د. عامر البوسلامة

د. عامر البوسلامة

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الدعاية السوداء جزء خطير من أجزاء الحرب على الدول والمؤسسات والجماعات والأحزاب، وعلى الأفراد، وسائر المكونات، ولها آثارها ونواتجها السلبية المذهلة، على كل ما ذكرنا، إذ هذه الدعاية السوداء تعمل على الاغتيال المعنوي صاحب الآثار المدمرة، حيث يبقى المستهدفون على قيد الحياة (البيولوجية) ولكنهم في جوانب التأثير في الحياة والمجتمع موتى أو شبه موتى، وهذا هو الهدف المنشود في نهاية المطاف.

هذه الأجزاء التي ذكرتُ وغيرها من التجمعات البشرية، تقوم جهات منظمة بشكل دقيق، بل مؤسسات عملاقة، ومدعومة بالمال وكل وسائل الفعل، حتى تصنع صورة ذهنية مرعبة، منفرة، تحث على الكراهية، وتعمل على الإقصاء والتهميش، بحسب الزمان والمكان والشخص، وتحديد الهدف، لتفعل فعلتها المتوحشة.

وخطتهم بإيجاز تستند إلى محاربة الجهة المستهدفة، بتسليط برامج مخصوصة لمحاربتها، ويكون من آثار ذلك عليها أن ينفض الناس عنها، ويضربوا عنها صفحاً ويعزلوا داخلياً وخارجياً، وينزعوا ثقة الجماهير منها، وكذلك يفعلون مع الدول والمؤسسات الأخرى، ومن ثم تقع في إسار الفعل السالب، فتشتغل بضعف أو بقلة حيلة، أو نفرة الناس عنها، أو خوف البشر منها، أو العمل على إيقاعها في فخاخ، هي منها براء، لم تصنعها بل لم تعرف عنها شيئاً، فإذا كانت دولة ستخسر كثيراً من مواردها وتجاراتها وسياساتها وعلاقاتها، وإن كانت شركة أو مؤسسة فتضرب في عمق سمعتها التي هي رأس مالها، ومن البدهي والحالة هذه، أنها ستنكسر أيما انكسار، وإن كان حزباً –على سبيل المثال– فسوف يقع عليه كارثة الحصار والمقاطعة، والاتهامات المزرية، والتلفيقات المؤسفة، والرهاب غير الصحيح منها، وهكذا. 

إذن هناك عمليات شيطنة تقوم بها دول أو جماعات، أو جهات اختصاص، مما يسمى بجماعات الضغط، أو اللوبيات، والردهة، والرواقات، ومراكز السياسات الدولية، ومراكز البحوث، والنقابات، ومنظمات المجتمع المدني، ولا يمكن أن نغفل مقالب أجهزة المخابرات، ومن ورائهم دول، ومنظمات مشبوهة تعمل في السر والعلن، تقوم بهذه الأدوار، إنْ بالمال –وهو الغالب– وإنْ بتقديم مصالح لها تفيدها في منافع تعود عليها بالمصالح الكبيرة.

وهذه تنشط بمهام كبيرة –بعد تقديم أموال طائلة– لتقوم بهذه المسرحيات السوداء، وذلك لقلب الحقائق، وتزييف المعاني، والدجل على الناس، وأكثر ما يكون هذا في حال العداء السياسي، أو تكون طبيعة المعركة المصطنعة، سببها بث قيم مخالفة، أو مبادئ متباينة، مع العدو –حسب زعمهم– الذي يصبون جام غضبهم عليه، وعلى كل مؤسساته، وهي النوع الثاني الذي يوازي المصالح، وهو ما يعرف بالهدف الأيديولوجي.7-4-2.jpg

الإسلاميون وقائمة الاستهداف

والإسلاميون اليوم بناء على هذه الحقيقة المرة، يمارَس عليهم هذا النوع من الضغط، وهذه الصناعة المدروسة الخطرة، من أجل الاغتيال المعنوي، حيث مؤسسات تصنع المواد الخام، المترع بالإفك والكذب، واختلاق القصص، وتأليف الحكايات، وتلفيق الضلالات، وتعليب المزور من وثائق مدعاة، هذه المواد الخام المصنعة، تتلقفها معامل السياسة، فترسم لها برامج، وتضع لها خططاً، وتتلقاها مطابخ الإعلام الموجه، الذي يصنع للإسلاميين صورة مشوهة، قوامها شيطنتها لعزلها سياسياً، ونبذها مجتمعياً، وإقصائها عن مشهد الحياة بكل تفاصيله، والطعن بشرف أصحابها، ولصق تهم تتعلق بالأمانة، وكثيراً ما يعزفون على وتر الخيانة، حيث دلالتها القبيحة، في ذهن المستمع والمتلقي، وما لها من إسقاطات مرة، وإشارات محزنة، وفي كثير من الحالات تشن عليهم حملة اعتقالات، فتفتح السجون لهم أبوابها، وتكون ملاحم يندى لها الجبين، كل ذلك على إيقاع إفك مبين، صنعه خيال ظالم، «والظلم ظلمات».

والإسلاميون من أهل الوسطية والاعتدال، ممن نبذوا الغلو، ورفضوا التطرف، وساروا على مناهج الربانيين في الفكر والدعوة، ولهم مشاركات سياسية معروفة ومعلومة، في البرلمانات وفي الحكومات، ولهم حضورهم المجتمعي المتوازن، في كل مؤسسات المجتمع المدني، ولهم شخصياتهم الوطنية الوازنة، وجمعياتهم الرائدة، ويقومون بالدعوة إلى الله تعالى، بالحكمة والموعظة الحسنة، لهم حضورهم المفيد في كل ملفات الحياة، والجماهير تحبهم وتقترب منهم، والشباب يُقبلون عليهم، وهو ما تجلى بصورة واضحة بعد ثورات “الربيع العربي”.

