"أوبك" تواجه انقساماً حاداً وسقف الإنتاج يخضع لتطورات "جيوسياسية"

11:38 20 نوفمبر 2014 الكاتب :   الأناضول
تواجه "أوبك" في اجتماعها المرتقب في 27 نوفمبر الحالي في فيينا انقساماً حاداً حول خفض سقف الإنتاج وحماية "سعر تعادل الميزانية"، بعدما شهدت أسعار النفط تدهوراً كبيراً في الأشهر الأخيرة، حيث وصل مزيج برنت إلى أقل من 78 دولاراً، متراجعاً بنسبة 30% منذ من

تواجه "أوبك" في اجتماعها المرتقب في 27 نوفمبر الحالي في فيينا انقساماً حاداً حول خفض سقف الإنتاج وحماية "سعر تعادل الميزانية"، بعدما شهدت أسعار النفط تدهوراً كبيراً في الأشهر الأخيرة، حيث وصل مزيج برنت إلى أقل من 78 دولاراً، متراجعاً بنسبة 30% منذ منتصف العام الجاري.

وتنقسم الدول الأعضاء داخل "أوبك" إلى فريقين؛ الأول: وقد أطلق عليه "الحمائم"، وهو بقيادة المملكة العربية السعودية، ويضم دول الخليج المنتجة إضافة إلى أنجولا، ويؤيد هذا الفريق أسعاراً معقولة لا تؤثر على الطلب من المستهلكين، وتبرز قوته داخل المنظمة بتأثيره في الإنتاج، وقدرته على توجيه السوق في ميزان العرض والطلب، وتقدر صادراته بنحو 18 مليون برميل يومياً، أي ما يزيد على 60% من إنتاج "أوبك" والمحدد منذ نهاية العام 2011م بـ30.2 مليون برميل يومياً، وكذلك بما يعادل 24% من الإنتاج العالمي، مع الإشارة إلى أن هذه الدول تحتفظ بأكبر مخزون طبيعي للنفط حتى الآن، والمقدر بنحو 495 مليار برميل، أو 30% من المخزون العالمي، وتعتبر كلفة الإنتاج لديها الأدنى في العالم.

أما الفريق الثاني، وقد أطلق عليه "الصقور" وهو بقيادة إيران، ويضم: العراق وفنزويلا ونيجيريا، إضافة إلى دول أخرى يسعى هذا الفريق إلى كسب تأييدها مثل الجزائر وليبيا، خصوصاً بعد الخسائر التي لحقت بها جراء تدهور الأسعار، وحاجتها الماسة إلى المال لتغطية العجز في ميزانياتها وتمويل الإنفاق على مشاريع استثماريه وإعمارية؛ لذلك يريد هذا الفريق حماية "سعر تعادل الميزانية" باعتماد أسعار نفط عالية بغض النظر عن أي عوامل أخرى، ويرى أن على المستهلكين خاصة في الدول المتقدمة أن يتخلوا عن طمعهم ويشاركوا الثروة مع الدول الأقل نمواً والتي يتكون منها أعضاء "أوبك".

وإذا كان "سعر تعادل الميزانية" هو المشكلة القائمة داخل "أوبك"، فان هذا السعر يختلف بين دولة وأخرى، وذلك وفق حاجتها إلى المال لسد عجز ميزانيتها في ضوء احتياطاتها المالية وقدرتها على الاستدانة، مع اعتمادها الكبير على النفط مصدراً رئيساً للدخل، وفشل معظمها في تنويع اقتصاداتها.

ووفق تقرير مؤسسة الاستثمارات البترولية العربية (إبيكورب) وتمتلكها الدول العربية المنتجة للنفط، فإن دول "أوبك" تحتاج أن تبقي سعر سلتها في المتوسط عند 105 دولارات للبرميل هذا العام، حتى لا تسجل ميزانيتها أي عجز مالي.

ويلاحظ وجود فارق كبير في "سعر تعادل الميزانية" بين الفريقين المتنازعين داخل "أوبك"، ووفق تقديرات "دويتشه" الألماني، فإن السعودية تحتاج إلى متوسط سعر برميل النفط 99 دولاراً لميزانية عام 2014م، والكويت 75 دولاراً، والإمارات 80 دولاراً، في حين يرتفع هذا السعر لتلبية حاجة إيران إلى 120 دولاراً، ونيجيريا إلى 126 دولاراً، وفنزويلا إلى 162 دولاراً، وهو الأعلى بين دول أوبك.

