تجارب من بيئات مختلفة وقارات متباعدة..
مهاجرون لـ"المجتمع": العودة للوطن حلم يصطدم بواقع مرير

13:17 11 سبتمبر 2019 الكاتب :   محمد سرحان - سيف باكير:

- معاذ: من أبرز التحديات بتركيا اللغة والاندماج في مجتمع يجمع بين الثقافتين الأوروبية والإسلامية

- القضاة: وجدت في أمريكا قبلة المهاجرين الباحثين عن الحرّية والحقوق المدنية والهاربين من الاستبداد

- الزيتاوي: العودة إلى الوطن حلم كل مسافر لكن الهاجس في الحصول على مصدر رزق يكفي

 

ما بين حلم بالهجرة وآخر بالعودة، يجد الشباب العربي نفسه أمام مفترق طرق يسعى خلاله إلى البحث عن حياة أفضل، لذلك يختار معظمهم الهجرة إلى دول تُساعدهم على تحسين مستوى حياتهم المعيشيّ، وقد تكون هجرة بعضهم هروباً من الاضطرابات السياسيّة والحروب، أو سعياً لتقدير بعض دول المهجر للكفاءات العلمية، ويبقى الهاجس الأكبر لغالبية المهاجرين حول مدى نجاعة هذه الخطوة وتأثيرها على حياتهم في المستقبل.

تحدثت «المجتمع» إلى بعض هؤلاء المهاجرين للتعرف على تجربتهم عن قرب.

معاذ.. من آلام الغربة إلى قائمة الأوائل

أصبح في الصفوف الأولى تلتقط له الصور، ويشار إليه بالبنان؛ إنه الشاب المصري الجنسية الذي تخرج حديثاً في جامعة «إسطنبول بيلجي»، وكان ترتيبه الأول على قسم «العلاقات الدولية»، والثاني على كلية «العلوم الاجتماعية والإنسانية»، والثالث على مستوى الجامعة، لكن هذا المشهد السعيد سبقته سنوات من التعب وغربة أكلت من نفسه كثيراً، ولحظات ألم وتردد.

يحكي معاذ ناصر عبدالرحمن لـ«المجتمع» قصة تفوقه في دراسته، قائلاً: بدأت رحلة غربتي في عام 2014م لظروف طارئة مرت بها عائلتي بعد أحداث الثالث من يوليو 2013م بمصر، اضطررت آنذاك للسفر إلى تركيا، لا شك أن الرحلة كانت صعبة في بدايتها؛ فهذه أول مرة أسافر خارج مصر، وكنت وقتها ما زلت في السابعة عشرة من عمري.

ويضيف معاذ: في تلك الفترة، تعرضت لتحديات عدة؛ كاللغة والثقافة الجديدة، والاندماج في مجتمع تتسم ثقافته بمزيج غريب بين ثقافة الشرق الاجتماعية بصورة أوروبية -إلى حد ما- مع بعض التقاليد والعادات الإسلامية، بدأت رحلة دراستي في عام 2015م، وكانت في جامعة «إسطنبول بيلجي».

الخوف من الفشل

ويستطرد الشاب المصري: حقيقة، عندما بدأت الدراسة كانت رهبتها والخوف من الفشل يراوداني حتى قبل أن تبدأ المحاضرات، ولعل هذا الخوف كان سبباً في جدية أكثر خلال الدراسة، التي لم تخلُ من التحديات، لكن أول محاضرة لي بالجامعة وضعتني على بداية الطريق، كانت المحاضرة مع «د. أيهان كايا» الذي بدأها بسؤال: ما الفرق بين السياسة و«البوليتكس» (politics)؟ وأخذ يسترسل في وصف الفرق، حينها أُعجبت بمجال العلوم السياسية الأكاديمي.