هؤلاء الإسلاميون، في مقدمة من يُستهدفون وعلى رأس الإسلاميين جماعة الإخوان المسلمين، فترى هذه الهجمة الضروس التي لا تبقي ولا تذر، على الإسلاميين، عبر وسائل إعلام تبث سمومها عليهم، وتنسب لهم كل نقيصة، في الماضي والحاضر، وكذا في المستقبل، حتى صارت تنسب إليهم كل حادثة في الدنيا مشرقاً ومغرباً؛ حيث يصورونهم خطراً على كل شيء في هذه الحياة، وصاروا يصفونهم بأوصاف كريهة، وينعتونهم بنعوت قبيحة، ويحرضون عليهم القاصي والداني، والصغير والكبير، والشرق والغرب، وتُبذل جهود كبيرة، قوامها المال الكثير، من أجل إلحاق وصف الإرهاب بهم، أو نسبة بعض الشرور إليهم، فتُكتب أبحاث ودراسات خالية من المنهجية العلمية، ظاهرة في لَي أعناق النصوص، وفيها لغة الاجتزاء، على مبدأ “ولا تقربوا الصلاة”؛ فيُخرجون الحدث من سياقه، ومناقشته بعيداً عن ملابساته، وبصورة مؤسفة ومؤلمة وجارحة، حتى ليحار المرء، كيف يصل إنسان إلى هذا المستوى من بيع ضميره ووجدانه، ويخون شرف المهنة! وتراهم إما أصحاب مصالح، أو حتى أولئك الذين يكون دافعهم الحقد الأيديولوجي.

ليسوا معصومين

ويأتي السؤال هنا: هل كل ما يقال عن الإسلاميين بهذا الوصف الذي ذكرت، وأن الإسلاميين ليست عندهم هفوات ولا سقطات ولا زلات؟

بكل تأكيد، هناك أخطاء للإسلاميين؛ لأنهم ليسوا معصومين، وقاعدتهم “كلٌّ يؤخذ من كلامه ويرد عليه، إلا نبينا ورسولنا صلى الله عليه وسلم”، ولم يزعموا ذلك، كما أنهم لم يرفعوا شعار احتكار الحق، ولم يقولوا عن أنفسهم بأنهم جماعة المسلمين، بل قالوا: نحن جماعة من المسلمين.

المشكلة ليست هنا، إنما في الخروج عن الموضوعية في النقد بقصد وتعمد وسابق إصرار، حتى نسبوا لهم كل رذيلة، ولم يذكروا لهم أي فضيلة، وهنا تكون الطامة، وكلنا يعلم أن الحكم على الناس يجب أن يكون بعلم وعدل وإنصاف، حتى لو كانوا خصوماً أو أعداء؛ ﴿ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: 8).

من هنا أقول لإخواني من الإسلاميين العاملين في الحقل الإسلامي: انتبهوا! وكونوا حذرين، ودقيقين، فيما تقولون، أو تكتبون، أو عندما تتحركون، وفي تقدير مواقفكم، فأنتم مرصودون بدقة غير عادية، ويتابعون كل حركة لكم وسكنة، ولست مبالغاً إن قلت لكم: إنهم يحصون أنفاسكم، وينتظرون منكم أي زلة، ليكبروها، ويصنعوا منها قباباً من الظلم والظلام، ويصوغوا حولها من الهالات ما هو معروف لديكم.

نقول هذا، من باب الحذر والحيطة فقط، حتى نفوت الفرصة على هؤلاء المتربصين، وكذلك يدخل هذا في عالم الأخذ بالسبب، وعدم إعطائهم المبررات التي من خلالها يدفعون بها إلى مصانع السوء، لتمرير ما يهدفون إليه، كل ذلك ونحن على ثقة كاملة بأن الله يدافع عن الذين آمنوا، وأن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله، وإن الغلبة للحق وأهله، والزبد يذهب جفاء.

وكذلك على أبناء الحركة الإسلامية أن يعرفوا "فنون" مواجهة هذا المكر السيئ، وما طرائقه، ووسائله، وبرامجه، فالله تبارك وتعالى تعبدنا بالأخذ بأسباب العمل، وفي المجالات كافة، ولا يجوز أن نتواكل ونترك هؤلاء يشهرون بنا ويلصقون بنا كل النقائص والرزايا، ويحرضون على دمائنا وأموالنا، ومن ذلك علينا أن نواجه الخطة بالخطة، والبرنامج بالبرنامج، والوسيلة بالوسيلة، مع مواكبة لعلوم العصر وآلياته والأخذ بأحسنها، وإنه رغم انضباطنا بقانون القيم الإسلامية التي نختلف فيها مع الذين يواجهوننا في هذه المعركة الشرسة، لست بالخب ولا الخب يخدعني، والمؤمن كيس فطن. 

على مفكري الحركة أن يكتبوا تاريخها بيد أمينة، ويشرحوا مواقفها من أصحاب القرار فيها، وأن يدفعوا عنها بالتي هي أحسن، وعلى الجماعة أن تتواصل مع المراكز البحثية، وتبني علاقات مع كل الجهات المؤثرة التي تستطيع الوصول إليها.

وهنا أذكر بمنهج الجماعة الأصيل، الذي لا يستجيب للاستفزاز، ولا تأخذه ردود الأفعال، ويبقى على وسطيته المعهودة، واعتداله المعلوم، ومنظومة أخلاقه المباركة، رغم قسوة ما يقع عليهم، وكبير ما لحق بهم من ظلم، ويبقى معلم ما فعله المرشد الثاني نبراساً على طريق الدعوة "دعاة لا قضاة". 

