محمد سالم الراشد

محمد سالم الراشد

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

السُّنة في العراق متفرقون وغير موحدين، ليس لديهم رؤية واحدة ولا مشروع حقيقي، ظلوا سنين تحت حكم «البعث»؛ فضاعت هويتهم وقدرتهم على التفكير وإرادتهم على التوحد، لم يكونوا على رؤية واحدة لمشروع متفاهم عليه أمام التحديات والمتغيرات التي حدثت بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003م، لم تكن لديهم قيادة قادرة على استيعابهم وحشدهم أمام المتغيرات والتحولات التي نشأت أمام الدولة العراقية تحت الاحتلال؛ فانقسموا إلى ثلاث طبقات:

- طبقة حاولت أن تفهم الموقف بأن الأمريكيين هم الأقوى ويفرضون حلاً عسكرياً وسياسياً، ولديهم حلفاء محليون وقادمون من إيران، ولديهم حليف كردي قوي، ولديهم تجربة في الحكم الذاتي وإدارة الحرب؛ ومن ثم بادرت هذه الطبقة لمحاولة الانسجام مع المتغيرات الدستورية والسياسية في وضع دستور جديد، ولكن هذه الطبقة لم تجد في بادئ الأمر التأييد الشعبي بين السُّنة الذين كانوا أغلبهم يعارضون الاحتلال الأمريكي، ويعتقدون سهولة مواجهته، وأن الشيعة ما هم إلا قادمون مع المحتل ويسهل معالجة أمرهم، وقد حاولت هذه الطبقة السياسية إقناع القوى الشعبية السُّنية بجدوى المشاركة السياسية، ولكنها لم تفلح؛ مما سبب في إيجاد دستور غير عادل للسُّنة، وتم تفريغ المؤسسات المدنية والوزارات من السُّنة لصالح الشيعة والأكراد، وعندما رجع السُّنة للعملية السياسية بعدها كانوا متأخرين، إذ فُرض عليهم النظام الانتخابي غير العادل، ومكَّن ذلك للشيعة والأكراد سياسياً وعملياً، وتم تشكيل الجيش العراقي من هاتين الفئتين على حساب السُّنة الذين خسروا مواقعهم في الدولة الجديدة بعد الاحتلال الأمريكي.

- الطبقة الثانية: وهي طبقة علمائية وعسكرية، رأت في وجود المحتل سبباً لمأساة العراق، فكانت الخطة العملية هي عدم تمكينه في العراق، فاتخذوا مقاومة المحتل سبيلاً، ونشأت جماعات مسلحة واجهت المحتل الأمريكي وحلفاءه، من هذه الجماعات كتائب العشرين وجامع وغيرها.

واستطاعت هذه المجاميع أن تتقدم نسبياً في المحافظات السُّنية، لكنها ووجهت بالعنف، واستطاعت «القاعدة» أن تسيطر على الأوضاع في المناطق السُّنية الملتهبة، ووجهت «القاعدة» ضرباتها على القوى السُّنية المقاومة وفرقتها، واستطاعت الدولة العراقية الجديدة وتحالفها مع الأمريكيين أن تحول صراعها ضد الإرهاب، والتي أقنعت المجتمع الإقليمي والدولي بمواجهتها بما يسمى بالتحالف ضد الإرهاب.

- أما الطبقة الثالثة: فهي طبقة البعثيين الموالين للنظام السابق، والذين ظلوا في مكمنهم الاجتماعي في الموصل والأنبار وبعض أجزاء من بغداد، ثم مؤخراً تحالفوا مع مجاميع «القاعدة» وتنظيم «داعش»، وهم ظلوا سبباً في تفكيك أي مشروع سُني سياسي أو مقاوم.

وتكرر المشهد المأساوي للسُّنة؛ «ساسة يعملون تحت إطار الدستور» غير متفقين على رؤية ولا سياسية موحدة، يفشلون في تحقيق مطالب الديمقراطية السُّنية، في حين يحقق الشيعة والأكراد ما يريدون في كل مرحلة، وسُنة ثائرون متطرفون أو مقاومون يدخلون في صراع مسلح مع الدولة التي يقودها الشيعة، ويكون الصراع في المناطق السُّنية؛ مما سبب دمارها بالكامل، وتفشل كل مرحلة، فالسياسيون السُّنة لم يحققوا أي نجاحات سياسية لإعطاء السُّنة حقوقهم المدنية والدستورية والاقتصادية، كما فشل حاملو السلاح في قدرتهم على حسم معاركهم؛ مما سبب دماراً لمناطق السُّنة وتسبب في هجرة سكانها وموتها اقتصادياً.

إن السُّنة في العراق عاجزون على التوحد في الرؤية والسياسة والقوة، ولا تستطيع أي دولة سُنية الاعتماد على أي طرف منهم؛ بسبب ضعفه منفرداً، أو أي كتلة سُنية؛ بسبب خلافاتها الجذرية، وعليه اتجه العقل السُّني في العراق إلى حالة من الانغلاق والانسداد، وقلة الحيلة، ثم بدأ هذا العقل السُّني إلى مزيد من التطرف في تحميل أي طرف يحاول إيجاد حل أو مخرج أو لتقليل المفاسد والخسائر فيحمله النتائج، ويتجه هذا العقل إلى شيطنة وتخوين الكل مع عدم قدرته على وضع الحل الواقعي.

