تقرير: عندما تفقد الأرقام معناها بالبنوك العربية

10:30 22 نوفمبر 2014 الكاتب :   عبدالحافظ الصاوي
قامت البنوك على أصل لا يمكن إنكاره، على الرغم من محاولات التجميل، وهي أن الوظيفة الأساسية للبنوك الاتجار في القروض؛

قامت البنوك على أصل لا يمكن إنكاره، على الرغم من محاولات التجميل، وهي أن الوظيفة الأساسية للبنوك الاتجار في القروض؛ وبالتالي فالبنك يركز على الفارق بين سعر الفائدة الذي يُدفع للمودع وسعر الفائدة الذي يتحصل عليه من المقترض، ولا فرق لدى البنوك بين المقترض لأغراض إنتاجية أو استهلاكية، ولا بين فرد ومؤسسة، فالعبرة في النهاية بالضمانات والالتزام بسداد القرض من قبل المقترض، ليكون لدى البنك في فترات محددة ربحه بعد سداد التزاماته أمام المودعين.

نعم، البنوك قدمت خدمات كثيرة فيما بعد لعالم الاقتصاد والمال، ولكن بقيت الوظيفة الرئيسة، هي الاتجار في القروض، البعض حدثنا عن البنك الشامل، ودور البنوك في التنمية، وحرص البنوك على الجمع بين مدخرات المودعين ورغبات المستثمرين للنهوض بالاقتصاديات القومية.

ولكننا في العالم العربي نعيش حالة غريبة، حيث تعاني البنوك العربية من تخمة في الودائع، ومعاناة من مشكلات اقتصادية واجتماعية مزمنة، مثل البطالة في العالم العربي التي تشير الإحصاءات إلى بلوغ معدلها إلى 20% من القوى العاملة، وإن كانت قبل تداعيات الثورات العربية بحدود 17%، وهو من أعلى المعدلات بين أقاليم العالم المختلفة، أو التضخم، أو الفقر، أو استمرار الاقتصاديات العربية على النشاط الريعي، والفشل في تحقيق اقتصاديات متنوعة على مدار عقود ماضية، على الرغم من إستراتيجية تحمل عناوين براقة للتنوع الاقتصادي، وفي النهاية بقي النفط سلعة متفردة، تصعد وتهبط بأداء الاقتصاديات العربية، وفق تقلبات أسعار سوق النفط العالمية.

وحسب تصريحات رئيس مجلس إدارة اتحاد المصارف العربية خلال المؤتمر السنوي للاتحاد، والذي عقد مؤخراً ببيروت، فإن إجمالي الودائع بالمصارف العربية بنهاية النصف الأول من العام الحالي بلغت تريليوني دولار أمريكي، وأن القروض المقدمة من المصارف العربية للقطاعين العام والخاص بلغت 1.7 تريليون دولار، أي أن نسبة توظيف الودائع تصل إلى 85%، وهي نسبة عالية.

وإذا كانت المصارف العربية قد استطاعت أن توظف الودائع المتوافر لها بهذه النسبة العالية، فلماذا نجد هذه النتائج السلبية؟ من بطالة وفقر وتضخم، الإجابة تفسرها مقدمة هذه السطور، فالبنوك أو المصارف يعنيها في النهاية العائد على الإقراض، بغض النظر كان هذا الإقراض يمول مشروعات تنموية أو مشروعات استهلاكية، ويمكننا أن نشير إلى بعض الأسباب التي أدت إلى ضعف المردود التنموي للمصارف العربية، على الرغم من كبر حجم الودائع، وارتفاع نسبة التوظيف.

الإقراض الحكومي

تعتمد المصارف العربية بنسبة كبيرة على تغطية الخلل في الموازنات الخاصة بالدول العربية، وهذا الأمر يحقق عدة أهداف للقائمين على قرار الائتمان بالمصارف العربية، أولها أن إقراض الحكومات تنعدم فيه نسبة المخاطرة، وكذلك ترتفع العوائد على القروض المقدمة للحكومات عن تلك المقدمة للأفراد والمؤسسات، وبالتالي ضمن البنك أو المصرف، توظيف ودائعه بأكبر عائد وأقل مخاطر، فلمَ يتعب نفسه ليبحث عن مستثمر يتجه للنشاط الإنتاجي في مجالات الصناعة أو الزراعة أو التعليم؟ وبطبيعة الحال، فإن الحكومات العربية قد تخلت بشكل عام في موازناتها العامة عن ممارسة الأنشطة الإنتاجية، وأصبحت موازناتها لا تحتوى إلا على الإنفاق الجاري، الذي لا يؤدي إلى خلق وظائف جديدة، أو يساهم في قيمة مضافة للناتج المحلي الإجمالي؛ ومن هنا نجد أن البنوك أو المصارف تتحدث عن ارتفاع نسب التوظيف، بينما العائد الاقتصادي والتنموي منعدم، بل تكون نتيجته سلبية في كثير من الأحيان، حيث أدمنت بعض الحكومات العربية الاقتراض السهل؛ مما ساعد على تفاقم مشكلة مديونياتها المحلية بصورة فاقت النسب المتعارف عليها.