ومن المعروف أن لقوى الشر التي تتربص بالإسلاميين وسائلهم في الاستدراج، حتى يقعوا في دوائر تختلط فيها الأوراق، فتضيع الحقيقة.

شاعت في السنوات القريبة الماضية قضية القراءة الثانية للنص، والتفسير العصري لهذه النصوص، وتبيينها على ضوء علوم العصر وتطوره المعرفي، وقال مروجو هذه القضية كلمات حق يراد بها باطل، وساقوا مقولات حق لبعض الأعلام أرادوا منها التذرع بها لباطلهم؛ فظهر فلان ليقول لنا باسم القراءة الجديدة للنص، بأن كل قيمكم وثوابتكم وإجماعات فقهكم ليست صحيحة، فهاجموا الحجاب، وأحلوا ما حرم الله، وأدخلونا في دوامات لها أول وليس لها آخر بهذه الحجج البائسة، والاستدلالات العابسة، التي انطلت على بعض شبابنا وراقت لهم، وصاروا يلوكونها بأسنان مكسرة.

وفي الحقيقة هي قضية قديمة حديثة:

1- قديمة من يوم ما ظهر أولئك الذين يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم أو تراقيهم، الغلو وصفهم، والشدة مدرستهم، والجفاء سيرتهم، والغلظة منهجهم، والعجلة أساس حراكهم، والحماسة غير المنضبطة طريقتهم، وكان من نتيجة ذلك أن ظهرت تلك العقائد الزائغة، والتفسيرات الشاذة، والتكفير للمسلم، بل كفروا أولياء الله من صحابة نبينا –رضي الله عنهم جميعاً– وقتلوا بعضهم، وحدثت كارثة إراقة دماء طاهرة، وسالت دماء زكية، وأدخلوا الأمة بشواغل ضيعت لهم ترتيب أولويات المشروع الإسلامي، وعرقلت سير العمل في مجالات الحياة كافة، والسبب فهمهم المغلوط للنصوص أو القراءة غير المنضبطة للنص.

2- وجاءت نتوءات الذين برزوا بلون آخر -مثل التفسير الباطني للنصوص- حتى سمعنا عجائب في هذا الميدان وغرائب، وما ظهور الفرق الضالة في فكرها وعقائدها سوى طيف من أطياف هذا الضلال، فصار الحديث عن الظاهر والباطن للقرآن، وكذا انتشار عقيدة الحلول، إذ يعتقدون بحلول الله –حاشا وكلا– في بشر، وكذلك القول بتناسخ الأرواح، وفسروا الصلاة بذكر بعض أسماء الأئمة، والحج هو الطواف بالقبر الفلاني.. وهكذا، كل ذلك تحللاً من تكاليف الشريعة، مع بث لعقيدة القول بالوحدة المطلقة، وغير ذلك مما يطول ذكره، حتى صار التفسير الباطني للنصوص من مذكورات الناس.

معنى القراءة الثانية للنصوص:

أولاً لا بد من معرفة أن المقصود بالنصوص هنا نصوص الكتاب والسُّنة، وليس غير ذلك مما يدخل في القراءات المتعددة، والتفسير الواسع لها، كالنصوص التاريخية أو الفلسفية أو الشعرية والأدبية، مما هو من صنع البشر ومن إنتاجهم المحض، ذلك أن الخطأ في هذا الميدان أو حتى العبث به –رغم رفضنا لأي نوع من أنواع العبث– يمكن أن يكون عدوانه محدوداً، ونتائجه السيئة محصورة، أما نصوص الكتاب وصحيح السُّنة فالأمر مختلف، إذ لها قواعدها وضوابطها وأصولها، والعبث في فهمها يؤدي إلى كوارث على كل المستويات.

المهم أن هذا التيار الذي ظهر في عصرنا الحاضر من مجموعات لا يعرف عنها التدين، أو الالتزام الإسلامي، أو التمسك بالشريعة، يريدون أن يقولوا في القرآن بهواهم، ويشرحوا السُّنة على أمزجتهم، ويبينوا العقائد كما يحلو لهم، وينشروا الفقه ويبينوه كما يروق لهم؛ فلا ثوابت، ولا قطعيات، بل ولا التزام باجتهادات.

ضوابط قراءة نصوص الكتاب والسُّنة:

أجمع من يُعتد به من العلماء سلفاً وخلفاً أن قراءة النصوص الشرعية، وهو لون من ألوان الاجتهاد، لا بد أن يكون من خلال قواعد وأصول؛ دفعاً للزلل، وتجنباً للخطأ، وسيراً لبرامج الأمان، على طريق السلامة؛ لذا وضع العلماء مجموعة من الشروط لهذا الأمر، حتى لا نخرج عن جادة الصواب، ونبقى ضمن مسار الرشد الذي أمرنا الله تعالى بالوصول له.

ومن هذه الشروط العلم باللغة العربية؛ فلا يمكن للمرء أن يقرأ نصوص القرآن والسُّنة وهو جاهل في اللغة العربية، فلا يعرف التمييز بين الاسم والفعل والحرف، ولا يدرك معاني البلاغة، وغير ذلك من علوم العربية ولو في الحد الأدنى من هذه العلوم، لأنها -كما وصفها العلماء- علوم آلة، فالقرآن الكريم كتاب نزل بلغة العرب، وهو معجز في فصاحته وبلاغته، والنبي صلى الله عليه وسلم أفصح من نطق بالضاد، كما دل على ذلك الاستقراء، فكيف يفهم هذان المصدران العظيمان بغير هذه اللغة، كمفردة من مفردات الشرط في الاستنباط من هذه النصوص، من هنا قال العلماء: لا ثقة بعلم من جهل اللغة.

