تحليل: الديمقراطية في العالم الإسلامي 2013م

17:16 14 سبتمبر 2014 الكاتب :   نهى خالد
اليوم، الخامس عشر من سبتمبر، هو اليوم العالمي للديمقراطية، كما أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام ٢٠٠٧م

اليوم، الخامس عشر من سبتمبر، هو اليوم العالمي للديمقراطية، كما أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام ٢٠٠٧م، موصية بأن يكون اليوم مخصصاً للتوعية بفكرة تقرير الشعوب لمصائرها، قد يبدو الأمر أضحوكة، أو هو كذلك بالفعل، ولكن بغض النظر عن الدعاية الركيكة والمنفصلة عن الثقافات الشرقية، والتي عادة ما تُغلَّف بها الديمقراطية، فهي حالياً أفضل نظام حكم موجود في العالم بالنظر لأحوال الديمقراطيات مقارنة بغيرها، إذا كان الأمر كذلك، فما وضعها في العالم الإسلامي، وبين المسلمين عامةً؟ نقدّم هنا تقييماً وتصنيفاً لمختلف النظم الموجودة في العالم الإسلامي، بعيداً عن الخلافات النظرية حول توافق الديمقراطية مع الرؤية الإسلامية من عدمه.

ملوك وجنرالات ومليشيات

يعيش العالم العربي، منذ اندلاع "الربيع العربي" مخاضاً يشمل تغييراً سيطال طبيعة النظم السياسية، والعقد الاجتماعي لبلدانه، بل وخريطته أيضاً؛ دفع هذا المخاض بعض الدول لتشديد قبضتها قبل أن يصل لها الربيع، أو لقمع الربيع فور وقوعه أو بعد تشرذمه، أو إلى الانزلاق لحرب أهلية للحفاظ على "عُصبة" النظام القائم.

ينقسم العالم العربي حالياً بشكل رئيس إلى ثلاث مجموعات، من حيث نظامها السياسي والعقد الاجتماعي المستند إليه:

المجموعة الأولى: تضم نظم ملكية راسخة (حتى الآن) لم يمسسها الربيع، مثل دول مجلس التعاون الخليجي - باستثناء البحرين التي وصل لها الربيع ثم قمعته - والأردن.

المجموعة الثانية:  نظماً عسكرية مستقرة نسبياً، لم يصل لها الربيع، أو وصل لها ثم انتكس لأسباب عدة، وتضم مصر والجزائر والسودان وموريتانيا.

المجموعة الثالثة:  نظماً متهاوية في حرب أهلية مفتوحة مع مليشيات، غالباً بعد وصول "الربيع العربي" إليها، ورُغم أنها الأقل استقراراً والأكثر دموية إلى الآن، فإن الحرب فيها حالما تضع أوزارها، بعد مدة لا نعلمها، ستتيح أوسع مساحة ممكنة من إعادة البناء السياسي والاقتصادي، على العكس من دول ربما وصل لها الربيع ولكنه لم يكن بالقوة الكافية التي تتيح له إعادة الهيكلة الشاملة، وتلك المجموعة تضم سورية والعراق وليبيا، وقد نضيف إليها الصومال واليمن، تلك المجموعة تضم بلداناً تفسّخ فيها العقد الاجتماعي بالفعل، وقد لا تظل خريطتها كما هي حال التوصل إلى منظومة سياسية جديدة، إلا إذا نجحت في تأسيس نظام فدرالي فضفاض، ومعظمها دول صنعها الاستعمار، وكانت لذلك أكثر قابلية للتفسُّخ لأسباب جغرافية وتاريخية وديمجرافية إثر وصول "الربيع العربي" إليها، إذ إن أنظمتها ليست مجرد حارس لشبكة مصالح تقليدية، ولكنها ظلت ضماناً للخريطة الاستعمارية كذلك.

