د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
السبت, 11 فبراير 2017 14:34

بؤساء الأرض

إنه لأمر مؤثر عن حق ما يقوله توماس فريدمان: إن بؤساء الأرض يرغبون في الذهاب إلى عالم ديزني، وليس إلى المتاريس، تستحق هذه العبارة مكانًا لها لدى الأجيال القادمة، بجوار إعلان الملكة ماري إنطوانيت عام 1789م الذي صرحت به عندما علمت أن الناس تثور في باريس مطالبة بالخبز، قالت: فليأكلوا الكعك!

إن قراءة فاحصة لتقارير التنمية البشرية الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة للتنمية تؤكد أن أكثر من ملياري نسمة أو ربع البشرية يعيشون على أقل من دولار واحد في اليوم، وربما لن يزعجهم الذهاب إلى والت ديزني، ولكنهم سيفضلون أولاً وقبل كل شيء الحصول على طعام جيد، ومسكن لائق، وملابس مناسبة، وتعليم أفضل، فضلاً عن الحصول على وظيفة.

إن ملايين الناس في جميع أنحاء العالم مستعدون من أجل الحصول على الاحتياجات الأساسية أن يشيِّدوا المتاريس، ويلجؤوا للعنف دون أدنى شك، إذًا لماذا لا يجري تخصيص جزء ضئيل جدًّا من ثروة العالم من أجل تُعساء الأرض؟!

إذ لو خصصنا 1% فقط من هذه الثروة لمدة 20 سنة لتنمية البشر التعساء فمن الممكن أن يختفي البؤس الشديد، وتختفي معه مخاطر العنف المستوطن، بَيْدَ أن العولمة صمَّاء وعمياء إزاء تلك الاعتبارات، وبالعكس فهي تزيد من سوء الاختلافات والانقسامات، وتعمل على استقطاب المجتمعات، في عام 1960م قبل العولمة المعاصرة كان أكثر من 20% من سكان الكوكب أغنى 30 مرة من أفقر من 20%، وفي عام 1997م وفي ظل قمة العولمة كان الأكثر ثراءً أغنى 74 مرة من أفقر الفقراء في العالم! وتتنامى هذه الفجوة كل يوم، واليوم إذا جمعنا الناتج الوطني الإجمالي لجميع البلدان المتخلفة في العالم بسكانها البالغ عددهم أكثر من 800 مليون نسمة، لن يعادل ناتج الجمع مجموع ثروة أغنى ثلاثة أفراد في العالم.

صحيح أن للعولمة جوانب إيجابية إلى جانب آثارها السلبية، ولكن كيف يمكننا التغاضي عن حقيقة انخفاض دخل الفرد في أكثر من 80 بلدًا أو في نصف دول العالم تقريبًا خلال أعوام العولمة العشرين؟! أم أنه منذ سقوط الشيوعية، عندما رتب الغرب افتراضيًّا علاجَّا اقتصاديًّا عبقريًّا للاتحاد السوفييتي السابق، مطاعم ماكدونالدز جيدة، وقع أكثر من 200 مليون نسمة من سكان الاتحاد السوفييتي السابق من مجموع السكان الذي يصل إلى 350 مليون نسمة تقريبًا في شباك الفقر؟!

للحقيقة؛ فإن العولمة تمثل عرضًا من أعراض نهاية الدورة ليس نهاية العصر الصناعي فحسب، مع وجود التقنية الجديدة اليوم، وليس نهاية الثورة الرأسمالية الأولى فحسب مع الثورة المالية، ولكنها أيضًا نهاية الدورة الفكرية، الدورة التي كان العقل يقودها، كما عرفها فلاسفة القرن الـ18م، لقد ولّد العقل السياسة الحديثة كما زعموا، وأشعل شرارة الثورتين الأمريكية والفرنسية، ولكن هذا العقل المشيّد: الدولة، المجتمع، الصناعة، القومية، الاشتراكية، قد تغيَّر تغيُّرًا عميقًا.

إن انتصار السوق وتوسع العولمة قد يؤدي إلى حدوث مكاشفة حتمية بين الرأسمالية والديمقراطية، بحيث تقود الرأسمالية بلا هوادة إلى تركز الثورة والقوة الاقتصادية في أيدي مجموعة صغيرة، وهو ما يقود بدوره إلى التساؤل الأساس التالي: كم تستغرق عملية إعادة التوزيع من وقت؛ كي تجعل هيمنة الأقلية الغنية مقبولة لدى غالبية سكان العالم؟

وتكمن المشكلة في أن السوق تعجز عن الاستجابة والعولمة تدمر دولة الرفاه في جميع أنحاء العالم.

