د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

إن مجتمعا تكثر فيه الأمراض الاجتماعية؛ العنف، والجريمة، والإدمان، والانحرافات الجنسية، واستغلال الطفولة، سيكون هو حتمًا مريضًا، وبحاجة إلى إعادة تنظيم من خلال تفعيل الرعاية الاجتماعية، وتأمين الاحتياجات الخاصة بالفرد وبالمجتمع؛ تأمينًا لحالات الاكتفاء والإشباع.

إن المجتمع المريض هو الذي يحول دون إشباع حاجات أفراده، والذي يفيض بأنواع الحرمان والإحباطات والصراعات، والذي يشعر فيه الفرد بنقص الأمن وبعدم الأمان.

كما أن التنافس الشديد بين الناس وعدم المساواة والاضطهاد والاستغلال، وعدم إشباع حاجات الفرد، ويُضاف إلى ذلك وسائل الإعلام الخاطئة غير الموجهة، والتي تؤثِّر تأثيرًا سيِّئًا في عملية التنشئة الاجتماعية.

كل هذه الأسباب إلى جانب أسباب أخرى تدفع الفرد الذي يعيش في مثل هذا المجتمع المريض إلى سوء التوافق الاجتماعي، بحيث يكون السلوك المريض والشيخوخة المبكرة وغير السوية النتاج المتوقع لهذه المساوئ.

فمن المعروف أن تدني الحالة الاقتصادية لأية عائلة لا يسمح بتلبية جميع متطلباتها، وتلعب البطالة وفقدان الموارد الأولية دورًا فاعلاً في هذا التدني.

وفي هذا المجال، وجد سالوس في دراسة له على الأحياء البائسة والمعدمة اقتصاديًّا أن العوز المادي ليس كافيًا بمفرده لتفسير الانحراف، فهناك متغيِّرات خمسة تميز عائلات المنحرفين؛ غياب الأب، وسوء تفاهم الوالدين، والبطالة، وعدم الاستقرار المِهَنِي، والإدمان الكحولي في الأسرة، والماضي الجانح لأحد الوالدين.

وقد أظهرت الدراسة التي أعدتها الأمانة العامة للأمم المتحدة عن الوقاية من جنوح الأحداث أن الزيادة في حجم جنوح الأحداث أكثر وجودًا في البلاد الآخذة في هذا النمو، وأن التغييرات الاقتصادية والصناعية الجديدة في البلاد الآخذة في النمو ذات أثر مباشر على تزايد جنوح الأحداث.

ومن الجدير ذكره أن عمليات النمو والتحضُّر قد لا تكون السبب المباشر في الانحراف، إنما ما يرافق ذلك أو يترتب عنه كالتفكك الذي يصيب الأسرة من جرَّاء ذلك أو سوء التكيف الذي يصيب النازحين من الريف إلي المدينة؛ بحثًا عن العمل أو التعارض في القيم بين قيم الواقع وبين ما يرجى أن يكون. كل ذلك يشكل ضغوطًا على الناشئة تساعد على ظهور الانحراف أو تعجل في ظهوره.

ومن الأسباب التي تضاف إلي ذلك التضخم المالي وغلاء أسعار المواد الاستهلاكية أو احتكارها، إن هذه الأسباب تسهم في سوء الحالة الاقتصادية التي تنعكس مرضًا اجتماعيًّا متمثلاً بالقلق والخوف على المصير، كما أن سوء الوضع الاقتصادي قد يدفع العديد إلى ممارسة بعض أنواع السلوك الممنوع أو المرفوض اجتماعيًّا كأعمال الغش والتزوير، والاتجار بالمخدرات، وقبول الرشوة، والسرقة والاحتيال.

لذا يرى رجال الاقتصاد وعلماؤه أن أسباب الانحراف الاجتماعي تكمن في سوء الحالة الاقتصادية المتمثلة بمشكلات تعود إلى الفقر والبطالة، والفشل الناتج عن سوء التوافق المهني في هذا المجال، فإن بعض الاقتصاديين يربط بين الانحراف والفقر معتبرًا إياه السبب الأول، مستشهدين على ذلك بأن غالبية نزلاء السجون من أصل فقير، كما أن الفقر يولد العديد من المشكلات الحياتية المتعلقة بالصحة والسكن والتعليم وتوازن الأسرة، والتي تولد الانحراف.