على هامش هذه المجموعات الثلاث، تقع تونس وحيدة لتشارك تركيا وإندونيسيا المجموعة الرابعة، وهي التي نستهل بها رحلتنا خارج العالم العربي.

ديمقراطيات ناشئة

تونس وإندونيسيا وتركيا وماليزيا، هي دول ديمقراطية حالياً، ولكن الديمقراطية فيها لا تزال غير راسخة، في تونس لا تزال التجربة الديمقراطية الوليدة تحت الاختبار، وعُرضة في أي لحظة للانتكاس، إما عبر ثورات مضادة كما جرى في مصر في يوليو ٢٠١٣م تعيد زعزعة الوضع، أو عبر تراجع أقطاب السلطة الجديدة، لا سيّما حزب النهضة، عن الالتزام بالديمقراطية، لاسيما والديمقراطية رهن التزام مؤسسي العقد الاجتماعي الجديد بها وتوافقهم، وليست بعد ركناً راسخاً في الدولة تخضع له الأحزاب

تبدو تركيا في وضع مشابه، ورُغم أن الوضع الديمقراطي فيها مستقر منذ عام ٢٠٠٢م، فإنه يبدو أن نجمها الديمقراطي الصاعد بدأ يخفُت نسبياً، أو يتوقف عن الصعود على أقل تقدير، إثر الخطوات التي اتخذتها حكومة العدالة والتنمية في العامين الماضيين أثناء الصراع مع حركة "كولن"، وهو صراع لا يزال مستمراً، وفي خضم صراع أوسع بين الحركة الإسلامية والنخب العلمانية القديمة، يبدو أن البحث عن عقد اجتماعي جديد ليحل محل المنظومة العلمانية سيأخذ وقتاً أطول، الديمقراطية لا تزال غير راسخة في تركيا؛ لأنها، كما الحال في تونس، رهن سلطة حزب العدالة والتنمية، والتزامه بالديمقراطية التي غرسها على مدار عقد من وجوده بالسلطة، ولكنه كما رأينا، قادر على تجميدها في أي لحظة، أو التراجع عنها خطوات، الوضع التونسي والتركي يشي لنا بأن الديمقراطية لم تتعدَ بعد كونها التزاماً وإنجازاً "حزبياً"، ولم تصبح بعد الآلة المسيّرة للدولة والسلطة بشكل عابر للأحزاب.

أتت بُشرى الديمقراطية في العالم الإسلامي هذا العام من إندونيسيا، بانتخابها للوجه الجديد "جوكو ويدودو" رئيساً للبلاد، وهو عُمدة جاكرتا القادم من خارج المنظومة السياسية، والذي يَعِد بإصلاحات شاملة، وبديمقراطية لا مركزية، السبب الوحيد الذي دفع البعض للتشاؤم، هو أنه دخل الانتخابات عبر حزب إندونيسيا الديمقراطي الذي ترأسه ابنه "سوكارنو" − رئيس البلاد الأتوقراطي قبل "سوهارتو" − وهو حزب متشابك بقوة مع أقطاب السلطة التقليدية، دعا ذلك الكثيرين لاعتباره مجرد واجهة اختارها الحزب لشعبيته، دون أن يمتلك فريق عمل كاملاً ليحقق وعود حملته، لا سيما وبعض الوجوه التي عيّنها، والتي يبدو أن الحزب فرضها عليه بعد فوزه، وجوه قديمة وغير ديمقراطية، الديمقراطية في إندونيسيا راسخة نسبياً، منذ نهاية عهد "سوهارتو"، إذ تداولت السلطة عدة أحزاب منذ نهاية التسعينيات، وتضم البلاد ما لا يقل عن سبعة أحزاب رئيسة، منها أربعة محسوبة على الحركة الإسلامية حصلت في الانتخابات العامة الأخيرة مجتمعة على ثُلث الأصوات.

