د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
السبت, 16 يناير 2016 11:03

الإرهاب الإلكتروني!

إن ضريبة التقدم لم تكن يوماً منخفضة ورخيصة، ولكن ضريبة التخلف عن مواكبته والارتقاء إلى مستوى المسؤولية التي تترتب عليها كانت على الدوام أشد وطأة وأغلى كلفة بكثير، لقد حصل ذلك في كل محطة من محطات التطور العلمي.

مرت ذكرى أكثر من أربعين عاماً لانطلاقة اختراع "الإنترنت" من دون اهتمام يتناسب وذلك الحدث، والمفارقة أن سبب ذلك النسيان والكلام هنا للأستاذ بدر سيد الرفاعي، رئيس تحرير مجلة "الثقافة العالمية"، يكاد يكون الإنترنت نفسها، أي: شدة انهماك مئات ملايين المستخدمين فيها إلى درجة الغفلة عن ذكرى تأسيسها، وهي التي باتت منذ سنوات غير طويلة أهم ميزة للعالم واقتصاداته وعاداته وثقافاته التي تأثرت بها بدرجة هائلة يستحيل تحديدها أو رسم ملامحها بدقة، سواء تعلق الأمر بالآثار التي وقعت حتى تاريخه أو التي ستقع في المستقبل.

ويضيف د. الرفاعي: ولا ندري إذا كان من حسن أو سوء طالع البشرية أن تصبح التكنولوجيا هي المتحكمة في وقت الناس ونمط حياتهم وإنتاجهم، وهي التي باتت تسبق الإنسان الذي ابتكرها فأصبح عليه هو اللحاق بها - وأحياناً الخوف منها - حتى يكاد ينسى كيف وإلى أين ولمصلحة وخير من؟

ومن المفارقات أن اختراع الإنترنت، الذي كان في أولى خطواته عبارة عن ابتكار "برنامج" لنقل وتحويل الملفات بين أجهزة الكمبيوتر، قد بدأ في دهاليز ومراكز أبحاث وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، وأن هذه الأجهزة والمراكز أصبحت وما زالت هدفاً مغرياً لهجمات قراصنة الإنترنت ووحدات الإرهاب الإلكتروني.

فمن اخترع الإنترنت لم يكن يتصور يوماً أن يكون الإنترنت أكبر وسيلة اتصال للإرهاب الذي غير الولايات المتحدة.. وغير معها العالم.

والمزعج في التطور التقني أنه يحمل معه في كل مرة سلاحاً جديداً لصرفه عن أهداف التقدم والخير، وربما الذهاب به بعيداً لخدمة الشر وحتى الإجرام، وهو ما يصح أكثر من ما يصح اليوم على الإجرام الإلكتروني وأشكاله التي تبدأ من "هاكرز" أو قراصنة الكمبيوتر، إلى عمليات النصب "الذكي" للحسابات المالية للمصارف، إلى عمليات الابتزاز والاحتيال التقليدي التي تستخدم الإنترنت للسطو على بعض أموال بعض المستخدمين، وصولاً إلى الأجهزة الحاسوبية التي يحكى أنها تحمل منذ لحظة بيعها ووصولها إلى المشترين مفتاحاً خاصاً للتحكم فيها بعد بدء استخدامها لغايات معينة.

لقد أصبحت المعلوماتية الإلكترونية في عالم اليوم من أخطر الأسلحة إن لم يكن أخطرها على الإطلاق، فالأمر لم يعد يقتصر على الإجرام الإلكتروني، بل إنه يمتد إلى التأثير في العلاقات بين الدول، لاسيما تلك التي تعيش نوعاً مما يمكن أن يُسمَّى "السلام البارد"، وهو بالتأكيد بدأ استخدامه منذ سنوات في الحروب وسوف يكون في المستقبل العامل الأكثر حسماً.

وما لا يقل تعقيداً وأهمية عن دور المعلوماتية الإلكترونية في الحروب هو دراسة جوانب وآثار استخدامها وتقنين استعمالها وعدم استعمالها في السلم، بهدف تطوير الجوانب القانونية والاقتصادية والمصرفية.

