلة الصحابة، وبين حتى نواياهم ودواخلهم وصدقهم الخفي الصادق وإخلاصهم لله تعالى حتى لا يأتي بعدهم من يشكك بإخلاصهم ودينهم " أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ.. رُكَّعًا سُجَّدًا.. " لماذا...؟

" يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا " .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم معززاً رافعاً أصحابه فقال: " أوصيكم بأصحابي ثم الذين يلونَهم ثم الذين يلونَهم ثم يَفشو الكذبُ حتى يَحلِفَ الرجلُ ، ولا يُستَحلَفُ ويَشهَدُ الشاهدُ ، ولا يُستَشهَدُ "

الأدلة لا تعد ولا تحصى التي تدل على حصافة الصحابة وذكائهم  وبعد نظرهم وعدالتهم، وأنهم من أصحاب العقول الراقية التي من الصعب خداعها والضحك عليها، وأن إيمانهم لم يكن كإيمان العامة، وما حكاية الصحابي " جندب بن كعب الأزدي يوم أن رأى الساحر يبهر الحضور بضرب عنق الرجل واعادته فقال الحضور: سبحان الله يحي الموتى ! فجاء جندب بن كعب الازدي وضرب راس الساحر فقال فليحيي نفسه وتلا قوله تعالى: " أفتأتون السحر وانتم تبصرون ".

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور مستقبلية في الصحابة؛ وفيها الخير للأمة وتم ذلك حتى بعد وفاته صلى الله عليه وسلم؛ كارتداء سراقة سواري كسرى.. نعم.. لقد كمل الصحابة بعضهم بعضا لكياستهم وفهمهم؛ وأدركوا بدقة متناهية أن هذا الدين عظيم وكامل متكامل، وطرحه يجب أن يكون كاملاً شاملاً حسب قدرات الإنسان كل حسب اختصاصه، فكان الصحابة أرفع وأسمى من يعلم تكامل الدين والقدرات الإنسانية وتوافقها مع تكامل هذا الدين الذي يحترم قدرات كل إنسان حسب قدرته وملكاته التي يجيد العمل من خلالها وقد جبل عليها أو اكتسبها تعليماً وممارسة.

نعم أيها القارئ الكريم؛ الصحابة عملوا منذ البداية حباً لهذا الدين وهذا النبي العظيم صلى الله عليه وسلم وحبا فيه، حتى عجب الكفار من حب الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم، حتى قال أحدهم " فوالله ما تنخم رسول الله " صلى الله عليه وسلم " إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيما له ".

تميز الصحابة بالثبات والصلابة على الحق، وعلى الصدق وقول الصدق.. نعم الصدق في العمل والقول والنية، فها هو أعرابي من الصحابة رضي الله عنه حينما بايع النبي صلى الله عليه وسلم وغزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه من الغنيمة فماذا كان رد هذا الصحابي الأعرابي!؟، قالَ: ما هذا؟ قالوا: قَسْمٌ قَسمَهُ لَكَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ. فأخذَهُ فجاءَ بِهِ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: يا مُحمَّدُ، ما هذا؟ قالَ: قَسمتُهُ لَكَ، قالَ: ما على هذا اتَّبعتُكَ، ولَكِنِّي اتَّبعتُكَ على أن أُرمَى هاهُنا وأشارَ إلى حلقِهِ بسَهْمٍ فأموتَ وأدخلَ الجنَّةَ، فقالَ: إن تَصدُقِ اللَّهَ يَصدُقْكَ فلبثوا قليلًا، ثمَّ نَهَضوا إلى العدوِّ، فأتى بِهِ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يُحمَلُ، قد أصابَهُ سَهْمٌ حيثُ أشارَ، فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ: أَهوَ هوَ؟ قالوا: نعَم قالَ: صدقَ اللَّهَ فصدقَهُ "

اختم بهاتين الآيتين وقليل من الحديث حولهما؛ يقول تعالى: " إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " (التوبة 40).

