مصر: الزج بأموال الأوقاف بالبورصة استمرارٌ لمسلسل العبث

10:35 31 أغسطس 2014 الكاتب :   عبدالحافظ الصاوي
أموال هيئة الأوقاف المصرية استغلت في مجال الخصخصة بشكل سيئ

منذ أكثر من 6 عقود وأموال الأوقاف المصرية تتعرض للكثير من مظاهر العبث، من خلال الاعتداء على أعيان الوقف من أراضٍ وعقارات، أو حتى إدارة الأموال السائلة، مارس هذا الدور مؤسسة الدولة من خلال تخصيص أراضي الأوقاف لغير الأغراض التي أنشئت من أجلها، والمثال الصارخ على هذا الاتجاه، الأراضي التي أقيم عليها نادي الزمالك الرياضي، وسينما سيفنكس.. والأمثلة كثير أكثر من أن تحصى.

كما مارس هذا الدور أفراد اتسموا بالجشع، من خلال الاعتداء على ممتلكات الوقف، بدعوى ما يسمى "وضع اليد" الذي يعد نوعاً من أنواع الغصب، وذلك بمساعدة موظفين فاسدين، يسهلون لهم الإجراءات؛ مما يجعلهم تحت آلية "وضع اليد" يحصلون على الأراضي والعقارات بأسعار زهيدة.

وثمة حرص من قبل القائمين على أمور هيئة الأوقاف المصرية على أن تبقى أموال الهيئة بلا حصر أو خضوعها لرقابة حقيقية، مما أفقد الوقف دوره الحضاري، فلم يشعر الناس بأثر لهذه الأموال الطائلة في حياتهم، البعض يقدر أموال الأوقاف المصرية من أرض وعقارات بنحو 500 مليار جنيه مصري، وإن كانت هذه التقديرات لا تخضع لإحصاءات وتقديرات يمكن الاعتماد عليها، ولكنها رهينة التقديرات الشخصية.

وهذه واحدة من مثالب العمل بوزارة الأوقاف، التي أنشئت منذ عدة عقود، ومن المفترض أن هذه الوزارة واحدة من مؤسسات الدولة، وتعاقَبَ عليها العديد من المسؤولين، الذين كان بمقدورهم حصر هذه الأموال، وتحديث بياناتها، لكي يكون المجتمع على دراية بحقه في هذه الأموال، وتشجيع الآخرين على إنشاء أوقاف جديدة بأغراض تناسب احتياجات العصر، وتلبي احتياجات المجتمع الحضارية، وحاجات الفقراء والمحتاجين، الذي أصبحوا أكثر من 50% من أفراد المجتمع المصري.

وقد نشرت مؤخراً وسائل الإعلام نتائج اجتماع بين رئيس البورصة المصرية د. محمد عمران، ووزير الأوقاف د. مختار جمعة، ومنها موافقة وزير الأوقاف على دراسة طرح أحد شركات الأوقاف المصرية بالبورصة المصرية، على أن تكون هذه بداية لإدراج العديد من الشركات التي تمتلكها هيئة الأوقاف بالبورصة فيما بعد، وتضمنت الأخبار أن هيئة الأوقاف تمتلك حصصاً في شركات مملوكة بالبورصة، إلى هنا انتهي أهم ما جاء من نتائج هذا الاجتماع؛ وهو الأمر الذي أثار العديد من المخاوف حول التفكير في هذا المضمار.

·المخاوف الشرعية والاقتصادية

من القواعد المعمول بها، في شأن الوقف، قاعدة "شرط الواقف كنص الشارع"، فكيف سيتم إعمال هذه القاعدة في شأن أموال الواقفين، وبخاصة أن الشركات التي تملكتها هيئة الأوقاف خلال الفترة الماضية، هي بطبيعتها في إطار استبدال الأعيان، وبالتالي هل يجوز تمليك هذه الأموال التي هي عبارة عن رؤوس أموال هذه الشركات للغير، وبخاصة أن مجال البورصة تحكمه آليات عمل ونتائج لا تضمن استقرار هذه الأموال، وتحقيق عائد يمكن الاعتماد عليه للوفاء بأغراض الوقف التي أُنشئ من أجلها.

ثمة مخاوف شديدة تتعلق بتقييم أصول شركات الأوقاف لطرحها في البورصة المصرية، بافتراض أنه تم استيفاء الجوانب الشرعية بجواز ذلك، ووضع الضوابط اللازمة له، لكن المثير للخوف من خطوة تقييم أصول شركات هيئة الأوقاف المصرية، ما تم في التسعينيات من فساد في تقييم شركات قطاع الأعمال العام، حيث تم تقدير أصول شركات قطاع الأعمال العام بأقل من قيمتها، وذلك لصالح هيئات وأشخاص حققوا مكاسب طائلة، مما عد باباً من أبواب الفساد، فتم إضاعة المال العام من أجل مصالح أشخاص، وبخاصة أن مصر كانت أولى بهذه الأموال، لمعالجة أزمة المديونية، أو عجز الموازنة، أو التخفيف من حدة الفقر، أو مواجهة مشكلة البطالة المتفاقمة.. إلخ.

