في الذكرى الخامسة للمجزرتين..
القيادي المصري المعارض جمال حشمت في حوار صريح عن اعتصامي "رابعة" و"النهضة" والأزمة السياسية

13:37 13 أغسطس 2018 الكاتب :   حاوره: براء ماجد

 

- "الدولة العميقة" في صدمة من "السيسي"

- لحظة الإنقاذ نستعد لها ولا نصادر أفكار أحد

- لو عاد الزمان لنظمنا الاعتصامين مجدداً

- "رابعة" محاولة بشرية ملهمة للتصدي السلمي للانقلاب

- يريدون أن يصنعوا منا عدواً لمصر ولكن خاب المسعى

- المجلس العسكري السابق عرف اليوم قيمتنا وقيمة كلامنا

- الضحايا يحاكَمون والجاني طليق ولكن لا شرعية لعقوبات مسيَّسة

- برلمان المصريين في الخارج دعم قضية رابعة قدر استطاعته

- رأس الانقلاب خسر المسار الخارجي والداخلي بجدارة ولن يفيده القمع

- للمعتقلين وللشهداء التحية ولذويهم نقول: سلام عليكم بما صبرتم

هو الطبيب الأكاديمي السياسي البارز في جماعة الإخوان المسلمين، ولد في شمال العاصمة القاهرة وبالتحديد في مدينة دمنهور في العام 1956م، تدرج في النشاط العام الذي انطلق فيه بداية من منظمة الشباب بالاتحاد الاشتراكي حتى وصل لهرم القيادة البرلمانية في جماعة الإخوان المسلمين وذراعها السياسية حزب الحرية والعدالة، وكان من أبرز نواب الإخوان في عهد الرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك، وشارك في كافة الفعاليات الممهدة لثورة 25 يناير وإدارة ميدان التحرير، وما بعدها من إجراءات ديمقراطية وانتخابات، حتي تولى منصباً بارزاً في برلمان 2012م، ولما حدثت الأزمة السياسية في 3 يوليو 2013م التي تصفها جماعات المعارضة بالانقلاب العسكري ويصفها النظام الحالي بالثورة، كان جزءاً من صناعة الحدث في اعتصام رابعة العدوية الشهير، ولما جرى الفض انطلق يدافع عن القضية المصرية وفق ما يرى ويطالب بعودة الديمقراطية ورفض الانقلاب العسكري ومحاسبة المتورطين في الإرهاب والعنف والدماء، وتولى منصب رئاسة البرلمان المصري في الخارج حتى مايو 2017م، وواصل دوره بعده وفق إيمانه العميق كما يرى بالحرية والعدالة.. إنه الأستاذ الدكتور محمد جمال حشمت.

تخرج في كلية الطب بجامعة الإسكندرية عام 1980م، وحصل على الماجستير في طب المناطق الحارة من جامعة الإسكندرية عام 1986، ثم على الدكتوراه حول مناعة الأمراض المستوطنة بإشراف مشترك بين جامعة الإسكندرية وجامعة بوخوم في ألمانيا عام 1993م، وحصل على العديد من الشهادات المتصلة بالعمل البرلماني والسياسي وله نشاط بارز في العمل النقابي.

هو حوار صعب على المستوى الإنساني، بحسب رأيه، خاصة مع من آثر أن يعمل بصمت في الشهور الماضية بغية إعلاء القضية المصرية كما يسميها على المناوشات من هنا وهناك انتصاراً لحقوق كثيرة ومنها حقوق شهداء رابعة والنهضة وأمثالهما، ولكنه فتح دفاتر أفكاره عبر الإنترنت من منفاه الاختياري في كندا إلى مجلة "المجتمع" بمناسبة الذكرى الخامسة لمجزرة فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في مصر في 14 أغسطس 2013م، فكان حواراً مليئاً بالرسائل السياسة لكل أطراف الصراع المصري، مرتكزاً على بوصلة محددة لمرحلة إنقاذ قادمة، بحسب رأيه، عما قريب تتطلب عدم تكرار الأخطاء والبناء على أسس صحيحة في مواجهة حلف صهيوني عربي مناهض للتغيير والبناء العربي، فإلى نص الحوار:

كيف ترى رابعة العدوية والنهضة بعد 5 سنوات من المجزرة؟ ما وقعها في عقلكم وقلبكم؟

- أرى حقاً لن يهدر، ونفوساً كانت تمضي في طريق الحفاظ على مصر بكل الطرق الحضارية، ولكن حيل بينها وبين ذلك بمجزرة غير مسبوقة في تاريخ المنطقة ومصر بالتحديد، وأرى محاولة بشرية ملهمة للتصدي لانقلاب عسكري تم الإعداد له على أعلى مستوى داخلياً وإقليمياً ودولياً، وأرى اعتصاماً سلمياً حضارياً عظيماً تم مواجهته بأصعب أدوات الفجر في الخصومة والمواجهة، وأرى أجمل أيام عمري التي رأيت فيها خير أبناء مصر في لحظة من أعظم اللحظات التي مرت عليها حيث ستبقى علامة رابعة شهادة خير لأصحابها شاهدت فيها من يقدمون حياتهم بكل جسارة وبكل حب أملاً في حياة أكرم ليس فيها غش ولا تدليس ولا غدر ولا خيانة، وكنت دائماً ما أقول لمن حولي في رابعة: هذه أيام ستكتب في التاريخ بحروف من نور قبل أن تبدأ المذبحة التي خطت تاريخاً أسود في تاريخ حكام مصر.