نمو الاقتصاد العالمي

خلافاً لآراء الكثير من الخبراء وخصوصاً في دول فريق الصقور المطالبة بخفض الإنتاج ورفع الأسعار، فقد أكد صندوق النقد الدولي أن التراجع الكبير في أسعار النفط قد يحفز النمو العالمي إذا ما استمر، مع بقاء الظروف الأخرى على ما هي، لا سيما لجهة تخفيف الضغط على المستوردين.

وتدل مؤشرات اقتصادية على أن انخفاض أسعار النفط والغاز سيؤدي في حال استمراره إلى نتائج إيجابية قد تساهم في إنقاذ الاقتصاد في العالم الصناعي من مرحلة الركود، وقد تبين من دراسة إحصائية أن 10 دول صناعية في العالم تستورد يومياً 30 مليون برميل، وأهمها الولايات المتحدة وتستورد 6.6 مليون برميل، الصين 6.2 مليون برميل، اليابان4.4 مليون برميل، الهند 2.7 مليون برميل، كوريا الجنوبية 2.3 مليون برميل، ألمانيا 2.2 مليون برميل، وفرنسا 1.6 مليون برميل، والكمية الباقية تستوردها إسبانيا وإيطاليا وتايوان.

وعلى أساس 100 دولار كمتوسط سابق لسعر البرميل، فقد كانت هذه الدول تدفع ثمناً لمستورداتها من النفط ثلاثة مليارات دولار يومياً، ومع انخفاض السعر إلى أقل من 80 دولاراً، تنخفض التكلفة بنسبة 20% إلى نحو 2.4 مليار دولار، أي بتوفير 600 مليون دولار يومياً، يضاف إليها 150 مليون دولار، توفيراً من خفض سعر الغاز، يكون مجموع الوفر 750 مليون دولار يومياً، يمكن تخصيصها إما للحاجات الملحة وإما لزيادة فرص العمل وتحسين التجهيز البنيوي، واستناداً لدراسة سبق أن وضعها صندوق النقد الدولي عن تأثير انخفاض أسعار النفط 10 دولارات للبرميل على سبيل المثال، يؤدي إلى تحسين معدلات زيادة الدخل 0.5%، ومع انخفاض الأسعار الحالية إلى نحو 30% (أكثر من 25 دولاراً للبرميل) يمكن توقع تحسن الإنتاج العالمي بنسبة 1%، يضاف إليها وقع خفض أسعار الغاز، فترتفع النسبة المتوقعة للنمو الإضافي نحو 1.5% على الصعيد العالمي.

ولكن في الوقت نفسه يمكن الإشارة إلى توصية صندوق النقد الدولي للدول المنتجة للنفط بضرورة "العقلنة"؛ لأن تراجع أسعار النفط هو سيف ذو حدين يلحق الضرر بالدول التي تعتمد على صادراتها النفطية، ويطرح أخطاراً جديدة على اقتصاداتها.

البلدان الأكثر تضرراً

تكافح إيران التي يعتمد اقتصادها بشكل كبير على النفط من أجل استعادة توازن الميزانية، وهي من بين أكثر البلدان تضرراً جراء تراجع أسعار النفط بنسبة 30%، خصوصاً بعد أن تراجع إنتاجها بسبب العقوبات الأمريكية والغربية ضد مصالحها من نحو 4 ملايين برميل إلى أقل من مليوني برميل يومياً، في الوقت الذي تعاني فيه من عجز مالي كبير كنتيجة طبيعية لتوسعها الكبير في الإنفاق، مع العلم أنها تحتاج إلى سعر نفط يزيد على 120 دولاراً للبرميل.

ويشير الرئيس الإيراني "حسن روحاني" إلى أن إيران فقدت 30% من دخلها، واصفاً انخفاض الأسعار بأنها ليست نتيجة للعوامل الاقتصادية وحسب، بل أن هناك عوامل سياسية ومكائد دولية، ساهمت كذلك في هذا الانخفاض.