 إذ يظهر أن العالم قاطبة، وعلى الرغم من التفاوت بين الدول، يعاني ثغرات وفجوات هائلة على الصعيدين التنظيمي والتشريعي، بل هو يبدو أقرب إلى التجريب، لكنها تجربة معقدة وغنية، ومطلوب من الجميع المشاركة فيها وتحديد مسؤولية كل طرف قبل أن يضع "الكبار" وحدهم ما يصح تسميته "نظام إنترنت عالمي" في غفلة عن الفقراء والضعفاء و"المتخلفين" علمياً وتشريعاً، خصوصاً أن هناك كثيرين يحاولون الآن الإيحاء بأن تهديدات الإرهاب الإلكترونية على سبيل المثال هي بشكل ما أزمة حضارات أو حرب تستهدف الغرب.

الأحد, 10 يناير 2016 07:59

التنبؤات الديموجرافية!

في الحقيقة، إن عدد السكان في عملاق العالم السكاني الحالي سيتقلص، وما الصين إلا مثال واحد على الانهيار الشامل في معدلات الإنجاب الذي يحدث عبر معظم بلدان العالم النامي، بما في ذلك الكثير من دول آسيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، والاستثناء الواضح الوحيد هو أفريقيا جنوب الصحراء، التي ستصبح مع نهاية القرن موطناً لثلث الجنس البشري.

في مجتمع تنجب فيه المرأة 2.1 طفل في المتوسط على مدى حياتها، والذي يُدعى خصوبة "مستوى الإحلال" replacement level، يبقى تعداد السكان ثابتاً، وعندما يقوم المختصون بعلم السكان بتعديلات بالغة الصغر على تخمينات معدلات الخصوبة المستقبلية، يمكن أن تتأرجح تقديرات تعداد السكان على نحو مفرط، فالسيناريوهات الجديرة بالتصديق للأربعين سنة المقبلة تظهر تناقصاً في تعداد سكان العالم إلى 8 مليارات إنسان أو نمواً إلى 10.5 مليار إنسان.

وهناك تقدير حديث للأمم المتحدة يفترض بدلاً من ذلك، وبشكل جريء، هبوطاً في معدل الخصوبة العالمية إلى 2.02 بحلول العام 2050م، وفي النهاية إلى 1.85، مع بدء تعداد سكان العالم بالتناقص مع حلول نهاية هذا القرن.

على الرغم من مجاهيلها المتعددة، فإن التنبؤات الديموجرافية أصبحت أداة مهمة، إذ تعتمد الحكومات والوكالات الدولية والشركات الخاصة عليها في إستراتيجية التخطيط، وفي القيام باستثمارات طويلة الأجل، فهي تسعى إلى تقدير أشياء من نوع عدد المتقاعدين، وتكاليف الرعاية الصحية، وحجم قوة العمل لسنوات عديدة في المستقبل.

لكن العمل الإحصائي التفصيلي، الذي يقوم به المختصون بعلم السكان، يميل لأن يتسرب للجمهور العام على نحو فجّ، وسرعان ما تصبح عناوين أخبار الإثارة هي الحكمة الشائعة.

يقول مارتن وولكر: لقد حدث تطور دراماتيكي على معدلات الإنجاب في العالم، ففي تحدٍّ لتنبؤات التراجع الديموجرافي، بدأ الأوروبيون الشماليون بإنجاب المزيد من الأطفال، وتتوقع كل من بريطانيا وفرنسا الآن نمواً سكانياً ثابتاً ينطلق بلا توقف حتى منتصف القرن، كما أن التوجهات في أمريكا الشمالية تشبه مثيلاتها الأوروبية، وبناءً على تقديرات الأمم المتحدة، يحتمل أن يتساوى عدد المواليد في أمريكا مع عدد المواليد في الصين بحلول العام 2050م.

ختاماً يمكن القول: لقد تغير العالم، وهنالك تغير أكثر وأسرع قادم في الطريق.

الإثنين, 04 يناير 2016 17:35

الصناعات الإبداعية!

لقد قيل: إنَّ الإبداع هو الذي سيقود التغيير الاجتماعي والاقتصادي خلال هذا القرن؛ لذا، يرى جون هوكنز، مؤلف كتاب "الاقتصاد الخلاّق"، أنَّ التفكير في مجتمع المعلومات غير كافٍ على الإطلاق، ويرى أن عصر المعلومات بدأ بالفعل يفسح الطريق أمام شيء أكثر تحديّاً.

