اليمن ومفترق طرق.. تفكك الدولة أم الحفاظ على الوحدة؟

19:47 05 نوفمبر 2014 الكاتب :   رشاد الشرعبي
يقف اليمن على مفترق طرق، قد يتجاوز ما ظل يُقلق كثيرين بشأن انفصال جنوبه عن شماله، أو حتى وقوع انقسام في إطارهما إلى أربع دويلات

يقف اليمن على مفترق طرق، قد يتجاوز ما ظل يُقلق كثيرين بشأن انفصال جنوبه عن شماله، أو حتى وقوع انقسام في إطارهما إلى أربع دويلات، بل إن المؤشرات تؤكد أن البلد قد تنتهي التفاعلات والصراعات المتصاعدة منذ أشهر إلى تفكك الدولة وتحولها إلى كانتونات تحكمها جماعات ونافذون.

 والمصير السيئ هذا الذي يتوقعه بعض المراقبين للشأن اليمني من الداخل, هو ما كان يُقلق المجتمع الدولي ودول الخليج العربي التي تقدمت بـ"المبادرة الخليجية" لحسم ثورة 11 فبراير 2011م, ضمن ما عرف بـ"ثورات الربيع العربي", والتي أنهت حكم الرئيس السابق "علي عبدالله صالح", وتسليم الرئاسة لنائبه "عبد ربه منصور هادي" في فبراير 2012م, بعد انتخابات كان المرشح الوحيد فيها بتوافق مختلف القوى السياسية وبمباركة إقليمية ودولية.

حتى اللحظة يعيش اليمن صراعات متعددة ومختلفة بين أطراف تدعي الوحدة أو الاستقلال وفك الارتباط أو أخرى تسعى إلى إقامة دويلات دينية بوجهيها المتطرف (السُّني والشيعي), مع افتقاد البلاد ككل أو كأجزاء للقيادات التي تحظى بإجماع اليمنيين، أو حتى من تدعي تمثيلهم أو تتحدث باسمهم.

الجنوب لن يستقر

 وتشير الوقائع إلى أنه في حال انفصال الجنوب، فإن أوضاعه لن تستقر، وكذلك الحال بالنسبة للشمال والشرق والوسط, ففي إطار الجنوب مازالت أكوام من الإرث الصراعي الممتد لعقود مضت أو تنازع الزعامة والمكونات التي تشكلت لأجل تحرير الجنوب مما تعتبره احتلال الشمال, والذي رسخته الحرب الأهلية (1994م) التي خاضها شريكا إقامة الوحدة، وانتهت بالهزيمة لقوات الحزب الاشتراكي الذي كان حاكماً للجنوب قبل الوحدة.

ومثلما كانت ثورة الشباب السلمية في عام 2011م سبباً لامتصاص احتجاجات جنوبية أعقبت الانتخابات الرئاسية عام 2006م، وتخفيف حدة المطالبات بفك الارتباط، والعودة بالبلاد إلى ما قبل وحدتها في 22 مايو 1990م, أدت سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء ومحافظات الشمال إلى عودة تلك الاحتجاجات وارتفاع وتيرتها، والتي لقيت مؤيدين لها من بين نخب وجماهير ظلت لسنوات ضد العودة إلى عهد التشطير.

ورغم المحاولات المتكررة من قبل الحوثي وجماعته بالتودد إلى شعب الجنوب, فإن أصواتاً كانت تقف في وجه المطالبين بالانفصال قبل سيطرة الحوثيين على عاصمة دولة الوحدة (صنعاء) في 21 سبتمبر 2014م, وكانت تعرف بأنها أصوات وقيادات "وحدوية", ارتفعت نبرتها المطالِبة بالانفصال بمبرر أن الدولة التي اتفق الجميع على إقامتها وعاصمتها الاتحادية صنعاء تم تقويضها من قبل طرف شمالي وهو جماعة الحوثي.

 وحتى القوى الجنوبية التي كانت ومازالت متمسكة بالوحدة في إطار الدولة الاتحادية التي خرجت بها مقررات مؤتمر الحوار الوطني, وكان الرهان عليها في بقاء الوحدة بين الشمال والجنوب، وفي مقدمتها حزب الإصلاح (ينتمي فكرياً للإخوان المسلمين), الذي أعلنت فروعه في عاصمة الجنوب (عدن) وحضرموت وقوفها مع خيارات شعب الجنوب وحقه في تقرير المصير, وهو ما ترتب عليه ترحيب كبير من جانب المكونات الجنوبية التي كانت تخوض معارك ضد الإصلاح، واستهدفت مقراته بالاعتداءات والحرائق.

صار يقف وحيداً ظاهرياً ضد إرادة الجنوبيين بتقرير المصير الرئيس "هادي" المنتمي لمحافظة أبين الجنوبية وبعض من القيادات المحسوبة عليه، أو ما تبقى من قيادات مستفيدة من الرئيس السابق "صالح", إلى جانب أن القوى الإقليمية والدولية تبدو مرتبكة في ذلك حتى الآن، ومازالت دول مجلس التعاون الخليجي تشدد على موقفها الداعم لليمن ووحدته وأمنه واستقراره، حسب آخر رسالة وجهتها إلى مجلس الأمن بهذا الشأن.