يقول الشيخ حسن البنا –رحمه الله تعالى– في الأصل الثاني من الأصول العشرين: «والقرآن الكريم والسُّنة المطهرة مرجع كل مسلم في تعرف أحكام الإسلام، ويفهم القرآن طبقاً لقواعد اللغة العربية من غير تكلف ولا تعسف، ويرجع في فهم السُّنة المطهرة إلى رجال الحديث الثقات».

ووضع العلماء علم أصول الفقه، وسطروا بصحائف من نور علم مصطلح الحديث، وذكروا شروط الاجتهاد، واجتهدوا في هذا ما بين مضيق وموسع، لكنهم اتفقوا على الشروط من حيث الجملة، وما علم «علوم القرآن» الذي كتبت به نفائس الأسفار، وبينوا شروط المفسر لكتاب الله تعالى، عن الباحثين ببعيد.

من ثمار ذلك أن كان هذا التراث العظيم الذي أنتجته عقول علمائنا ومفكرينا، من الذكور والإناث عبر التاريخ، ومنها هذه التفاسير الكثيرة، وكذا شروح السُّنة، وكذلك المدارس الفقهية، وما أنتجت من دوحات علم يستظل بها المسلمون، وينهلون من معينها العظيم، لذا كان عندنا الأئمة أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، والليث، والسفيانان، والحسن، والبصري، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والدارمي، والموصلي، والطبري، وابن كثير.. وغير هؤلاء من كبار العلماء الذين شكلوا ثقافة أمتنا مما استنبطوه من الكتاب والسُّنة، من أهل التجديد والاجتهاد، فكانت مئات التفاسير، وانتشرت شروح السُّنة، ونشأت المدارس الفقهية، المذهبية والمقارنة، وغير ذلك مما نعجز عن ذكر جملته في هذه العجالة، فكانت رحمة الأمة في اختلاف الأئمة، وهو إرث نفاخر به، ونعتز به، والقاعدة عندنا في نهاية المطاف «كل يؤخذ من كلامه ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر –صلى الله عليه وسلم- فلا معصوم بعده»، وكل أحد يخضع لهذه القوانين.

الهدف من ظهور هذه الأفكار:

1- في السابق كان الملحدون يهاجمون عقائد الإسلام جهاراً نهاراً، وتصدى لهم الغيورون من أهل العلم، وأفشلوهم وأوقفوهم عند حدهم، ولما رأوا ذلك تغيروا، أو تغير بعضهم، إلى أسلوب جديد، وهو إظهار إيمانهم بالنصوص، ثم يقولون: من حقنا أن نقرأها بطريقة ثانية، لذا ترى هجمتهم شرسة على التفاسير كلها، ويزعمون أننا نريد أن نفسر القرآن كما يظهر لنا! ويهاجمون السُّنة هجوماً شرساً، ومن ذلك الهجمة العجيبة على صحيح البخاري، فلم يبقوا ولم يذروا على هذا الذي هو أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى، إذن هي حرب على قيم الإسلام وتعاليمه ومصادره ولكن باسمه!

2- تعويد الأجيال على نقد نصوص الوحي، وإشعارهم بأن نصوص الوحي مثلها مثل نصوص البشر، كلها قابلة للأخذ والرد والنقد، وهذا يكون مقدمة للعدوان على ثوابت الدين وأصوله القطعية، ومن ثم كسر هيبتها الإيمانية لدى الناس، حتى يقع الفأس في الرأس.

3- تحطيم مقولة «لا اجتهاد في مورد النص»، وتكسير مفهوم مصادر الشريعة والاعتماد عليها بطريقة العلماء على فهم السلف والخلف، ويلوكون مقولات ظاهرها الرحمة، وباطنها من قبلها العذاب.

4- الدعوة إلى التحلل من تكاليف الشريعة، بهذه التفاسير المعوجة، والأساليب الزائغة، وهذا الذي يهدفون إليه في نهاية المطاف.

وهنا نحب أن نؤكد جملة من المعاني:

1- نعم للاجتهاد، سواء الاجتهاد الترجيحي في المختلف فيه، أو الذي يقع في دائرة «النوازل» والمستجدات المعاصرة، ولكن من المؤهلين له، وهذا ليس من باب احتكار العلم، وليس من باب الكهنوت، كلا.. فالأمر غير ذلك، بل هو من باب ضبطه بضوابطه الصحيحة، ومن باب احترام الاختصاص، وهو مجال تنافسي، يتقدم فيه من هو أجدر بالمهمة.

2- كما نؤكد أن الاجتهاد في الوسائل، والإلمام بفقه الوقت، ومجريات الواقع، ومعرفة لوازم العصر في عالم النظم، وتطوير هذا ليستوعب في إطار الدعوة إلى الله، يعتبر من ضروريات العمل الإسلامي.

3- نريد الانضباط حسماً لمادة الفوضى، ونشجع على الإبداع بكل صوره وأشكاله وألوانه، فهو من سبل النجاح.

4- قد يقول قائل: نرى بعض هذه الأفكار يرددها «معمَّمون» أحياناً، وكذا نلاحظ بعض الذين يعتلون المنابر ينادون بهذه الأفكار ذاتها، أقول لهم: إن خيطاً ما يربط بين الطرفين، والأيام القادمات كفيلات بكشف كثير من المستور.

