د. حلمي القاعود

د. حلمي القاعود

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عاش المصريون طوال القرن الماضي وقد تواضعوا على أن النيل خط أحمر، لأنه شريان الحياة للإنسان والحيوان والزرع، وأي اعتداء على المياه أو الانتقاص منها يعني إعلان حرب على الشعب المصري، ويفرض عليه الدفاع عن النفس، وبذل الغالي والنفيس من أجل الحفاظ على شريان الحياة.

ما تفعله إثيوبيا ودولٌ في حوض النيل من بناء لسد النهضة وسدود أخرى، يهدد حياة المصريين وحيواناتهم وزراعاتهم، ويحوّل مصر بعد سبعة آلاف سنة إلى صحراء جرداء قاحلة، بعد أن كان العالم يحسدها على جريان النيل في أرضها، ويعدّه ثروة أغلى من النفط والذهب.

لا شك أن الحكم العسكري الذي بدأ في عام 1952م مهّد للكارثة المنتظرة، وأسهم في تجرّؤ الآخرين علينا، فقد تخلى البكباشي الأرحل عن السودان وأجزاء من أوغندة وإريتريا (ما يعادل مليوني كم مربع؛ ضعف المساحة الحالية لمصر تقريباً)، ليجلس على كرسي مملكة مصر والسودان، ولم يعبأ بالمضاعفات التي ترتبت على ذلك من تقسيم السودان، واشتعال الحرب الضروس بين أبنائه، وفقدان السيطرة على النيل، وإغلاق الطريق العربي الإسلامي إلى قلب القارة السمراء.

ثم كان بناء السد العالي بطريقة عشوائية تجعل أعداء مصر والإسلام قادرين على إغراق البلاد والعباد لو تمكنوا من ضربه، بدلاً من بناء سدود متعددة على امتداد النهر، تنتج مزيداً من الكهرباء، وتحافظ على الطمي الذي يزود الأرض الزراعية بالمناعة ويسمدها تسميداً طبيعياً، ولكن "الذكاء العسكري للبكباشي" جعله ينجز بالانفعال المشروع الضخم دون أن يُصغي للآراء المتعددة أو يمنح الخبراء فرصة التداول الهندسي (السدّ يخلو من هويس واحد يمرّر المياه الزائدة المخلوطة بالطمي ويفتح مجال الحركة للسفن من الجنوب إلى الشمال أو العكس)، وصارت المياه الزائدة تلقى في مفيض توشكي الذي يشفطها ويصنع منها القذافي نهره العظيم (توقفت فكرة النهر العظيم بعد قتل الطاغية).

وجاءت عصور العسكر المتتابعة لتهمل النيل وترضى بتسميمه وردمه والبناء على طرحه وتحويله إلى بحيرة آسنة تمتلئ بالصرف الصحي للجزر والعوامات والمصانع ومباني طرح النهر، وتتوقف فيه حركة الملاحة النهرية الآمنة التي كانت مزدهرة قبل عام 1967م وتنقل البضائع من وادي حلفا حتى الإسكندرية ودمياط، ثم كان التراخي المشين في متابعة ما يدبره المجرمون الدوليون من خلال دول حوض النهر بمحاولات تغيير الاتفاقيات الدولية، وإقامة السدود، ومنع الإفادة من قناة جونجلي!

وبناء على عشق سياسة الأمر الواقع التي يدمنها النظام العسكري الحاكم منذ ستين عاماً أو يزيد، تم توقيع ما يسمى الاتفاق الثلاثي بين رئيس وزراء إثيوبيا وحاكم السودان وقائد الانقلاب المصري، لقبول سد النهضة بوصفه أمراً واقعاً، لا سبيل لتغييره أو التمرد عليه، مع أنه يعني ببساطة شديدة تعطيش مصر إنساناً وحيواناً ونباتاً والتحكم في حياة الملايين المصريين والسودانيين.

الشعب المصري المقموع لا يملك غير التنكيت، مثل الذهاب إلى أديس أبابا للاستحمام أو تقديم طلب لاستيراد "قُلة" للشرب مملوءة بالماء من إثيوبيا وغير ذلك مما لا يضحك.

