للقدس مكانة خاصة في وجدان كل مسلم، فلقد حماها الله من النسيان عندما جعلها آية من كتابه، وحصَّنها من الضّياع عندما نفخ روح الرباط في أهلها وزرع في قلوبهم العزيمة على الجهاد لتحريرها، فهم ثابتون على ذلك حتى لو حاصرهم سلطان المؤامرات أو استطاعت مخالب الغدر من خدش كرامة الأمة وبث سموم الخيانة بين أظهرها؛ "لا تزال طائفة من أمتي على الدين ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك".

كلما غابت فلسطين عن المشهد كانت دماء شهدائها الشعلة التي توقد فتيل التفاعل الشعبي العربي والإسلامي وتعيدها إلى الصدارة مرة أخرى، ولكن سرعان ما تنطفئ الشّعلة مع رياح الغدر التي تصدر من المؤتمرات والقرارات الأممية والتي قد تعطل آلة القتل الصهيونية مؤقتاً دون أن تكبح سرعة المخططات الاستيطانية والتهويدية المستمرة في كل يوم وكل ساعة، وأمام هذا المشهد فإننا نحتاج لمصارحة أنفسنا بوجود فجوة كبيرة بين التحديات الخطيرة التي تواجهها القضية الفلسطينية اليوم والتفاعل الشعبي الذي يكاد ينحصر في بعض المظاهرات التي تُنظَّم كردّ فعل على انفجار الأحداث في فلسطين، وهذا الوضع طبيعي جداً في ظل تأزم الواقع السياسي وتردي الوسط الاجتماعي في البلدان العربية كنتيجة لتوغل الاستبداد السياسي واستفحال الفساد في شتى المجالات.

لا يمكن عزل فلسطين عن واقع الأمة، فالعلاقة بينهما طردية؛ إذ إن مصير فلسطين مرتبط بمصير الأمة ومستقبلها، وهذا ما يؤكده التاريخ والواقع، حيث لم يُخفِ مؤسسو الكيان الصهيوني أطماعهم التوسعية بتجاوز الحيز الجغرافي لفلسطين، وهو ما حصل بالفعل في حرب عام 1967م، كما لا يختلف العقلاء على أن حالة الضعف التي تمر بها الأمة اليوم شكلت دافعاً قوياً للكيان الصهيوني ليوسّع العمليات الاستيطانية، ويسارع الخطى لفرض واقع جديد في المسجد الأقصى، يبدأ بالتقسيم الزماني ثم المكاني، ثم إقامة المعبد مكان المسجد الأقصى المبارك، ورهانهم في ذلك على عواصف الصراعات التي تعصف بالمجتمعات العربية والتي أعمت الأعين عن السياسات "الإسرائيلية" الخطيرة داخل القدس.

لذلك لا يكفي أن نتحدث عن العدو ومؤامراته، بل من الواجب علينا الاعتراف أن العدو استفاد من حالة الضَّعف التي تعيشها الأمة، فكماشة الاستبداد تمنعها من التحرك، وسجن الاستعباد يحرمها من استخدام طاقاتها بالشكل الفعال، وفي هذا المعنى يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: "إنه لا شيء ينال من مناعة البلاد، وينتقص من قدرتها على المقاومة الرائعة، كفساد النفوس والأوضاع، وضياع مظاهر العدالة، واختلال موازين الاقتصاد، وانقسام الشعب إلى طوائف، أكثرها مُضيع منهوك، وأقلها يمرح في نعيم الملوك"، وهذا كله من مخلّفات الاستبداد، حتى أدى فصل خطاب تحرير فلسطين عن واقع الأمة السياسي إلى شيوع تجارة الوهم عبر تسويق تحرير لا تضحية فيه و جهاد لا بذل فيه.

