خبيران فرنسيان: باريس وراء جرائم الإبادة في رواندا

12:53 29 مايو 2020 الكاتب :   الأناضول

 قضية إلقاء السلطات الفرنسية القبض على فيليسين كابوغا، أحد المسؤولين عن مقتل مئات الآلاف في رواندا (1994)، أعادت إلى الواجهة الجرائم ضد الإنسانية في أفريقيا، ودور باريس فيها.

واتُهمت فرنسا كثيرا بأنها "لا تملك إرادة سياسية" لفتح ملفات الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994 وغيرها، ومحاكمة المسؤولين عنها أمام العدالة الدولية.

واعتبر القبض على كابوغا، قرار في الاتجاه الصحيح، وذلك خلال حوار لـ"الأناضول" مع فرانسوا جرانر، مؤلف كتاب "فرنسا وإبادة التوتسي في رواندا"، ورئيس رابطة سيرفي (Survie) المحلية، المحامي لورنس دافيدوفيتش، المعروف بدراساته حول سياسات بلاده الخارجية.

وذكر جرانر أن القبض على كابوغا قبل نحو أسبوعين "خبر سار"، مشيرا أن الكنيسة الكاثوليكية لعبت دوراً هاماً في فرنسا وغيرها أثناء وبعد الإبادة الجماعية في رواندا، ووفّرت الحماية للمسؤولين عن ارتكاب جرائم الإبادة.

وقال: "لا أمتلك معلومات موثقة، لكن كنت دائمًا أطرح على نفسي سؤالًا حول ما إذا كانت الكنيسة قد لعبت دورًا ما في فشل محاولات إلقاء القبض على كابوغا خلال السنوات السابقة".

وذكر جرانر أن هناك أشخاصا يقيمون في فرنسا من المسؤولين عن ارتكاب الإبادة الجماعية في رواندا، مشيرًا أن تلك الشخصيات "محميّة سياسيًا".

ولفت إلى أن اعتقال كابوغا لم يأت نتيجة جهود الشرطة الفرنسية، بل نتيجة لجهود الشرطة الدولية، التي لم تسمح لكابوغا بالهروب هذه المرة، على عكس ما كان يحدث مع الأشخاص الآخرين الذين لعبوا دورًا في الإبادة الجماعية.

إخفاء الدور الفرنسي

وقال جرانر إن هناك من يرى أن على فرنسا أن تعترف بالدور الذي لعبته بالإبادة الجماعية في رواندا، لكن هناك من يريد إخفاء هذا الدور.

وأضاف أن الرئيس إيمانويل ماكرون شكل لجنة للتحقيق في دور فرنسا في الإبادة الجماعية برواندا، لافتًا إلى أن هذا القرار يعتبر تطوراً جيداً، لكنه غير كافٍ على الإطلاق.

وأشار جرانر أن اللجنة المشار إليها ذكرت في التقرير الأول الذي رفعته إلى ماكرون في أبريل/ نيسان الماضي، أن الدولة الفرنسية لم تشارك في جرائم رواندا، معربًا عن شعوره بالقلق من وجود أطراف ترغب في طمس الأدلة وإخفاء الحقائق.

فرنسا داعمة أنظمة القتل

وأكد جرانر أن الرئيس الراحل فرانسوا ميتران، عمل على محاولة تغييب دور الدولة الفرنسية في الجرائم ضد الإنسانية بأفريقيا، رغم أن باريس دعمت بشكل كامل النظام الذي ارتكب الإبادة الجماعية دون أي قلق بشأن العواقب.

وأوضح أن الدولة الفرنسية قدمت جميع أشكال الدعم العسكري والسياسي لأولئك الذين ارتكبوا الإبادة الجماعية في رواندا، وقد تحقق هذا الدعم من خلال إرسال المرتزقة والأسلحة بغطاء دبلوماسي وإعلامي.

وذكر جرانر أنه يناضل من أجل اعتراف فرنسا بدورها في الإبادة الجماعية رسمياً، وتقديم المسؤولين للمحاكمة.

وقال: "نريد أن يقوم القضاء بعمله.. لقد قدمنا العديد من الشكاوى الجنائية ونجحنا في بعض الحالات بالكشف عن مسؤولين عن ارتكاب الإبادة الجماعية وعرضهم على القضاء".