وعليه؛ يمكن توصيف العقل السُّني العراقي في هذه المرحلة بما يلي:

أولاً: يعتمد العقل السُّني العراقي على محصلة العلم الشرعي دون الاعتماد الحقيقي على قدرات علم الواقع في الجيوستراتيجية، وفهم العلاقات الدولية، والتحصن بالاقتصاد والعلم الاجتماعي، فتقدير الواقع مرده إلى العقل المتخصص وليس العقل الشرعي؛ وبالتالي فإن نقصان القدرة على تحليل الواقع أدى إلى سوء تقدير الموقف؛ حيث اعتمد الموقف على تحليل النظر الشرعي والحمية الدينية، وعزة النفس وترك الاعتماد على التحليل الواقعي الذي يقتضي وجود العقل الإستراتيجي والواقعي الذي يدرس موازين القوى، ويصنع السياسة والموقف المناسب لها؛ ولهذا فإن حالة العسكرة أو السياسة في البيئة السُّنية كانت قاصمة وليست عاصمة.

ومن الطبيعي أن يتولى قيادة الموقف هم طبقة العلماء الشرعيين، ويفترض أن يكون دورهم ليس التصدي للقيادة السياسية، بل بتحفيز العوام ومساندتهم في توظيف الرأي الشرعي لتقدير الموقف الواقعي المبني على آراء المتخصصين؛ لذا افتقدت النظرية السياسية الواقعية المسددة بالرأي الشرعي من الاحتلال الأمريكي للعراق وتطور الحالة السياسية وإلى اليوم.

ثانياً: العقل السُّني مجزأ الهوية ومتعدد الثقافة الفكرية، ولذا فإنه يعكس هوية مضطربة لا تلوي على نسيج فكري واحد، فهناك الفكر البعثي والعلماني والسلفي والإخواني والصوفي، ولكلٍّ نظريته في العمل والواقع، وهي متعارضة في مسارها وأغراضها، ولذا فلا مرجعية فكرية شرعية لأهل السُّنة، وليس المقصود بها الفتوى وإنما الرجوع لها عند الواقعات، وهذا بالطبع انعكس على طبيعة الصراعات السياسية والاستقطابات في المحتوى السُّني الديمجرافي.

ثالثاً: نزوع العقل السُّني نحو الاستعلاء الفكري بسبب التاريخ والديمجرافيا، وبسب طبيعة الحواضن والبيئة والنمطية؛ مما أوجد حاجزاً فكرياً وقدرة على استيعاب الآخر سواء الطائفي أو العرقي أو الوطني أو حتى داخل النسيج السُّني الواحد، وإذا أضفنا أن محددات المظلومية السُّنية التي نشأت بسبب الظلم والطغيان والحرمان وتجاوز الحكومة، فإن ذلك زاد من فجوة الاغتراب الفكري والاستعلاء بما أضعفت قدرة العقل السُّني في العراق على صياغة المشتركات، والبحث عن التناقضات ومبررات التأثيم والتأزيم، بل وجدنا أنه غير قادر على مواجهة الفكر «الداعشي»؛ بسبب أنه ناتج من نفس بيئة الاستعلاء الفكري السُّني، وعليه فإن نتائج أزمته في العراق أدت إلى:

- التلبس بالمشروع الطائفي وإنهاء المشروع الوطني بحكم الواقع، إذ تحول النزوع لمشروع «الإقليم السُّني» هو غاية المطلب السُّني.

- حالة الضياع وعدم الاستقرار والتهجير والتغيير الديمجرافي، فالسُّنة لاجئون في وطنهم وخارجه.

- الفشل في إيجاد القيادة الجامعة القادرة على توحيد الرؤية السياسية للسُّنة، بسبب ضعف الإرادة وشهوة الاختلاف وسوء الظن والشك السياسي.

- فشل الجهود في إيجاد قوة عسكرية منظمة تحت مظلة الدولة تحمي مصالح السُّنة؛ بسبب الفتاوى اللامسؤولة التخطيط لفشلها، والعمل الدؤوب في تخوينها وتأطيرها خارج نطاق الدولة لتصبح مشمولة بقوانين الإرهاب.

يا ترى فما هو الحل؟

من الطبيعي أنه لا يمكن أن يضع أحد حلاً إلا العقل السُّني العراقي، وهذا العقل اليوم مستغرق في جزئيات المشهد المأساوي العراقي، غير مستقر ومستفز بالاعتداءات والظلم اليومي، ومتحفز للتطرف وإصدار الأحكام والتحليلات المتطرفة.

إن استقرار العقل السُّني نحو قيادة فكرية جامعة متزنة تنظر إلى المشهد الجزئي وتفصيلاته داخل العراق، بالإضافة إلى المشهد الإقليمي الدولي للتفكير برؤى عملية شاملة، ربما ذلك سيساهم في دفع الساسة والكفاءات والثوار العراقيين السُّنة للاعتدال في رؤيتهم ومواقفهم، والنظر في تفكيك المفاسد ودرء المخاطر وتعظيم المكاسب لصالحهم.

وتعد مأساة الفلوجة نموذجاً عملياً لمأساة العقل السُّني المضطرب، والذي لا ينظر إلى حقيقة الحدث إلا في الإطار الواحد، وهو إطار الصراع الطائفي، دون التفكير في النظر الشامل ومآلات الأمور حال تفكيك المشهد وإعادة تركيبه وفق نظرية المصالح والمفاسد والسياسة الشرعية، وكيفية توظيف حالة الفلوجة إلى تجسيد حالة من وحدة الرؤية السياسية والعسكرية والإستراتيجية ومعادلة القوة وتوازنها.