هذا المشهد ينطبق على بني إسرائيل الذين سبق وأن أَوكَل الله لهم مهمة دخول فلسطين حيث جاء في القرآن على لسان موسى عليه السلام: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ {21}) (المائدة)، فبعدما نجى الله بني إسرائيل من فرعون وجنوده، وأصبحوا على أعتاب الأرض المقدسة، كان من المفروض أن تكون المعجزة التي نجاهم الله بها دافعاً لهم للامتثال لأمر نبيهم، ولكنهم رفضوا أمر نبيهم وقالوا له: (يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ {22}) (المائدة)، خضعوا لموازين القوى وركنوا للواقع وتوجسوا من المواجهة، وهذا طبيعي، فلقد عاش بنو إسرائيل تحت سلطة مستبدة شعارها: (مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ {29}) (غافر)، ألغت هويتهم وثبطت عزيمتهم وغرست الانهزامية في قلوبهم ولم يتحرروا منها إلا بفعل معجزة إلهية، لذلك مَنَّوا أنفسهم بنصر رخيص لا تُبذل في سبيله الأرواح، ولا تخضّب طريقه بالدماء، فقالوا بكل وقاحة لنبيهم: (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ {24}) (المائدة)، ومن هنا نجد أنّ للاستبداد انعكاساته الخطيرة على عملية التحرير حيث يغرس الانهزامية من خلال التركيز على المعايير المادية، ويولد التبعية لفقدان الجرأة والشجاعة على المواجهة، ويؤكد هذا المعنى ما قاله الكواكبي: "ومن الأمور المشاهدة أن الأمم التي تقع تحت أسر أمة تغايرها في السيماء، لا يمضي عليها أجيال إلا وتفشو فيها سيماء الآسرين".

الفاصل بيننا وبين فلسطين ليس فاصلاً جغرافياً، بل هو فاصل نفسي إذا تغلبنا عليه أصبح التحرير قاب قوسين أو أدنى، يقول علي عزت بيجوفيتش: "عندما تكون في السجن تكون لك أمنية واحدة: الحرية، وعندما تمرض في السجن لا تفكر في الحرية وإنما بالصحة، الصحة إذاً تسبق الحرية"، والأمة اليوم قابعة في سجن الاستبداد وللوصول للحرية المنشودة عليها بالتعافي من الأمراض التي أكلت جسدها ودمّرت مناعته أمام الانهزامية والتردد والخوف، والواقع يؤكد ذلك، حيث كان شعار تحرير فلسطين حاضراً في كل المظاهرات التي خرجت ضد الأنظمة المستبدة؛ وبناء عليه كلما كسرت الشعوب حاجز الخوف أصبحت فلسطين أقرب للتحرير، وبعض الصبر كاف لإدراك ذلك؛ "لكي ترى الحرارة تنتقل من جسم ساخن إلى آخر بارد، ليس من الضروري أن تكون لديك الرؤية الحادة أو ذكاء وبراعة شيطان ماكسويل، يكفيك أن تتحلى ببعض الصبر".

(*) المكتب الثقافي لرابطة شباب لأجل القدس العالمية.

نشر في تدوينات

محاكم عسكرية تعقد لأسيرات في عمر الزهور، وتقدم الملفات لهن لقضاء المحاكم العسكرية، وعند دخول الطفلة الأسيرة ببراءتها على قاعة المحكمة، لا يشعر قضاة المحاكم العسكرية بالخجل لمحاكمة طفلة بتهمة مهاجمة جندي مدجج بالسلاح، فهذا لا يحدق إلا في فلسطين أن تعقد المحاكم لأسيرات في عمر الزهور.

يوم أمس عقدت محكمة للطفلة الأسيرة تسنيم الحلبي من قرية رمون، وصدر بحقها السجن الفعلي لمدة عام ونصف عام، وقبلها بأسابيع أصدرت ذات المحكمة على زميلتها نتالي شوخة الجريحة من قرية رمون ذات الحكم.

والدة الطفلة الأسيرة نتالي شوخة قالت لـ"المجتمع": محاكمة الأسيرات في عمر الزهور شاهد على عدوانية الاحتلال وهمجيته، ولا تخجل المحكمة من الادعاء بأن الطفلة نتالي شكلت خطراً على جنود محصنين بدوريات ومدججين بسلاح، إنها دولة تكذب كما تتنفس.

