طباعة

    موريتانيا.. انتخابات تشريعية وبلدية تمهد لاستحقاق رئاسي وإعادة تموضع سياسي

10:53 27 أغسطس 2018 الكاتب :   وكالات
نواكشوط - موريتانيا

تستعد موريتانيا في الأول من سبتمبر المقبل، لإجراء انتخابات نيابية وبلدية هي الأولى منذ اعتماد نظام المجالس الجهوية وتعديل الدستور الذي ألغى مجلس الشيوخ العام الماضي، كما أنها الأولى بعد عودة المعارضة إلى المشاركة الانتخابية بعد سنوات من المقاطعة وعدم الاعتراف بنظام الرئيس محمد ولد عبد العزيز.

وتعتبر هذه الانتخابات الأخيرة في عهد الرئيس ولد عبد العزيز الذي يستعد لترك السلطة بعد أن استنفذ الفترات الرئاسية التي يسمح بها الدستور، وعلى الرغم من المساعي التي قام بها لتعديل الدستور بشكل يسمح له بالترشح للرئاسة مجددا إلا أن المعارضة كانت تحرك الشارع في كل مرة لوأد كل محاولة في مهدها.

ويرى مراقبون أن الانتخابات المرتقبة تمثل فرصة لإعادة التموضع وتشكيل أقطاب سياسية جديدة قبيل أشهر قليلة على استحقاق رئاسي سيحمل رئيسا جديدا منتخبا إلى سدة الحكم في بلد عانى لعقود من الانقلابات العسكرية.

ورغم أن الجميع يتوقع أن يترك الرئيس ولد عبد العزيز السلطة لخليفة لم يعرف بعد، إلا أن المعارضة تتهمه بمحاولة الالتفاف على الدستور والترشح لولاية جديدة سيكون للانتخابات البرلمانية الحالية دور كبير فيها، فمن يكسب الأغلبية البرلمانية سيضمن الفوز بالرئاسة.

ويقوم الرئيس ولد عبد العزيز حاليا بجولة داخل البلاد في سياق الحملة الانتخابية التي يخوضها حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم تمهيدا للانتخابات التشريعية والمحلية والجهوية، وقال الرئيس أمس السبت في تجمع انتخابي بمدينة روصو الجنوبية إن "الذين يطالبون بمأمورية ثالثة ملزمون بالتصويت الكثيف لحزب الاتحاد من أجل الجمهورية من أجل حصوله على أغلبية برلمانية مريحة يستطيع من خلالها تمرير التعديلات ومشاريع القوانين الضرورية لذلك"، مما يؤكد أن الانتخابات الحالية ليس فقط معركة برلمانية بين الأحزاب بل هي انتخابات ستحدد معالم المشهد السياسي بشكل نهائي في البلاد.

بعد 12 عاماً المعارضة تعود

تتميز انتخابات المجالس الجهوية والبلدية والنيابية بكثرة المرشحين ومشاركة جميع الأحزاب حتى غير المرخصة والتي عقدت تحالفات مع الأحزاب المرخصة مثل الجناح السياسي لحركة "إيرا" المدافعة عن حقوق العبيد السابقين والتي عقدت تحالفا مع حزب الصواب البعثي ليتمكن أعضاؤها من الترشح ولدعم مشروع الحركة في الانتخابات الرئاسية القادمة.

ويشارك في الانتخابات المرتقبة 98 حزبا سياسيا، ثمانون منها يشكلون أحزاب الموالاة، وتتميز هذه الاستحقاقات بمشاركة 1590 لائحة انتخابية تتنافس على 219 مجلسا بلديا و161 لائحة تتنافس على 13 مجلسا إقليميا وأكثر من خمسة آلاف مرشح يتنافسون على 157 مقعدا برلمانيا.

ومنذ انطلاق حملة الدعاية الانتخابية نظمت الأحزاب المتنافسة نشاطات دعائية لاستعراض برامجها في أجواء تراوحت بين التنافس الإيجابي والفتور النسبي.

وتعود أسباب الفتور الذي طبع مجريات الحملة الدعائية الى نقص التمويلات بسبب رفض الحزب الحاكم تمويل مرشحيه حيث دعاهم إلى تمويل الحملة من جيوبهم، إضافة الى قيام السلطات بتجميد أرصدة رجلي أعمال معارضين كانا يشكلان المصدر الأساسي لتمويل أنشطة المعارضة.

وفي هذا الصدد، قال الباحث السياسي أحمدو ولد الزين في تصريح لوكالة "سبوتنيك": إن "مظاهر الحملة الدعائية للانتخابات الحالية تنحصر في الشوارع والأحياء الرئيسية على غير عادتها رغم أن الاستحقاق الحالي يحمل كل المؤشرات التي ستمهد للتغيير المنشود في البلاد على اعتبار تأثيره على الانتخابات الرئاسية المقبلة".

ورأى ولد الزين أنه رغم عودة المعارضة للمشاركة الانتخابية فان كل الترجيحات تصب في صالح الحزب الحاكم، الذي يسيطر حاليا على مجلس النواب، وقال "تبرز أهمية هذه الانتخابات في كونها أول انتخابات تشارك فيها أحزاب المعارضة كافة منذ 12 سنة، أي منذ انتخابات 2006 التي احتل فيها حزب التكتل المرتبة الأولى كحزب معارض".

وأضاف "حسب مجريات الحملة الانتخابية الحالية وخاصة بعد مشاركة الرئيس بقوة في دعم الحزب الحاكم وتنشيط حملته فان البرلمان القادم سيُهمن عليه حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم بنسبة كبيرة، بينما من المتوقع أن تكسب المعارضة المعركة الانتخابية في المدن الرئيسية بفضل شعبيتها فيها".