فالمشهد خطير؛ إذ تتصارع فيه قوى سُنية محلية سياسية ممثلة في السُّنة الممثلين في مجلس النواب العراقي، وأهل الفلوجة (الديمجرافيا السُّنية)، والحشد العشائري (قوى سُنية مسلحة) في مواجهة قوى سُنية مسلحة متطرفة (داعش) ويقدر عددها بـ600 مقاتل، وفق التقارير الصحفية.

ومن جهة أخرى، فهناك قوى الدولة العراقية ممثلة في الجيش العراقي، وقوى متطرفة شيعية مدعومة من إيران (الحشد الشعبي الشيعي)، وتواجد خبرات إيرانية في الميدان بقيادة سليماني، وقوى دولية تقودها الولايات المتحدة.

فكل هذه القوى متواجدة حالياً في محيط الفلوجة وعلى أرضها، والكل متحفز لنصرٍ يحققه.

فالأمريكيون يريدون الانتصار لكسب معركة الانتخابات الرئاسية لصالح حزب «أوباما».

والإيرانيون يريدون تحقيق نصر مستعجل من أجل ضخه لداخل إيران لفشلهم في سورية، ولتخفيف ضغط الإصلاحيين على تيار المحافظين المؤيد بـ «خامنئي».

والعبادي يريد تحقيق نصر من أجل مواجهة مظاهرات الشيعة في بغداد.

والسياسيون السُّنة ومحافظ الأنبار صهيب الراوي وحشده العشائري يريد تحقيق نصر من أجل تمكين حالة الإقليم السُّني الذي ينتظرون طرحه للمستقبل.

وتنظيم «داعش» يريد تحقيق نصر بعد هزائمه لتثبيت موقفه وحماية نفوذه.

فالفلوجة إذن ليست فقط حالة صراع طائفي، وإنما أيضاً هناك مجموعة من تناقضات المصالح تريد جميع الأطراف تحقيقها من معركة الفلوجة.

ويبقى هنا كيف يفكر العقل السُّني لاستثمار هذه اللحظة التاريخية؟

أشك أن ينجح ذلك العقل ما لم يفك التباسه بالجزئيات وينظر للكليات والمقاصد.

ويبقى أن الدماء المبعثرة من هذا التدافع هي دماء سُنية، ستظل مستمرة ما دام الضعف والتشتت والفرقة سائدة عند السُّنة وعقلها المفكر.

فإلى متى سيستمر العقل السُّني العيش في حالة اللاوعي، وأن يرتفع العقل السُّني في العراق إلى مستوى الحدث والمسؤولية، ويكون على مستوى تحديات الواقع وفهم التحولات والمتغيرات، وأن العراق اليوم ليس هو العراق ما قبل الاحتلال؟

وسيظل العراق السُّني أملاً زاخراً بالعقول القادرة على إنقاذه من التفتت والتجزؤ والضعف.

الإرهابيون المتطرفون يسجلون جرائمهم بالصوت والصورة ويتحدُّون العالم، وهؤلاء لا يستحيون من جرائمهم، ويعتبرونها قضية عادلة ونصراً مؤزراً، ومشروعاً مستحقاً، جرائمهم لا تخفى عن ذي عين وبصيرة، ولكن هل هم فقط الإرهابيون الحقيقيون؟ إن الأكثر جرماً منهم في الحقيقة هم من يستفيدون بتخطيط وإدارة مباشرة أو غير مباشرة لهؤلاء الإرهابيين، ويصنعون للإرهاب أسبابه، ويسهلون جرائمه، ويكيلون بمعايير مختلفة لتصنيفه، ولتحقيق أغراضهم الدنيئة، ومصالحهم التي لا يمكن أن يحققوها بمعادلة المنافسة الشريفة أو الاتفاق الملتزم أو التعاون المتساوي؛ لذا هم يختبئون خلف الإرهاب والإرهابيين لتحقيق مكاسبهم ومصالحهم، ولإرهاب خصومهم؛ بما هدد ويهدد حياة البشر الذين بنوا حياتهم على الشرف والإخلاص والجد والاجتهاد، فلا يعبؤون بحياة الناس ولا بقاء المدنية، ولا يهتمون باستقرار الأوطان، وإنما يؤججون الصراع، ويزرعون الفتنة، ويشعلون الحروب، وتمثل هذه الفئة دولاً ومؤسسات وشركات هي المستفيدة من تمدد الإرهاب وانتشاره، وتتكسب على نتائجه وصراعه واحترابه.

"بول كيندي"، مؤرخ أمريكي، يرى في كتابه «صعود وهبوط القوى العظمى»؛ أن بقاء وتمدد أي دولة عظمى إنما يكون بتوجيه طاقاتها نحو عدو مفترض؛ حتى لا تنشغل قوى المجتمع ببعضها، وهو يتوافق مع تنظيرات "هيجل"، الفيلسوف الألماني، التي تدعو إلى أهمية الحرب وبذل التضحيات حتى يصبح المجتمع قوياً من الداخل.