على الناحية الأخرى تقع ماليزيا، حيث يهيمن فيها حزب "مهاتير" منذ عقود، عبر انتخابات حرة شفافة، تشوبها شوائب قليلة كما يقول الناقدون، الذين يدعون أن مؤسسات الدولة فيها متشابكة مع الحزب الحاكم بشكل يُضعِف من تداول السلطة، وهو ما يجعلها أكثر انتماء للمجموعة التالية.

ديمقراطيات عرجاء

الديمقراطيات العرجاء هي دول اتخذت خطوات ضئيلة للغاية نحو الديمقراطية، لم تتعدَ في الأغلب فتح صناديق اقتراع شفافة للناخبين والسماح لوجوه جديدة بالجلوس على كراسي السلطة، ولكن منظومتها السياسية لا تزال رهينة عامل غير ديمقراطي كبير، مثل نظام ملكي راسخ (المغرب)، أو جيش مُسيَّس قوي (باكستان)، أو بنية غير ديمقراطية قابضة على الساحة السياسية (رجال الدين في إيران).

لا يمكن القول: إن إيران دولة غير ديمقراطية، لأنها فعلياً تسمح للناخبين بالاقتراع الحر المباشر بشكل يؤدي لتداول السلطة، ولكنها في نفس الوقت ليست ديمقراطية حقيقة نظراً للنظام الصلب الذي يتم عبره قبول المرشحين، وقبل كل شيء، نظراً لمحدودية الدور الذي يقوم به الرئيس المنتخب مقابل سلطة المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية غير المنتخَب.

على نفس المنوال تسير باكستان، والتي تتمتع باقتراع حر مباشر، ولكن جيشها، وكذلك بعض قياداتها السياسية التي يتلاعب بها الجيش، قادرة على توظيف أدوات المنظومة لصالح استمرار هيمنة الجيش الفعلية، ولصالح تدخل الجيش بين الحين والآخر، إما مباشرة أو بشكل غير مباشر كما يجري الآن، وكذلك أفغانستان، والتي تقف هشاشتها، وخضوعها للحسابات القبلية والعرقية بشكل رئيس، كعقبة أمام تأثير الانتخابات الديمقراطية الجارية فعلياً على الأرض.

الفضاء السوفييتي السابق

لاتزال دول آسيا الوسطى، بالإضافة إلى أذربيجان، محكومة بالمنظومة السوفييتية، التي آلت إلى نُخَب خرجت من رحم النظام السوفييتي، معظم قيادات هذه البلدان تحاول اتخاذ مسارات سياسية تقترب بها من الغرب قدر الإمكان، ولكن ليس كثيراً لكي لا تصبح مرغومة على تبني إصلاحات ديمقراطية، وهي في نفس الوقت تحاول الإبقاء على مسافة بينها وبين روسيا، وإن كانت تقترب منها كلما شعرت بـ"ضغط ديمقراطي" آتٍ من الغرب، ولكن النافذة الروسية لا تأتي منها "الخيرات" الاقتصادية، وبالتالي شرعت الكثير من دول آسيا الوسطى في الانفتاح على الصين لجني ثمار سوق كبيرة دون رياح الإصلاح الديمقراطي التي تأتي أحياناً مع الانفتاح على الغرب، وهكذا تظل الدول فيها رهن الموازنات بين هذه القوى الثلاث.. في المُجمَل، بلدان آسيا الوسطى هي الأسوأ ديمقراطياً، وهي في نفس الوقت، على العكس من الدكتاتوريات العسكرية الأفريقية، بمأمن عن زعزعة الاستقرار ولو لحين، ربما باستثناء طاجكستان وأوزبكستان اللتين قد تصيبهما نيران أفغانستان حال تدهور الوضع بعد الانسحاب الأمريكي.