التجزئة المصرفية

ثمة نشاط محموم يعتري المصارف العربية باتجاهها إلى تمويل التجزئة المصرفية، وهي تلك الأنشطة الخاصة بتمويل شراء السلع الاستهلاكية والعقارات والسيارات والأجهزة الإلكترونية الحديثة، أو تمويل الفيزا بأنواعها المختلفة، وفي بعض التقديرات وصل هذا النوع من أنشطة البنوك لنحو 30% من توظيف الودائع، وقد ساهم هذا النشاط في ترسيخ الاستهلاك لدى شريحة كبيرة من الأفراد بالعالم العربي.

والمشكلة أن هذا الاستهلاك لا يتناسب مع دخول البعض، مما ترتب عليه تراكم الديون، واللجوء إلى ما يعرف بتدوير القروض من قبل الأفراد، بمعنى الحصول على قرض، بغرض سداد التزامات القروض الأخرى، وأدى ذلك إلى قتل الحافز لدى المستفيدين من خدمات التجزئة المصرفية في الادخار.

الاستثمارات غير المباشرة

حرصت غالبية البنوك العربية على تكوين محافظ للاستثمارات غير المباشرة، سواء على الصعيد المحلي أو الأجنبي، فكونت المصارف العربية ما يعرف بصناديق الاستثمار غير المباشر، وبعض المصارف يمتلك أكثر من صندوق، وأصبحت هذه الصناديق في بعض الدول العربية، تقوم بتوظيف صانع السوق في البورصات بهذه الدول، والبعض منها يوظف سياسياً، بعيداً عن المعايير الاقتصادية، للأسف، حيث تقوم هذه الصناديق بعمليات شراء في حالة هبوط المؤشرات العامة للأسواق بغية تخفيض حدة الانخفاض أو رفعها بمعدلات غير حقيقية، ولا تعبر عن الواقع.

إن امتلاك البنوك لمثل هذا النوع من الاستثمارات لا غبار عليه، لاعتبارات السيولة التي يتطلبها العمل البنكي بصورة كبيرة، ولكن الإسراف فيه، يؤدي إلى الدخول في دوامة الاقتصاد النقدي، وتقليل هامش الاقتصاد الحقيقي، ولعل أهم أحد الدروس المستفادة من الأزمة المالية العالمية لعام 2008م، هو ضرورة توجه البنوك إلى الاقتصاد الحقيقي، لما يسببه ذلك من زيادة في رؤوس أموال المجتمع، وخلق فرص عمل حقيقية.

غياب تمويل المشروعات الصغيرة

المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، هي الوصفة الدائمة من قبل الاقتصاديين لمحاربة العديد من المشكلات الناتجة عن إخفاق المشروع التنموي بالعالم العربي، ومع ذلك نجد أن غالبية البنوك العربية لا تتجه لتمويل هذا النوع من المشروعات، تحت مجموعة من الحجج، منها ارتفاع المخاطرة لدى المقترضين بهذه المشروعات، وكذلك ارتفاع تكلفة التمويل بالنسبة للبنك، وأيضاً التذرع بغياب خبرة البنوك في تمويل مثل هذه المشروعات.

ولا تقوم البنوك مؤخراً بتقديم التمويل لمثل هذه المشروعات، إلا من خلال اعتبارها وسيطاً للتمويل، من خلال برامج المساعدات الأجنبية المعنية بتمويل هذه المشروعات، وحتى هذا الدور الوسيط، لا تقدمه البنوك بلا تكلفة، بل إنها ساعدت على زيادة تكلفة التمويل على المستفيدين من المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، بنحو 3%، وهي عبارة عن عمولة البنوك للقيام بدور الوسيط في التمويل بين برامج المساعدات والجمعيات المعنية بتمويل المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر.

لقد دخلت البنوك العربية هذا المجال على استحياء، بعد أن قامت مؤسسات المجتمع الأهلي، أو الصناديق الخاصة بمعالجة الآثار السلبية لبرامج الإصلاح الاقتصادي، بتمويل المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر، أو في ظل تكليف سياسي بعد ثورات "الربيع العربي"، التي كانت البطالة والأزمات الاقتصادية أحد أهم دوافعها.

يعكس واقع الاقتصاد العربي حالة من الدهشة، حيث يمتلك الموارد المالية والبشرية والطبيعة، وفي نفس الوقت يعاني من مشكلات اقتصادية كبيرة، وتصنف جميع بلدانه على أنها بلدان نامية، فالبطالة بالعالم العربي، ليست مشكلة الدول الفقيرة فحسب، بل هي مشكلة الأغنياء كذلك، ويعد التقصير الواقع من البنوك في القيم بوظيفتها التنموية أحد أسباب الواقع الاقتصادي المتردي بالدول العربية، وشأن كثير من المؤسسات في عالمنا العربي لا يخضع أحد للمساءلة، من حاسب البنوك على أدائها التنموي؟ لا أحد، فالحكومات والبرلمانات ضالعة في قعود البنوك عن القيام بدورها التنموي.

 

 

عدد المشاهدات 473

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top