كان النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر فقط ومع ذلك قال لأبي بكر حينما حزن خوفاً على النبي صلى الله عليه وسلم " لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا " نعم.. أنا وأنت يا أبا بكر الله معنا.

بالمقابل مع سيدنا موسى عليه السلام آلاف من بني إسرائيل وعند ساعة الصفر بين الله تعالى الحوار بين أصحاب موسى وأتباعه والفرق الكبير بينهم وبين صحابي واحد من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقول تعالى: " فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ".

نعم هناك قال لا تحزن إن الله معنا، وهنا قال مع موسى الجواب فردي، وإن دل هذا على شيء؛ فإنما يدل على مركز الصحابي والصحابة وحبهم للنبي والمنهج الذي يرشدهم عليه النبي صلى الله عليه وسلم؛ والثبات عليه مهما كلفهم الأمر.

 

ـــــــــــ

إعلامي كويتي.

توقفنا في المقال السابق عند كلمة "دون" التي كثيرًا ما ذكرت في كتاب الله تعالى، وغالبًا تذكر تصغيرًا بمن ينظر إلى العبد المخلوق نظرة تضاهي الخالق سواء في النداء، أو الدعاء أو التوكل عليه أو التزلف به -الشريك- إلى الله تعالى، وغالبًا ما تذكر كلمة "دون" قبل اسم الجلالة؛ مستثنية كل ما يخطر على بالنا من مخلوقات عظيمة وجليلة، إنها لا يمكن، ولم ولن تكون ندًا لله تعالى، وإن كانت من أقرب المقربين من الله تعالى فهي "دون الله" تعالى بلا استثناء لأحد، والكلمة والعبارة واضحة المقاصد تعبيرًا وبلاغة؛ سواء كان هذا المخلوق ملكاً مقرباً مثل جبريل عليه السلام، أو نبياً مرسلاً عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، أو صالحاً من عبيد الله؛ كالصحابة وآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم أو غيرهم أو من العلماء الأفاضل، أو أي مخلوق، فهم جميعاً يندرجون تحت معنى قول الله تعالى: "دون الله"، كيف لا وهم العبيد المخلوقون لعبادة الخالق؛ (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: 56).

لنتأمل بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (الأعراف: 194)، ويقول تعالى: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) (الزمر: 3)، ويؤكد الله الأصل الصحيح مقابل من يلجأ إلى من هو "دون الله" يقول تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة: 186).

لو دققنا في كلمة "دون" لوجدناها تحمل كل الخلائق حينما تسبق اسم الجلالة "دون الله".

واعلم أيها القارئ الكريم أنه ليس المعني في هذه الآيات الصنم أو الوثن فقط كما يظن البعض ويتوهم، أو كما يدَّعِ ضعاف العقول، إنما المعنى كل ما هو دون الله تعالى من مخلوقات راقية كالملائكة المقربين والأنبياء والرسل كعيسى وعزير وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وغيرهم من عباد الله من الصالحين؛ الذين يتمسح بهم البعض كالصحابة وآل البيت والصالحين مثل التيجاني والبدوي والدسوقي، والملائكة والجن، وغيرهم من مخلوقات أقل شأنًا، ومصنوعات مثل الصليب، الصنم، الضريح، اللات والعزى، وكالكواكب، والنجوم، والشمس وكل من دُعي كما يُدعى الله تعالى، جميعهم "من دون الله"، ودعاؤهم شرك بالله لا شك؛ لأنهم دون الله تعالى، ولا يملكون من أمرهم شيئاً.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "من دون الله" هي مثل قوله: (بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ) (العنكبوت: 10)، كل ما هو غير الله هو المعني "بدون الله"، وكل ما سوى الله هو غير الله من مخلوقاته، وهم المعنيون بـ"العالمين".

إن هذا التوحيد الذي تقر به اليهود والنصارى وكفار قريش هو توحيد الربوبية فقط، أو ما هو أعظم خللاً كالولد والإنجاب وما شابه، وقد بيَّنه القرآن كما ذكرنا، أما توحيد العبودية أو الألوهية والأسماء والصفات، فمضطرب عندهم، فكان سببًا مباشرًا ومحوريًا لكفرهم وبقائهم في ملة الكفر.