الثلاثاء, 04 ديسمبر 2018 12:26

الغِيبة.. وحركة الحياة

الغِيبة كبيرة عظيمة من كبائر الإثم والعدوان، وسيئة من سيئات الضلال والفساد، هي حالة من حالات الضياع، وصورة من صور الشرود، وطريق من طرق التيه، وباب من أبواب الارتكاس في حمأة الجاهلية، خانقة الفضيلة عند الناس، وتصنع الدخن والإلباس، ومدخل من مداخل التمزق، وعالم من عوالم الانحدار، وآفة تأكل الأخضر واليابس، لا تبقي ولا تذر، محبطة لأعمال البشر، قال الحسن البصري: "والله لَلغيبة أسرع في دين الرجل من الأكَلة في الجسد".

الغيبة مكسرة لأسوار الفضيلة، ومدمرة لحصون الحياء، ومزلق من مزالق الطغيان، ونافذة من نوافذ العدوان، ومسرب من مسارب البغي، ومرتسم من مرتسمات الشيطان، يعكس من خلالها إبليس غواية العدوان، فيحقد الإنسان على أخيه الإنسان، ويمد له حبال الغي، حتى يوقعه في شرك الرذيلة.

مرَّ عمرو بن العاص رضي الله عنه على بغل ميت، فقال لأصحابه: "لأن يأكلَ أحدكم من هذا البغل حتى يملأ بطنَه خيرٌ له من أن يأكل مِن لحم أخيه المسلم" (صحيح الترغيب والترهيب).

إنها الغيبة! مدمرة المجتمعات، وصانعة المبغضات، وجري وراء الشهوات، ومحركة للعداوات، ومبددة للطاقات، ومجمع من مجامع الغفلات، وسبيل من سبل الهلكات، تهوي بالمرء إلى أسفل الدركات، وأحط العاقبات، وأخس الدركات، وهي في مجال السير إلى الصلاح من العقبات، حيث توصلت إلى الطامات الكبيرات.

إنها الغيبة! عدو مبين، وشر مستطير، ونكد فظيع، وبعد عن مناهج الربانيين، وأحوال الصالحين، وسير المتقين، أصحابها عناكب الفتنة التي تنسج خيوطها في وسط المجتمعات، ما شاعت في أمة إلا جعلتها في الحضيض، ولا أدمن عليها امرؤ إلا تحول إلى شيطان رجيم، ولا انتشرت في جماعة أو حزب إلا حول نهاره إلى ليل، وسعادته إلى شقاوة، وحلاوته إلى مرارة.

أصحابها ظلاميون بكل دلالة المعنى؛ ظلمة قلب، ووجه وضمير، ظلمة عين أو لسان، أو جارحة، ظلمة سلوك، هم رسل الشر، وعناوين الفساد، ورموز الخراب، ولصوص الطاقة، حيث حلوا تفوح روائح المكر، وطعوم الكيد، وألوان الفتن، وصنوف الفساد، إنهم الخطر الكبير، والحذر منهم جدير.

تشدد الإسلام في تحريم الغيبة:

قال الله تعالى‏:‏‏ (‏وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ {12})‏ ‏‏(‏الحجرات‏‏‏)، يقول الأستاذ سيد قطب في ظلاله: "لا يغتب بعضكم بعضاً، ثم يعرض مشهداً تتأذى له أشد النفوس كثافة وأقل الأرواح حساسية، مشهد الأخ يأكل لحم أخيه ميتاً! ثم يبادر فيعلن عنهم أنهم كرهوا هذا الفعل المثير للاشمئزاز، وأنهم إذن كرهوا الاغتياب!".

ثم يعقب على كل ما نهاهم عنه في الآية من ظن وتجسس وغيبة باستجاشة شعور التقوى، والتلويح لمن اقترف من هذا شيئاً أن يبادر بالتوبة تطلعاً للرحمة: (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ {12}).

ويسري هذا النص في حياة الجماعة المسلمة فيتحول إلى سياج حول كرامة الناس، وإلى أدب عميق في النفوس والقلوب، ويتشدد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم متمشياً مع الأسلوب القرآني العجيب في إثارة الاشمئزاز والفزع من شبح الغيبة البغيض.‏

وقال تعالى‏:‏ ‏(‏وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً {36}) ‏‏(‏الإسراء‏‏‏)،‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ {18}) ‏‏‏(‏ق‏‏‏)‏‏.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ "أتدرون ما الغيبة‏؟‏"، قالوا‏:‏ الله ورسوله أعلم، قال‏:‏ ‏"‏ذكرك أخاك بما يكره‏"‏، قيل‏:‏ أفرأيت إن كان في أخي ما أقول‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته" ‏‏(‏رواه مسلم‏)‏‏.‏‏

وعن أبي موسى رضي الله عنه قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله، أي المسلمين أفضل‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏من سلم المسلمون من لسانه ويده" (متفق عليه)‏‏‏‏.‏

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ "إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب‏" ‏‏(متفق عليه‏).‏

وعن معاذ رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله‏:‏‏ "ألا أخبرك بملاك ذلك كله‏؟‏‏"‏، قلت‏:‏ بلى يا رسول الله، فأخذ بلسانه قال‏:‏ "‏كف عليك هذا‏"‏، قلت‏:‏ يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به‏؟‏ فقال‏:‏ "ثكلتك أمك‏!‏ وهل يُكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم‏؟‏‏"‏ ‏(رواه الترمذي، وقال‏:‏ حديث حسن صحيح)‏‏.‏

وعن أبي بكر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم النحر بمنى في حجة الوداع‏:‏ ‏"‏إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا هل بلغت" (‏متفق عليه)‏‏.‏

وعن عائشة رضي الله عنها‏:‏ قالت: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا‏ -قال بعض الرواة‏:‏ تعني قصيرة- فقال‏:‏ ‏"‏لقد قلت كلمة لو مُزجت بماء البحر لمزجته‏"‏، قالت‏:‏ وحكيت له إنساناً فقال‏:‏ "ما أحب أني حكيت إنساناً وإن لي كذا وكذا" (رواه أبو داود والترمذي، وقال: حديث حسن صحيح).