وعلى العكس من ذلك يعتبر اقتصاديون آخرون أن الغنى والرخاء هما سبب ازدياد حالات الانحراف. ويصدق ذلك في البلاد المتقدمة صناعيًّا؛ حيث نرى ازديادًا لعدد الأحداث الجانحين.

والمعترضون على ربط الانحراف بالفقر يشيرون إلى أن الإحصاءات تكون عادة مضللة لأسباب عديدة؛ منها: أن معظم جنح الأغنياء تبقى خفية أو تسوى قبل أن تصل إلى المحاكم، كما أن الفقراء لا يتمتعون عادة بوسائل الحماية التي تتوفر للأغنياء، وأيضًا لأن الفقراء هم أكثر الناس تعرُّضًا للملاحقة وسوء الظن.

وإذا كان الفقر سببًا للانحراف، فكيف يمكن تفسير التصرفات غير المشروعة والمنحرفة التي تكثر في أوساط رجال الأعمال، كما هو معروف للجميع؟!

وأمام هذا التناقض يمكننا القول: إن الفقر بوجوهه المتعددة قد يشكل ظروفًا أو مناخات مهيئة للانحراف، أو على الأقل فُرَصًا تسهل للسلوك الجانح احتمال حدوثه.

إن مهمة الباحث النفسي والاجتماعي وبعد تزايد الاهتمام بالفرد، والأخذ في الاعتبار البعد الإنساني ليست في إدانة المنحرف وإصدار الحكم عليه، بل البحث في ظروف الانحراف، وفي أسباب هذا العمل المرفوض، إلى جانب البحث الجدي والمتعمِّق في شخصية المنحرف؛ لمساعدته على إعادة النظر في سلوكه وفي تغيير مواقفه الخاطئة، وعلاج الأمراض الاجتماعية يحتاج إلى فريق عمل يضمُّ على الأقل: طبيبًا نفسيًّا، ومرشدًا اجتماعيًّا، ومرشدًا دراسيًّا ومهنيًّا.

وتبرز أهم ملامح علاج سلوك المنحرفين فيما يلي:

1- استثارة تعاون المريض وإثارة رغبته في العلاج.

2- محاولة تصحيح السلوك المنحرف وتعديل مفهوم الذات.

3- إرشاد الوالدين وتوجيههما لتحمُّل مسؤولية العمل على تجنيب الطفل التعرُّض للأزمات النفسية والاجتماعية.

4- تغيير السلوك داخل المنزل وشغل أوقات الفراغ بالترفيه المناسب والرياضة.

5- إنشاء المزيد من العيادات النفسية المختصة لعلاج الأمراض النفسية والاجتماعية.

إضافة إلى تضافر العلاج السلوكي، والعلاج الطبي، والعلاج النفسي للشخص المنحرف.

باختصار إننا مدعوون؛ أفرادًا وجماعات ومؤسسات حكومية، وخاصة إلى اقتسام المسؤوليات كل من زاويته الخاصة، وبقدراته المتاحة، وإلى توزيع الأدوار؛ بحيث نضمن النجاح والتكامل.

للتواصل : عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

السبت, 21 يناير 2017 10:54

سنن كونية

لا أدري بماذا أصف من يتفنن في انتهاك الحُرُمات والمحارم، ولا أدري بماذا أصف من يستهين بالأخلاق والآداب، ولا أدري بماذا أصف من يتلاعب بالأعراض.

معاكسات في وسط الأسواق وداخل المستشفيات وأمام المدارس، ثم معاكسات عبر الهاتف الثابت وأجهزة النداء والنقَّال الجوَّال، ثم معاكسات عبر القنوات الفضائية، ثم معاكسات عبر الإنترنت.

نتج عن ذلك جرائم تتعلق بالشرف ومآسٍ اجتماعية، وتفكك للأُسَر، وانهيار للقيم.

وللأسف، فلا حياء ولا خجل، ولا حفاظ على الحشمة والعِفة، والكرامة والرجولة.