أيضًا، بيَّن الله تعالى في كتابه أنهم وبكل مستوياتهم الكفرية والشركية لا يختلفون عن بعض إلا بالتفاوت الكفري، أما الفكرة الشركية واحدة، أي أن هناك كافراً؛ ويوجد من هو أشد كفرًا منه، مثل العاصي من المسلمين، يوجد من هو أشد منه معصية، وذلك ظاهر في قوله تعالى حيث وحد الله فكرة الشرك، لا عين الشيء الذي تم من خلاله الشرك؛ قال الله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) (التوبة: 30).

إذاً، هنا يتضح لنا أن الكفر المعني هو فكرة الدعوة أو الدعاء والعبادة لغير الله تعالى، فهي الشرك المعني؛ وليس عين الشيء الذي تم من خلاله الشرك! فمن ينادي بوذا كالذي ينادي اللات والعزى، وكالذي ينادي الدسوقي أو العدوي، وكالذي ينادي عزير أو المسيح أو العباس، وهذا خلل يضفي صفات الله تعالى على عباد خلقهم لعبادته، وهم من دونه جل وعلا لا شك ولا ريب، أو ادعاء صفات لله ينفيها الله سبحانه وتعالى عن نفسه وينزه نفسه عنها؛ كالزواج والولادة وما شابه ذلك، نسأل الله السلامة والعفو والعافية، والعقل زينة.

 

 

____________________

إعلامي كويتي.

ذكرنا في المقال السابق أن كفار قريش يعلمون بوجود الله تعالى علمًا حقيقيًا، ويعلمون علوم التوحيد، ويعلمون تمامًا أن الله تعالى هو الذي يدير هذا العالم وهذا الكون بنجومه وكواكبه، وأمطاره وشمسه وقمره، وزرعه وحصاده، وهو سبحانه وتعالى مدبر الأمر كله، وهم يعلمون علم اليقين كفار قريش، ويقرون بذلك.

وأكدنا ذلك من خلال كتاب الله تعالى الذي لا يأتي إلا بالحق، وهو كلام الله تعالى، وذكرنا بعضًا من هذه الآيات الكريمة التي تدل على ما نعرضه، وأن الله تعالى ذكر هذا لتأكيده لا للنظر فيه ومن ثم تخمين الأمر ممكن أم غير ممكن، فكتاب الله يقول الحقيقة لا شك الظاهرة على تصرفاتهم، والحقيقة المكنونة التي يخفونها في صدورهم وعقولهم.

وفي هذه السطور بعون الله وفضله، نكمل بقية الآيات التي تعرضت لذلك، وهي لا شك حجة عليهم من الله تعالى وحجة على ولمن هو من بعدهم إلى قيام الساعة.

وكفار قريش، ومن على شاكلتهم حينها، هم كما الفلاسفة اليوم والباطنيون الزنادقة، يقرون بوجوده وربوبيته تعالى، ولكنهم ينكرون العودة بعد أن يكونوا رفاتاً وعظاماً، وهي نظرة قريبة جدًا من نظرة أدعياء الكذب والزندقة من الفلاسفة الدهرية والباطنيين؛ أدعياء وحدة الروح والاتحاد عودةً إلى مصدرها! فلذلك.. كانت قريش مع جهلها المطبق إلا أنه يطلق عليها في ذلك الحين "العلمانية!".

يقول الله تعالى في كتابه العظيم مبينًا إيمان الكفرة بوجوده، إلا أنهم يجحدون باكتمال وتكامل التوحيد الذي أقره الله لذاته منزهاً ذاته، فأصروا تبجحًا وتقاليد، وتقليدًا للآباء والأجداد بنقصانه جل وعلا العظيم الأعظم، فلذلك جعلهم في هامش الكفر، والخلود في نار جهنم، وإن أقروا بشيء من التوحيد إلا أنه ناقص قال تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ) (الزمر: 38).