كنتم جزءاً من صناعة بعض الأحداث في كواليس الاعتصام، ماذا حدث فيما يخص تواصلكم مع "الدولة العميقة" قبل الفض؟

- بعد قيام الانقلاب العسكري وإصدار قراراته الباطلة دستورياً كانت أول المذابح في 5 يوليو 2013 أمام الحرس الجمهوري، وكان هناك لقاء بيني وبين عضو بالمجلس العسكري الذي طلب مني الحضور، ولأول مرة وآخر مرة التقيه، ودار حوار كان الهدف منه على ما استخلصت توصيل عدة رسائل، وهي: أن موضوع عودة د. مرسي انتهي البت فيه ولا فرصة في الحديث عنه مرة أخرى، وأن الاعتصامات لن تغير شيئاً، وإذا قررتم استمرارها فلا داعي لخروج ودخول مظاهرات منها وإليها، وأن هناك أسلحة في اعتصام رابعة بالمدرسة صورتها الأقمار الصناعية، وأنا أعلم يقيناً أن ذلك من خطة صناعة عدو التي استمروا فيها حتى الآن! وقد أبلغت ذلك لإدارة الاعتصام يومها.

وأظن اليوم بعد 5 سنوات أن هذا العضو الذي بات خارج المجلس الآن عرف قيمتنا وقيمة من غدر به بعد أن استتب الأمر له، وكيف أنه كان ترساً في آلة جهز لها قائد الانقلاب تجهيزاً أسود للاستيلاء على مصر بالإرهاب والدمار والعنف.

لو عاد الزمان، هل كنتم ستواصلون الاعتصام في رابعة والنهضة أم لا؟

- نعم، فالاعتصام أحد الآليات الحضارية لمواجهة ما جرى، ولا يلومن أحد الضحية على عنف الجاني، فالضحايا لجؤوا إلى إطار سلمي لرفض الانقلاب العسكري، وبالتالي فالجريمة تقع على من قام بالعدوان وليس من قام بالاعتصام، وأنا أقدر مشاعر من يرون غير ذلك حرصاً على الدماء التي أريقت، ولكن هذه الدماء لن تذهب هدراً، هذا ما نؤمن به، وهذا ما لن نتركه أبداً طالما هناك قلب ينبض في شهود المجزرة ومن بلغه آلامها وبشاعته، وأتمنى لو تم السؤال لهؤلاء المجرمين الذين قتلوا الأبرياء: هل تابوا إلى الله، وأدركوا فداحة ما ارتكبوه من مذابح ومآسٍ؟

قضية فض اعتصام رابعة يحاكم فيها اليوم قيادات الإخوان ورافضو الانقلاب، والجاني، بحسب اتهاماتكم وتقارير الأمم المتحدة والحقوقيين، حر طليق، كيف ترى هذه المفارقة؟ وهل ستدوم؟

- هي مفارقة عجيبة وفاضحة لنظام الانقلاب بل وللمنظومة العالمية التي تتعامل معه وتدعمه حتى اليوم! ولك أن تعلم أن د. محمد البلتاجي قدم بلاغاً وآخرين في ارتقاء ابنته أسماء بالمجزرة، واتهم رأس الانقلاب وجنده، ولكن هو الآن محال للمفتي في انتظار حكم بالإعدام، وهو ما لن يدوم برأيي في ظل أوضاع تحتاج منا إلى دراسة جيدة للموقف وعدم تسرع مع وعي بمؤشرات اللحظة الفارقة التي نتقدم فيها للإنقاذ واستعادة الحقوق، وهي لحظة اقتربت أكثر مما مضى، ومعلوم أن ما بني على باطل فهو باطل، وأن تدخل القضاء بهذا الشكل المؤسف لصالح الانقلاب لن يعطي لأحكامه أي شرعية أو حتى صك غفران بعد زوال الغمة، وسيبقى المجرم والقاتل معروفاً للجميع تحميه أنظمة أو قوانين لكن سيحاكم يوماً ما مهما طال الزمن!

ماذا قدَّم برلمان المصريين في الخارج لدعم قضية رابعة وملاحقة المتهمين؟

- ظلت قضية رابعة والنهضة محوراً رئيساً لجهدنا في البرلمان الذي توليت رئاسته حتى مايو 2017م، عبر الزيارات البرلمانية لعدد من البرلمانات والمقابلات الدبلوماسية والاتصالات الدولية، ومخاطبة البرلمان الدولي والعديد من البرلمانات ومنهم الكونجرس الأمريكي، والمنتديات الدولية ومنها المنتدى الدولي للمسلمين الديمقراطيين وبرلمانيون لأجل القدس، وهو جهد المقل المحب لقضيته، ونثق أن الحقوق خاصة حقوق الدم لن تذهب هدراً، وقد صدرت عشرات التقارير من لجنة حقوق الإنسان والمراكز الدولية تدين وتفضح ما حدث، وقد أصاب ذلك الانقلابيين بفقدان الاتزان، وظهر عجزهم عن الدفاع عن أنفسهم وتبرير ما حدث في حق مواطنين عزل ومسالمين.