دراسات المفكر "هنتجتون" في "صدام الحضارات"، وكذلك "فوكوياما" الأمريكي في "نهاية التاريخ"؛ تستنتجان عدواً سُمي بـ "العدو الأخضر" وهو الإسلام، وإن سيادة قيم الليبرالية الغربية هي نهاية الإبداع البشري، وهذا تبعه تحديد عدو هو «الإرهاب الإسلامي»، ولإيجاد مسار جديد من الصراع في المنطقة العربية والإسلامية، وتم خلق حالة الحرب على الإرهاب منذ هزيمة الروس في أفغانستان عام 1989م، والصراع بين "القاعدة" والولايات المتحدة، والتي انتهت إلى أحداث سبتمبر 2001م، حيث بدأ بعدها "بوش" الابن بالحرب على أفغانستان والعراق، لتتوالد ردود الفعل وتنامي الإرهاب وتوسع دائرته، وخصوصاً بعد إسقاط نموذج الثورات العربية التي بدأت عام 2011م لتسقط مفاهيم الاعتدال والوسطية والديمقراطية، وليبدأ عهد جماعات الإرهاب، واستمرار الصراع المتبادل، خصوصاً وأن قرار إسقاط النماذج السياسية للثورات العربية أتى بدعم غربي ودولي، واستبداله بانقلابات عسكرية أو مواجهات عسكرية، وحملات إعلامية دولية وإقليمية ومحلية "شيطنت" الاعتدال، وأبرزت الإرهاب، بل إنها شرعنت لدول كالنظام السوري، ولمليشيات مجرمة من القيام بجرائم حرب ضد سكان المنطقة كما في العراق وسورية واليمن وليبيا، تلك المليشيات كالحوثيين وحزب الله وعشرات المليشيات الطائفية في العراق وحفتر ومليشياته في ليبيا.

وقد أكدت الإدارة الأمريكية أن هذا الإرهاب سيمتد لأكثر من 10 سنوات، وأسست تحالفاً دولياً لمواجهة ما سمي بـ «داعش» الذي لا يتجاوز عدد أفراده بضعة آلاف من المقاتلين، ويمتلكون أدوات حربية تقليدية، في حين أن التحالف الدولي ضد الإرهاب يمتلك مئات الآلاف من المقاتلين براً وبحراً وجواً، ويمتلك أحدث التقنيات والوسائل الحديثة، ومع هذا فإن «داعش» يمتلك مساحات من الأراضي تعادل دولاً مجتمعة، كما أن امتداده اتسع ليشمل دولاً مثل مصر وليبيا واليمن، ودولاً في أفريقيا، وعمليات في أوروبا آخرها عمليات بروكسل الأخيرة في مارس الماضي.

إن الحرب على الإرهاب تجسد جريمة «داعش» وأخواته ونظيراته، ولكنها بشكل أكبر وراءها مستفيدون كثيرون من تلك الحرب، منهم:

- اليمين المتطرف الأوروبي يستعيد مكانته انتخابياً وسياسياً.

- المحافظون الجدد في الولايات المتحدة متوثبون لإعادة مجدهم.

- مرشحون للرئاسة الأمريكية يقتاتون في حملاتهم الانتخابية على شعار «الحرب على الإرهاب»، بل إن مرشحاً مثل "ترامب"، مرشح الحزب الجمهوري، يتعهد بطرد المسلمين ومنعهم من دخول الولايات المتحدة، ويريد من المملكة العربية السعودية أن تدفع ضريبة حماية! وهو ابتزاز سافل لمرشح متطرف.

- أما تجار الأسلحة السوداء فهم سعيدون بهذه الحرب، ويزودون كل الأطراف باحتياجات الصراع والاحتراب على حساب دماء الأبرياء.

- حتى المحطات الدولية العالمية والإقليمية وجدت فرحتها في إنتاج الأفلام والمسلسلات الخاصة بالإرهاب، والتي تدر ملايين الدولارات، وإبرام العقود التجارية والإعلانية بما يضخم ميزانيتها ومواردها.

- الشركات الأمنية العالمية من خلال الحرب على الإرهاب خلقت لها بيئة وحالة تنافسية لمبيعاتها وعروضها وعقودها الباهظة واخترقت سيادة الدول.

- ومثال على ذلك شركة "بلاك ووتر" ودورها المشبوه، فقد نشرت قناة "ديمكراسي ناو" الأمريكية على "يوتيوب" تقريراً حول التهم الموجهة إلى "إريك برينس"، مؤسس شركات "بلاك ووتر" التي تولت مهمة حراسة مواقع أمريكية حساسة في العراق، وقالت: إن "إريك" متهم هذه المرة بغسيل الأموال عبر استغلال الوضع في ليبيا، وقالت القناة، في هذا التقرير الذي ترجمته "عربي21": إن "إريك برينس" قام بأدوار مشبوهة في ليبيا، فقد استغل الوضع الأمني ليعقد صفقات مع اللواء خليفة حفتر، الذي تعامل سابقاً مع وكالة الاستخبارات الأمريكية، ومع الاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، مستغلاً وجود الجماعات المسلحة في ليبيا والهجرة غير الشرعية نحو أوروبا.

- أما بعض الأنظمة السياسية التقليدية في المنطقة، فإنها  أمنت من الضغط عليها مما يخلصها من التزاماتها في تحقيق الإصلاحات السياسية والاقتصادية، وهي فرحة بتعزيز ثقة الدول الكبرى بها في محاربة الإرهاب، لدرجة أن جريدة بريطانية وهي «الإندبندنت» تعنون أحد مقالات الكاتب «روبرت فيسك» أن العالم أصيب بالتخمة من «الحرب على الإرهاب».