ذراع الإبادة

بدوره، قال المحامي لورانس دافيدوفيتش، إنه سعيد بالقبض على كابوغا، الذي يعتبر "زعيم الذراع المسلحة" للإبادة الجماعية.

وأضاف دافيدوفيتش أن فرنسا احتضنت أجانب مسؤولين عن تنفيذ الإبادة الجماعية في رواندا، ومنحت قسما منهم الجنسية.

وأشار إلى "وجود من ينبري للدفاع عن وجهات نظر أولئك المجرمين، وهذا يشير إلى وجود حاضنة لهم في فرنسا".

وقال دافيدوفيتش: "الإجراءات القضائية تتباطأ عندما يتعلق الأمر برواندا.. على القضاء أن يعمل بشكل أكثر فعالية".

وأردف أن اللجنة التي تحقق في دور فرنسا في الإبادة "لم تكن محايدة".

وأكد دافيدوفيتش أن فرنسا تحتضن مجرمين لعبوا دورًا في الإبادة الجماعية، لافتًا إلى عدم وجود إرادة سياسية قوية لمحاربة المسؤولين عن تلك الجرائم وعرضهم على القضاء.

ويواصل الروانديون إلى اليوم مساعي ملاحقة ومحاكمة المسؤولين عن تلك المجازر، كما يحملون جزءا من المسؤولية لفرنسا وبلجيكا لتقاعسهما في منع الإبادة.

وفي 6 أبريل 1994، وبعد نحو ساعة من سقوط طائرة الرئيس الرواندي آنذاك "جوفينال هابياريمانا" والذي ينتمي للهوتو، بدأت عمليات الإبادة بحق جماعة التوتسي.

ولعبت إذاعة "RTLM" الهوتية دورا كبيرا في نشر الكراهية وتأجيج عمليات الإبادة، من خلال وصفها التوتسيين بـ"الصراصير"، ودعوتها للتخلص منهم وقتلهم.

كما أدى انسحاب قوات الأمم المتحدة من البلاد خلال المجازر، واستمرار فرنسا في تقديم الأسلحة للهوتو، إلى نقل عملية الإبادة إلى أبعاد يصعب تصديقها.

الاستعمار والتفرقة الإثنية

عامل الاستعمار البلجيكي لرواندا (1922-1959)، التوتسيين كجماعة مميزة حاكمة، واتبع سياسة التفرقة الإثنية بين مكونات الشعب الرواندي، من خلال منح هويات خاصة لكل فئة، لتبدأ معها حالة العداء والمنافسة السياسية بين القبائل.

وردا على المزايا الممنوحة للتوتسيين، أصدرت جماعة الهوتو بيانا من 10 صفحات عام 1957، تعترض فيه على التمييز الإثني بحقهم.

وعام 1959، أطاح الهوتو بحكم الملك التوتسي، واندلعت على إثرها أحداث عنف بين الجماعتين، وهرب نتيجتها نحو 100 ألف توتسي خارج البلاد.

وبين عامي (1963-1967) عاد الآلاف من جماعة التوتسي إلى رواندا، بيد أنهم تعرضوا لمجازر كبيرة راح ضحيتها نحو 20 ألف شخص، فضلا عن تهجير نحو 300 ألفا من ديارهم.

تسليح الجبهة الوطنية الرواندية

أنشأ التوتسيون بأوغندا، الجبهة الوطنية الرواندية عام 1987، والتي عادت إلى البلاد عام 1990، حيث بدأت بعمليات مسلحة سيطرت خلالها على مناطق شمالي رواندا.

وواصلت الجبهة كفاحها المسلح لغاية عام 1993، حين وقّعت مع جماعة الهوتو اتفاقية "اتفاقية أروشا" للسلام.

ولكن مع سقوط طائرة الرئيس الرواندي، توقف العمل بالاتفاقية، بالرغم من عدم التعرف على مسبب الحادثة إلى الآن، إذ تبادل الطرفان وقتها الاتهامات، دون أن تؤكد أي جهة مسؤوليتها عن الحادث.

تخفيض قوات حفظ السلام

أطلق الهوتيون هجماتهم الأولى ضد التوتسيين في منطقة كيغالي بتاريخ 6 أبريل 1994، وخلال ساعات قليلة انتشرت الهجمات إلى عموم البلاد، وفي 8 أبريل تم تنظيم هجمات مضادة.