المحامي خالد قزمار، من الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال فرع فلسطين يقول لـ"المجتمع": محاكمة الأطفال تتنافى مع اتفاقية جنيف الرابعة، ولا يسمح القانون الدولي أن يعرض الأطفال على محاكم عسكرية، إلا أن الاحتلال يرفض تطبيق بنود وثيقة جنيف الرابعة الذي وقع عليها، ويتعرض الأطفال في فلسطين إلى وسائل قمعية تبدأ منذ لحظة الاعتقال وحتى المحاكمة في محاكم عسكرية، إضافة إلى ضياع حقوقهم القانونية، واستمرار محاكمة الأطفال في محاكم الاحتلال يعتبر ملفاً خطيراً يتم فيه إدانته إذا تمت متابعتها في المحافل الدولية.

وقال والد الطفلة المحررة كريمان سويدان من عزون: لحظة اعتقال ابنتي كريمان بصورة بشعة، وتم إلقاؤها على الأرض ونقلها إلى مستوطنة أريئيل وتقديمها للمحاكمة وسجنها عدة أشهر بتهمة محاولة طعن، كانت علينا كعائلة بمثابة الصدمة والطامة الكبرى، فالاحتلال حوّل حياتنا إلى عذاب خلال فترة اعتقالها، وقد استخدم الاحتلال معها أساليب قذرة من أجل إدانتها.

وقال والد الأسيرة إيمان جلال من قلقيلية: تم اعتقال الطفلة إيمان قبل قرابة الأسبوعين بتهمة مهاجمة جنود على حاجز عسكري محصن، وأخضعها للتحقيق، وتم تقديم ملفات اتهام ضدها، وعند حضورها لمحكمة سالم صعق الجميع من إجراءات أمنية مشددة، وقضاة محكمة عسكرية من أجل محاكمة طفلة صغيرة في الصف الحادي عشر، وتم تأجيل محاكمتها.

وأضاف: لم أكن أتصور أن دولة تدعي أنها دولة تراعي حقوق الإنسان ودولة قانون تحاكم طفلة في هذه السن بتهم كبيرة لا يستطيع رجال تنفيذها، فملف لائحة الاتهام يصلح لرجال مقاومة كبار وليس لطفلة تحمل حقيبتها المدرسية.

اغتيال الصالحي.. انتقام من المحرَّرين

عائلة الشهيد المحرر محمد الصالحي من مخيم الفارعة في الأغوار الشمالية، نكبت بعد أن فقدت ابنها الوحيد، ووالدته مريضة ووالده توفي قبل بضعة أشهر، وأخته متزوجة في مخيم عسكر.

وعن حادثة الاستشهاد يروي منذر جوابره أحد جيران عائلة الشهيد قائلاً لـ"المجتمع": تم اغتيال الشهيد محمد الصالحي عن قصد وتعمد ومن مسافة الصفر، فالجنود اقتحموا منزله بشكل مفاجئ، وعندما نهض محمد من فراشه وأمه المريضة بجانبه شاهد مجموعة من الجنود فصرخ بهم لوحشيتهم في عملية الاقتحام، ووالدته المريضة بدأت ترتجف من الخوف، عندها أشهر أحد أفراد القوة المقتحمة مسدسه وأصابه في رأسه إصابة مباشرة، وتركوه ينزف أمام والدته المريضة، وتم نقله إلى المشفى التركي وهو جثة هامدة.

وأضاف بشارات: 6 رصاصات اخترقت جسده من مسافة قريبة، وتقول والدته المريضة: دافع ابني عن المنزل ظناً أن المقتحمين لصوص، وحاول منعهم دخول المنزل، وتم الإعدام أمامي دون رحمة أو شفقة.

ويتحدث جوابرة عن الشهيد محمد الصالحي قائلاً: هو أسير محرر أمضى 3 سنوات في الأسر، وعائلته من المعذبين في الأرض لبؤسهم وشقائهم.

المواقع "الإسرائيلية" كتبت فوراً: بشرى طيبة؛ المخرب محمد الصالحي لقي مصرعه على يد قوات الأمن في مخيم اللاجئين الفارعة، في دلالة على حقدهم، وأن سياسة الاغتيالات والإعدامات الميدانية للشبان الفلسطينيين سياسة رسمية ومتواصلة.

وأكد جوابرة أن الحادثة وتفاصيلها تنافي رواية الاحتلال، فمكان الاغتيال لم يكن في الشارع بل داخل غرفة نوم الشهيد الذي كان بجانب والدته المريضة، ولا يعقل لشاب يرعى والدته المريضة أن يهاجم مجموعة من الجنود، وادعاء الاحتلال دائماً جاهز في تبرير الجريمة.