إن نتائج الحرب على الإرهاب ونتائج مستثمري الصراع على الإرهاب كارثية على المنطقة؛ إذ إنها تعيش أزمة صراع بين دولها، وتزعزع أمنها بالفوضى، وخسائر في اقتصادها  القومي والمحلي، واستمرار فقدان الأمن الاجتماعي، وانهيار الثقة بين المكونات الاجتماعية والعرقية، مما تؤسس لحالات التقسيم الديمجرافي، وخصوصاً أن سيلاً من الهجرات الديمجرافية تمت ومازالت تتم لتغيير ديمجرافي خطير يؤسس لحالات حروب قادمة على أساس طائفي وعرقي.

فالحرب على الإرهاب لم تصبح بين عدوين ظاهرين متحاربين، وإنما اتسعت لتشمل حالة التغيير الجيوستراتيجي والديمجرافي والاقتصادي في اتجاه الانهيار والتمزق وعدم الاستقرار.

وعلى الجميع أن يسأل: من هو المستفيد من الإرهاب؟ ومن يقف خلفه؟

الأربعاء, 24 فبراير 2016 20:05

ذاكرة الكرد

تعيش المنطقة العربية والبيئة الإقليمية أزمة الصراع والاحتراب والتدافع والتداخلات الإقليمية والدولية، عدا الصراعات الداخلية بين الكتل الاجتماعية فيما بينها، وتنذر تلك بحرب طائفية وعنصرية وقومية، منذ ظهورها بقوة عند سقوط "صدام" في العراق الذي أعاد إحياء الصراع القومي بين الكرد والعرب والأتراك والفرس من جديد.. ومن المشهد يبدو أن القضية الكردية فتحت في المنطقة مشهداً جديداً لزيادة عوامل التشتت والضعف والصراع باستغلالها كقضية أمن قومي من جهة الدول المركزية في إيران والعراق وتركيا وسورية، ومن جهة استغلها النظام الدولي كمعبر للضغوطات على تلك الدول لتحقيق مصالح كبرى على حساب استقرار الكرد واستقرار دولهم المركزية التي يعيشون فيها.

ذاكرة التاريخ

يشهد التاريخ أصالة الكرد وجهودهم العظيمة في توطيد الخلافة العباسية وتصديهم للصليبيين في المنطقة، وتوحيد مصر والشام على يد الدولة الأيوبية، وحماية بيت المقدس ونصرته، ويكفي لهذا الشعب فخراً أنه صدر للعالم الإسلامي نور الدين زنكي، وصلاح الدين الأيوبي، والإمام أحمد بن تيمية، والشيخ بديع الزمان النورسي، كما أن اعتناقهم للمذهب الشافعي السُّني وضعهم في بؤرة الصراعات الطائفية في المنطقة بين الدولة العثمانية، وكانوا من مناصريها ضد الدولة الصفوية، وذلك بعد تقسيم كردستان بعد معركة "جالديران" عام 1514م.

وساهمت الحروب بين الدولتين في التأثير المباشر على الحقوق المركزية للكرد كاتفاقية «أماسيا» (1555م)، التي حطمت حلم الكرد في دولة مستقلة، وتتابعت الاتفاقيات كاتفاقيتي أرضروم (1823 و1847م)، وطهران (1911 و1913م) التي حددت الحدود بين إيران والدولة العثمانية.

ودخلت منذ ذلك القضية الكردية في أتون المصالح المتعارضة والحروب المتدافعة بين الدولة العثمانية وبريطانيا والدول الأوروبية وحتى الولايات المتحدة.

بدءاً من الحرب العالمية الأولى (1914م)، واتفاقية "سايكس بيكو" (1916م) حيث أصبحت كردستان تحت السيطرة التركية بعد معاهدة الصلح عام 1919م في باريس، واقتسمت مخلفات الدولة العثمانية، كما فشل ممثلو الأكراد في الحصول على حقوقهم بالاستقلال وحتى الحكم الذاتي، وضاع أملهم في معاهدة "سيفر"1920م بعد قدوم "كمال أتاتورك"، وبعد مؤتمر لندن 1921م، ومعاهدة لوزان 1923م.

وعملت بريطانيا على إلحاق جنوب إقليم كردستان بالعراق، ومع القضاء على ثورة الشيخ سعيد بيران في مارس 1925م على يد "أتاتورك" فقَدَ الكرد حلم دولتهم وحقوقهم، ومنها بدأ التوجه للسلاح والثورات منذ عام 1931م بقيادة البرزاني الأب، وفشلت ثورته وقيام الاتحاد الوطني لكردستان بقيادة جلال طالباني عام 1975م، وفي خضم هذا الحراك انبثق حزب العمال الكردستاني PKK كمنظمة شيوعية تركية مقاتلة في نوفمبر 1978م، وعملياته عام 1984م ضد الجيش التركي، وقد أتت هذه الحرب على 40 ألف شخص، وقد تم اعتقال زعيم هذا الحزب "عبدالله أوجلان" في فبراير 1999م، واستأنف الحزب العمل العسكري عام 2004م، وتوقف فترات ثم عاد بعد فشل المفاوضات السياسية التي قادها حزب العدالة والتنمية عام 2013م.

المتغيرات الجديدة

منذ اندلاع الثورة السورية قام النظام السوري بتسليم المناطق الكردية لحزب الاتحاد الديمقراطي المسلح، وشكَّل هذا الحزب خطراً على الأمن القومي التركي باحتلاله الشريط المحاذي للحدود التركية اقتراباً من حلب، وقد زاد ذلك من تعقد المشهد الكردي والدول المركزية.