ويكمل معاذ بقوله: لم تخلُ ساحة الجامعة من بعض ما يواجهه العرب في شوارع إسطنبول من تنمر، لكن بعد عامي الدراسي الأول بالجامعة، وكنت قد حصلت على المركز الأول بقسم العلاقات الدولية، حاولت صنع نقطة التقاء وفهم بعض الأسباب الكامنة خلف نعرات التنمر، فانتهزت الفرصة لمساعدة بعض زملائي في الدراسة وتحصيل المحاضرات، وبالتقارب تلاشت تماماً لغة التنمر سواء بالمساعدة والتقارب، أم بإدراك أن العنصرية شيء من الخيال الاجتماعي لا أصل له فعلياً على أرض الواقع.

القضاة.. نفسُكَ حيثُ وضعتها

يقول معن القضاة، رئيس جامعة الهدى في الولايات المتحدة الأمريكية: لم أختر أمريكا للهجرة، وإنما كانت الدولة التي تيسرت لي الهجرة إليها، ولم آت بنيّة الهجرة، وإنما لدراسة الدكتوراه والرجوع للوطن، لكن قدّر الله لي أن أقيم.

ويرى القضاة أن أمريكا من أفضل دول العالم من حيث التعليم والرفاه الاقتصادي واحترام حقوق الإنسان؛ فهي قبلة المهاجرين الباحثين عن الحرية والحقوق المدنيّة، وكذلك الباحثين عن التعليم والمال، والهاربين من الاستبداد واللاجئين السياسيين، حسب وصفه.

وعند سؤاله عما إذا كان سيفكر بالهجرة لو عادت به الأيام، أجاب: نعم، لو استقبلتُ من أمري ما استدبرت لفعلتُ الذي فعلت، فلا آسف على بلاد ليس لأهلها مُقامٌ فيها!

وعن أهم التحديات التي تواجه المهاجر، قال القضاة: التمييز ضد المسلمين عموماً خاصة الناشطين والحركيّين منهم من أهم المعوّقات، والمحافظة على الهويّة الإسلامية وعدم الذوبان في المجتمع غير المسلم وتربية الأولاد.

وفي الوقت نفسه، لا يمانع القضاة بالعودة لوطنه إن وجد موطئ قدم، وتقديراً لكفاءته، مستشهداً بقول للعرب: «نفسُكَ حيثُ وضعتها».

ووجّه القضاة نصيحة للشباب أن يبقوا في بلادهم إن وجدوا الحد الأدنى من العيش الكريم واحترام حقوقهم وإنسانيّتهم، وإلا فأرض الله واسعةٌ فليهاجروا.

الزيتاوي.. بين ألم الاغتراب ومتعة التعليم

على الجهة المقابلة، يقول ضياء الدين الزيتاوي، الذي تخرج في كلية الشريعة بالجامعة الأردنية عام 2000م: «وصلت إلى مستوى عال من الاكتئاب والضيق بشكل لا يوصف»، سارداً قصته من البداية؛ حيث إنه من قرية جميلة في شمال الأردن، تقع بكتف وادي اليرموك على الحدود السورية، هي قرية «الذنيبة»، هذا الموقع البعيد نسبياً عن المدينة حرمها الكثير من الخدمات، وقد عانى سكانها قديماً وحديثاً من الإهمال، ليس من السهل على الطالب المتخرج حديثاً في تخصص الشريعة أن يجد عملاً.

ويتابع: حصلت على التعيين في وزارة التربية والتعليم بعد 6 سنوات من التخرج، الأمر الذي كنت أدركه مسبقاً، فبعد تخرجي عانيت كثيراً للحصول على عمل، فأُجبرت على العمل في وظيفتين من الساعة السابعة صباحاً حتى الحادية عشرة ليلاً.

نقطة التحول

ومن هنا تحولت حياة الشاب ضياء؛ فطبيعة الوظيفة التي كان يعمل فيها أتاحت له فرصة الاحتكاك بالطلبة الماليزيين؛ الأمر الذي أثار إعجابه بسلوكهم وطريقتهم في تدبير أمورهم، إلى أن اقترح عليه أحد زملائه الماليزيين مرافقته للعمل في ماليزيا، حينها لم يتردد لحظة واحدة وقرر الذهاب.