وعن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ "لما عُرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نُحاس يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت‏:‏ من هؤلاء يا جبريل‏؟‏ قال‏:‏ هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم‏" ‏(‏رواه أبو داود)‏.

والناس مع الأسف يستهينون بهذا المرض الفتاك، حتى أصبحت الغيبة فاكهة المجالس، وسلوان الغافلين، وتسلية المبطلين.

وكما أن الغيبة حرام، فكذا سماعها والرضا بها، ومشاركة أصحابها ولو بالسكوت، ونص العلماء على تحريم سماع الغيبة وأمر من سمع غيبة محرمة بردها والإنكار على قائلها، فإن عجز أو لم يقبل منه فارق ذلك المجلس إن أمكنه، كما نقل ذلك الإمام النووي وغيره من الأعلام، قال الله تعالى‏:‏ (وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ)‏ ‏(‏القصص‏:‏ 55‏)،‏ وقال تعالى‏:‏ ‏(‏ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ {3}) ‏(المؤمنون)، وقال تعالى‏:‏ (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ {68}‏) (الأنعام‏)‏‏.‏

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏من رد عن عِرض أخيه، رد الله عن وجهه النار يوم القيامة" (‏رواه الترمذي، وقال: حديث حسن).

‏وعن كعب بن مالك رضي الله عنه، بحديثه الطويل في قصة توبته، ‏قال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في القوم بتبوك‏:‏ ‏"‏ما فعل كعب بن مالك‏؟"،‏ فقال رجل من بني سلمة‏:‏ يا رسول الله، حبسه برداه، والنظر في عطفيه، فقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: بئس ما قلت! والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏ (‏متفق عليه‏).‏

الخلاصة: الغيبة مصيبة على المرء وعلى المجتمع، وهي من الآفات الكبرى التي ابتلي بها كثير من أبناء جلدتنا، وهذه الأدلة التي سقناها جزء من أدلة النواهي عن هذا الخلق السيئ، ولو أردنا استقصاء ما ورد من أدلة وأقوال وتفصيلات وحديث شامل عنها، لكانت مجلداً، فاحذر، وانتبه، وتذكر، واعقل، واتق الله!

الأحد, 12 أغسطس 2018 10:04

الإسلاميون.. وفقه التقويم (1)

يُتهم الإسلاميون وكذا الحركة الإسلامية بأنهم لا يقومون بعمل التقويم، ولا يلتفتون لعلم المراجعات، وترى خصوم الإسلاميين يوجهون اللائمة للإسلاميين أنهم جامدون، لا يتطورون، متكلسون لا يسايرون جديد الحياة، تنظر إليهم من قريب ومن بعيد فتجدهم وكأنهم لا يعيشون عصرهم، بل كأنهم في عصر من العصور الغابرة، وعلة العلل –كذا زعم خصوم الإسلاميين- أنهم "ماضويون" يقدسون الماضي، ويجمدون على اجتهادات الماضي، ولا يعتبرون الخير إلا بمن مضى، وشعارهم "لم يبقِ المتقدم للمتأخر شيئاً"، خصوصاً إذا كان من جيل المؤسسين، الذين لهم رمزية في العلم والتجديد والاجتهاد، كما هو كذلك في التخطيط والتنظيم، فسحرهم ذلك الماضي، فراحوا يقفون على الأطلال، وينشدون على ذلك المجد لا يبرحونه، فتوقفوا عند محطات العالم الفلاني، أو المفكر الفلاني، أو المؤسس العلاني، أو العبقري فلان، والداهية علان.

من هنا ترى هؤلاء الخصوم يجعلون هذا الأمر من أعمدة الضياع الإسلامي، وبسببه ضاع كثير من فرص اللقاء الوطني، وغير ذلك من البلاوي والكوارث والطامات، لذا ينادون بالمراجعات وإعادة النظر وإجراء التقويم على أسس مبادئ العولمة، وما بعد الإسلاموية، وحداثة الفلسفة، وفلسفة ما وراء الأدلجة، ويتشدقون ويبالغون ويتطاولون، ويخلطون الحق بالباطل، والخير بالشر، والسم بالعسل، وغير ذلك من أنواع الخلط.

وفي البداية نقول: هذا النقد بعمومه ليس صحيحاً، بل هو مجاف للحقيقة، وبعيد عن دائرة الصواب، وظلم ظاهر، ووصف قائم على الجهل، أو الخصومة غير المنصفة، أو الاصطياد بالماء العكر، وفي بعض الأحيان وأنا أقرأ لهذا الصنف المتهم، فأمرّ على أفكارهم، وألتهم كلمات مقولاتهم، وأقول في نفسي: ما هذا الجهل؟ وعن أي حركة يتحدثون؟ وعن أي جماعة يذكرون هذه المعاني والمفردات؟ لأعود مؤكداً أن هذه الأحكام التي تطلق –بهذا التعميم– على كل الإسلاميين، إنما منشؤه الأساسي القناعة قبل البرهنة، مع تقليد تلقينيّ مريع.

خصوم الإسلاميين

إن الحركة الإسلامية، والإسلاميين عامة، قاموا بعمليات تقويم كثيرة، بين الفينة والأخرى، وبين عقد وعقد، وبين مرحلة وأخرى، ومن تجربة لتجربة ثانية، جزئياً أو شاملاً، وهذا أمر معروف ومعلوم، والأمثلة على هذا كثيرة، وكانت هناك في بعض البلدان مراجعات ضخمة، ولكن مشكلتنا مع القوم المثل السائر المعبر عن حالة العناد الأيديولوجي المبرمج "عنزة ولو طارت".