يقول هوكنز: لو كنت معلومة بسيطة لفاخرت بالعيش في مجتمع معلومات، لكن بوصفي كائناً مفكراً ومبدعاً، فأنا أتطلع إلى شيء أفضل، إننا نحتاج إلى المعلومات، لكننا نحتاج أيضاً إلى أن نكون نشطين ومهرة ومثابرين لاختبار هذه المعلومات، نحتاج إلى أن نكون أصلاء في تفكيرنا بكلمة واحدة أن نكون مبدعين.

لقد أصبحت الصناعات الإبداعية عنصراً مهماً في تكوين الاقتصادات المتقدمة، ففي عام واحد قُدِّر صافي عائدات صناعات حقوق النشر الأمريكية بـ790 بليون دولار، وهو ما يعادل 8% من إجمالي الناتج القومي الإجمالي، وهذا يفوق إسهام الصناعات الكيميائية والسيارات والطائرات وقطاع الزراعة.

وفي بريطانيا قُدِّرت عائدات الصناعات الإبداعية في عام واحد بـ113 بليون جنيه إسترليني، شكَّلت 5% من الناتج القومي الإجمالي.

وبالإضافة إلى النسب المئوية والنمو، تعود أهمية الصناعات الإبداعية إلى دورها المتوقع كموِّجه للمعرفة الاقتصادية وميسِّر للصناعات والخدمات الأخرى، عبر تزويدها، على سبيل المثال، بالمحتوى الرقمي الذي يُترجم مباشر إلى ميزة تنافسية وطاقة إبداع لقطاعات الاقتصاد الأخرى، وكذلك عبر احتضان رأس المال الإبداعي والعاملين الإبداعيين عموماً.

ومن هنا يرى جون هارتلي أنَّ أثر الصناعات الإبداعية لا يقف عند حد اجتذاب أساتذة وعلماء تميّزوا فيما سبق بضعف أنشطتهم الاستثمارية وبالعديد من أشكال التبعية الاجتماعية، فهي تضم نسبة كبيرة من المشروعات الصغيرة والمتوسطة إلى جانب بعض من أكبر الماركات العالمية.

إنَّ الصناعات الإبداعية ليست مجرد شبّان طامحين وشركات رأسمالية عملاقة، إنها بحاجة إلى مزيج جديد من الشراكة العامة والخاصة.

وفي سياق كهذا، لا تقتصر قيمة الصناعات الإبداعية على النشاط الاقتصادي، وإنما تمتد كذلك إلى أرقى أشكال التنمية في العالم.

الأربعاء, 30 ديسمبر 2015 11:20

الإنتاج العلمي.. وجدواه الاقتصادية

يعتبر البحث العلمي من الأولويات التي تهتم بها أي جامعة؛ وذلك لأهمية البحث العلمي كمرتكز رئيس ومساعد على الارتقاء بأي مؤسسة تعليمية، ولدوره الأساس في تقدم المجتمع وازدهاره.. وعلى ذلك تسعى الجامعات لتوفير المناخ المناسب والإمكانات اللازمة للبحث العلمي، ونشر نتائج البحوث في الدوريات المحلية والإقليمية والعالمية، وتعد الرسائل الجامعية التي تتم في إطار إتمام متطلبات الحصول على درجة الماجستير أو الدكتوراه جزءاً مهماً من البحث العلمي الجامعي وحلقة من حلقاته.

وغير خافٍ أن البحث العلمي هو مجهود منظم يقوم به باحث متخصص في فرع من فروع المعرفة الإنسانية، ويتألف هذا المجهود من عناصر متتالية، ولكل منها خصائص فنية يجب على الباحث أن يراعيها؛ ليقدم بحثاً يستحق الإجازة والإشادة، كما تعد توصيات الرسائل الجامعية والبحوث العلمية عنصراً مهماً في حزمة عناصر البحث، حيث لا تكتمل جهود الباحث إلا بتناول هذا العنصر، وتمثل خلاصة مجهوده البحثي ومعايشته للمشكلة المدروسة منذ أن كانت فكرة تلفت انتباهه وتشغل اهتمامه وحتى أصبحت بحثاً متكامل العناصر البحثية، وللتوصيات فوائد كثيرة على الباحثين اللاحقين والقطاعات الخدمية والإنتاجية المستهدفة، إذ إنها تقدم السبل المسؤولة عن الارتقاء بأدائها.