وذكر المختص في الإعلام العبري محمد أبو علان لـ"المجتمع": دائماً محطات التلفزة العبرية تقوم بتبرير الإعدامات الميدانية للفلسطينيين، وعند حادثة الشهيد المحرر محمد الصالحي قال الإعلام العبري: الشهيد محمد كانت بحوزته سكين، وهاجم الجنود داخل منزله، وعندما تعرض الجنود للخطر تم إطلاق النار عليه، وهذا الأمر يحدث في كل حالة إعدام، بدون لجان تحقيق تثبت زيف ادعائهم، ومما يؤكد أن الإعدام كان مقصوداً، وصفت المواقع "الاسرائيلية" الشهيد بالمخرب؛ كونه محرَّراً سابقاً من سجون الاحتلال، أي أن عملية الإعدام دافعها أن الشهيد كان أسيراً محرَّراً.

نشر في تقارير

بعيداً عن الصورة النمطية التي نعرفها عن الشهيد المهندس يحيى عياش، كشفت زوجته ورفيقة دربه أم البراء عن فصول إنسانية في حياة من أرعب الاحتلال سنوات طويلة ولا يزال طيفه يراودهم مع كل صيحة مقاومة، رغم مرور 20 عاماً على اغتياله غدراً وارتقائه شهيداً.

أم البراء وفي حوار مع إذاعة "صوت الأقصى"، كشفت عن جوانب إنسانية في حياة المهندس.

طعامه المفضل

قالت أم البراء: إن يحيى لم يكن يهتم للأكل كثيراً، لكنه كان يحب أكل البلد، ومن خير الأرض، ولا يتكلّف، فكانت أكلته المفضلة "العكّوب"، وهي نبتة تنمو على سفوح جبال الضفة الغربية.

وأوضحت أنه يحب أيضاً سمك غزة، وأنواعًا من الطيور، وكان يعشق شرب الشاي، وقالت مبتسمة: "كان يحب الشاي، ثم الشاي، ثم الشاي".

السفر

وكشفت أم البراء أن المهندس سافر بعد انتهاء الثانوية العامة لفترة قصيرة إلى الأردن، ولم يُسافر غيرها في حياته أبداً.

وبينت أنه استشهد دون تأدية العمرة أو الحج، مؤكدة أن العشرات أدوّها عنه بعد استشهاده.

يحب الياسين والرنتيسي

أكدت أم البراء أن يحيى لم يكن ممن يُقدّس الأشخاص بشكلٍ عام، لكنه كان يُحب الشيخ أحمد ياسين، ود. عبدالعزيز الرنتيسي، والقائد عز الدين القسّام.

وقات مستدركة: لكن الأشخاص الأكثر حباً وقرباً إلى قلبه، هم زملاؤه في المطاردة والمقاومة، فكان مُتأثراً بالاستشهادي سليمان غيظان نظراً لكبر سنه.

القرآن والصلاة

ووفقاً للزوجة الوفية؛ فقد كان يحب قراءة القرآن أكثر من الاستماع، وتقول: "حينما تواجدت معه في غزة، كان يحب الحفظ وأنا أقوم بالتسميع له".

وتكشف أن أبا البراء لم يكن يحب أن يكون إماماً في الصلاة، وكان يحب الصلاة خلف إمام.

يحب النشيد

تقول أم البراء: إن المهندس يحيى عياش كان يحب الأناشيد القديمة، لاسيما أناشيد فرقة الرابطة الإسلامية التابعة لـ"المجلة الإسلامية"، وكانت أنشودته المفضلة "النور ملء عيوني"، بالإضافة لأناشيد باسم السويركي، وتضيف: كنت أنشد له أنشودة "قدرٌ أن أحيا بالمنفى".

وتكشف أنه كان يكره الأناشيد التي يُذكر بها اسمه، وتقول: "وذات مرة حضر ونحن نستمع لشريط تضمن أنشودة بها اسمه، فقام بإبعاده عنا".