ونستطيع أن نقول: إن هدف خصوم الإسلاميين من نقد الإسلاميين، على أنهم معطلون للنقد في صفوفهم، ويحاربون الناقدين، ويكرهون الذين يؤشرون على الأخطاء، ولا يقومون بالتقويم المطلوب، ولا يعتنون بقانون المراجعات، إنما هدفهم التشهير، والنَّيل من الإسلاميين، وفي بعض الأحيان يريدونهم أن يتخلوا عن ثوابتهم، ويخرجوا من جلودهم، حتى يفقدوا خاصية تمايزهم، ولا أنكر أن بعض هؤلاء –رغم أنهم خصوم- يريدون للحركة الإسلامية أن تطور نفسها، وتواكب مستجدات الحياة، في الجانب السياسي والجانب المعرفي العام، كل ذلك من باب النصح، وهؤلاء قلة من كثرة، حتى لا يفهم كلامنا يضرب بعضه بعضاً.

وبالمقابل، وحتى نكون موضوعيين، هناك نوع محدود من الإسلاميين، الذين يعيشون حالة الجمود، وأعداء للتجديد، وثبتوا على متحركات، وحصروا أنفسهم في اجتهادات باتت قديمة؛ فيرفضون التغيير، ويعادون التقويم، ولا يؤمنون بالمراجعات، ويعتبرونها من النكسات، بل يرون ذلك من التغيير الذي يعبر عن حالة التساقط على طريق الدعوة، فيقولون، على سبيل المثال: فلان كان يرى كذا، وغيّر وبدّل، وصار يرى كذا، وكأنها جريمة من الجرائم العظمى، أو كأنه غير ثابتاً من ثوابت الدين، أو خرق ركناً من أركان العقيدة والإيمان، في حين أن القضية لا تعدو كونها مسألة اجتهادية، وهذا لا شك أمر غير مقبول، بل مخيف مرعب، لأن المطلوب غير هذا تماماً.

وتلقى هذا الصنف، ثم تغيب عنه عقداً أو عقدين، وتلقاه فإذا هو هو لم يتغير ولم يتبدل، بعض الناس يرى هذا صفة مدح، وأنا لا أرى هذا، والحالة الفردية من هذا النوع تدلل على حقيقة ما نذكر، تلاحظ مستوى الثقافة والمعرفة الحركية عند فلان من الناس، تتركه فترة طويلة ثم تعود إليه، فتجده كما تركته لم تغير الأيام وتطوراتها وأحداثها، وانفجاراتها المعرفية والثقافية منه شيئاً، ولم تضف له أي جديد، وبالمقابل ترى بعض الإخوة ثم تغيب عنهم زمناً، ثم تلقاهم، فإذا الواحد منهم قد توسعت مداركه، وازدادت ثقافته، وتطورت معارفه، وتحسن أداؤه، هذا مبدع في مجال السياسة، وذاك داعية متميز من طراز فريد، والأخ الفلاني يشار له بالبنان في الجانب العلاني وهكذا، فإذا بي أقف أمام مفاخر جديدة.

الحركة قبل عشرين سنة لا يمكن أن تبقى كما هي، فلا تتغير ولا تتبدل، ولو بعد خمسين سنة، وتكرر خططها، وتحبس نفسها في أدوات ذلك الزمن، تراها عتيقة الأفكار، قديمة الوسائل، بالية الأداء، هذا غير مقبول ولا يُعقل في عالم العمل الإسلامي، الحيوي المتجدد المستوعب للنوازل، والمواكب لتطورات الحياة، وكذا الإنسان وهو ابن عشرين عاماً، غيره ابن أربعين أو خمسين أو ستين، لأن قراءته كثرت، وثقافته توسعت، وعقله كبر، وذهنه توسع، واكتسب من الخبرات ما يصنع منه شيئاً جديداً، وصارت له تجربة يفيد منها في هذا الذي ندندن حوله، فإذا بقي كما هو، ولم يتغير فيه شيء، وهو كما تركته من عشرين أو ثلاثين سنة؛ إذن نحن أمام مشكلة كبيرة، تستحق التوقف والبحث والنظر.

ولعل أحد المفكرين الإسلاميين قصد هذا الصنف من الإسلاميين لما قال: "لم تعتد الجماعات على النقد الموضوعي لها؛ ولذا تسارع في تصنيف الممارس له وإدانته واتهامه دون الاستفادة من النظر في مادة النقد وفحواها".

تقديس الجماعات الإسلامية لقادتها أوقعها في سلسلة من الأخطاء الكارثية، أولها تنزيه القيادة من الخطأ، ثانيها زرع روح القطيع في الأفراد، هذا الكلام ينطبق على مجموعة قليلة من الإسلاميين، وظني أنه لم يقصد التعميم، فإن أراد التعميم –رغم حبي له واحترامي لقدرته التنظيرية– فإني أختلف معه كل الاختلاف، ولا أرى كلامه صواباً.

من هنا، فإن غايتي من هذه المقالة: تثبيت صحة فقه التقويم والمراجعات، وأنه فقه يتطابق مع شرع الله، ويتوافق تماماً مع مقررات الحركة الإسلامية.

أهمية فقه التقويم وإحداث المراجعات:

فقه المراجعات والتقويم له أهمية بالغة، وهو من الموضوعات الحساسة، ولها طبيعة استثنائية حين الإقدام عليه، وذلك لاعتبارات متعددة، وملابسات كثيرة، سنمر على ذكرها في ثنايا هذه المقالة.