الوضع الراهن

لقد تحول الكرد عبر العقود الماضية وإلى اليوم إلى كتلة ديمجرافية مسلحة في جغرافية سياسية هائلة العدد (25 مليوناً)، وإمكانات ومصادر غنية بالنفط والمياه والمعادن، بالإضافة إلى وحدة المصير المشترك.

لكن هذه الكتلة البشرية في نزاع مع الكتل الديمجرافية لدولهم المركزية في إيران والعراق وتركيا وسورية، ويشكل الكرد في إيران قلقاً وضغطاً على الإيرانيين لقوة علاقتهم بقرنائهم في كردستان العراق، كما يشكل كردستان العراق قلقاً للدولة المركزية وخصوصاً تطوير علاقاتها مع تركيا، في حين أن أكراد تركيا في حرب مع النظام السياسي الجديد لحزب العدالة والتنمية، والذي لم يستطع إلى الآن احتواء المشكلة الكردية بالحل السياسي وعاد للحل العسكري، ويشعر الأتراك في هذه اللحظة الراهنة بالخطر الذي يشكله أكراد سورية على أمنهم القومي، وأن نجاح الأكراد في تجميع نطاقهم الجغرافي في إطار دولة واحدة سيسبب ضغطاً للدولة التركية، وفرصة تاريخية لتقسيم تركيا؛ حيث يشكل الأكراد فيها ما يقدر بأكثر من 14 مليون إنسان.

المأزق الجيوستراتيجي

لهذا فإن كلا الطرفين يعيشان مأزقاً تاريخياً بسبب الرؤى الجيوبوليتيكية السياسية والاقتصادية لهذه الأطراف، فالدول المركزية في المنطقة لا تريد أن تعطي الكرد حكماً ذاتياً واسعاً؛ خشية فتح شهيتهم للاستقلال، وهذا سيقلل من قوة الدولة المركزية، ويساهم في ضعفها، كما يساهم في نمو الاضطراب القومي، بالإضافة إلى ما يحدث الآن من نفوذ دولي في المناطق الكردية لروسيا والولايات المتحدة و "إسرائيل" بشكل خاص، والدول الأوروبية بشكل عام، بحيث يهدد الأمن القومي لهذه الدول.

وأما مأزق الكرد فإن التناقضات بين رؤى المكونات السياسية والعسكرية حول طبيعة الدولة الكردية المنشودة وقدرتها على العيش الذاتي في إطار القوميات الأكبر عدداً وقوة الدولة المركزية بما يعطي هذه الدول الحق في حرب لا هوادة فيها لسحق الدويلة الجديدة أو قطع الإمدادات عنها، لذلك فإن كل الأطراف في مأزق سياسي للأسباب التالية:

- استمرار الظلم الاجتماعي والسياسي والثقافي الذي تمارسه الدول المركزية على الكرد في المنطقة، وعدم وضع الحلول والرؤى لاعتبار الكرد مواطنين من الدرجة الأولى، وهذا ما فعله "أتاتورك" في الدستور التركي الذي تحاول حكومة العدالة والتنمية لتعديله لصالح هذه الرؤية وتواجه صعوبات داخلية من أحزاب المعارضة القومية.

- أن الدول الكبرى ومصالحها عبر التاريخ في القرن العشرين تموضعت حول استقلال الجغرافيا الكردية كجغرافية ضغط على الدول المركزية الناشئة في حينها وإلى الآن.

- تعارض المصالح بين الدول الكبرى كالولايات المتحدة وروسيا واستخدام الورقة الكردية في الصراعات فيما بينها في إيران والعراق وتركيا وسورية.

إن الحل الأمثل فيما نراه لهذا المأزق ربما فيما يلي:

1- الاعتراف بالحقوق السياسية والاجتماعية والثقافية للكرد، والاعتذار لهم عن المظالم التي انتُهكت فيها حقوقهم طوال عهود الدكتاتوريات الإيرانية والعراقية والتركية والسورية.

2- إدماج المواطنين الكرد كمواطنين من الدرجة الأولى في وطنهم عبر تعديلات دستورية جذرية.

3- إعطاؤهم حق إنشاء الأحزاب السياسية والمنافسة في الانتخابات في إطار ديمجرافيتهم وجغرافيتهم، وفي إطار القانون الانتخابي الاتحادي.

4- منح جغرافيتهم السياسية الحكم الذاتي وحق إدارتها وفق نظام الإدارة المحلية.

5- حق إنشاء القوى الأمنية الداخلية لحماية وتنفيذ الحكم المحلي وإدارته.

6- وضع خطة تنموية طويلة المدى لتطوير المناطق الكردية وانتشال مواطنيها من الفقر والحاجة.

7- الالتزام بالاتحادية الفيدرالية من قبل الكرد، وأداء مستلزمات القانون الفيدرالي للدولة.

8- الالتزام بدعم الجيش الوطني الاتحادي في كل بلد، وهو الذي يحمي الديمجرافية الكردية كسائر الوحدات الجغرافية الوطنية في الدول المركزية.

9- عدم التدخل في الصراعات التي تضعف الدولة المركزية، وعدم الانجرار للدعوات والخطط العولمية لاستغلال الجغرافية والديموجرافية الكردية للمصالح الدولية.

إن معالجة العلاقة بين الدولة المركزية في المنطقة العربية والإقليم والكرد هي أولوية مهمة، وإلا فإن الحروب العنصرية والقومية ستكون جسراً لاستمرار الصراع إلى عقود من الزمن تضعف فيها الدول المركزية، وتصبح المناطق الكردية مناطق حروب وانتهاكات ومناطق فاشلة، وعدواً دائماً للأكثرية القومية في المنطقة، وهو أحد العناصر الرئيسة لمنطق التقسيم الدولي الجديد للمنطقة.