ومما يؤسف له أن أموال هيئة الأوقاف المصرية استغلت في مجال الخصخصة بشكل سيئ؛ حيث تم دخول هيئة الأوقاف بشراء شركات كانت مملوكة لقطاع الأعمال العام، وكانت هذه الشركات، إما خاسرة، أو تعاني من سلبيات المؤسسات والشركات العامة، من العمالة الزائدة، أو الأصول المتهالكة، أو تراكم المخزون من السلع المنتجة، وهو ما يعد سوء توظيف لأموال الوقف.

لن تكون شركات الأوقاف التي يتم التفكير بطرح واحدة منها بالبورصة كبداية، بمنأى عن التلاعبات التي تتم خلال تعاملات البورصة، من تضخيم أو تدني أسعار أسهم الشركات، وإخفاء البيانات وغير ذلك، مما يعرض أصول هذه الشركات للبيع بأقل من ثمنها، لصالح أفراد أو شركات منافسة، وهو ما تم مع شركات عديدة بالبورصة المصرية خلال الفترة الماضية.

قد يكون من المنطقي أن تمتلك هيئة الأوقاف جزءاً من أصول شركات قائمة، أو حتى امتلاك كامل أصول الشركات، ولكن بشرط أن تكون هذه الشركات ناجحة، وتمثل احتياجاً حقيقياً للمجتمع، كأن تسد فجوة في الإنتاج الغذائي، أو الدواء، أو القيام بخدمات تعليمية أو صحية، أما أن تطرح هيئة الأوقاف ما لديها من شركات لكي يتملكها الآخرون، فأمر فيه نظر.

فنحن أمام افتراضات عدة، منها أن تكون الشركات المطروحة أو جزء منها بالبورصة، من أجل إعادة توظيف هذه الأموال في مجالات أخرى أكثر ربحية لهيئة الأوقاف، وذي عائد مجتمعي يتوافق مع أغراض الوقف، أو أنها شركات خاسرة ويراد أن يتم التصرف فيها من باب استبدال الأعيان.

أما أن يأتي الأمر لمجرد تلبية رغبات القائمين على أمر البورصة، بزيادة عدد الشركات المتداولة، أو زيادة قيمة التداول، فلذلك مصادر أخرى ليس من بينها أموال الأوقاف، نظراً لما يعتري هذه الأموال من اعتبارات شرعية وحضارية، تجعلها بمنأى عن الدخول في البورصة بالصورة التي يتخوف منها، أو تحقيق أغراض لم تنشأ من أجلها.

·أولويات إصلاح الوقف

ثمة دراسات كثيرة تخص الشأن الوقفي في مصر، ولكنها حبيسة الأدراج، وكان يتوقع بعد ثورة 25 يناير أن تفعل هذه الدراسات، ليعود للوقف دوره الإصلاحي والحضاري بالمجتمع المصري، ولتصحيح المفاهيم والممارسات الخطأ التي تراكمت لدى جزء لا يستهان به من أفراد الشعب المصري، حيث يعتقد البعض وفق نتائج مسح ميداني تم في عام 2003م، بأن أموال الوقف هي أموال تمتلكها الحكومة، أو أن الوقف هذا شيء سلبي، لا يؤتي ثماراً إيجابية، نتيجة الثقافة السلبية لوصف الشيء غير المنتج بأنها مثل "البيت الوقف".

لقد اتخذت خطوات إيجابية في عهد "د. محمد مرسي"، من خلال جهود وزير الأوقاف في ذلك الوقت د. طلعت عفيفي، لاسترجاع دور الوقف في المجتمع، بداية بإصلاح إدارة هيئة الأوقاف المصرية، والبحث عن مديرين أكفاء ومتخصصين لإدارة أموال الوقف، وكذلك نشطت الهيئة في اتخاذ خطوات للكشف عن حصر حقيقي لأملاك الوقف.

كما تم النص في دستور عام 2013م - الذي أُلغي من قِبَل سلطات الانقلاب بمصر فيما بعد - على مؤسسة الوقف إيماناً بدور الوقف، ولكن للأسف تم استبعاد ما يخص مؤسسة الوقف في دستور 2014م.

وبذلك طوى الانقلاب العسكري صفحة إصلاح هيئة الأوقاف المصرية، وتم استرجاع آليات العمل السابقة، وأصبحت هيئة الأوقاف مجرد هيئة حكومية، تدار بمنطق المال العام، وما يعنيه هذا الأمر في ثقافة المجتمع المصري.

 

عدد المشاهدات 766

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top