وصدق مَن قال: يحدث الناس من الأقضية بقدر ما يحدثوا من الفجور.

نعم، إن المصائب عمَّت والبلايا طمَّت، والأمراض ازدادت، والأحوال ساءت، والأخلاق تحلَّلت، والآداب تفككت، والقِيَم اضمحلت.

وإن سألت عن سبب ذلك كله، فإن الإجابة وبكل سهولة: البعد عن دين الإسلام وأحكامه وقواعده وقيمه التي تعصم من كل شرٍّ، وتبعد المسلم عن المعاصي، وتزهده في الشهوات، وتدعوه إلى كل خير وفلاح.

فيما سبق كانت سلوكيات الترف والمترفين آفة اجتماعية واقتصادية، خرَّبت الأمم، وهدّمت العروش، وهزمت الجيوش، ونفخت الكروش، وصيّرت الرؤساء والحكام من أصحاب القروش.

ثم كان زمن سادت فيه سلوكيات التفاخر والتباهي والزهو بالمال والجاه والشرف.

ثم كان عهدٌ شاعت فيه سلوكيات التمرُّد والعصيان والطغيان والجحود والعناد.

ومن ثم، كان الضعف والخور والخواء والفراغ والليونة.

ومن ثم،  كانت التبعية والاستعباد والاستذلال والمهانة.

ومن ثم،  كان الظلم والقتل والاغتصاب وانتهاك المحارم.

إنها سُنن كونية تمرُّ بها المجتمعات؛ مَن أخذ العظة والعِبرة من غيره، سلم وأمن من الكوارث والأزمات، ومَن سار على ضلال وغواية، هلك وأصابته البلايا والرزايا.

وكم من المآسي والقصص المؤلمة المحزنة سمعناها وقرأناها، عن فتًى في ريعان الشباب انغمس في حمأة المخدرات والمسكرات، كانت نهايته مفجعة، وعن فتاة عبثت بالهاتف وعاكست وانجرفت وسقطت في أيدي ذئاب بشرية، كانت نهايتها مأساة، وعن رجل امتهن الغش والكذب والزور في جميع أحواله وتصرفاته، كانت نهايته مبكية.

والحكايات تتكرر يومًا بعد يوم، فهذا مسؤول ارتشى ورشا، فكانت نهايته وبالاً، وهذا تاجرٌ أكل أموال الناس بالباطل، كانت نهايته سوءاً، وهذا أبٌ فرَّط في مسؤوليته وأُسْرته، كانت نهايته فضائح، وهذا مستهترٌ أساء في استعمال السيارة كانت نهايته ندامة، وهذه أسرة متفككة متساهلة كانت نهايتها انهيارًا، وهذا مجتمع غير متماسك وغير متعاون على البر والتقوى كانت نهايته دمارًا، وهذه دولة لم تحكِّم شرع الله كانت نهايتها خرابًا، وهذه أمة لم تأمر بالمعروف ولم تنه عن المنكر كانت نهايتها زوالاً.. إلخ.

هل سمعتم عن الإمبراطورية الرومانية والفارسية، كيف كانت نهايتهما؟

هل سمعتم عن فرعون المستبد وقارون المتباهي، كيف كانت نهايتهما؟

هل سمعتم بامرأة لوط وامرأة نوح، كيف كانت نهايتهما؟

هل سمعتم بشباب المخدرات والتفحيط، وفتيات المعاكسات والموضات، كيف كانت نهايتهم؟

هل سمعتم بمسؤولي الرشاوى وتجَّار السوء، كيف كانت نهايتهم؟

هل سمعتم بالمفسدين والوالغين في الأعراض الهاتكين للمحارم والحرم، كيف كانت نهايتهم؟

هل سمعتم بالظلمة المستبدين والقتلة والغاصبين، كيف كانت نهايتهم؟.. إلخ.

وفي ختام مقالتي، فإني أقدِّم بعض النتائج والتوصيات المهمة في الموضوع، ومنها:

1- سنة قرآنية للعذاب لمن كفر النعمة، يقول عز وجل: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} (النحل: 112).

2- سنة قرآنية للمساءلة في اليوم الآخر، يقول سبحانه: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} (الإسراء: 36).