الثلاثاء, 29 ديسمبر 2015 22:42

السعودية وتركيا.. الفرصة المتاحة

الفرصة المتاحة تأتي مرة واحدة، وربما لا تتكرر، هكذا دائماً يهتبلها من لديه الإرادة الواعية. وعلى رأي أستاذنا د. سيف عبدالفتاح، نحن المسلمون نفتقد «فقه الفرص المتاحة»، وهو فقه ينظر في اللحظة ومآلاتها المستقبلية الواعدة للأمة.

وعليه فإن المتابع للعلاقات السعودية التركية لا شك سيدرك مدى التقدم الإيجابي من خلال ما يقارب سنة واحدة، من حيث إعادة ترتيب هذه العلاقات نحو استثمار إستراتيجي سيقدم لكلا البلدين بما ينعكس إيجابياً على مجمل أوضاع المحتوى الجغرافي في المنطقة العربية. الزيارة الأخيرة للرئيس رجب طيب أردوغان للرياض يوم الثلاثاء 29/12/2015، ربما تكون فرصة كبيرة ومتاحة لترتيب إستراتيجية مشتركة لاحتواء التحديات والأخطار التي أوجدها التدخل الروسي في سورية والتحالف الجديد مع إيران، بما فيها التفاهمات مع الولايات المتحدة، والتي عزلت الدولتين السنيتين الكبيرتين في المنطقة (السعودية وتركيا) في فضاء إستراتيجي خطر ومقلق.

حيث يشكّل ذلك التحالف وتلك التفاهمات مجموعة من التحديات الخطيرة على مستوى الجيوإستراتيجيا للمنطقة العربية والإقليمية المحيطة بتركيا ودول الخليج، ومن أهم تلك التحديات:

1 ـ تواجد قوة عسكرية متطورة تقنياً بقيادة روسيا، ولديها قواعد وتحالف مع النظام السوري مع خدمة ميدانية إيرانية، فالروس لديهم ما يقارب 4000 جندي يمكن زيادتهم إلى 8000 وفق تصريحات مسؤولين أمريكان، ولديهم 34 طائرة ثابتة و14 هليوكبتر طراز (MI-42) و17 مروحية نقل (M1)، وأنظمة صواريخ أرض جو  ت(SA -22) و28 طائرة حربية، وفق تصريحات كريستوفر هارمر محلل معهد دراسات الحرب للأبحاث، أما إيران فلديها أكثر من 17 فرقة ولواء إيراني يقاتل في سوريا عدا حلفاء وميليشيات شيعية مزودة بأسلحة نوعية.

كما تواجه الدولتان (السعودية  ـ تركيا) حالة من التحديات الاقتصادية، فتركيا ستواجه عجزاً في الطاقة نظراً لاختلال العلاقة مع روسيا وإيران المصدرين الرئيسين للغاز ويشكلان 65% من واردات الطاقة لتركيا، وبالرغم من محاولات سابقة للبحث عن مصدر بديل إلا أن تركيا لم تنجز في هذا الملف سوى 30% فقط، ولذا فإن تركيا تحركت نحو أذربيجان وقطر لمواجهة هذا التحدي، وهي بحاجة للمملكة العربية السعودية لسد هذا العجز.

ويشكل هذا التحدي فرصة تاريخية لتركيا والسعودية لتنمية هذا التعاون، علماً بأن المملكة العربية السعودية تواجه عجزاً في ميزانها لعام 2016م، يقدر بـ87 مليار دولار وفق ما نشرته جريدة النهار الكويتية يوم 28/12/2015، وبدأت بعملية إعادة هيكلة للدعم على مواد الطاقة وغيرها، وأن دخول تركيا كمشتري للغاز والنفط السعودي سيزيد من إيرادات الميزانية السعودية، ويساند تعزيز الاقتصاد السعودي.

وتشكل «داعش» تحدياً خطراً مشتركاً على الدولتين الأكبر في المنطقة، فالإرهاب الذي تقوده داعش والميليشات الشيعية في المنطقة يهددان استقرار هاتين الدولتين بما ينعكس على الملف السوري والعراقي واليمني، وأن مهددات هذا الخطر أنه ورقة تلعب ضد المحتوى السني لا غير وفي الجغرافية العربية حيث هدد الداخل السعودي والتركي بعمليات إرهابية، وهذا الاستنزاف يشكل عبئاً على كلتا الدولتين بما يدفعهما لتوحيد جهودهما لدحر هذا الإرهاب المسيس والذي تستفيد منه دول إقليمية وعالمية.

كما أن تحدي الحرب على الحدود داخل الجغرافية السنية في سورية والعراق واليمن وأكثر من يتأثر بها الدولتان السنيتان (تركيا والسعودية)، هذه الحرب للأسف تلامس حدود الدولتين، وتشكّل ضغطاً على الدرع الإستراتيجي لكليهما، وأن التهديد باختراق الداخل وارد دونما خسائر في الطرف الآخر، حيث إن الروس والإيرانيين تقدموا ليملأوا فراغ الجيوإستراتيجيا في المنطقة العربية على حساب الدول السنية الكبرى (تركيا والسعودية) والحرب هي بعيدة عن الحدود الجغرافية لروسيا وإيران بما يضعهما في وضع مريح ومتقدم، ونظراً لقلة الأوراق الإستراتيجية المتاحة لتركيا والسعودية، فإن المغامرة بالتقدم في جغرافية العراق وسورية لابد وأن يتسلح بالمبادرة الشجاعة والإرادة الصلبة والتنسيق المتقن والعالي، والتخطيط الدقيق مما يعني تجاوز تحالفات وقوى دولية وهو قرار مهم وله ما بعده وهو تحدي قائم وخطير.

