د.أشرف دوابه

د.أشرف دوابه

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تمثل المشكلة الاقتصادية أساس ومبنى علم الاقتصاد الوضعي، وقد عكس ذلك الاقتصادي البريطاني الشهير “ليونيل روبنز” (Lionel Robbins) -الذي ينتمي للمدرسة التقليدية- في تعريفه لعلم الاقتصاد بأنه: “دراسة السلوك الإنساني كحلقة اتصال بين الأهداف والحاجات المتعددة، وبين الوسائل النادرة ذات الاستعمالات المختلفة”.

فالمشكلة الاقتصادية في أي مجتمع من المجتمعات تتمثل في عدم القدرة على إشباع جميع الاحتياجات البشرية، ويرجع هذا أساساً إلى الندرة النسبية للموارد الاقتصادية، فلو توافرت الموارد الاقتصادية دائماً وبالقدر المطلوب لإشباع الاحتياجات البشرية إشباعاً تاماً لزالت المشكلة الاقتصادية تماماً.

تمثل الموارد الاقتصادية عناصر الإنتاج التي يمكن أن تسهم في العملية الإنتاجية، وتضم الموارد الطبيعية والموارد البشرية والموارد المصنعة أو رأس المال، بينما تمثل الحاجة شعوراً بالحرمان يلح على صاحبه، وهي المحرك الرئيس للطلب على السلع، ويقصد بالسلع هنا السلع الاقتصادية التي لها ثمن فهي السلع النافعة والموجودة بشكل نادر، ولا يمكن الحصول عليها مجاناً، بل يحتاج الحصول عليها إلى تكاليف، وهذا بعكس السلع الحرة التي تمثل الأشياء النافعة الموجودة في الطبيعة بشكل غير محدود، حيث إن استخدامها لا تترتب عليه أي تكاليف (مثل الماء والهواء وأشعة الشمس)، فهذا النوع من السلع يكون خارج نطاق علم الاقتصاد.

ويجعل الفكر الاقتصادي الغربي من ندرة الموارد وتعدّد وتجدد الحاجات أساس المشكلة الاقتصادية، ومن ثم يحاول استخدام النظريات والقواعد الاقتصادية المختلفة لإشباع أكبر قدر ممكن من الحاجات والرغبات الإنسانية عبر استخدام الموارد الاقتصادية المتوافرة التي يصف وجودها بالندرة النسبية. 10-3.jpg

وهذه الرؤية الغربية للمشكلة الاقتصادية صاغها مفكرو الغرب وفق رؤيتهم الاقتصادية الرأسمالية المنبثقة عن وجهة نظرهم وقاعدتهم الأساسية في التفكير، وقد تبعهم في ذلك واقتدى بهم فيه جلّ من كتب في الاقتصاد من المسلمين، دون النظر العقلي والشرعي لتلك المشكلة.

وتتعدد النظرة للمشكلة الاقتصادية ما بين مؤيد لوجودها، ومعارض، وفي الوقت نفسه يختلف المؤيدون في تفسيرها.

وتطرح المشكلة الاقتصادية ثلاثة أسئلة أمام كل مجتمع، والإجابة عنها تكون في مجموعها الأركان الرئيسة لحل المشكلة الاقتصادية وتقاس كفاءة أي نظام اقتصادي وفاعليته بمدى صحة إجابته عن هذه الأسئلة، وهي: ماذا ننتج من السلع والخدمات كماً وكيفاً؟ وكيف ننتج تلك السلع والخدمات؟ ولمن ننتج تلك السلع والخدمات؛ أي ما معايير توزيعها في المجتمع؟

وتختلف النظرة للمشكلة الاقتصادية من وجود موارد محدودة نسبياً في مواجهة حاجات متعددة ومتزايدة وفقاً للمذهب الاقتصادي السائد، فالنظام الرأسمالي ينظر للندرة النسبية في الموارد أو بما سماه «شح الطبيعة» على أنه جوهر المشكلة الاقتصادية، وصور الإنسان على أنه في صراع مع الطبيعة من أجل البقاء.

وفي هذا الاتجاه، ظهرت في القرن الثامن عشر نظرية الاقتصادي الإنجليزي الشهير «مالتوس» في السكان، التي ادعى فيها أن العالم لا بد أن يشهد كل ربع قرن ما يشبه المجاعة، وذلك نتيجة ميل سكانه للزيادة وفق متوالية هندسية، بينما يميل الغذاء إلى الزيادة بحسب متوالية عددية، ومن ثم فإن وجود فجوة بين السكان والموارد الغذائية أمر لا مفر منه، وازدياد هذه الفجوة اتساعاً بمرور الزمن أمر لا فكاك عنه.