أفريقيا.. صناديق في الصحراء

ازداد إجراء انتخابات حرة في العديد من دول غرب أفريقيا، إلا أنها كثيراً ما كانت مخلة بالشروط المتعارف عليها، سواء في الانتخاب أو حصر الأصوات أو الإجراءات والأطر المؤسسية للعملية الديمقراطية برمتها، والتي تتمركز عادة في المراكز المدنية، تبدو المشكلة بالأساس في أفريقيا مجمّعة من عدة حالات سابقة، فمن كيان مؤسسي غير ديمقراطي ورثته معظم الدول عن الاستعمار، كما ورث مواطنو آسيا الوسطى المؤسسات السوفييتية، غير أنه كيان هش وغير متوافق تماماً مع الحقائق الجغرافية والتاريخية والديمجرافية، كما الحال في الشام وليبيا، وكذلك وسط غياب لعقد اجتماعي حقيقي يجمع مختلف الطوائف والعرقيات والقبائل الموجودة على الأرض، والتي يتمتع الكثير منها بحكم ذاتي فعلي في أراضيه بمنأى عن صندوق الدولة وآلياتها الديمقراطية والإحصاءات والتقييمات العالمية فيها (على سبيل المثال، السنغال، واحدة من أفضل الدول "ديمقراطياً"، والتي تداول فيها السلطة أكثر من حزب في السنوات الأخيرة، تضم حوالي 13 مليون إنسان، أقل من نصفهم مسجَّل بالقوائم الانتخابية، ولم يذهب لآخر انتخابات فيها سوى 3 ملايين).

إثر تصاعد دور المليشيات في هذه المنطقة، لا سيما المليشيات المحسوبة إما على قبائل، محصورة في بلدان معيّنة، أو حركة إسلامية ممتدة، كـ"بوكو حرام"، و"تنظيم القاعدة في بلاد المغرب"، تبدو المنطقة أكثر عُرضة لما جرى ويجري في الشرق الأوسط وأفغانستان، عنها إلى الاستقرار بخريطتها الحالية ودولها الهشة، لا سيما والعديد من قاطنيها هم الأقل "تحديثًا" ذهنياً نظراً لقلة الانغماس في المؤسسات الحديثة كالمدارس وغيرها، والأقل "تشبثًا" بالدولة نظراً لضعف خدماتها وانحصارها في طائفة أو عرق معيّن في أغلب الأحيان، ناقوس خطر انفراط عقد "الخريطة الأنجلوفرنسية" يدق في غرب أفريقيا كما يدق في منطقتنا، وهو أمر ربما يشي به قرار الولايات المتحدة إنشاء مركز عمليات جوية بالمنطقة (أفريكوم)، في محاولة إصلاح ما فشلت فيه فرنسا.

***

بين هذه التقسيمات، يظهر لنا تقسيمٌ رئيس، بين دول قابلة للاستمرار في الأساس نظراً لالتقاء خارطتها مع الحقائق على الأرض نسبياً، مثل إندونيسيا، وتركيا، وإيران، ومصر، والمغرب، بعضها ديمقراطي، وبعضها يحول بينه وبين الديمقراطية ملكية أو جيش أو ملالي، ودول غير قابلة للاستمرار أصلاً، بغض النظر عن إجرائها اقتراعات حرة من عدمه، نظراً لهشاشتها كفكرة وطنية، كدول غرب أفريقيا، أو انفراط العقد الاجتماعي فيها وصعوبة وجود بديل له، كسورية والعراق وليبيا وأفغانستان، في المنتصف توجد دول هشة تاريخياً، ولكنها "قابضة على خريطتها"، مثل السعودية وباكستان وبعض دول آسيا الوسطى، وهي دول قد يتنافى وجودها مع إمكانية الديمقراطية الشاملة، لأنها ستفتح الباب أمام تمثيل للواقع التاريخي والديمجرافي بشكل يتنافى مع كيانها "الوطني"، بما سيحتّم إعادة صياغة لعقدها الاجتماعي من الأصل.

عدد المشاهدات 954

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top