3- سُنَّة قرآنية لعاقبة الترف والمترفين، يقول جل ذكره: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} (الإسراء: 16).

4- سُنَّة قرآنية للمحاسبة يوم الجزاء، يقول تعالى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} (الإسراء: 13، 14).

5- قاعدة نبوية في النعم، يقول صلى الله عليه وسلم: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس؛ الصحة والفراغ".

6- قاعدة نبوية في السؤال يوم القيامة، يقول عليه الصلاة والسلام: "لن تزولا قدما عبد يوم القيامة؛ حتى يُسأل عن أربع؛ عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وكيف أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به".

7- حكمة ومثل عربي مشهور: دقَّة بدقَّة، وإن زدت زاد السقا.

8- المعصية آفة تجلب العار على المجتمع، يقول أحد الشعراء:

مَـن يـزنِ يُزنَ بـه ولو بجـداره          إن كنتَ يا هذا لبيبًـا فافهـم

9- الذنوب آفة تزيل النعم، يقول أحد الشعراء:

إذا كنـت في نعمـة فارعهـا           فإن الذنـوب تزيـل النعـم

وحطهـا بطاعة رب عظيـم           فإن الإلـه سـريـع النقـم

10- مثل دارج معروف قديمًا وحديثًا، يقول: بَشِّر القاتل بالقتل ولو بعد حين.

وكلمتي الأخيرة أقول:

إنه لا بد من أن نغيِّر ما بأنفسنا من معاصٍ وذنوب وشرور وآثام؛ لأن الله عز وجل يقول: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (الرعد: 11).

الثلاثاء, 17 يناير 2017 12:03

الوظائف الاقتصادية للتعليم!

إنَّ حسن استغلال الموارد الطبيعية المتاحة، وترشيد استثمار رؤوس الأموال بما يؤدي إلى نمو المجتمع؛ يتطلب وجود فئة من القوى العاملة ذات مهارة خاصة، ولديها القدرة على الإلمام بالعلوم الحديثة والتطورات التقنية، والاستعداد لتحمل أعباء المخاطرة، وقبول المجازفة عن طريق الأخذ بالأساليب المتقدمة في الإنتاج والاستثمار معًا، هذا إضافة إلى تميّزها بالاستعداد للنمو والتطوير الذاتي بالتدريب على الأساليب الجديدة للإنتاج، ومتابعة تطورها، والسعي الدائب لمعرفة كل شيء عنها.

هذه الفئة أصبحت بتعليمها تحتل مرتبة تفوق في الأهمية مرتبة الموارد الطبيعية، ورؤوس الأموال التي تعتبر عوامل حاسمة في التنمية الاقتصادية، وذلك لأن مزيدًا من التعليم سيؤدي إلى زيادة الدخل الوطني وارتفاع متوسط دخل الفرد، وتقارب دخول الأفراد، وتحسين الإنتاج، والحد من الاستهلاك، وتنمية عادة الادخار، وزيادة الاستثمار، إضافة إلى ارتفاع مستوى المعارف في تكوين اتجاهات الأفراد نحو الإنجاب، والعادات الصحية والغذائية، وتحقيق المساواة.

إنَّ الدول النامية تعاني من ضَعف الإنتاج ومعدلاته، وارتفاع تكاليفه، وزيادة فاقده، وتدنّي مواصفاته، واعتماده على الخبرة أو التجربة السابقة لبعض الحِرفَيين، والبُعد عن الأساليب العلمية الخاصة بزيادة حجم الإنتاج، مع ضغط تكاليفه، ونقص الوعي، وقيام المشروعات الإنتاجية على المبادرات الفردية، والافتقار إلى الروح الجماعية، إضافة إلى هجرة الكفايات إلى الدول المتقدمة.

يقول د. عبدالله السيد عبدالجواد في كتابه "الوظائف الاقتصادية والاجتماعية للتربية": لقد نادى الكثير أن التعليم هو من أهم المتغيّرات الأساسية في زيادة الإنتاج، وحل مشكلة الفقر، وأن التنمية الاجتماعية والاقتصادية لن تتحقق حتى يرتفع معدل التعليم.