النظام الانقلابي لا يقدم إجابة على تساؤلات المصريين المعلنة أو المكتومة، كل ما يقدمه نوع من الاستخفاف بالشعب، واستهانة بإدراكه، وتشجيع ضمني للأخ الإثيوبي كي يواصل عدوانه وحربه على المصريين التعساء، واقرأ:

- قائد الانقلاب يقول: "أنا قلقان مع الشباب بسبب الفقر المائي.. وإللي عاوز الحل يجيلي وأنا أقوله"، بخصوص سد النهضة، سيتم الاتفاق على حجز المياه مع إثيوبيا لعدة سنوات"، ثم متسائلاً: "طب المية دي هعوضها منين، هسيب الفلاحين من غير مياه، واللي عايز يفهم يجيلي وأنا أقوله الحكاية إيه"، "حجم المياه التي تتم معالجتها حوالي 10.5 مليون متر مكعب..".

- وزير الري المبجل يحكي لنا عما يسمى مبادرة حوض النيل بهدف توفير الدعم الفني والمالي والمؤسسي لدول حوض النيل من خلال برنامج الرؤية المشتركة، كما انطوت المبادرة علي برنامج مشروعات الأحواض الفرعية.. ثم يردف بالحديث عن نزهته على شواطئ بحيرة فيكتوريا، ومدينة كسومو الصغيرة والجميلة، التي تذكره بمدينة الإسكندرية في ستينيات القرن الماضي، ومشاركته في الاحتفال بيوم النيل في كينيا الموافق 22 فبراير من كل عام، ويشير معاليه إلى وجوب وجود حلول للتحفظات المصرية علي الاتفاقية الإطارية للنيل بشكلها الحالي!

- لم يحدثنا معاليه عن محنة سد النهضة التي وصفتها صحيفة "واشنطن تايمز" الأمريكية بأنها تحُول دون إعطاء مصر حصتها المنصوص عليها في اتفاقية موقعة بين دول حوض النيل والتي تقدر بـ 55.5 مليار متر مكعب من الماء، وأن مصر تواجه تهديداً حقيقياً بسبب عدد سكانها الضخم وتعرضها لمشكلة وجودية تتمثل في إمكانية انقطاع المياه عن نيلها؛ مما سيؤدي إلى زيادة مطردة في واردات الأغذية، وتضطر مصر إلى اقتراض الأموال لشراء 32% من احتياجات السكر، و60% من الذرة الأصفر، و70% من القمح، و70% من الفول، و97% من زيوت الطعام، و100% من العدس، معاليه يتفاوض اليوم على زيادة عدد فتحات المياه في سد النهضة، ولكن الطرف الآخر يرفض بوقاحة سافلة!

- سفير إثيوبيا في القاهرة محمود درير ينفي ما تردد بأن قائد الانقلاب تناول مع رئيس الوزراء الإثيوبي والرئيس السوداني أزمة سد النهضة على هامش المنتدى الأفريقي بشرم الشيخ.

- قال وزير المياه الإثيوبي موتوا باسادا: إن بلاده لن تتوقف عن بناء سد النهضة ولو للحظة، وأنها ستواصل العمل فيه خلال فترة إجراء الدراسات الفنية والمقدرة بنحو عام، وأضاف باسادا، خلال مقابلة مع «بيبيسي»، أن إثيوبيا ستعمل على افتتاح السد رسمياً في موعده المحدد في العام 2017م، مشيراً إلى أنه لا يوجد سبب لتأجيل افتتاح السد.

النظام الانقلابي يعلن استسلامه الكامل لإثيوبيا، ويبشرنا بمعالجة مياه الصرف الصحي (؟!) لنشربها ونزرع بها، أي قتل الشعب المصري ببطء، ويتطوع بعضهم بالحديث عن تحلية ماء البحر، و"اللي مش عاجبه من المصريين يخبط دماغه في الحيط!"، مصر هبة النيل تتحول إلى مصر هبة الصرف الصحي في عهد العسكر!

الله مولانا، اللهم فرّج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم! 

السبت, 19 مارس 2016 09:26

بركاتك يا مرسي!

تذكرون يا قراء قصة صحفي جريدة "الدستور" الذي شتم الرئيس المختطف محمد مرسي وسبّه وهو في منصبه، ورأت النيابة أن تحبسه احتياطياً، وقامت قيامة نقابة الصحفيين وأهل اليسار وأشباههم لإطلاق سراحه، ورأي الرئيس أن يتسامح في حقه ليفرج عن الشتّام السبّاب، فاتصل بوزير العدل ليطلب من النيابة أن تخلي سبيله كي لا يبيت في السجن، ولكن وزير العدل المستشار أحمد مكي رأى أن ذلك لا يجوز، وأن الحل هو إصدار قانون بقرار جمهوري يمنع حبس الصحفيين احتياطياً، وصدر القرار، ولم يبت الصحفي الشتام السباب في محبسه، وخرج إلى الهواء الطلق دون أن يوجه كلمة شكر إلى الرئيس المتسامح إلى آخر حدود العالم!