وأشار الباحث الموريتاني إلى أن حزب "تواصل" ذو التوجه الإسلامي سينافس حزب التكتل المعارض بقوة في زعامة المعارضة البرلمانية فيما ستحسم الزعامات القبلية التنافس على عدد من الدوائر وسط وشرق البلاد، ومن المتوقع أن تساهم في ترجيح كفة الحزب الحاكم الذي يعتبر الحزب الوحيد الذي قدم مرشحين في جميع البلدات البالغ تعدادها 219 بلدية.

هل تغير الانتخابات النظام الرئاسي؟

ومنذ انطلاق الحملة الانتخابية لم تكف المولاة والمعارضة عن التراشق وتبادل الاتهامات بالضلوع في فساد مالي وإداري واستغلال الصراعات القبلية في الحملة الدعائية وإرغام المواطنين بالتصويت على العمد والنواب السابقين؛ فقد أدانت المعارضة ما وصفتها بـ "التصرفات الخارجة على الدستور والقانون" التي يقوم بها الرئيس ولد عبد العزيز، والمتمثلة في قيادة حملة حزب سياسي واستخدام سلطة ووسائل الدولة للضغط على المواطنين والسياسيين وتهديدهم لصالح حزب الاتحاد من أجل الجمهورية" الحاكم.

واعتبرت المعارضة أن هذه "التصرفات تعبر عن ضعف موقف النظام وارتباكه"، وأكدت أن للرئيس الحق في إعلان مساندته لهذا الحزب أو ذاك، لكن الفارق كبير جدا بين أن يدعو الرئيس للتصويت لحزب سياسي معين وأن يقود بنفسه حملة هذا الحزب، ويشل الدولة ويعطل مصالح المواطنين طيلة المسار الانتخابي".

فن المديح في موريتانيا.. ثورة على العبودية وتعظيم للشهر الفضيل

واتهمت المعارضة الرئيس ولد عبد العزيز بـ "استخدام وسائل الدولة في تنقلاته خلال الحملة الانتخابية" على الرغم من أن الدستور يحظر عليه الانتماء لأي هيئة قيادية في أي حزب سياسي، ودعت إلى التضامن من أجل انتصار إرادة الناخبين.

وبالمقابل أدانت الأغلبية الضجة التي أثارتها المعارضة بعد تجميد أرصدة رجلي أعمال معارضين متهمين بارتكاب جرائم فساد.

وفي دراسة صدرت حديثا اعتبر المركز الموريتاني للدراسات والبحوث الاستراتيجية "أن الانتخابات النيابية والجهوية والبلدية التي ستشهدها موريتانيا في الأول من سبتمبر المقبل، تعد انتخابات مفصلية في تاريخ البلد سياسيا واجتماعيا".

وقال المركز، في سياق الدراسة، أن "مجمل النتائج المباشرة وغير المباشرة للانتخابات المقبلة، تعتبر مؤشرات دالة على الاتجاه الذي ستسلكه موريتانيا في مفترق طرق الأسئلة السياسية والاجتماعية المتعلقة بالانتقال السلمي للسلطة وطبيعة العقد الاجتماعي بين مكونات المجتمع، فضلا عن مكانة التشكيلات السياسية ودورها المستقبلي".

وأوضحت الدراسة "أن الانتخابات المقبلة تنظم بأقل من سنة قبيل انتخابات رئاسية مصيرية يفترض أن تكون محطة للتناوب السلمي على السلطة لأول مرة في موريتانيا، وفق مقتضيات الدستور التي تمنع الرئيس الحالي من مأمورية ثالثة، بغض النظر عن اضطراب التصريحات التي يطلقها الرئيس ومعاونوه في موضوع مغادرته السلطة استجابة للنص الدستوري لذا، فإن مسألة من سيحل محل الرئيس هي السؤال الكبير المطروح للقوى السياسية وللمواطن العادي على حد سواء".

وقالت الدراسة أن "الانتخابات المقبلة تأتي في ظرف اشتد فيه بروز الطابع السياسي للمطالب الاجتماعية للمكونات المجتمعية التي عانت من مظالم تاريخية، وفي ظل حضور متصاعد، وإن بطريقة صامتة، للتنافس الجهوي على السلطة، وينضاف هذان العاملان المستجدان إلى الحضور المتجذر للقبلية السياسية، ما يهدد الطابع الوطني للممارسة السياسية".

وأشارت الدراسة إلى أن الانتخابات ستجيب على أسئلة حاسمة منها: "هل ستحصل المعارضة على أكثر من ثلث المقاعد؟ فمن شأن هذه النتيجة، أن تفشل أجندات النظام المفترضة، مثل إلغاء المواد التي تمنع المأمورية الثالثة أو تغيير النظام الرئاسي إلى نظام برلماني، حيث تنص المادة (99) من الدستور على أنه "لا يصادق على مشروع مراجعة إلا إذا صوت عليه ثلثا (3/2) أعضاء الجمعية الوطنية"، لذلك سيكون حصول المعارضة على أكثر من ثلث النواب مانعا من إمكانية إجراء تعديل دستوري عن طريق الجمعية الوطنية".

واعتبرت الدراسة أن "حصول الحزب الحاكم منفردا على الأغلبية البرلمانية سيكون له تأثير قوي على استمرار تعويل الرئيس عليه في رسم سيناريوهات البقاء المؤثر في الساحة السياسية، كما أن من شأن النتيجة التي سيحصل عليها أن تحدد قوة الحلف المسيطر على هذا الحزب حاليا وقدرته على تمرير مرشح لخلافة الرئيس".

عدد المشاهدات 1739