إذًا: ما الذي يمكننا القيام به؟! أظن أن الإجابة النموذجية عند دُعاة العولمة: أعطوا الناس ساندويتشات الهمبرجر، وأرسلوهم إلى عالم ديزني! حتى نمنع نصف البشرية من التمرُّد واختيار العنف؟!

للتواصل : عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

لم يحدث في التاريخ الإنساني أن نجح مجتمع بشري في تأمين حاجاته وكمالياته كما نجحت مجتمعات عصرنا الحاضر.

فالفتوحات العلمية والتقنية والثورات المعلوماتية، والاستغلال الواسع لموارد البر والبحر والجو مكّنت الإنسان من توفير سلع وخِدْمات بكميات هائلة.

بَيْدَ أنه مما يؤسف له أنه نتيجة للإفلاس الروحي قام كثير من الناس بإحلال الشهوات وأصناف المتع محل السعادة القلبية والإشراق الروحي.

فتحوّل الإنسان المعاصر إلى مستهلك، وصار رفع مستوى المعيشة هدف الحياة الأكبر، وأصبحت الحياة تتمحور حول مزيد من العمل من أجل مزيد من الإنتاج، من أجل مزيد من الاستهلاك، من أجل مزيد من المتعة، ودور الدعاية والإعلانات في هذا المجال كبير؛ حيث فتحت شهية الإنسان المعاصر للاستهلاك والتبذير وتبديد الموارد والثروات.

تذكر بعض الإحصاءات مثلاً أنه تمّ إنفاق نحو 90 مليار دولار في الدعاية والإعلان عن السلع والخدمات في عام واحد فقط!

يقول د. عبدالكريم بكّار في كتابه الرائع «عصرنا ملامحه وأوضاعه»: يؤسفني القول: إن فن الدعاية لدينا يسير باتجاه النمط الغربي، مع أنها تؤثر تأثيرًا مباشرًا في حجم الادخار الوطني.

لقد كان الناس على مدار التاريخ الإنساني ينتجون ما يحتاجون إلى استهلاكه؛ من أجل إبقاء مسيرة الحياة مستمرة، بَيْدَ أن الذي أحدثته الفلسفة الرأسمالية وأدبياتها وطيوفها النفسية والفكرية هو الرغبة في الاستهلاك من أجل الاستهلاك!

إنّ جنون الاستهلاك والتبذير غير المنضبط، والإسراف الشديد في المنتجات، أدى إلى تسارع نضوب موارد المعادن والطاقة غير المتجددة.

كما أدى ذلك إلى تلويث هائل للهواء والماء، وانتشرت بسبب التلوث الأمراض الخطيرة، ولو قُدِّر لسكان الهند والصين مثلاً أن يسلكوا المسلك الاستهلاكي الذي يسلكه الغرب ولا سيما أمريكا، لاختنق العالم في بضع سنوات.

ومما يؤسف له أن العالم الإسلامي يسير في الطريق نفسه الذي تسير فيه الدول الصناعية من استهلاك وتبذير وإسراف.

بل إننا قد تجاوزنا نمط المعيشة الغربية في بعض الجوانب، مثل: ما يُنفق على الحفلات والمناسبات والولائم، ومثل ما يتم استهلاكه من قِبَل كثير من النساء على شراء الثياب والحُلي وأدوات الزينة.

وكأن الناس أو غالبيتهم غافلون عن النصوص الشرعية التي تدعو إلى ترشيد الإنفاق والتنفير من الإسراف والتبذير.

بل إنه ليس ثمة مسوِّغ مقبول لانجراف المسلمين نحو التسابق على إرواء حاجات الجسد والمتع الدنيوية، والله - سبحانه وتعالى - سائل كل إنسان عمَّا استخلفه فيه من مال.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

إن مجتمعا تكثر فيه الأمراض الاجتماعية؛ العنف، والجريمة، والإدمان، والانحرافات الجنسية، واستغلال الطفولة، سيكون هو حتمًا مريضًا، وبحاجة إلى إعادة تنظيم من خلال تفعيل الرعاية الاجتماعية، وتأمين الاحتياجات الخاصة بالفرد وبالمجتمع؛ تأمينًا لحالات الاكتفاء والإشباع.

إن المجتمع المريض هو الذي يحول دون إشباع حاجات أفراده، والذي يفيض بأنواع الحرمان والإحباطات والصراعات، والذي يشعر فيه الفرد بنقص الأمن وبعدم الأمان.