التقويم والمراجعات دليل صحة، وليست عرَضاً لمرض، كما يتصور بعض الأحبة، بل ترك المراجعات هو الخطر، ونصبح كالمريض الذي لا يريد الذهاب إلى الطبيب خشية الصدمة من وجود مرض خطير، في حين أن قواعد الصحة المنصوح باتباعها هي المبادرة في الفحص لكشف المرض –إن وجد– مبكراً، حتى يسهل علاجه قبل أن يستفحل، وكذا هنا في المراجعات، نفعل هذا لنحل المشكلات قبل استفحالها، ونكتشف الاختلالات قبل انتشارها، ونسبر غور العوائق لمعرفتها قبل أن تنخر في جسمنا الطيب.

إعادة التقويم برهان على قوة الفرد والجماعة والمؤسسة، وليست علامة ضعف وخور، أو بمعنى آخر هي عنوان على استئناف مسار الرشد، لكن بروح جديدة، ودم جديد، وبرامج جديدة، مثله كمثل الصوم الذي بسببه تتخلص من الخلايا الميتة والهزيلة، وتستبدل بشي يملأ الجسم حيوية ونشاطاً، فتنطلق معافى صحيحاً قوياً، كل هذا يكون من خلال التخلص من خلايا الضعف والانكسار، وبناء خلايا تمنحك الفعل اللازم، في عالمك الحركي، وحركتك الإيجابية.

إن شجاعة التقويم والمراجعة، والاعتراف بالخطأ حال وقوعه؛ يمنحك المصداقية، ويعطيك قوة الإرادة، فلا تتردد، ولا تتلكأ، ولا تتلعثم، ولربك تعبّد.

التقويم بحث عن الأحسن والأجود والأروع والأفضل، والأكثر خيراً ونمواً وازدهاراً، وليس رجعة إلى الوراء للقعود والإحباط، والدخول في متاهات اللوم المقعد، الحالقة المهلكة، والجدل المر، والشحناء المضرة.

المراجعات علامة ثقة بالنفس، حيث تمتلئ نفس أصحاب المراجعات بمعاني الحضور، ومربعات الشهود، إثباتاً للذات، وإحداثاً للفارق بين الأمس واليوم، والبروز على ساحة العمل بلون جديد، وفعل قوي، وإنسان مسلم لا يعرف الملل، ولا تسيطر عليه علامات الكسل والملل والسآمة، ومن ثم قد دفع عنه شارات الترهل ومقاسم اليأس؛ والذين يخافون من التقويم والمراجعات يعيشون حالة الانكسار والهزيمة النفسية، ويكونون كهذا الذي يخاف من خياله!

التقويم والمراجعة ليست قضية جديدة، عندنا معاشر المسلمين، بل هي قديمة قدم أجيالنا، من أيام سلفنا الصالح، وماضينا المجيد، وتاريخنا التالد، فهذ سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه لما بويع بالخلافة بيعة السقيفة، تكلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:

"أما بعد أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم".

وهذا سيدنا الفاروق عمر رضي الله عنه، يضع ميزاناً قيماً، يجعله قانوناً في مسائل الحكم، بهذه الكلمات الوجيزات المكتنزة بالفهوم العزيزات، والقواعد الرائدات، والمعالم الواضحات، في هذا الذي ندندن حوله، ومنها أن التقويم والمراجعة ليس عيباً، بل هو من أعمال الراشدين، وسلوك المهديين، وسيرة المجددين، ومنهاج الصالحين.

ووضع اليد على الألم ليس عاراً، والمصيبة في التمادي في الخطأ فلا نصحح، ولا نقوم، ولا نتراجع عن الخطأ.

وروى الدارقطني عن عمر بن الخطاب: "لا يمنعك قضاءٌ بالأمس راجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن ترجع فيه إلى الحق؛ فإن الحق قديم، والرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل".

وكتب عمر إلى معاوية رضي الله عنهما: "أما بعد: فالزم الحق ينزلك الحق منازل أهل الحق يوم لا يقضى إلا بالحق".

فعندما يظهر لك الحق، من خلال بحث وعلم، ومعرفة، وسبر وتقسيم، وتقويم سليم، فلا يجوز لك إلا أن تقبله، وتسير على منواله، ففيه الفلاح والنجاح، ففي بعض الأحيان تقدم للجماعة أو الحركة تقويمات ناصحة، من صديق أو قريب، فعليك أن تقلب فيها وجوه النظر، فإن كانت مفيدة فبها ونعمت، فاقبلها وامض على بركة الله، ولا تدفعنك عوامل العصبية أو الكبر ألا تقبل ذلك.

عمر بن عبدالعزيز قال: "ما من طينة أهون عليَّ فكاً وما من كتاب أيسر عليَّ رداً من كتاب قضيت به ثم أبصرت أن الحق بغيره فنسخته".

عمرو بن مهاجر قال: قال لي عمر بن عبدالعزيز: "إذا رأيتني قد مِلتُ عن الحق فضع يدك في تلابيبي، ثم هُزَّني، ثم قل لي: ماذا تصنع؟!".

قال الإمام أحمد: "كان أحسن أمر الشافعي عندي أنه كان إذا سمع الخبر لم يكن عنده قال به وترك قوله".

ذكر الآجرّي صفات العلماء، فذكر منها: "إن أفتى بمسألة فعلم أنه أخطأ لم يستنكف أن يرجع عنها، وإن قال قولاً فردَّه عليه غيره –ممن هو أعلم منه أو مثله أو دونه– فعلم أن القول كذلك رجع عن قوله وحمده على ذلك وجزاه خيراً".

الصفحة 1 من 9
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top