فالتعليم يسهم في تزويد أفراد المجتمع بالمعارف التي تساعدهم في الكشف عن الموارد والثروات الطبيعية، وتحويلها إلى إنتاج وطني متميز.

وإلى جانب مساهمة التعليم في الكشف عن الموارد والثروات الطبيعية، والعمل على تحويلها إلى إنتاج متميز يسهم التعليم في إعداد العاملين القادرين على العمل بكفاءة والموزعين على القطاعات الإنتاجية.

تشير الكثير من الدراسات إلى أن فوائد التعليم عديدة وظاهرة للعيان، فلقد أثبتت معظم الدراسات أن الأفراد من ذوي المستويات التعليمية يؤدون أعمالاً أفضل من غيرهم؛ أي: ينتجون ويصنعون أكثر وأفضل من غيرهم الأقل تعليمًا.

ومهما كانت الظروف، فالعمالة المؤهلة تعليمياً تعطي دخلاً وإنتاجًا ومكانة اجتماعية، ويبدو أن التعليم مرتبط بهذه الأبعاد.

إنَّ التعليم يؤثر بشكل واضح في سرعة اكتساب الفرد للمعارف الإنتاجية، بالتالي إذا قضى الفرد فترة زمنية في التعليم شريطة أن يستفيد من التعليم في هذه الفترة، ترتب على ذلك زيادة إنتاجه بمقدار ثابت، وكلما كانت مستويات التعليم عند الفرد عالية، استفاد من خبراته التعليمية في زيادة الإنتاج وذلك باكتشاف موارد وثروات جديدة، واستخدام وسائل إنتاجية أكثر كفاية.

ولا يقتصر دور التعليم على إعداد الطاقات البشرية التي تسهم بفاعلية في زيادة الإنتاج، والارتفاع بمستوى جودته، والتعامل بكفاءة مع تقنياته أو الإسراع بالتنمية الاقتصادية للمجتمع بزيادة دخله الوطني، ورفع متوسط دخل أفراده، ولكن دوره الفاعل في زيادة الاستثمار وترشيد الاستهلاك.

وتعتبر هذه الوظيفة من أهم وظائف التعليم؛ لارتباطها بالسكان وعاداتهم، وأذواقهم وتصرفاتهم واتجاهاتهم نحو الادخار؛ فقد يزداد الإنتاج، ولكن هذه الزيادة يبتلعها الطلب على السلع المنتجة، كما يحدث في الدول ذات التزايد السكاني السريع، والتي تعاني من زيادة في استنزاف مواردها الإنتاجية.

وينطبق ذلك على دور التعليم في زيادة الدخل الوطني، فقد يزداد الدخل الوطني في دولة ما بسبب التعليم بصورة ملحوظة، وفي الوقت نفسه لا يطرأ أيّ تحسُّن ملحوظ على مستوى معيشة الأفراد بسبب زيادة السكان.

إنّ هذه الوظيفة تعتبر أكثر أهمية في الوقت الحالي بسبب ما تعانيه الدول النامية من اكتظاظ مناطقها الحضرية بفئات العمال الذين يفدون إليها من مناطق مختلفة في أساليب الحياة، وأنماط الاستهلاك.

لذا تكمن أهمية التعليم في القضاء على النماذج السلوكية التي تهدد التنمية الشاملة، والعمل على غرس وتنمية العادات الاستهلاكية السليمة، وتوجيه الأفراد نحو ادخار جزء من دخلهم، واستثماره في مشاريع جديدة تعود عليهم بالفائدة، بدلاً من الإنفاق على الاستهلاك، أو التقتير في الإنفاق على السلع الاستهلاكية.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الثلاثاء, 10 يناير 2017 13:17

خرافات الجوع!

يحصد الجوع المزمن في كل عام ما يتراوح بين 18 - 20 مليونًا من الناس، والسؤال المهم في هذا المجال: لماذا يوجد الجوع في عالم تسوده الوفرة والبحبوحة؟

يقول جوزيف كولينز وفرنسيس مورلابيه في كتابهما "الجوع في العالم": منذ أكثر من 15 سنة حاولنا أن نفهم لماذا هناك جوع في عالم تسكنه الوفرة؟

وحين تجاوزنا النظرة السطحية إلى الجوع وصلنا إلى حقائق مذهلة منها:

1- ليس الجوع في أي دولة من دول العالم مشكلة مستحيلة الحل، حتى تلك الدول التي تعتبر مكتظة بالسكان إلى حد كبير لديها الإمكانات الضرورية لتحرير نفسها من عبء الجوع.