كما أن التنافس الشديد بين الناس وعدم المساواة والاضطهاد والاستغلال، وعدم إشباع حاجات الفرد، ويُضاف إلى ذلك وسائل الإعلام الخاطئة غير الموجهة، والتي تؤثِّر تأثيرًا سيِّئًا في عملية التنشئة الاجتماعية.

كل هذه الأسباب إلى جانب أسباب أخرى تدفع الفرد الذي يعيش في مثل هذا المجتمع المريض إلى سوء التوافق الاجتماعي، بحيث يكون السلوك المريض والشيخوخة المبكرة وغير السوية النتاج المتوقع لهذه المساوئ.

فمن المعروف أن تدني الحالة الاقتصادية لأية عائلة لا يسمح بتلبية جميع متطلباتها، وتلعب البطالة وفقدان الموارد الأولية دورًا فاعلاً في هذا التدني.

وفي هذا المجال، وجد سالوس في دراسة له على الأحياء البائسة والمعدمة اقتصاديًّا أن العوز المادي ليس كافيًا بمفرده لتفسير الانحراف، فهناك متغيِّرات خمسة تميز عائلات المنحرفين؛ غياب الأب، وسوء تفاهم الوالدين، والبطالة، وعدم الاستقرار المِهَنِي، والإدمان الكحولي في الأسرة، والماضي الجانح لأحد الوالدين.

وقد أظهرت الدراسة التي أعدتها الأمانة العامة للأمم المتحدة عن الوقاية من جنوح الأحداث أن الزيادة في حجم جنوح الأحداث أكثر وجودًا في البلاد الآخذة في هذا النمو، وأن التغييرات الاقتصادية والصناعية الجديدة في البلاد الآخذة في النمو ذات أثر مباشر على تزايد جنوح الأحداث.

ومن الجدير ذكره أن عمليات النمو والتحضُّر قد لا تكون السبب المباشر في الانحراف، إنما ما يرافق ذلك أو يترتب عنه كالتفكك الذي يصيب الأسرة من جرَّاء ذلك أو سوء التكيف الذي يصيب النازحين من الريف إلي المدينة؛ بحثًا عن العمل أو التعارض في القيم بين قيم الواقع وبين ما يرجى أن يكون. كل ذلك يشكل ضغوطًا على الناشئة تساعد على ظهور الانحراف أو تعجل في ظهوره.

ومن الأسباب التي تضاف إلي ذلك التضخم المالي وغلاء أسعار المواد الاستهلاكية أو احتكارها، إن هذه الأسباب تسهم في سوء الحالة الاقتصادية التي تنعكس مرضًا اجتماعيًّا متمثلاً بالقلق والخوف على المصير، كما أن سوء الوضع الاقتصادي قد يدفع العديد إلى ممارسة بعض أنواع السلوك الممنوع أو المرفوض اجتماعيًّا كأعمال الغش والتزوير، والاتجار بالمخدرات، وقبول الرشوة، والسرقة والاحتيال.

لذا يرى رجال الاقتصاد وعلماؤه أن أسباب الانحراف الاجتماعي تكمن في سوء الحالة الاقتصادية المتمثلة بمشكلات تعود إلى الفقر والبطالة، والفشل الناتج عن سوء التوافق المهني في هذا المجال، فإن بعض الاقتصاديين يربط بين الانحراف والفقر معتبرًا إياه السبب الأول، مستشهدين على ذلك بأن غالبية نزلاء السجون من أصل فقير، كما أن الفقر يولد العديد من المشكلات الحياتية المتعلقة بالصحة والسكن والتعليم وتوازن الأسرة، والتي تولد الانحراف.

وعلى العكس من ذلك يعتبر اقتصاديون آخرون أن الغنى والرخاء هما سبب ازدياد حالات الانحراف. ويصدق ذلك في البلاد المتقدمة صناعيًّا؛ حيث نرى ازديادًا لعدد الأحداث الجانحين.

والمعترضون على ربط الانحراف بالفقر يشيرون إلى أن الإحصاءات تكون عادة مضللة لأسباب عديدة؛ منها: أن معظم جنح الأغنياء تبقى خفية أو تسوى قبل أن تصل إلى المحاكم، كما أن الفقراء لا يتمتعون عادة بوسائل الحماية التي تتوفر للأغنياء، وأيضًا لأن الفقراء هم أكثر الناس تعرُّضًا للملاحقة وسوء الظن.