وعليه يمكن القول: إن البحث العلمي هو أحد الأنشطة ذات التكلفة العالية، وتصل التكلفة في الدول المتقدمة إلى نسب عالية من الدخل الوطني قد تبلغ 3% في بعض من تلك الدول، أي أن الإنفاق على البحث العلمي في تلك الدول يمكن أن يصل إلى مليارات عديدة من الدولارات، فإذا تحققت من جهود البحث العلمي الفوائد المرجوة سواء تقنية أو علمية أو غيرها في المجالات العلمية التطبيقية أو العلوم الاجتماعية؛ فإن ذلك يكون مرضياً وباعثاً على التطور والتقدم، أما في حالة عدم الاستفادة من معطيات جهود البحث العلمي، فإن ذلك يمثل هدراً وفاقداً وطنياً يؤدي إلى ضياع بعض فرص التقدم والتطور التي كان يمكن تحقيقها نتيجة للاستثمار الهادف في البحث العلمي مع الاستفادة من معطياته.

لذا، يعد البحث العلمي من أهم الأدوات التي تحقق التنمية في عالمنا المعاصر إن لم يكن أهمها جميعاً، ولقد أثبتت الخبرات المجمعة أنه مكون أساس في صياغة مستقبل المجتمعات والأمم، كما أن الجامعات ومراكز البحث العلمي لها الدور الأساس في جهود البحث العلمي في تلك المجتمعات، ولا شك أن عدم الاستفادة من تلك الجهود يمثل هدراً وفاقداً كبيراً على المستوى الوطني.

مشكلة البحث العلمي كما يقول د. علي حبيش تتمثل في أن الإنتاج العلمي لا يتجه لمواجهة المشكلات الخاصة بالتنمية أو المشكلات الحقيقية، بل إنه غير تراكمي أو مجرب في كل المجالات، ولا يتجه لإحداث تغيير وتطوير وابتكار صناعي، ولم تثبت – للأسف – جدواه الفنية والاقتصادية والبيئية، وتمثل الرسائل العلمية وبحوث المؤتمرات وبحوث الدوريات العلمية المحلية والعالمية، أكبر مكونات العرض لمنتجات البحث العلمي، وهي في غالبيتها أبحاث أكاديمية البحث دون عمق بل هي منخفضة الجودة بعيدة عن الإبداع العلمي والانعزال عن التقدم التقني.

ثم إن السرقات في مجال الأبحاث العلمية هي عرض لمرض حقيقي يعاني البحث العلمي منه منذ فترة طويلة لأسباب متنوعة؛ منها نقص الاعتمادات والتمويل، وانفصال البحث العلمي عن الواقع المحيط به والاكتفاء بالأبحاث النظرية الصماء، ولقد تحولت رسائل الماجستير والدكتوراه إلى وسيلة فقط للحصول على الدرجات العلمية والترقيات وليست بهدف الابتكار والإبداع في المجالات المختلفة؛ مما يستدعي ضرورة إعادة النظر في إطار برنامج متكامل للنهوض بمستقبل البحث العلمي.

وهناك أشكال أخرى من السرقات العلمية التي تهدد مستقبل البحث العلمي؛ وهي انتشار المكاتب التي تقوم بكتابة مشروعات التخرج؛ مما يؤهل هؤلاء الطلاب للسير في طريق السرقات العلمية واغتصاب مجهودات الآخرين من أجل الحصول على تقديرات لا يستحقونها.

وللأسف، فإن بعضاً من مواقع التواصل الاجتماعي تروج لرسائل الدراسات العليا بمبالغ مالية محددة، مشروطة بحصول صاحبها على درجة الامتياز مع مرتبة الشرف، حيث يتم توفير رسالتي الماجستير والدكتوراه لجميع التخصصات بعد توفير الأطروحات، وتكون حديثة ومميزة ويتم إعدادها بشكل علمي، ولا شك أن الأسعار ترتفع لبعض الدراسات الخاصة بالإدارة والاقتصاد والسياسة، نظراً للجهود الكبيرة التي تحتاجها.

ومما يزيد الطين بلة أن هناك كثيراً من المكتبات التي تقدم مثل هذه الخدمة في تنفيذ الرسائل العلمية، خصوصاً في الدراسات العليا، وليست مقتصرة على وسائل التواصل الاجتماعي، وهي بلا شك مخالفة للنظام.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top