اليوم تقول مذيعة في التلفزيون كلمة خارجة عن النص الانقلابي؛ فتُمنع من دخول مبنى التلفزيون إلا للتحقيقات التي ينتظر أن تعصف بها وبالمقربين منها إلى الأبد!

هذا هو الفرق بين نظام يؤمن بحرية التعبير إلى آخر مدى، ونظام لا يسمح بكلمة تتجاوز حدود النص المكتوب في تلمود الانقلاب!

في زمن الخديعة والغش، والمكر والخيانة، والكذب والهوان، والقمع والقهر لا يملك المرء إلا أن يرفع يديه إلى السماء لتنفذ عدلها ورحمتها بالعباد.

ليلة اختطاف الثورة المصرية وسرقة الحرية وتغييب رئيس الدولة وإلغاء دستورها وإعلان الحرب على الإسلام واستباحة دماء المسلمين في الحرس والمنصة ورابعة والنهضة ورمسيس والفتح وأكتوبر وكرداسة وناهيا والشوارع والمدن والقرى؛ مارَسَ المنافقون من اليسار والناصريين والليبراليين والمرتزقة وعملاء كل العصور أدوارهم الرخيصة، وتحولوا إلى مسامير في بيادة الاستبداد، ورحبوا بشطب الديمقراطية، والتشهير بالإسلام والمسلمين.. على سبيل المثال:

ظهر حمدي الفخراني يحمل حذاء على شاشة التلفزيون يوجهه إلى الرئيس مرسي، بعد إلقاء آخر خطاب له قبل ليلة اختطاف الثورة، كان الرجل منتشياً ببشائر الانقلاب العسكري، مبتهجاً أن الحكم العسكري سيمنحه دوراً مرموقاً من خلال منصب أو مكانة تجعله زعيماً بارزاً في دولة الناصريين الموعودة، ولكن شاء ربك أن تحل عليه بركات الرئيس المظلوم محمد مرسي، ويدخل السجن بتهمة مخلة بالشرف، تفرد لها صحف الانقلاب صفحات ممتدة، وشاشاته ساعات طويلة.. واللهم لا شماتة!

مخرج "الفوتوشوب" خالد يوسف، الناصري الكبير، الذي حول بضعة آلاف في ميدان التحرير إلى ثلاثين مليوناً ليسوغ الانقلاب العسكري، كان ينتظر موقعاً مهماً في جمهورية الخوف، فسمحوا له أن يكون عضواً في لجنة صياغة دستور زليخة، وبعدها لم يهتموا به، فترشّح لانتخابات برلمان مرجان، ولحقته بركات الرئيس المظلوم محمد مرسي، فظهرت فضائح السيديهات بيد الإعلامي الأمني الشقيق التي عرضها على الملأ في مشهد لا يُمحى من ذاكرة الشعب، وطُرح الأمر على القضاء، الذي مازال يتداول وقائع الفضائح وأحداثها، واللهم لا شماتة!

المستشار الزند كان حاداً في عدوانه على الرئيس مرسي، وصدرت عنه تصريحات عديدة عنيفة، وفتح نادي القضاة لأعداء الثورة في مشهد بارز، وطالب فيه بتدخل الرئيس أوباما لينقذ مصر من الحكم الديمقراطي الذي لا يعجبه، ولم يقل له الرئيس المختطف: إنك قاض وتعمل بالسياسة وذلك لا يجوز، كان الرئيس مرسي متسامحاً إلى آخر حدود الدنيا، ولكن سيادة المستشار لم يكن كذلك بدليل زلة لسانه التي وقعت عند حديثه عن حبس النبي – صلى الله عليه وسلم – في سياق غضبه من أجل ما رآه إساءة من بعض الصحفيين له ولبعض أقاربه.

