تحليل: الولايات المتحدة تدخل حلبة الصراع الإيطالي الفرنسي في ليبيا

16:28 06 أغسطس 2018 الكاتب :   وكالات

في خطوة لمحاولة اللعب على الخلافات الأوروبية، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، دعمه لتنظيم إيطاليا مؤتمرا دوليا حول ليبيا، ينظر إليه كبديل لاجتماع باريس، الذي وضع خريطة طريق لانتخابات برلمانية ورئاسية في البلاد قبيل نهاية 2018.

فخلال أيام معدودات تلقت الخطة الفرنسية في ليبيا ضربتين موجعتين، الأولى الدعم الأمريكي لروما، التي تفضل التريث في إجراء الانتخابات إلى ما بعد 2018، والثانية إخفاق مجلس النواب في طبرق (شرق)، في المصادقة على مشروع قانون الاستفتاء على الدستور، الثلاثاء الماضي.

ورغم أن الدبلوماسية الفرنسية ألقت بثقلها من أجل إقناع الفرقاء الليبيين على إقرار مشروع قانون الاستفتاء على الدستور، بعد زيارة وزير الخارجية جان إيف لودريان إلى ليبيا نهاية يوليو الماضي، إلا أن ذلك لم يفض سوى إلى إعلان جلسة لمجلس النواب لمناقشة مشروع القانون، الإثنين والثلاثاء الماضيين.

ولم يجد المعارضون لمسودة الدستور صعوبة في إفشال اجتماع مجلس النواب، عبر إثارة مادة خلافية تتعارض مع الإعلان الدستوري 2011، متعلقة بتشكيل لجنة جديدة لصياغة الدستور في حال صوت الليبيون ضد مسودة الدستور المقترحة من لجنة الستين (الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور).

وحسب خريطة الطريق التي أقرها اجتماع باريس في مايو / أيار الماضي، يفترض أن يتم المصادقة على القوانين المتعلقة بتنظيم الانتخابات (الاستفتاء على الدستور، الرئاسية والبرلمانية) قبل 16 سبتمبر/ أيلول المقبل، الذي لم يعد يفصلنا عنه سوى أسابيع معدودة.

ونظرا لاشتراط الإعلان الدستوري 2011، لإقرار أي قانون، حصوله على أغلبية الثلثين، فإنه من المستبعد إقرار مشروع قانون الاستفتاء على الدستور، خاصة وأن عدد النواب الحاضرين في جلسة الأسبوع الماضي، لم يتجاوز 104 فقط من إجمالي 200 نائب.

هذا، دفع العديد من الأصوات في شرق ليبيا للمطالبة بضرورة تنظيم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية قبل الاستفتاء على الدستور، في الوقت الذي يصر خالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة (نيابي استشاري) في العاصمة طرابلس، على أن لا تجرى الانتخابات إلا في ظل دستور جديد.

وأمام هذا الوضع الجدلي المعقد، اتهمت صحف فرنسية كلا من إيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية بمحاولة قلب الطاولة على الخطة الفرنسية والأممية لحل الأزمة في ليبيا.

إذ سبق لغسان سلامة، المبعوث الأممي إلى ليبيا، أن اتهم في تقرير له أمام مجلس الأمن، "النواب الليبي" بتعطيل عملية إجراء الانتخابات.

كما طالب فايز السراج، رئيس حكومة الوفاق الليبية، في 18 يوليو الماضي، من تونس، بضرورة "التفكير من الآن، في حلول خارج الصندوق، لإنهاء العرقلة المستمرة والمتزايدة من قبل مجلس النواب".

وعلى الأغلب سيجد إعلان باريس، نفس مصير اتفاق الصخيرات، الموقع في ديسمبر/ كانون الأول 2015، والذي نجح مجلس النواب في إفشاله بعد رفضه اعتماد حكومة الوفاق حتى الآن.

وإخفاق مجلس النواب في إقرار مشروع قانون الاستفتاء على الدستور قبل 16 سبتمبر المقبل، سيسهل للحكومة الإيطالية الجديدة، التي تقودها أحزاب يمينية شعبوية، من تنظيم مؤتمر حول ليبيا الخريف المقبل، بدعم أمريكي، لوضع اتفاق جديد، يكون بديلا عن إعلان باريس.