وإذا كان الفقر سببًا للانحراف، فكيف يمكن تفسير التصرفات غير المشروعة والمنحرفة التي تكثر في أوساط رجال الأعمال، كما هو معروف للجميع؟!

وأمام هذا التناقض يمكننا القول: إن الفقر بوجوهه المتعددة قد يشكل ظروفًا أو مناخات مهيئة للانحراف، أو على الأقل فُرَصًا تسهل للسلوك الجانح احتمال حدوثه.

إن مهمة الباحث النفسي والاجتماعي وبعد تزايد الاهتمام بالفرد، والأخذ في الاعتبار البعد الإنساني ليست في إدانة المنحرف وإصدار الحكم عليه، بل البحث في ظروف الانحراف، وفي أسباب هذا العمل المرفوض، إلى جانب البحث الجدي والمتعمِّق في شخصية المنحرف؛ لمساعدته على إعادة النظر في سلوكه وفي تغيير مواقفه الخاطئة، وعلاج الأمراض الاجتماعية يحتاج إلى فريق عمل يضمُّ على الأقل: طبيبًا نفسيًّا، ومرشدًا اجتماعيًّا، ومرشدًا دراسيًّا ومهنيًّا.

وتبرز أهم ملامح علاج سلوك المنحرفين فيما يلي:

1- استثارة تعاون المريض وإثارة رغبته في العلاج.

2- محاولة تصحيح السلوك المنحرف وتعديل مفهوم الذات.

3- إرشاد الوالدين وتوجيههما لتحمُّل مسؤولية العمل على تجنيب الطفل التعرُّض للأزمات النفسية والاجتماعية.

4- تغيير السلوك داخل المنزل وشغل أوقات الفراغ بالترفيه المناسب والرياضة.

5- إنشاء المزيد من العيادات النفسية المختصة لعلاج الأمراض النفسية والاجتماعية.

إضافة إلى تضافر العلاج السلوكي، والعلاج الطبي، والعلاج النفسي للشخص المنحرف.

باختصار إننا مدعوون؛ أفرادًا وجماعات ومؤسسات حكومية، وخاصة إلى اقتسام المسؤوليات كل من زاويته الخاصة، وبقدراته المتاحة، وإلى توزيع الأدوار؛ بحيث نضمن النجاح والتكامل.

للتواصل : عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

السبت, 21 يناير 2017 10:54

سنن كونية

لا أدري بماذا أصف من يتفنن في انتهاك الحُرُمات والمحارم، ولا أدري بماذا أصف من يستهين بالأخلاق والآداب، ولا أدري بماذا أصف من يتلاعب بالأعراض.

معاكسات في وسط الأسواق وداخل المستشفيات وأمام المدارس، ثم معاكسات عبر الهاتف الثابت وأجهزة النداء والنقَّال الجوَّال، ثم معاكسات عبر القنوات الفضائية، ثم معاكسات عبر الإنترنت.

نتج عن ذلك جرائم تتعلق بالشرف ومآسٍ اجتماعية، وتفكك للأُسَر، وانهيار للقيم.

وللأسف، فلا حياء ولا خجل، ولا حفاظ على الحشمة والعِفة، والكرامة والرجولة.

وصدق مَن قال: يحدث الناس من الأقضية بقدر ما يحدثوا من الفجور.

نعم، إن المصائب عمَّت والبلايا طمَّت، والأمراض ازدادت، والأحوال ساءت، والأخلاق تحلَّلت، والآداب تفككت، والقِيَم اضمحلت.

وإن سألت عن سبب ذلك كله، فإن الإجابة وبكل سهولة: البعد عن دين الإسلام وأحكامه وقواعده وقيمه التي تعصم من كل شرٍّ، وتبعد المسلم عن المعاصي، وتزهده في الشهوات، وتدعوه إلى كل خير وفلاح.

فيما سبق كانت سلوكيات الترف والمترفين آفة اجتماعية واقتصادية، خرَّبت الأمم، وهدّمت العروش، وهزمت الجيوش، ونفخت الكروش، وصيّرت الرؤساء والحكام من أصحاب القروش.

ثم كان زمن سادت فيه سلوكيات التفاخر والتباهي والزهو بالمال والجاه والشرف.

ثم كان عهدٌ شاعت فيه سلوكيات التمرُّد والعصيان والطغيان والجحود والعناد.

ومن ثم، كان الضعف والخور والخواء والفراغ والليونة.