يضيف الزيتاوي: لم تتقبل أسرتي فكرة السفر، فليس من السهل عليهم أن يتقبلوا فكرة خروجي من البلد، وخاصة أنها المرة الأولى التي أسافر فيها، ولكن الظروف الاقتصادية الصعبة لم تكن تسمح بالبقاء أكثر، حالي حال الكثير من الشباب العربي، سافرت إلى ماليزيا، وأعجبتني طبيعتها كثيراً؛ غابات خضراء، أنهار وشواطئ خلابة، ومجتمع ودود يحترم الغرباء، ومن هنا فكرت أن أبقى في ماليزيا طويلاً، حتى وإن لم أجد عملاً.

ويتابع حديثه: لقد أمضيت حوالي 17 عاماً في ماليزيا، كنت أرجع فيها إلى وطني وقريتي الغالية كلما سمحت الظروف، تقلبت في وظائف كثيرة بماليزيا، كان يتركز معظمها في تدريس اللغة العربية، ومن الرائع جداً أن ترى الطالب الذي تعلم اللغة العربية يستطيع أن يتحدث بها بعد أن كان أعجمياً فيها، وكأنك تعلّم طفلاً صغيراً النطق.

وعن أبرز التحديات التي تعرض لها، يقول الزيتاوي: لم تمضِ هذه السنون الطويلة كلها بسلاسة ويسر، فالبدايات كانت صعبة، هنا في ماليزيا ينبغي للغريب أن يتحلى بالصبر والأناة، فطبع الشعب الماليزي الهدوء، والتحدث بلطف ولباقة، وعدم التعجل في اتخاذ القرارات، ولا يحبون أن يستعجلهم أحد، لا حرج عندهم في تغيير المواقف والقرارات، وأما الرفض عندهم فهو نهائي ولا رجعة عنه، والموافقة قد تتغير، ولا يستلطفون الصراخ والإزعاج.

وبرأي الزيتاوي، فإن التحدي الأكبر الذي واجهه هو فرصة الحصول على عمل في ماليزيا، حيث يقول: أمضيت بعض السنين بدون عمل منتظم، ولم يكن الدخل منتظماً أيضاً، لا يستطيع المرء الاندماج في المجتمع المحلي بسهولة، مع أن الماليزيين اجتماعيون، لكن هذه القاعدة لا تنطبق على الجميع، فالبعض يرى في الغرباء منافسين لهم في وظائفهم، ومصادر رزقهم، لكن هذه أقلية، لا تكاد تُذكر.

أما التحدي الآخر والأبرز -بحسب الزيتاوي- فكان الطعام في بلد آسيوي من حيث طبيعة خلط المواد، فبعض الأطعمة البحرية هناك قد لا تناسب الذوق العربي، وإذا وجدت مطعماً عربياً، فإنك تجد أسعاره سياحية لا تناسب المقيم، وخاصة ذوي الدخل المحدود.

ويضيف الزيتاوي: أثناء تواجدي في ماليزيا قابلت الكثير من الأصدقاء العرب الذين حاولوا العمل والاستقرار في ماليزيا، ولكنهم كانوا يصطدمون بعائق الإقامة، وإيجاد العمل، وكثيرون لم ينجحوا في تأسيس حياة أخرى لهم في بلد المهجر.

ويؤكد الزيتاوي أن العودة إلى الوطن حلم كل مسافر، وهو حلمي، لكن الهاجس الذي يؤرقني إذا عدت هل سأجد مصدر رزق يكفيني، أم ينبغي عليَّ أن أبدأ من الصفر ثانية؟

وينصح كل من أراد الهجرة إلى ماليزيا والإقامة فيها طويلاً بأن يدرس جدوى هذه الفكرة، وأثرها على حياته الأسرية، والعروض المقدمة، والمؤهلات اللازمة، مشيراً إلى أن ماليزيا كغيرها من الدول، الأوضاع الاقتصادية فيها غير مستقرة، والأسعار في ارتفاع مستمر، إضافة إلى ازدياد معدلات البطالة.

  • عنوان تمهيدي: تجارب من بيئات مختلفة وقارات متباعدة..
عدد المشاهدات 1154

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top