وكذلك تأتي المصالح الأمريكية والغربية والإسرائيلية لتوجه قراراتها في إطار صفقة تدعم سياسات المحور الروسي ـ الإيراني وتحالفاتهما، إذ إن إسرائيل قد قررت أن بقاء نظام الأسد لا بديل عنه لمواجهة قوى الثورة (المدعومة من تركيا والسعودية) والتي يتوقع وراثتها للنظام السياسي في سورية مما يهدد مصالحها واستقرارها، كما أن الولايات المتحدة والدول الغربية الرئيسة، تحرص على استخدام نتائج الاتفاق النووي مع إيران لصالحها، وهذا يعني إدماجها في محاربة قوى الثورة وداعش، وهكذا فإن إيران تلحفت بغطاء الولايات المتحدة والدول الغربية وإسرائيل لتمكين مصالحها الإستراتيجية في العراق وسورية ولبنان واليمن، وهذا بالضرورة ضد استقرار دول المنطقة وخصوصاً تركيا والمملكة العربية السعودية ودول الخليج.

كما تواجه الدولتان (السعودية وتركيا) واقعياً تغير سياسات واصطفافات بعض الدول في المنطقة العربية، فبحسب  ما كشفته صحيفة الرأي الكويتية في عددها الصادر يوم 27/12/2015، فإن دولة خليجية تقود تحركاً دولياً لإبقاء المجرم بشار الأسد على رأس سدة الحكم لسوريا في إطار تسوية سياسية حيث تضغط تلك الدولة على واشنطن للاستجابة لها، وأن السفير الأمريكي السابق في القاهرة «فرانك ويزنر» وهو يعمل في شركة «لوبي» تعرف باسم باتون بوغز، وينسق مع دولة خليجية، في هذا الجانب، وطبقاً للصحيفة فإن ويزنر أقنع أوباما بإعادة تعريف الأهداف الأمريكية في سوريا ليصبح الهدف الأول التعاون مع نظام الأسد لمواجهة التطرف الجهادي باعتباره خطراً على الجوار السوري.

وقالت الصحيفة: إن بقاء الأسد الذي دعا إليه "ويزنر" يختلف تماماً عن مواقف السعودية والمعارضة المعتدلة ويتطابق تماماً مع مواقف روسيا وإيران والأسد نفسه.

وأضافت أن الولايات المتحدة بدأت بطبيق وصية «ويزنر» فهل ستستطيع تركيا والسعودية في وقف المد الدولي العربي في تبني بقاء الأسد وفق وجهة نظره في مؤتمر موسكو، وخطته التي طرحها في مؤتمر جنيف.

إن هذه التحديات تشكل فرصة تاريخية للإرادة المشتركة لفهم إستراتيجي موحد من أجل رؤية عملية لمبادرة (سعودية ـ تركية) لتوظيف إمكاناتهما الضخمة والتمكن في جيواستراتيجيا المنطقة وإيجاد لتوازن القوة ثم الاتجاه نحو «استنزاف الخصوم» وإن لدى الدولتين فرصة لبعث الحياة في أوراق مهمة يمكن تعيد ذلك التوازن لها منها:

•       إعادة هيكلة قوى الثورة السورية وتحويلها إلى جيش وطني ودعمه بالأسلحة النوعية والمتطورة والتحرك على رؤية تغيير ميداني تقلب المعارك على الأرض في سورية.

•       التعاون الإستراتيجي لحسم ملف اليمن والاستفادة من توقيع معاهدة تعاون إستراتيجي في هذا الجانب.

•       التعاون في دعم مشروع تركيا لإقامة منطقة آمنة في المناطق الشمالية لسورية، وتشمل حلب وإدلب وتوفير إمكانات قيام الحكومة الوطنية السورية بدورها في هذه المنطقة.

•       توظيف القوى السنية العراقية وحكومة كردستان في تحالف ميداني لإحداث التوازن الديمغرافي والإستراتيجي مع إيران في العراق وحماية تركيا.

•       العمل على توظيف تيار شيعي وطني معتدل في المنطقة لمواجهة إيران وحلفائها في العراق وسورية ولبنان واليمن وهي المناطق التي تعيث فيها إيران فساداً واحتراباً.

•       العمل على تحريك اللوبي الضاغط لصالح تركيا والسعودية في الولايات المتحدة وأوروبا وحتى روسيا لصالح استقرار المنطقة وإبعاد التدخل الروسي والإيراني في المنطقة العربية.

إن الفرص لا تتكرر والتحديات دافعة إلى العمل المشترك، وقد أعلنت السعودية في 15/12/2015م عن التحالف الإسلامي العسكري لمواجهة الإرهاب في المنطقة وهي فرصة تاريخية لتحريك هذا التحالف عملياً وتطويره ليكون سنداً في رؤية العمل الثنائي المشترك بين السعودية وتركيا، فهل سيتم اقتناص هذه الفرصة؟ أملنا كبير وآمال شعوب المنطقة تتجه للرياض وتدعم أنقرة لمزيد من العمل المشترك لإنقاذ المنطقة.

الصفحة 3 من 4
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top