وقد توصل «مالتوس» لحل ينافي الفطرة الإنسانية للمشكلة الاقتصادية من خلال مطالبته بالعزوف عن الزواج أو تأجيله بهدف الحد من الزيادة السكانية، وإلا فإن الطبيعة ستحصد الرؤوس الزائدة من خلال الأمراض والأوبئة نتيجة سوء التغذية، أو بالحروب نتيجة للتصارع على الموارد الغذائية.

أما النظام الاشتراكي فاعتبر جوهر المشكلة الاقتصادية في التناقض بين شكل الإنتاج الجماعي وعلاقات التوزيع الفردية، فـ»ماركس» يرى أن النظام الرأسمالي يتعرض للمشكلات الاقتصادية نتيجة للشكل الجماعي للإنتاج، حيث إن الجميع يعملون وينتجون بينما علاقات التوزيع فردية، حيث إن الذي يتولى التوزيع جهاز الثمن، أو بعبارة أخرى أصحاب الملكيات الخاصة من ملاك الثروات وأرباب الأعمال، وبالتالي فإن العمال لا يأخذون نصيبهم الحقيقي من الإنتاج، بل يحصلون فقط على حد الكفاف، ويأخذ الرأسماليون فائض القيمة. 10-3-1.jpg

واتخذت الاشتراكية أيضاً حلاً للمشكلة الاقتصادية ينافي الفطرة الإنسانية، من خلال تحويل نظام التوزيع إلى نظام جماعي، وذلك بإلغاء الملكية الخاصة من خلال التأميم وإحلال الملكية العامة محل الملكية الخاصة، ومن ثم إحلال الدولة إحلالاً تاماً وكاملاً محل جهاز الثمن.

والمنهج الاقتصادي الإسلامي يرفض هذا وذاك، فالموارد سخّرها الله تعالى بقدر البشر كماً وكيفاً، وجعل الملكية الخاصة ملكية نظيفة وحقاً مشروعاً ينمو في حضن القيم الإيمانية، والمشكلة الاقتصادية مرجعها إلى سلوك البشر وبُعدهم عن تنفيذ أوامر الله، وتجنب ما نهى عنه سواء بدعوته لعباده بالسعي في الأرض واكتشاف ما بها من موارد أو تهذيب الحاجات بالقيم الإسلامية وتحقيق العدالة في التوزيع. 

إن الله عز وجل خلق من الموارد ما يكفي بني آدم، وحثهم على استغلال الموارد أفضل استغلال، فهي في المقام الأول أمانة، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الإسراف في الماء ولو كان الإنسان على نهر جار، فقد روى عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بسعد بن أبي وقاص وهو يتوضأ، فقال: «ما هذا السَّرَف؟»، فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قال: «نعم، وإن كنت على نهر جارٍ» (رواه ابن ماجه).

والمشكلة الاقتصادية بما تعكسه من ندرة الموارد بالنسبة للاحتياجات البشرية هي واقع لا يمكن إنكاره، ولكنها لم تحدث بشح الطبيعة، بل ترجع لسلوك بني آدم، نتيجة لما اتسم به هذا السلوك من الجور والأثرة والأنانية والجشع وبطران النعمة.

فالإنسان هو الذي يقوم بالحروب التي تحصد آلاف البشر وتدمر الموارد تدميراً، والإنسان هو الذي يلوث البيئة من حوله ويفسد المناخ والموارد، والإنسان هو الذي يستعمر البلاد ويقطع أوصالها إرباً ويستغل مواردها استغلالاً سيئاً، والإنسان هو الذي يأكل المال بالباطل من خلال الربا والمقامرة والغش والتدليس والخديعة والغرر والنجش والاحتكار ويبني مملكته من المال الحرام على أجساد ودماء المحتاجين والعوام، والإنسان هو الذي يوقع نفسه في شراك الأزمات الاقتصادية ببنائه هرماً مقلوباً من الديون على حساب ما يمتلكه من أصول، والإنسان هو الذي يبطر بنعمة الله حتى وصل ببعض الدول إلى منع الإنتاج أو تدمير الفائض حفاظاً على السعر، في حين أكثر من مليار في العالم يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، والإنسان هو الذي يبخل بحق الله في المال من زكاة وصدقات فيحول بين حق الله في المال ومستحقيه، ويحول كذلك دون إعادة توزيع الدخول.