الزند كان يقاوم الإصلاحات التي وضعها الرئيس مرسي ليحقق العدالة بين المصريين، فأعلن أن تعيين أبناء القضاة حق مقدس، وأن القضاة سادة وغيرهم العبيد، ولم يخافت بكراهيته للإسلاميين، وقال: لو كنا نعلم أن صناديق الانتخابات ستأتي بهم إلى مجلسي الشعب والشورى، ما أشرف القضاة على الانتخابات، ثم كان تصريحه العنصري الفاشي الذي يجعله غير صالح للجلوس على منصة القضاء وهو أنه يجب قتل عشرة آلاف من الإسلاميين مقابل كل فرد من غيرهم، فأي قاض هذا الذي تحركه عاطفة الانتقام والثأر والغل والكراهية، وهو المطالب أن يحكم بين الناس بالعدل؟ إن هذا التصريح وحده كفيل بمحاسبته أمام التفتيش القضائي والنظر في صلاحيته، ولكن الرجل كان يشعر أنه زعيم سياسي يقود جمهورية مستقلة عن جمهورية مصر العربية، وهذه الجمهورية المستقلة فوق الجمهورية الأم تفرض عليها إرادتها وآراءها.

هل رأيتم صيغة الرفض لإقالته من جانب نادي القضاة؟

أعلن نادي القضاة أن مجلس الإدارة في حالة انعقاد دائم لبحث قرار إعفاء الزند!

النادي الموقر لم يعلن ذلك عندما تم إعفاء الوزير السابق محفوظ صابر بعد تصريحه العنصري عن ابن الزبال الذي لا يحق له أن يلتحق بالقضاء ولو كان فائقاً!

يتراجع النادي بعد رؤية العين الحمراء قائلاً: لن نقود حملة تصعيدية، ونطالب المستشار الزند بالعودة للمنصة، نحن إذاً أمام حالة من القبلية الفئوية قائمة على العنصرية تتعصب للمنتمين إليها بالرفض أو القبول، ولسنا أمام قانون يتم تطبيقه على الناس جميعاً، وليس من بينهم نبي الله وحبيبه، المعصوم محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم.

وللأسف تبارى بعض أبناء القبيلة في الإعلان عن رفضهم لإقالة الزند. مثلاً السيدة تهاني الجبالي، الناصرية الطليعية وصديقة سوزان مبارك تصرح أن إقالة "الزند" قرار سياسي خاطئ لرجل ترك بصمة تاريخية، وأنه كتب اسمه بحروف من نور في تاريخ مصر والقضاء المصري، وأن هناك خططاً ممنهجة لإقصاء الرموز الوطنية من المشهد!

انضم إلى القبيلة دفاعاً عن الزند نفر من العمائم الأمنية وبعض صحفيي البيادة الذين زعم بعضهم أن الزند وقف بوجه الإخوان وصد هجمتهم ضد القضاء(!)، وأن مشهد إقالته تنقصه الدقة واللياقة، ونسي نعل البيادة أنه قيل للزند: استقل لتخرج بلياقة، ولكنه رفض وتصور نفسه زعيماً فوق السلطة التي عينته وزيراً! في كل الأحوال فقد لحقته بركات مرسي، فأقيل في يوم زينته واستعراض قوته، واللهم لا شماتة!

لا شك أن الرئيس مرسي الذي طالب الشعب بالحفاظ على الثورة، وأن ثمنها حياته، ستحل بركاته بإذنه تعالى على من سرقوا الثورة، وينتقمون بوحشية ممن شاركوا فيها، والسؤال الآن: هل سيقدَّم الزند إلى المحكمة لتحاسبه على ازدراء الأديان؟ صحيح أنه اعتذر، لكن هل يقبل اعتذاره لو كان أعلن أنه سيحبس المسيح أو تواضروس؟

الله مولانا، اللهم فرج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم. 

في عهد البكباشي الأرحل كان المعتقل يضم أعداداً كبيرة من المثقفين والسياسيين في طليعتهم الإخوان والشيوعيون، لم يكونوا بمثل العدد الضخم الآن الذي يتزايد مع فجر كل يوم حتى جاوز ستين ألفاً من العلماء والمعلمين والتكنوقراط والطلاب وسواهم.

كان التعذيب هو السمة السائدة، وهو الوحشية التي تنافس فيها قادة عسكريون: شمس بدران، وحمزة البسيوني، وصفوت الروبي وغيرهم..