هواياته

وأكدت أم البراء أن الشهيد كان مُحباً للكمبيوتر رغم أنه كان في بداياته في فلسطين، كما كان يعشق اللعب على جهاز "الأتاري" الشهير، لدرجة أنه كان يندمج مع اللعبة حتى إن "إيديه ورجليه بيتحركو مع اللعبة".

وتضيف مازحة: "كان من هواياته أيضاً السلاح، فكنت أغار، وأقول له: أنت تحب السلاح أكثر مني".

لغز قرابته بزوجته

أما عن قرابتها به فقالت: إنه ابن خالي، وابن خالتي في الوقت نفسه، فسألناها كيف يحدث ذلك، قالت ضاحكة: "حلوها أنتم".

نشر في عربي

كثيرة هي المؤشرات التي لا توحي بأن يحمل عام 2017م انفراجات على الساحة الفلسطينية، فما شهده عام 2016م المنقضي بالأمس القريب من زيادة في الاستيطان، وتشديد حصار غزة، وشلل في مساري السلام والمصالحة، واقتحامات الأقصى ستبقى مشاهد حاضرة حتى نهاية العام الجديد، وفق خبراء استطلعت "الأناضول" آراءهم.

ولم يشهد العام المنقضي تطورات إيجابية سواء فيما يخص ملف الانقسام الداخلي الذي بدأ منتصف عام 2007م، أو الاستيطان الذي شكل عقبة أمام مفاوضات السلام الفلسطينية "الإسرائيلية" المتوقفة منذ عام 2014م، رغم صدور قرار من مجلس الأمن الدولي مؤخراً رفضته "إسرائيل" يطالبها بوقف فوري وكامل لهذا النشاط.

علاوة على إطباق الحصار "الإسرائيلي" المفروض على قطاع غزة منذ فوز حركة "حماس" في انتخابات عام 2006م؛ ما أدى إلى تردي الأوضاع المعيشية لسكانه البالغ عددهم حوالي مليوني، وما تشهده مدينة القدس المحتلة من تهويد واقتحامات للمسجد الأقصى.

مدير مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية (غير حكومي)، زياد الحموري، توقع أن يكون العام الجديد صعباً على مدينة القدس وسكانها على الصعيدين السياسي والاقتصادي.

وقال الحموري، الذي يتابع مركزه قضايا سكان القدس: شهدنا تصاعداً كبيراً في هدم المنازل في القدس خلال عام 2016م وسط زيادة حدة التصريحات الصادرة عن المسؤولين "الإسرائيليين" بتكثيف أكبر لعمليات الهدم في الفترة القادمة.

وفي تقرير أصدره مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (أوتشا)، الأسبوع الماضي، وصل "الأناضول" نسخة منه، قال: إن "إسرائيل" هدمت 183 منزلاً في القدس الشرقية خلال العام 2016م بداعي البناء غير المرخص؛ ما أدى إلى تهجير 248 فلسطينياً، مقارنة مع هدم 79 منزلاً في المدينة خلال العام 2015م؛ ما أسفر عن تهجير 114 فلسطينياً.

وتوقع الحموري تصاعد عمليات الاستيطان خلال العام الجديد، قائلاً: هناك تصريحات لمسؤولين "إسرائيليين" عن نية حكومتهم تكثيف الاستيطان في المستوطنات المقامة على أراضي القدس الشرقية.

وحذر من أن المسجد الأقصى سيكون معرضاً لمخاطر عديدة خلال العام 2017م، مشيراً إلى وجود ترجيحات بأن تزداد عمليات اقتحامه من المستوطنين اليهود المتطرفين، بالتزامن مع محاولات "إسرائيلية" لفرض سياسة جديدة لتسهيل وصولهم إلى "الأقصى".

وأوضح أن السياسات المتشددة التي تتبعها السلطات "الإسرائيلية" بحق السكان الفلسطينيين في مدينة القدس، تهدف لتنفيذ ما وصفه بـ"الحرب الديمجرافية"، القاضية بتقليص عدد السكان الفلسطينيين وزيادة أعداد المستوطنين.

وعلى الصعيد الاقتصادي، توقع الحموري أن تشدد الحكومة "الإسرائيلية" إجراءاتها لتحصيل الضرائب من التجار الفلسطينيين ومن السكان المقدسيين، وذلك ضمن محاولاتها لإجبارهم على ترك المدينة.