** دخول أمريكي على خط الصراع الفرنسي الإيطالي

منذ إعلان الثورة الليبية في 2011، قادت فرنسا التحالف الدولي الذي تشكل حينها للإطاحة بنظام معمر القذافي، ولعبت باريس دورا مركزيا في الأزمة الليبية سياسيا وحتى عسكريا، من خلال نشاط قواتها الخاصة في مدينة بنغازي (شرق)، ومنطقة جنوب غربي ليبيا، التي تنشط بها جماعات مسلحة لها امتدادات في شمالي مالي والنيجر، حيث تتواجد قوات ومصالح فرنسية في هذه المنطقة.

غير أن وصول حكومة يمينية شعبوية، بقيادة جوزيبي كونته، إلى السلطة بإيطاليا، في يونيو/ حزيران الماضي، زاد من حدة الصراع الفرنسي الإيطالي، على من تكون له الكلمة الأولى والأخيرة في البلد العربي الذي يملك أكبر احتياطي نفطي في القارة الإفريقية.

لكن ليبيا ليست فقط مصدرا للثروة النفطية، بل مصدرا أيضا للهجرة غير النظامية، وإيطاليا تعتبر أكبر دولة أوروبية مستقبلة للمهاجرين القادمين من ليبيا، وهذا ما يفسر تصريحات كونته، التي قال فيها إن "(مانويل) ماكرون (الرئيس الفرنسي) سيكون مخطئا فيما لو اعتقد أن ليبيا تخصه، فليبيا ليست له ولا لنا، بل هي دولة مستقلة لها علاقة مميزة تاريخيا مع إيطاليا أيضا، ولن نتخلى عنها أبدا".

وهذا الخلاف حول ليبيا سبقه انتقاد لاذع من ماكرون، للحكومة الإيطالية الجديدة، قبل أقل من أسبوعين من أدائها القسم الدستوري، حينما وصفت فرنسا رفض روما استقبال سفينة لمنظمة إنسانية تحمل مهاجرين على متنها بأنه "معيب وغير مسؤول من الحكومة الإيطالية".

وهذا الانتقاد الفرنسي الصريح لحكومة كونته، فتح المجال للأخيرة بتوجيه انتقادات عديدة لماكرون وسياسته في ليبيا، بل دفعت روما لحشد دبلوماسيتها في المنطقة والسعي لإفشال إعلان باريس، من خلال تأجيل الانتخابات من نهاية 2018 إلى 2019.

غير أن ترامب، لم يخفِ إعجابه بسياسة رئيس الوزراء الإيطالي الجديد، خاصة فيما يتعلق بتشدده حيال الهجرة.

كما أن دعمه لخطة كونته في ليبيا، نابع حسب الصحافة الفرنسية لخلافه مع ماكرون، في قمة مجموعة السبع الأخيرة، يونيو الماضي بكندا، والتي ميزها خلاف بشأن فرض واشنطن رسوما كبيرة على الصادرات الأوروبية من الفولاذ والألمنيوم، ناهيك عن الاستياء الفرنسي من انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس للمناخ، ديسمبر 2017، ووصف ماكرون ذلك بـ"العدائي".

كما أن الانخراط الأمريكي في الأزمة الليبية بدأ يتجلى أكثر بعد رسالة ترامب، إلى كل من السراج، ورئيس مجلس النواب في طبرق عقيلة صالح، في يوليو الماضي، بضرورة حل أزمة النفط، وحينها تراجع خليفة حفتر، قائد القوات المسيطرة على الشرق الليبي، عن تسليم موانئ الهلال النفطي، لمؤسسة موازية في بنغازي، وأعادها لمؤسسة النفط الرسمية في طرابلس.

كما أن نشاط الطائرات الأمريكية بدون طيار مازال متواصلا في ليبيا، ومن حين إلى آخر يتم الإعلان عن قصف جوي يرجح أنه أمريكي لمسلحين سواء في شرق أو وسط أو جنوب غرب ليبيا، ناهيك عن مشاركة الطيران الأمريكي إلى جانب قوات حكومة الوفاق في دحر تنظيم "داعش" الإرهابي، في منطقة سرت وضواحيها في 2016.

آخر التطورات الملفتة للانتباه، تتمثل في تعيين ستيفاني ويليامز، من سفارة واشنطن بطرابلس، يوليو الماضي، نائبة للمبعوث الأممي لليبيا غسان سلامة، مما يعكس اهتماما أمريكيا متزايد بالوضع الليبي، في ظل تقارب مع إيطاليا، قد يقلص مساحة المناورة الفرنسية في البلد العربي، وقد يعيد النظر أيضا في خطة "سلامة" لحل الأزمة.

عدد المشاهدات 1684

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top