ذات يوم فوجئ المعتقلون بباب الزنزانة يفتح، ويتقدم جلاد ليسأل: من أكبركم علماً؟ ظن المعتقلون أن السؤال مقدمة لعملية تفاوض من أجل تحسين أوضاعهم أو الإفراج عنهم أو أمر يفيدهم بصفة عامة، فقالوا للجلاد: أكبرنا علماً د. لويس عوض! فأمره الجلاد أن ينهض سريعاً لتنظيف دورة المياه!

لويس مهما كان رأينا في فكره يحمل درجة الدكتوراه، وكان يدرّس اللغة الإنجليزية في جامعة القاهرة، كما كان يكتب في الصحف ويؤلف الكتب، ويمثل نوعاً من صفوة البلد، ولكن الحكم العسكري لا يعترف بالعلم ولا العلماء، بل يعدّ المعرفة خطراً داهماً عليه، ولا يبالي بسحقهم وإذلالهم؛ لذا لم يتخذ مثلاً خطوة ملموسة على مدى ستين عاماً أو يزيد في محو الأمية، مع تضخم الجهاز القومي لمحو الأمية بالموظفين والعاملين والمستشارين والميزانيات، في الوقت نفسه فإن دولاً شرقية وغربية قضت على هذه الآفة في زمن قصير، وتفرغت لما بعدها.

النظام العسكري حقق إنجازاً رهيباً في اضمحلال مستوى التعليم بمصر، فقد أطاح بالأزهر بالقانون (103 لسنة 1961)، وحوّله إلى كائن مهيض الجناح لا يستطيع طلابه أن ينهضوا بالعلوم الشرعية والعربية، ولا يستوعبوا العلوم التطبيقية والرياضية، وسلّط عليه أشباه المثقفين والمأجورين لمهاجمته وإهانته ومطالبته بتغيير الإسلام تحت مسمى تغيير الخطاب الديني ليرضى أعداء الإسلام عن الحكام.

أما التعليم العام والجامعي، فحدث ولا حرج.. يكفي أن طلاب الثانوية العامة لا يعرفون الطريق إلى مدارسهم، وطلاب الجامعات في أغلبهم مسطحون فارغون لا يعبؤون بعلم ولا مستقبل! ويرون أن أمين الشرطة شبه الأمي أفضل حالاً من خريج كلية الطب والصيدلة والهندسة والسياسة والاقتصاد والإعلام الذي نجح في الثانوية العامة بمجموع يكاد يقترب مائة في المائة.. بل إن أمين الشرطة يتفوق على أساتذتهم في العائد والدخل والمرتب والسطوة!

اليوم يقال لنا: إن زيارة قائد الانقلاب إلى اليابان وكوريا من أجل نقل خبرتهم في مجال التعليم والمعرفة.. وهو كلام لا نظن أنه جاد أو يمكن أن يتحقق في ظل النظام العسكري الدموي الفاشي الذي لا يعنيه أمر المصريين من قريب أو بعيد، ولا تهمه حياة المصري بوصفه كائناً حيّاً له كرامته وحرمة وجود، ويمكن ببساطة تصفيته واتهامه بتهم ملفقة تسوّغ قتله وتشييعه إلى العالم الآخر.

يعلم القاصي والداني أن اليابان وكوريا كانتا تنظران إلى مصر في منتصف القرن العشرين نظرة انبهار بمستواها الحضاري والعلمي، وكانت الوفود تأتي منهما لتنقل الخبرة أو التجربة المصرية، ولكن الحال اليوم تبدّلت وتغيّرت، بعد أن صرنا في الحضيض على مستوى العالم.

لقد تم ضرب اليابان في الحرب العالمية الثانية وهزيمتها هزيمة ساحقة بعد هيروشيما ونجازاكي، ولكن اليابان نهضت بعد عشرين عاماً، وبدأت تفرض النصر العلمي والتكنولوجي والاقتصادي على من أذلوها، وصار المنتصرون عليها يرجونها لتخفيض قيمة الين الياباني من أجل استمرار حركة الاقتصاد بصورة مرضية في بلادهم!

القوم في اليابان وكوريا صنعوا نهضتهم من خلال منهج بسيط وسهل وغير مكلف، وهو التشاور الوطني، أي التفاهم بين فرقاء الوطن وفقاً لأسس يتفقون عليها، أو ما يطلق عليه الديمقراطية دون أن يسطو فريق على الحكم بقوة الذراع أو النبوت، وبعد ذلك اتفقوا على ترسيخ هويتهم القومية من خلال التعليم، وهو العنصر الذي لا يحبه الأشاوس والنشامى من حكامنا في مصر والعالم العربي.