وفيما يتعلق بالأوضاع السياسية في الضفة وغزة، رأى أستاذ الإعلام في جامعة النجاح الوطنية بمدينة نابلس، فريد أبو ضهير، أن مستقبل الوضع السياسي الفلسطيني لن يكون أكثر حظاً في العام 2017م من سابقه.

وأضاف أن ظروفاً موضوعية تحول دون إتمام عملية المصالحة بين "حماس" و"فتح" خلال العام المقبل، أبرزها اختلاف برامج الحركتين وهو ما يجعل ردم الفجوة بينهما أمرًا متعذرًا من الناحية العملية.

وعلى صعيد ملف "الاستيطان"، رأى أبو ضهير أن العام الجديد لن يحمل في طياته تطوراً إيجابياً بخصوص وقف الاستيطان.

وتابع: طالما أن الضغوط الدولية لا ترقى إلى مستوى كسر الإرادة "الإسرائيلية" فسوف تستمر "إسرائيل" في سياساتها.

ويرجع ذلك، بحسب أبو ضهير، إلى السياسة الأمريكية المُنحازة لـ"إسرائيل"، فضلاً عن حالة الترهل في مواقف الدول الكبرى من قضية الاستيطان.

وعلى مستوى المفاوضات "الإسرائيلية" – الفلسطينية، يقول أستاذ الإعلام: إن الاستمرار في الحديث عن عملية السلام وهم، فقد أثبتت كل الأحداث السابقة أنه لا يوجد أفق للمفاوضات.

وكانت المفاوضات الفلسطينية - "الإسرائيلية" قد توقفت في إبريل 2014م بعد رفض "إسرائيل" وقف الاستيطان والإفراج عن معتقلين قدامى وقبول حل الدولتين، على أساس دولة فلسطينية على حدود 1967م عاصمتها القدس الشرقية.

ويتفق هاني البسوس، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الإسلامية بغزة، مع سابقه فيما يتعلق بتوقعات الأوضاع السياسية الفلسطينية في العام الجديد، قائلاً: المصالحة الفلسطينية بين حركتي "فتح" و"حماس"، بعيدة المنال هذه السنة، فبرامج الحركتين تختلف بشكل كبير.

ورأى البسوس أن التقارب في الخطاب بين "فتح" و"حماس" وما وصفه بـ"الغزل" الحاصل بينهما، ليس إلا نتاج تجاذبات إقليمية وانقسام في حركة "فتح".

وعلى صعيد علاقة حركة "حماس" مع النظام المصري، توقع المحلل السياسي تحسّن العلاقة بينهما طالما بقيت المصالح المشتركة قائمة.

وأوضح أن هناك تناقضاً حقيقياً بين حركة "حماس" (الإسلامية التي تتبع فكرياً جماعة الإخوان المسلمين المحظورة في مصر) والنظام المصري، لكن ما يجمعهما مؤقتاً، هو المصلحة الأمنية، والتقارب مع القيادي المفصول من حركة "فتح" محمد دحلان.

من جانبٍ آخر، لا يستبعد أستاذ العلوم السياسية شنّ "إسرائيل" حرباً جديدة على قطاع غزة خلال العام الجديد، قائلاً: يزداد احتمال الحرب مع استلام الرئيس الأمريكي المُنتخب، دونالد ترامب مهامه في أمريكا، باعتباره داعماً لـ"إسرائيل".

وأضاف أن الحرب ستكون فجائية غير متدحرجة، مرجعاً ذلك إلى مساعي "إسرائيل" لشنّ "حرب التنظيف"، التي تحاول من خلالها دحر حركة "حماس" بالكامل عن غزة.

إبراهيم المدهون، رئيس مركز أبحاث المستقبل (غير حكومي)، يختلف مع سابقه، مستبعداً حدوث حرب جديدة ضد قطاع غزة خلال العام الجديد.

وقال: أتوقع استمرار التهدئة، لعدة أسباب أبرزها تركيز "إسرائيل" لعملياتها في الضفة الغربية، إضافة إلى أنه لم يتبلور لديها مشروع سياسي تجاه قطاع غزة ولم تجد البديل بعد عن "حماس".