من خلال موقعكم في رئاسة برلمان المصريين في الخارج حتى عام 2017م، كيف ترى البعد الخارجي الآن؟ وهل هناك رفض لشخص السيسي يمكن لأي سيناريو مقبل؟

- البعد الخارجي متشابك، وقضية رابعة تأتي في ظل العديد من القضايا الملتهبة، والقضية المصرية باتت إحدى القضايا وليس أُم القضايا، في ظل منطقة لا تعرف الاستقرار، بفعل تحالف صهيوني عربي آثم ضد "الربيع العربي"، والسيسي فاشل بالفطرة، وثبت للجميع في الداخل والخارج ذلك، ولكن الوقت كفيل بإسدال الستار عليه.

وقد حاولنا قدر الاستطاعة عرض القضية المصرية بشكل مؤثر في الخارج، واستشعر نظام الانقلاب خطورة تواجدنا، واعترف أكثر من مرة بقوة البعد الخارجي، ونحن نواصل التواصل سواء أثناء وجودي أو بعده ولن نتوقف، فنحن أصحاب حق ونريد أن نقنع العالم به، خاصة أن أهل الباطل يفعلون المستحيل لترضية الخارج للصمت على جرائمهم.

وأذكر هنا أن وفداً من مجلس العموم البريطاني الذي زار اعتصام رابعة وكانت رسالته واضحة بعد أن تجول في الاعتصام مع قيادات الاعتصام السياسية والبرلمانية، حيث قال فيها: "إنكم أصحاب حق لا تتنازلوا واستمروا في موقفكم وسنفعل ما يجب علينا فعله"! ورغم تأخر الفعل، لكن هذا هو الحق الذي يجبر الجميع على احترامه حتى لو كان في مرحلة ضعف.

الكثير من المبادرات والقليل من الحراك، كيف تبصر المشهد؟ وهل هناك ضوء في نهاية النفق المظلم؟

- الوقت جزء من الخلاص والإنقاذ، ولن أعلق على مبادرات الآن، فأولويات المرحلة تقتضي رأب الصدع وتوحيد الصف قبل البحث عن حلول هنا وهناك، وبالتالي لن أخوض في بحث أمر أو التعليق عليه قبل إنجاز الأهم، وعليه لا نصادر على أحد حقه في إعلان مواقفه ولا يصادر أحد علينا حقنا في ترتيب أوراقنا والاستعداد لمرحلة ما بعد السيسي، وهي مرحلة قادمة لا محالة، ولكن عامل الوقت يحتاج لعامل الصبر، حتى تنضج التحركات والأفكار، خاصة أن الدولة العميقة في أزمة شديدة، فقد صدمتها كل النتائج بعد أن كانت تظن أن السيسي جنتها الموعودة، ولكن بات جزءاً من نقمتها وخسارتها الآن، وما محاولته الأخيرة بترضية أطراف تلك الدولة إلا محاولة بائسة لن يكتب لها النجاح، وكما فعل مع الرئيس الشرعي للبلاد د. محمد مرسي سيشرب من نفس الكأس، فلينتظر مصيره المحتوم، وبناء عليه فهناك ضوء في نهاية النفق المظلم نحاول الآن ترتيب مسار سيره حتى لا نفاجأ بإعادة إنتاج ما سبق وكان سبباً في أزمة مصر.

في السجون والقبور الآلاف، يقضون أوقاتهم بعد المجزرة والملاحقة، ماذا تقول لهم ولذويهم؟

- أقول للمعتقلين الأبطال: لم ولن نترككم وحدكم، ولكن نواصل الكد كي تتجهزوا لخروج كريم عظيم بإذن الله في وقت قريب قد لا يطول، فاستعدوا لإنقاذ مصركم بعد تخريب تلك السنوات، ولا تهنوا ولا تحزنوا، فالتجربة أثقلتنا جميعاً ومصر تحتاج إلى جهودنا.

ولذويكم أقول: لله دركم صبراً آل المعتقلين، فإن موعدكم فرج قريب وإنصاف كبير ولو بعد حين.

وأقول للشهداء (بإذن الله): دماؤكم كانت ومازالت لعنة تلاحق القتلة والظالمين، بددت آمالهم وجعلتهم يتذكرونكم دوماً وأبداً ويصدرون قوانين عبثاً للإفلات من جحيم استباحة دمائكم، ولكن لن تذهب حقوقكم هدراً، ولذويهم أقول: سلام عليكم بما صبرتم، وطبتم وطابت حياتكم، قدمتم مهجة قلوبكم لإصلاح مصر وبنائها وتغييرها، ولن يضيع الله أجر المحسنين.

  • عنوان تمهيدي: في الذكرى الخامسة للمجزرتين..
عدد المشاهدات 4156

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top