لقد وجد أهل اليابان أنهم لن ينهضوا إلا من خلال التعليم والمعرفة بطريقة جادة وحازمة ومنضبطة، ورأوا أن العنصر الأساسي هو المعلم، فقاموا بعملية فرز دقيق للمعلمين الموجودين على رأس العمل، فاختاروا أصحاب الكفاءة، ونحّوا السادة التنابلة وأشباههم، وأعطوا للمعلم مرتب الوزير وسلطة النائب العام، سوف يسخر كتاب البيادة ويضحكون ملء أشداقهم، ويتساءلون: كيف يمنح المعلم مرتب الوزير وسلطة النائب العام؟ وأقول لهم: هذا هو ما حدث بالفعل، وكان عائده تعليماً رائعاً فائقاً جعل رئيساً أمريكياً اسمه رونالد ريجان يأسى على مستوى التعليم في بلاده مقارنة باليابان ويعلن: نحن أمة في خطر، في تقرير شغل أمريكا زمناً طويلاً!

اتخذ المجلس القومي للتعليم قراراً خطيراً يؤكد اعتزازه بالهوية اليابانية بجعل مقرر اللغة يزيد في المرحلة الثانوية إلى الضعف، يعلم القراء أن اللغة هناك تتكون من مفردات على هيئة صور، وكان طالب الثانوي يحفظ نحو ألفي وخمسمائة مفردة أو صورة، وبعد الهزيمة رأي بعض أعضاء المجلس القومي للتعليم أن يخففوا عن الطلاب عدد المفردات الصور، ولكن الأغلبية رأت زيادة العدد إلى الضعف – أي خمسة آلاف مفردة /صورة، من يحسن اللغة العربية من حكامنا؟

المعلم الكفء الذي يتقاضى مرتب الوزير أتاحت له سلطة النائب العام أن يحول أي منحرف خلقياً أو إدارياً أو مالياً في دائرة التعليم إلى القضاء، وانتظم مسار التعليم في اليابان وحقق المعجزات على المستويات كافة، فهل لدى أنظمتنا العربية استعداد للقبول بالتجربة اليابانية، أو إننا مولعون بالتجربة الدنمركية لصاحبها عادل إمام؟

أنقل لكم ما قاله د. عبدالمنعم تليمة، أستاذ النقد الأدبي بجامعة القاهرة؛ الذي سافر إلى اليابان وعمل ببعض جامعاتها، يقول: "كنت أعمل أستاذاً للغة العربية وآدابها في اليابان خلال الثمانينيات من القرن الماضي، وحصلت على راتب أعلى من راتب رئيس الوزراء الياباني، فخفت أن يكون هناك خطأ وأن يطالبوني برد هذه المبالغ بعد ذلك، فعاودت الاتصال بمسؤول الماليات بالجامعة لأطمئن، فأخبرني أن قانون الرواتب في اليابان موحد على الجميع، وأن درجتي العلمية أعلى من درجة رئيس الوزراء الذي معه دكتوراه فقط، وأن سنوات خبرتي أكثر من سنوات خبرته، إضافة إلى نسبة تميز مهن التعليم، لذا أستحق راتباً أعلى من راتب رئيس الوزراء بالقانون.

هل يمكن أن نرى نظاماً يعطي المعلم في التعليم العام والجامعي في بلادنا العربية ما يعطيه نظام التعليم في اليابان؟ لا أظن، فالقوم عندنا لا يعترفون إلا بالعصا الغليظة لتطوير شعوبهم ونقلهم إلى حضارة العصر الحجري، ويكفي أن ميزانية بناء السجون والإنفاق عليها تفوق ميزانية بناء المدارس والجامعات!

الله مولانا، اللهم فرّج كرْب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم! 