ولم يستبعد وزير النفط الإيراني "بيغن زنغنة" من أن تلجأ طهران إلى السحب من صندوق ثروتها السيادية الذي لديه نحو 62 مليار دولار، لمواجهة الأثر الاقتصادي لانخفاض أسعار النفط، لاسيما على تمويل مشروعاتها التنموية واستثماراتها الخارجية.

ولوحظ أن الأمر الذي يضاعف قلق إيران، هو اقتناعها بأن عملاً جدياً لعودة الأسعار إلى الارتفاع لا يبدو سريعاً؛ لأن الضغوط الإقليمية والدولية مستمرة عليها، بهدف مكاسب سياسية، أو الحصول على تنازلات في المفاوضات الجارية معها.

والأمر لا يختلف بالنسبة لفنزويلا التي تستخدم احتياطييها من العملات الأجنبية لتغطية العجز المالي في موازنتها، وأن استمرار خفض الأسعار من شأنه أن يهدد باضطرابات اجتماعية وبهروب رؤوس الأموال الأجنبية.

وفي مجال التأثير الاقتصادي لأسباب سياسية، لا يمكن استبعاد الأضرار التي تلحق بالاقتصاد الروسي جراء انخفاض أسعار النفط والغاز، والذي يساهم إلى حد بعيد في ضرب الروبل ويحرق مزيداً من الاحتياط في العملات الأجنبية في بنك روسيا، في محاولة لدعم العملة، وتحتاج روسيا إلى تعديل الميزانية التي وضعت على أساس 90 دولاراً للبرميل.

ولا بد هنا من الإشارة إلى الترددات الجيوسياسية على الوضع الروسي، وحسب تفسيرات بعض الخبراء السياسيين أنه سبق لارتفاع سعر النفط أن ساهم في إبقاء قيصر روسيا "فلاديمير بوتن" سيد الكرملين، مبررين ذلك بقولهم: إن انهيار الاتحاد السوفييتي في العالم عام 1990م له أسباب كثيرة، منها انخفاض سعر النفط في الصادرات الرئيسة بين عامي 1980 – 1986م، لكن "بوتن" نفسه يحذر من أن الاقتصاد العالمي سوف ينهار إذا ما استمر هذا التراجع في أسعار النفط ولفترة طويلة.

تخفيض الإنتاج

في إطار السعي إلى تحقيق "سعر تعادل الميزانية"، ستبحث "أوبك" في اجتماعها المرتقب في 27 نوفمبر الحالي في فيينا طلب بعض الدول الأعضاء بتعديل سقف الإنتاج وإمكان تخفيضه لضمان عودة الأسعار إلى الارتفاع، ورغم أن اتخاذ مثل هذا القرار دونه صعوبات "جيوسياسية" تتعلق بتطور الاضطرابات الأمنية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط، فضلاً عن مشكلة أوكرانيا، وتتحكم بها التحالفات الإقليمية والدولية، فإن الدول المعارضة داخل أوبك تراهن على قدرة السوق على "ركلجة" الأسعار في ميزان العرض والطلب، خصوصاً وأن الوكالة العالمية للطاقة تتوقع زيادة استهلاك النفط العالمي لعامي 2014 – 2015م بمقدار 650 ألف برميل يومياً، وهو أدنى مستوى منذ خمس سنوات ليصل إلى 92.4 مليون برميل يومياً، على أن يتحسن الطلب في الاقتصاد الكلي، ويساهم ذلك بارتفاع بمقدار 1.5 مليون برميل ليصل إلى 93.6 مليون برميل في العام 2015م.

وفي هذا المجال، توقع الأمين العام لـ"أوبك" عبدالله البدري عودة النفط إلى مستوى 100 دولار البرميل، ثم إلى 110 دولارات، وأن يبقى على هذا المعدل حتى العام 2020م، وأشار في تقريره تحت عنوان "آفاق النفط العالمي لعام 2014" إلى أن السعر سيواصل ارتفاعه ليصل إلى 124 دولاراً عام 2025م، وإلى 177 دولاراً عام 2040م، واعتبر هذه الأسعار بأنها تعكس القيمة الاسمية لسعر النفط، أما القيمة الفعلية فستظل تعادل 100 دولار في المدى البعيد.

عدد المشاهدات 484

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top