ولا شك كفار قريش، وكل من على شاكلتهم يعلمون أن الله تعالى المحيي والمميت والمدبر للأمور والأرزاق، يعتقدون بذلك كما يعتقد اليهود والنصارى مع الخلل والنقص، ولذلك قال تعالى: (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ) (يونس: 31).

الله أكبر ولله الحمد

كل ما ذكر في الآيات الكريمة هو معلوم عند كفار قريش وعلى رأسهم أبو جهل، وأبو لهب، وابن سلول، والقرآن العظيم يقر لهم بذلك، والقرآن كلام الله تعالى، وكلام الله تعالى صفة من صفاته، وهو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

الله أكبر، لماذا مع كل هذا الاعتراف والاعتقاد وهم ما زالوا كفارًا؟ لماذا يا ترى؟

قال تعالى: (مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ {74} اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ {75} يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ) (الحج).

نعم، ما قدروا الله حق قدره، جعلوا مخلوقاته من عبيده الذين اصطفى ندًا له بالنداء والتوسل والتزلف له!

كيف ما قدروا الله حق قدره؟!

قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (الأعراف: 194).

وحّدوا الله تعالى التوحيد القاصر والناقص؛ فلذلك بقوا على ما هم عليه، ولم يدخلوا الإسلام رغم اعترافهم؛ وبدقة أكثر، اعترافهم فقط بتوحيد الربوبية، ورغم إقرار القرآن العظيم لهم بذلك، فإنهم بقوا خارج دين الإسلام، ومخلدين في النار لكفرهم، وشركهم بالله تعالى، فما ميّزوا بين الله تعالى، وآلهتهم الشركية، الفلسفية، الظنية، كما يدعون، وجعلوها ندًا لله تعالى؛ لنقص في عقولهم، أو تكبرًا وحقدًا أو اتباعًا للآباء والأجداد، أو حسدًا وحقدًا على من يحمل التوحيد الصافي، الذي ينفي علومهم ومعتقداتهم التي توارثوها، أو تعلموها من أسيادهم وكهانهم ومعلميهم.

نعم لأنهم تركوا التكامل في التوحيد، وذلك لخلل أصابهم في توحيد الربوبية أو توحيد الألوهية؛ قال تعالى: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ) (الزمر: 3).

نعم، وهذا الخلل هو الذي صنع اللات والعزة ويغوث وغيرها، وهو الذي صنع قول فرعون: "أنا ربكم الأعلى"، وهو الذي صنع قول الباطنية المتطرفة بوحدة الوجود القائل: "ما في الجبة إلا الله"! وهو الذي صنع "عزير ابن الله"، وهو الذي صنع "المسيح ابن الله"، وهو الذي صنع "ثالث ثلاثة"، وأيضًا هو الذي صنع "شد الرحال لما هو لا دليل عليه"، وهو الذي يصنع ولي الأمر المقدس المعصوم ظاهرًا وضمنًا! الذي بمجرد مخالفته أو نصحه توصم الأمة بالخوارج، وتهدر منها الدماء والأعراض، وهو الذي صنع الروح والإله شيئاً واحداً! فكانت عقيدة الفلاسفة الزنادقة وحدة الوجود، وعدم البعث والخلود كما جاء في الكتاب والسُّنة.

وأيضًا، ماذا قالوا عن أصنامهم وأوثانهم ونصبهم؛ يقول الله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ) (يونس: 18).

هذا ما قالوه بأصنامهم، وهي كلمة وعبارة جامعة تحتها كل أصحاب الخلل (الصوفي الموغل بدعة، ولا نعني المعتدلين منهم، وأيضًا المتوسل بالجن وعابد العقل والمنطق تقديمًا على النص والنقل، جميعهم يدعون الشفاعة بهم أو التزلف إلى الله من خلالهم).

لو دققنا في كلمة "دون" لوجدناها تحمل كل الخلائق المخلوقة حينما تسبق اسم الجلالة "دون الله".

الكلام يطول.. ولكن سنكمله في السطور أو المقالة القادمة بإذن الله تعالى.

يتبع..

 

 

________________________

إعلامي كويتي.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top