أما على الصعيد الاقتصادي، فيرى خبراء أن مؤشرات الاقتصاد ستبقى صعبة وسلبية وغير مستقرة، في ظل استمرار الانقسام الفلسطيني، واصفين الاقتصاد الحالي بـ"الهش والضعيف".

وزير التخطيط السابق في الحكومة الفلسطينية، سمير عبد الله قال: إن الوضع الاقتصادي وصل لأسوأ مراحله في عام 2016م، وقد لا يبدو التغيير الاقتصادي كبيراً خلال العام القادم.

عبدالله، الذي يعمل حالياً باحثاً في معهد أبحاث السياسات الاقتصادية (مستقل)، أضاف أن الحكومة الفلسطينية ستواصل توفير المتطلبات المالية لها عبر الإيرادات الضريبية بأنواعها المختلفة، واستمرار ضبط النفقات قدر الإمكان، والاستدانة في نطاق محدود.

وأعلنت الحكومة الفلسطينية منتصف الأسبوع الجاري، عن الموازنة المقترحة للعام القادم 2017م، بإجمالي نفقات قيمتها 4.48 مليار دولار للموازنتين العامة والتطويرية (الاستثمارية)، وفجوة تمويلية بقيمة 476 مليون دولار.

واستكمل عبدالله: بالنسبة لقطاع غزة، هناك مؤشرات على التحسن لكنها ما تزال بطيئة، ومع ارتفاع وتيرة الاستقرار النسبي في سيناء المصرية، ربما تخفف القاهرة من إغلاق معبر رفح الحدودي، ليشهد عدد أيام فتح أكبر في عام 2017م.

وأشار إلى أن مصر بدأت ترى في قطاع غزة سوقاً إضافية فهو يستهلك سنوياً ما قيمته ملياري دولار، وهذا قد يساعد القاهرة الباحثة عن أي قنوات لتعزيز صادرتها إلى الخارج.

وبحسب مسح لـ"الأناضول" بالاستناد إلى أرقام الحسابات القومية الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني (حكومي)، بلغ الناتج المحلي الإجمالي لغزة خلال الشهور التسعة الأولى من العام الجاري، نحو 1.482 مليار دولار.

وحتى نهاية الربع الثالث من العام الجاري، بلغت نسبة البطالة في فلسطين (الضفة الغربية وقطاع غزة) 28.4%، بينما تبلغ في قطاع غزة وحدها 41% بعدد عاطلين عن العمل يبلغ 220 ألف فرد، وفق أرقام الإحصاء الفلسطيني.

وعن الوضع الاقتصادي في قطاع غزة، قال مازن العجلة، أستاذ الاقتصاد في جامعة الأزهر بمدينة غزة: إن الاقتصاد الفلسطيني في العام القادم سيراوح مكانه، وربما سيزداد سوءًا طالما لم يتم حل وتجاوز العديد من العقبات السياسية.

من جانبه، قال ماهر الطباع، مدير العلاقات العامة في الغرفة التجارية بغزة: إن القطاع مازال يختنق اقتصاديًا عامًا بعد عام، نتيجة الحصار المفروض عليه منذ نحو 10 سنوات، والحروب "الإسرائيلية" التي عمقت الأزمة جراء الدمار الهائل الذي خلفته.

ورأى الطباع أن السيناريو الاقتصادي لعام 2017م سيكون متشائمًا وستشهد غزة مزيداً من التدهور، في ظل عدم تحقيق مصالحة فلسطينية حقيقة.

وحذر الطباع من احتمالية حدوث انفجار بين السكان، إن بقيت الحال على ما هي عليه، وازدادت نسبة الفقر والبطالة.

وخلال السنوات الثماني الماضية شنت "إسرائيل" ثلاث حروب على قطاع غزة، راح ضحيتها الآلاف فيما أصيب آلاف آخرين، ودمرت آلاف المنازل والمنشآت الصناعية.

وتسببت الحرب الأخيرة، صيف عام 2014م إلى رفع عدد العاطلين عن العمل إلى 200 ألف عامل في القطاع من أصل 330 ألف عامل، وفق اتحاد العمال في قطاع غزة.

كما تسببت الحرب التي استمرت لمدة 51 يومًا إلى تدمير 500 منشأة اقتصادية في القطاع.

نشر في تقارير
الصفحة 1 من 4
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top