والإنسان هو الذي يركن للكسل والخمول ولا يمشي في مناكب الأرض ليستخرج خيرها ونيل رزقها، ثم يأتي بعد ذلك من يدعي شح الطبيعة! صدق الله وكذب هؤلاء، حقاً: ﴿إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ ٣٤﴾ (إبراهيم).

 

___________________________________

(*) أستاذ التمويل والاقتصاد بجامعة إسطنبول صباح زعيم.

يشهد هذا الشهر (فبراير) وبالتحديد في الثاني عشر منه مرور 70 عاماً على استشهاد الأستاذ حسن البنا، حيث طرح رؤيته الشاملة للإسلام التي ترتكز على بناء الإنسان اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً.. فقد كان البنا دقيقاً (في رسالة التعاليم) حينما وصف الإسلام بأنه: «نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعاً؛ فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء»؛ فجعل من شمولية النظام الإسلامي ما يحتويه من نظام اقتصادي وما يتضمنه هذا النظام من مادة أو كسب وغنى.

وصف الأستاذ البنا (في رسالة المؤتمر الخامس) جماعة الإخوان المسلمين بأنها «شركة اقتصادية»، وذكر في تبريره لهذا الوصف بأن الإسلام يعنى بتدبير المال وكسبه من وجهه، وهو الذي يقول نبيه صلى الله عليه وسلم: «نعم المال الصالح للرجل الصالح» (رواه أحمد)، ويقول: «من أمسى كالاً من عمل يده أمسى مغفوراً له» (رواه الطبراني)، وقال: «إن الله يحب المؤمن المحترف» (رواه الطبراني).

فالاقتصاد جزء أساسي من الرؤية الشاملة التي تميز بها حسن البنا سواء تعلق هذا بالبناء الاقتصادي لجماعة الإخوان التي أسسها عام 1928م أو إصلاح المجتمع المصري اقتصادياً؛ حيث حرص على بناء الإنسان الاقتصادي الصالح، وبناء المؤسسات، فضلاً عن توجيه النصح بصورة قوامها ربط التنظير بالتطبيق لتحقيق الإصلاح الاقتصادي للدولة.

بناء الإنسان الاقتصادي

فقد ظهرت رؤيته في البناء الاقتصادي عند البنا من خلال حرصه على بناء الإنسان الاقتصادي الصالح باعتباره هو الذي يصنع الثروة، ولا تصنعه الثروة، وقد بين ذلك بوضوح في رسالة «التعاليم»، حيث جعل نحو ربع واجبات الأخ العامل (التي يبلغ إجمالها 38 واجباً) واجبات اقتصادية، ممثلة فيما يلي:

1- أن يزاول عملاً اقتصادياً مهما كان غنياً، وأن يقدم العمل الحر مهما كان ضئيلاً، وأن يزج بنفسه فيه مهما كانت مواهبه العملية.

2– ألا يحرص على الوظيفة الحكومية، وأن يعتبرها أضيق أبواب الرزق، ولا يرفضها إذا أتيحت له، ولا يتخلَّ عنها إلا إذا تعارضت تعارضاً تاماً مع واجبات الدعوة.

3– أن يحرص كل الحرص على أداء مهنته من حيث الإجادة والإتقان وعدم الغش وضبط الموعد.

4- أن يكون حسن التقاضي لحقّه، وأن يؤدي حقوق الناس كاملة غير منقوصة بدون طلب، ولا يماطل أبداً.

5– أن يبتعد عن الميسر بكل أنواعه مهما كان المقصد من ورائها، ويتجنب وسائل الكسب الحرام مهما كان وراءها من ربح عاجل.

6– أن يبتعد عن الربا في جميع المعاملات وأن يطهر منه تماماً.

7– أن يخدم الثروة الإسلامية العامة بتشجيع المصنوعات والمنشآت الاقتصادية الإسلامية، وأن يحرص على القرش (المال)؛ فلا يقع في يد غير إسلامية مهما كانت الأحوال، ولا يلبس ولا يأكل إلا من صنع وطنه الإسلامي.

8– أن يشترك في الدعوة بجزء من ماله، ويؤدي الزكاة الواجبة فيه، وأن يجعل منه حقاً معلوماً للسائل والمحروم مهما كان دخله ضئيلاً.