السبت, 05 مارس 2016 13:51

حكاية رواية وحكم محكمة

جاء في الأخبار أن عدداً من الأدباء والمثقفين دعوا جميع زملائهم إلى المشاركة في الوقفة الاحتجاجية التي دعوا إليها مساء الثلاثاء 23/ 2/ 2016م، لحرق أعمالهم وكل ما يتعلق بإبداعهم أمام دار القضاء العالي، وتأتي هذه الدعوة اعتراضاً على الحكم القضائي الذي صدر بحق الصحفي أحمد ناجي بالحبس سنتين وغرامة 10 آلاف جنيه لآخر بسبب رواية «استخدام الحياة» التي نشر جزءاً منها بصحيفة "أخبار الأدب" الحكومية التي يعمل بها، تضمن وصفاً إباحياً (بورنو) لعلاقة جنسية بين رجل وفتاة بشكل سافر وصادم وبذيء.

ورأى هؤلاء الأدباء والمثقفون أن الحكم القضائي بمنزلة تعدٍّ على الدستور المصري الذي يمنع عقوبة الحبس في جرائم النشر، وقال الخبر: إن دعوة «احرق عملك الإبداعي» التي يتم الحشد لها، لقيت قبولاً واسعاً بين الأدباء والمثقفين، هناك أخبار أخرى تحدثت عن تضامن جهات عديدة مع الكاتب المذكور، وهناك من دعا إلى تشكيل وفد لمقابلة النائب العام لإخراج المحبوس من السجن، وانتشرت مقالات في الصحف ولقاءات إعلامية تستنكر حبس الكاتب الإباحي بوصف ذلك اعتداء على الحرية، ومحاكمة للخيال والإبداع!

قرأت المنشور من كتابة "البورنو" التي يسمونها رواية، فلم أجد أدباً ولا لغة ولا صياغة فنية، ولا بلاغة في التعبير، ما وجدته كان وصفاً رديئاً ركيكاً هابطاً لعلاقة حميمة؛ قال أحد شهود الكاتب: إنه لا يستطيع أن يقرأها أمام القاضي ولا أمام أحد من أسرته!

في السينما الغربية على سبيل المثال ينتجون أفلاماً إباحية (بورنو) لا يمكن عرضها على عموم الناس بل يضعون مواصفات معينة لعرضها، ويتفقون ضمنياً أنها خارج نطاق ما يسمى الفن وحرية التعبير، مراعاة لآداب المجتمع وقيمه ومواضعاته، وفي تراثنا العربي مؤلفات عديدة تتناول العلاقة الحميمة وتؤصل لها في سياق علمي أو أدبي غير مثير، وكان الأزهر في زمنه الزاهر يضعها ضمن مقرراته لطلاب المرحلة الابتدائية (الإعدادية الآن) وما بعدها دون أن تحدث صدى أو جلبة، وهو ما يختلف تماماً عما يريد الشيوعيون والعلمانيون فرضه على ثقافتنا وواقعنا الراهن.

في سياق عملية تدمير البلاد والعباد التي يقوم الصهاينة والصليبيون بالتخطيط لها وتوجيهها تتم عملية إلهاء واضحة عن القضايا الكبرى التي تتعلق بالحريات العامة والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية والشورى والعمل والإنتاج، وتتخذ من مثل هذه الموضوعات التي يصوغها خدام الأنظمة العسكرية الفاشية أو الباحثين عن الشهرة وسيلة لينشغل الناس عن الغلاء والقرارات الاقتصادية المؤلمة التي تعصف بالفقراء، والأحكام السياسية الظالمة التي تتضمن الإعدامات الجماعية التي طالت الأطفال، والسجن المؤبد للشرفاء والنبلاء من المطالبين بالحرية والحكم الرشيد.

للأسف، فإن خدام الفاشية والباحثين عن الشهرة يتصدرون المشهد الثقافي والأدبي، ويتيح لهم النظام العسكري الفاشي أن يطلوا على الناس صباح مساء في الإعلام والصحافة والمنتديات، لإحداث الصخب، والترويج لطغيانه وحكمه الدكتاتوري، وتبرير جرائم القتل والاعتقال ومصادرة الحريات والأموال والممتلكات، فضلاً عن محاربة الإسلام وقيمه وتراثه، والوقوف ضد الشعب المظلوم.

خدام الأنظمة الفاشية لا يعنيهم أمر الأمة ولا الشعب ولا الحرية، هم معنيون بإشباع حاجاتهم البيولوجية والاستمتاع بالمال الحرام، وإزجاء الفراغ في المقاهي والخمارات، ثم الخروج ببيانات الشجب والاستنكار والدعوة لتجديد الخطاب الديني وهجاء مادة ازدراء الأديان!