وفي 9 أبريل، أجلت الأمم المتحدة المواطنين الغربيين، كما خفضت في 21 من الشهر نفسه عدد قوات حفظ السلام التابعة لها من ألفين و500 جندي، إلى 250 جنديا فقط.

وبلغ عدد الضحايا بحلول 12 مايو/ أيار 1994 نحو 200 ألف، ولكن رغم ذلك امتنعت الأمم المتحدة عن استخدام مصطلح "الإبادة الجماعية"، واستعاضت عن ذلك بالقول "انتهاكات للقانون الدولي من شأنها القضاء على جماعة عرقية بشكل جزئي أو كامل".

واتخذ مجلس الأمن بتاريخ 17 مايو، قرارا يقضي بحظر إرسال الأسلحة إلى رواندا، وفي 31 من نفس الشهر أعلن الأمين العام للأمم المتحدة أن أعداد الضحايا تراوح بين (250-500) ألف مدني.

الحماية الفرنسية للمجرمين

أطلقت فرنسا بتاريخ 23 يونيو/حزيران من نفس العام عملية تحمل اسم "العملية التركوازية" بهدف إنشاء منطقة آمنة لحماية اللاجئين في جنوب غرب البلاد، لكنها بدلا من إعاقة الإبادة الجماعية، قدمت الأسلحة والعتاد للمتطرفين من جماعة الهوتو.

وتمكن الجيش التابع للجبهة الوطنية الرواندية بقيادة "باول كاغامي"، رئيس البلاد الحالي، من السيطرة على كيغالي وبوتاري بتاريخ 4 يوليو/ تموز 1994.

وفي 17 يوليو، أعلن الجيش إحكام سيطرته على كامل البلاد تقريبا، وسقط نتيجة الأحداث التي استغرقت حوالي 3 أشهر، 800 ألف شخص وفقا للأمم المتحدة، في حين تقول مصادر رواندية رسمية أن عدد الضحايا تجاوز المليون من التوتسي والهوتو.

محاكمة المجرمين

تقدم عدد من الناجين من المجازر، بدعاوى لمحاكمة المجرمين في كل من محكمة الجزاء الدولية الخاصة برواندا، والقضاءين البلجيكي، والفرنسي.

ومثُل 93 متهما أمام المحكمة الدولية الخاصة برواندا، حيث صدرت أحكام جزائية بحق 62 منهم، في حين تم تبرئة 14 آخرين.

ومؤخرا، رفع عدد من الضحايا دعاوى ضد بلجيكا، حيث اتهموا الجنود البلجيكيين بعدم توفير الحماية لإحدى المدارس خلال الأحداث، ما أسفر عن مقتل نحو ألفي شخص من التوتسي.

كما قدمت 3 جمعيات مدنية في فرنسا العام الماضي (2019)، بلاغا مفاده بأن البنك الفرنسي "ب ن ب باريباس" سمح بتحويل أموال لرواندا بهدف شراء أسلحة، رغم قرار الحظر.

اتهام الرئيس الرواندي لفرنسا

اتهم الرئيس الرواندي كاغامي، عام 2006، فرنسا بدعم الإبادة الجماعية، كما أعنت لجنة مكافحة الإبادة العرقية الوطنية الرواندية، عام 2016، لائحة بأسماء 22 ضابطا فرنسيا متورطا بالمشاركة أو بدعم عمليات الإبادة.

وكشف مكتب "كونينغهام ليفي موس" الأمريكي للمحاماة في تقرير أعده بشأن الإبادة، بأن فرنسا أرسلت أموالا إلى المتطرفين عبر جمهورية الكونغو الديمقراطية، بالرغم من قرار وقف إرسال الأسلحة.

كما أكد الصحفي الفرنسي "باتريك دي سانت إكسوبري" في مقالة بمجلة "إكس إكس آي"، على تورط بلاده في عملية الإبادة الجماعية برواندا.

وحملت المقالة عنوان "جرائمنا في إفريقيا"، أوضح فيها أن فرنسا أطلقت "العملية التركوازية" بهدف إعادة تسليح جماعات الهوتو، وليس لإنشاء منطقة آمنة كما أعلنت وقتها.

ولفت إلى أن قرار تسليح الهوتو يحمل توقيع الأمين العام للرئيس الفرنسي آنذاك "هوبرت فيردين".

عدد المشاهدات 1554

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top