ومن ثم،  كانت التبعية والاستعباد والاستذلال والمهانة.

ومن ثم،  كان الظلم والقتل والاغتصاب وانتهاك المحارم.

إنها سُنن كونية تمرُّ بها المجتمعات؛ مَن أخذ العظة والعِبرة من غيره، سلم وأمن من الكوارث والأزمات، ومَن سار على ضلال وغواية، هلك وأصابته البلايا والرزايا.

وكم من المآسي والقصص المؤلمة المحزنة سمعناها وقرأناها، عن فتًى في ريعان الشباب انغمس في حمأة المخدرات والمسكرات، كانت نهايته مفجعة، وعن فتاة عبثت بالهاتف وعاكست وانجرفت وسقطت في أيدي ذئاب بشرية، كانت نهايتها مأساة، وعن رجل امتهن الغش والكذب والزور في جميع أحواله وتصرفاته، كانت نهايته مبكية.

والحكايات تتكرر يومًا بعد يوم، فهذا مسؤول ارتشى ورشا، فكانت نهايته وبالاً، وهذا تاجرٌ أكل أموال الناس بالباطل، كانت نهايته سوءاً، وهذا أبٌ فرَّط في مسؤوليته وأُسْرته، كانت نهايته فضائح، وهذا مستهترٌ أساء في استعمال السيارة كانت نهايته ندامة، وهذه أسرة متفككة متساهلة كانت نهايتها انهيارًا، وهذا مجتمع غير متماسك وغير متعاون على البر والتقوى كانت نهايته دمارًا، وهذه دولة لم تحكِّم شرع الله كانت نهايتها خرابًا، وهذه أمة لم تأمر بالمعروف ولم تنه عن المنكر كانت نهايتها زوالاً.. إلخ.

هل سمعتم عن الإمبراطورية الرومانية والفارسية، كيف كانت نهايتهما؟

هل سمعتم عن فرعون المستبد وقارون المتباهي، كيف كانت نهايتهما؟

هل سمعتم بامرأة لوط وامرأة نوح، كيف كانت نهايتهما؟

هل سمعتم بشباب المخدرات والتفحيط، وفتيات المعاكسات والموضات، كيف كانت نهايتهم؟

هل سمعتم بمسؤولي الرشاوى وتجَّار السوء، كيف كانت نهايتهم؟

هل سمعتم بالمفسدين والوالغين في الأعراض الهاتكين للمحارم والحرم، كيف كانت نهايتهم؟

هل سمعتم بالظلمة المستبدين والقتلة والغاصبين، كيف كانت نهايتهم؟.. إلخ.

وفي ختام مقالتي، فإني أقدِّم بعض النتائج والتوصيات المهمة في الموضوع، ومنها:

1- سنة قرآنية للعذاب لمن كفر النعمة، يقول عز وجل: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} (النحل: 112).

2- سنة قرآنية للمساءلة في اليوم الآخر، يقول سبحانه: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} (الإسراء: 36).

3- سُنَّة قرآنية لعاقبة الترف والمترفين، يقول جل ذكره: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} (الإسراء: 16).

4- سُنَّة قرآنية للمحاسبة يوم الجزاء، يقول تعالى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} (الإسراء: 13، 14).

5- قاعدة نبوية في النعم، يقول صلى الله عليه وسلم: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس؛ الصحة والفراغ".

6- قاعدة نبوية في السؤال يوم القيامة، يقول عليه الصلاة والسلام: "لن تزولا قدما عبد يوم القيامة؛ حتى يُسأل عن أربع؛ عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وكيف أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به".

7- حكمة ومثل عربي مشهور: دقَّة بدقَّة، وإن زدت زاد السقا.

8- المعصية آفة تجلب العار على المجتمع، يقول أحد الشعراء:

مَـن يـزنِ يُزنَ بـه ولو بجـداره          إن كنتَ يا هذا لبيبًـا فافهـم

9- الذنوب آفة تزيل النعم، يقول أحد الشعراء:

إذا كنـت في نعمـة فارعهـا           فإن الذنـوب تزيـل النعـم

وحطهـا بطاعة رب عظيـم           فإن الإلـه سـريـع النقـم

10- مثل دارج معروف قديمًا وحديثًا، يقول: بَشِّر القاتل بالقتل ولو بعد حين.

وكلمتي الأخيرة أقول:

إنه لا بد من أن نغيِّر ما بأنفسنا من معاصٍ وذنوب وشرور وآثام؛ لأن الله عز وجل يقول: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (الرعد: 11).

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top