كانت المحكمة قد حكمت ببراءة الصحفي المذكور عقب إدلاء ثلاثة من الكتاب اليساريين بشهادتهم لصالحه، ولكن النيابة استأنفت على الحكم؛ لأن ما كتبه إباحية صريحة (بورنو)، فحكمت في الاستئناف بالحبس سنتين، وهنا قامت القيامة، وكان حرق الكتب عنواناً لها، والمفارقة أن الشيوعيين وأشباههم مازالوا يكيدون للإسلام والمسلمين من خلال ما روي عن حرق كتب ابن رشد في الأندلس، بل يصرون على إسناد حرق مكتبة الإسكندرية لعمرو بن العاص بعد فتح مصر، وفي عصرنا الانقلابي ينسبون حرق مكتبة هيكل للإسلاميين مع أن الجناة لا يعرفون شيئاً عن الإسلام، ويتجاهلون حرق مكتبة د. محمد عباس!

فليحرقوا كتبهم رمزياً أو كلياً، لن يخسر القارئ شيئاً؛ لأن كتاباتهم رديئة ولا تحمل قيمة إنسانية أو أدبية أو فنية، إنهم "هالوك" أفسد الأدب والفكر والحياة، لا يملكون ثقافة حقيقية، ولا فكراً ناضجاً، ولا مواهب متميزة، اللهم إلا مواهب الدجل والشعوذة الثقافية والسطو على منابر النشر وخزانة وزارة الثقافة بالقانون أو الفهلوة السمجة! ومع ذلك لا نؤيد حرق الكتب ولو كانت سطحية أو تافهة؛ لأن الكتاب بالنسبة للقارئ الحقيقي رمز للثقافة والمعرفة أياً كانت قيمته.

خدام الأنظمة هؤلاء لا يؤمنون بحرية الفكر وحق التعبير لغيرهم، وقد رأينا مؤخراً وزير حظيرتهم الثقافية، يأمر بإرسال كتب سيد قطب إلى المفرمة، ويصرح بذلك علناً، فلم ينبسوا بكلمة، بل رأيناهم يحرضون على إحراق الكتب الإسلامية وسحبها من المكتبات والمعارض، بل يباركون ما قامت به موظفة اسمها بثينة كشك حين أحرقت كتباً إسلامية وغير إسلامية في مشهد احتفالي بفناء إحدى مدارس الجيزة!

إن الحظيرة الثقافية تدلس وتضلل حين يرتكب أفرادها جرائم أدبية وخلقية، وحين يزدرون الإسلام لأنهم لا يستطيعون أن يزدروا ديناً غيره ولو بالإشارة أو المجاز، ثم إنهم حين يقعون في الخطيئة يزعمون أن المحكمة تحاكم الخيال والإبداع؟

إسلام البحيري – وهو لا يحفظ القرآن ولا الحديث ولم يدرس الإسلام دراسة علمية – سار على نهج سيد القمني، وزعم أنه يجدد الخطاب الديني، وسب علماء الإسلام وأئمته وفقهاءه!

فاطمة ناعوت وصفت أضاحي العيد بأهول مذبحة يرتكبها الإنسان منذ عشرة قرون ونيف بسبب كابوس (تقصد الوحي) باغت أحد الصالحين (تقصد سيدنا إبراهيم) بشأن ولده الصالح (سيدنا إسماعيل)، وبرغم أن الكابوس قد مرّ بسلام على الرجل الصالح وولده وآله إلا أن كائنات لا حول لها ولا قوة تدفع كل عام أرواحها وتُنحر أعناقها وتُهرق دماؤها دون جريرة ولا ذنب ثمناً لهذا الكابوس القدسي (؟).. لكنها شهوة النحر والسلخ والشي ورائحة الضأن بشحمه ودهنه جعلت الإنسان يُلبس الشهيةَ ثوب القداسة وقدسية النص الذي لم يُقل! "الهانم" ترفض الوحي وتسخر منه، ثم تدعي أن كلامها مزاح ودعابة.

أبو إسلام أحمد عبدالله يقضي خمس سنوات سجناً، بتهمة ازدراء المسيحية، وإهانة الإنجيل ولم يبك عليه أحد من متنوّري الحظيرة ولا غيرهم!

القضية ليست الإباحية، ولا حرية التعبير الأدبي، إنها جريمة في حق شعب يريد الحرية والحياة والتعبير عن إسلامه.

الله مولانا، اللهم فرّج كرْب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم!  

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top