2- زيادة الإنتاج الغذائي قد لا يُساعد على حل المشكلة؛ ففي كثير من الدول يزداد الإنتاج، ويزداد معه الجائعون، ولكن ما الجوع؟ إن مشاهد هياكل الأجساد والصفوف الطويلة بانتظار حفنة من الطعام هي المجاعة أسوأ أنواع الجوع.

على أن للجوع شكلاً آخر، جوع الذين يأكلون يومًا ولا يأكلون يومًا، جوع آخر يعانيه أكثر من 70 مليون شخص.

ونعيد طرح السؤال: ما الجوع؟ هل هو ذلك الألم المعوي الذي يصيبنا فيما لو لم نأكل؟ هل هو تلك المعاناة الجسدية لمن يعاني من سوء التغذية؟

الجواب: هو نعم، لكن الجوع أشياء أخرى أيضًا.

فالجوع يعني الألم، ألم الخيارات المستحيلة، والجوع يعني الحزن، والجوع يعني الذل، والجوع يعني الخوف، ومن ثَمَّ صارت أبرز أبعاد الجوع هي الألم والحزن، والذل والخوف.

وإذا كان الجوع بالنسبة لنا مجرد أرقام من الناس لا يحصلون على غذاء كافٍ، يكون الحل بالنسبة لنا أرقامًا أيضًا من الأطنان ومن الدولارات من المساعدات الاقتصادية.

إلاّ أننا متى بدأنا نفهم الجوع بما هو، أناس حقيقيون يعيشون أشد المشاعر الإنسانية إيلامًا، حينئذ نستطيع أن نرى جذور الجوع.

فالإنسان الجائع هو الإنسان الذي حرم القدرة على حماية نفسه ومن يحب، تلك هي الخطوة الأولى نحو فَهْم حقيقي لمشكلة الجوع وظاهرة المجاعة، وأسباب ذلك ليست هي القلة؛ لأن العالم مليء بالطعام.

وليست الكوارث الطبيعية، بل إن ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، وجشعه، وتبذير الموارد الاقتصادية، والإسراف في استخدامها، وإهدار الطاقات، كل ذلك وغيره من أسباب تفشِّي الجوع، وانتشار المجاعة في كثير من بقاع العالم.

وقد ذكر جوزيف كوليتر وفرنسيس مورلابيه في كتابهما "الجوع في العالم" مجموعة من الخرافات ذات الصلة بالجوع ومنها:

1- خرافة "لا يوجد ما يكفي من الطعام".

2- خرافة "اللوم يقع على الطبيعة".

3- خرافة "الضغط الذي يسببه العدد الكبير لسكان الأرض على مواردها المحدودة هو أصل الجوع".

4- خرافة "العدالة في مواجهة الإنتاج".

5- خرافة "السوق الحرة كفيلة بوضع حد للجوع".

المجاعات كوارث اجتماعية، وليست كوارث طبيعية، إنها نتيجة لأعمال الإنسان، ثم ماذا عن التزايد السكاني؟ أليس هناك من ترابط واضح بينه وبين انتشار الجوع؟ أي: هل يسبب التزايد السكاني الجوع، أم أنهما كلاهما نتيجتان لحقائق اجتماعية مماثلة؟

بما أنه لا توجد علاقة واضحة بين الكثافة السكانية والجوع، فإن الأرجح أن الجوع أحد مظاهر الفقر المدقع والتزايد السكاني، وأن الجوع سبب مشترك لهما، فإذا ما وضعنا اللوم على البيئة أو السكان، فاتنا أن ندرك أن المؤسسات البشرية هي التي تحدد مَن هم المحتاجون إلى الطعام؟ ومَن هم المعرَّضون للجوع دائمًا؟

إن لوم البيئة أو السكان أو غيرهما يجعلنا نشعر بالعجز عن المواجهة والمعالجة.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top