وبدأت قيادات جنوبية ظلت بعيدة عن البلاد لسنوات طويلة بالعودة تدريجياً, مع استمرار الأخبار بشأن تسلل مسلحي جماعة الحوثي إلى محافظات جنوبية مثل عدن وحضرموت والضالع, بهدف بسط سيطرة الجماعة القادمة من أقصى الشمال في محافظة صعدة المحاذية للحدود السعودية، وهو ما كان حافزاً للجنوبيين لتصعيد رفضهم للجماعة والوحدة معاً.

مشكلة الجنوب لا تقف عند تراكم إرث الصراع وتنازع الزعامة بين القيادات والمكونات, وقيادة جنوبيين للدولة اليمنية الآيلة للانهيار خاصة بعد انقضاض الحوثيين عليها, كالرئيس "هادي"، ورئيس الوزراء السابق والجديد، وقيادات الجيش والأمن ووزراء وغيره, بل إن المعاقل الرئيسة لـ"تنظيم القاعدة" في محافظات جنوبية هو الآخر مشكلة يتجاوز ضررها داخلياً إلى الإقليم والمجتمع الدولي عموماً.

الشمال ونزاع القبلية

وفي المقابل, فإن شمال اليمن وفق التقسيم الذي كان قبل الوحدة, هو الآخر تتنازعه صراعات سياسية وقبلية ومناطقية وربما مذهبية والأخيرة يخلو منها الجنوب, ويفتقد الشمال, وهو الأقل مساحة والأكثر سكاناً, للقيادات والجماعات التي تحظى بإجماع الغالبية على المستوى العام أو في إطار الأجزاء المتعارضة داخله مناطقياً وقبلياً ومذهبياً.

من محافظات الشمال لم تعد خارج السيطرة العسكرية لجماعة الحوثي سوى محافظة تعز, وتكمن أهميتها بكونها الأكثر سكاناً، وأن أبناءها أكثر تعليماً وانتشاراً في مختلف أنحاء البلاد شمالها وجنوبها, إلى جانب أنها تشرف على المنفذ الدولي بالبحر الأحمر (باب المندب)، وتقع بمحاذاة محافظات الجنوب، وتعد مع محافظات إب والبيضاء وريمة والحديدة عمق المذهب السُّني معناها التقليدي المتعارف عليه تاريخياً.

ويرى كثيرون أن الحوثي ومليشياته القادمة إلى تلك المناطق على ظهر دبابات الجيش الذي مازال ولاؤه للرئيس السابق ونجله قائد الحرس الجمهوري السابق, سيسيطرون عسكرياً عليها بما فيها تعز التي ما زالت خارج تلك السيطرة, لكنها ستكون سيطرة مؤقتة وغير آمنة, لصعوبة أن يسيطر وهو يحمل لواء مذهبياً ويفرضه كمعتقد إجباري، ومتسلحاً بفكرة تاريخية تتمثل بالسيطرة الشمالية على مناطق وسط اليمن وغربه.

ويؤكد من يذهبون إلى ذلك, بأن وقائع التاريخ تفيد ببسط الأئمة الزيديين المتمركزين في صعدة وصنعاء وما حولهما, نفوذهم على تعز لمرات قليلة وفترات قصيرة لم يستقر خلالها حكمهم الذي استمر أكثر من ألف عام, وكانت مصدراً للثورة ضدهم في سبتمبر 1962م, إلى جانب أن الحاضر هو الآخر لا يمنحهم مثل هذه الفرصة, حيث ينتشر الوعي والتعليم على عكس مناطق شمال الشمال.

ورغم حجم رفض سيطرة الحوثيين على تلك المحافظات التي تشكل طوفاناً بشرياً يمتد إلى العاصمة صنعاء مقارنة بحجم سكان محافظات الشمال, فإن الحوثي يوفر رافداً قوياً للجماعات المتطرفة المحسوبة على السُّنة من خلال اعتباره كل من يرفضه "داعشياً" و"قاعدياً" و"تكفيرياً"؛ استدعاءً للصراع الطائفي القائم في العراق, وذلك من خلال خطابات زعيم الجماعة والمتحدثين باسمها ووسائلها الإعلامية.

وأدت تصرفات الحوثيين في المناطق التي سيطروا عليها ونهب مؤسسات الدولة فيها خاصة الجيش والأمن, واقتحام المنازل والمقرات ونهبها وتفجيرها, إلى تشكل حالة إجماع في الأوساط السياسية والمكونات الشبابية بالرفض له, بما فيها تلك القوى اليسارية والقومية والليبرالية التي كانت تقف محايدة ومتفرجة نكايةً بخصومه المعلنين مثل حزب الإصلاح وآخرين.

لم يعد هناك سيناريوهات محتملة في اليمن سوى اثنين لا ثالث لهما, ويتمثل الأول في تفكك الدولة وانهيارها وانقسامها إلى دويلات تتجاوز حتى وضعها التشطيري قبل الوحدة، وتسيطر عليها جماعات متصارعة سياسياً وأيديولوجياً وقبلياً ومناطقياً، وتتحول إلى حالة أسوأ من تلك التي عاشتها الصومال أو يعيشها العراق.

والسيناريو الثاني أن تطفو على سطح الحياة اليمنية حالة العقل والرشد ورغبة الحرص الجماعي، ويتجه الجميع لإنقاذ آخر حلقات الدولة المنهارة والحفاظ عليها في إطار الدولة الاتحادية التي رسمها مؤتمر الحوار الوطني أو في إطار الدولتين, وليس ذلك ببعيد على شعب قال عنه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: إنه "أرق قلوباً وألين أفئدة.. الإيمان يمان والحكمة يمانية".

 

عدد المشاهدات 615

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top