9– أن يدخر للطوارئ جزءاً من دخله مهما قل، وألا يتورط في الكماليات أبداً.

بناء المؤسسات

ولم تقف كلمات البنا عند الإرشاد، بل إلى صورة عملية في تحويل ما يؤمن به نظرياً إلى واقع عملي في الميدان الاقتصادي من خلال بناء المؤسسات، وقد اعتمد البنا في بناء مؤسسات جماعة الإخوان المسلمين على أموال الجماعة لقيامها بنشاطها وتحقيق أهدافها، وتناول ذلك تفصيلاً في رسالة «هل نحن قوم عمليون؟»، حيث تناول مشاريعها ومؤسساتها العامة النافعة؛ من مساجد، ومدارس، ولجان خير وبر، ودروس ومحاضرات وخطب وعظات، ولجان متطوعة للإشراف على المرافق العامة في القرى من ترميم المساجد وتنظيف الشوارع وإضاءة الطرقات والسعي في إيجاد المشافي المتنقلة، ولجان إحياء السنن والفرائض التي نسيها الناس بالعمل لا بالقول؛ كجمع زكاة الحبوب في مخزن خاص وتوزيعها بمعرفة الجماعة على المستحقين دون محاباة ولا تحيز.

كما قدم نموذجاً عملياً للاستثمار الإسلامي بعيداً عن الربا، بإقامة مشروعات استثمارية في مجالات متعددة، ومن أهم هذه المشروعات شركة المعاملات الإسلامية، والشركة العربية للمناجم والمحاجر، وشركة الغزل والنسيج، وشركة الإخوان للصحافة، وشركة الإخوان للطباعة، وشركة التجارة والأشغال الهندسية، وشركة التوكيلات التجارية، وشركة الإعلانات العربية.

ولم يقتصر إنشاء الشركات على شركات الجماعة، بل انتشرت الشركات التي يملكها أعضاء جماعة الإخوان في كافة أنحاء مصر، وقد تعرضت كل هذه الشركات للمصادرة الحكومية بعد حل الجماعة، وتم إجهاض نهضة اقتصادية ملموسة قدرت أصولها وقت صدور الأمر العسكري رقم (63 لسنة 1948م) بحـل جماعة الإخوان بنحو 60 مليون جنيه مصري، وهو ما يتجاوز مبلغ 4 مليارات جنيه مصري بالأسعار الحالية.

الإصلاح الاقتصادي للدول

توجه البنا برؤيته الشاملة المعهودة بالنصح والإرشاد لإصلاح الدولة اقتصادياً حتى لا تظل أسيرة لغيرها وتلبي حاجتها وتمتلك كلمتها، فذكر في رسالة «مشكلاتنا الداخلية في ضوء النظام الإسلامي.. النظام الاقتصادي» حتمية الإصلاح السياسي لتحقيق الإصلاح الاقتصادي، باعتبار أن الأول أصل وما عداه تابع له، مستشهداً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» (متفق عليه)؛ حيث أكد أن الحكومة هي قلب الإصلاح الاجتماعي كله، فإذا فسدت أوضاعها فسد الأمر كله، وإذا صلحت صلح الأمر كله.

وكشف عن المعضلات الاقتصادية الثلاث بمصر؛ ممثلة في الفساد الاقتصادي، والتفاوت الطبقي، والتخبط الاقتصادي، موضحاً هذا التخبط باتباع نظم اقتصادية وضعية نبتت في غير أرضنا لأوضاع غير أوضاعنا، ومجتمعات فيها غير ما في مجتمعنا.

ودعا إلى الأخذ بالنظام الاقتصادي الإسلامي؛ ذلك النظام الكامل الذي يؤدي إلى الإصلاح الشامل في توجيهات الإسلام الحنيف، الذي وضع للاقتصاد قواعد كلية أساسية لو علمناها وطبقناها تطبيقاً سليماً؛ لانحلت مشكلاتنا، ولظفرنا بكل ما في هذه النظم من حسنات، وتجنبنا كل ما فيها من سيئات، وعرفنا كيف يرتفع مستوى المعيشة وتستريح كل الطبقات، ووجدنا أقرب الطرق إلى الحياة الطيبة.

وقد حدد البنا محاور الإصلاح الاقتصادي في إصلاح السياسة النقدية والمالية والهيكلية؛ ففي إصلاح السياسة النقدية طالب بوجوب استقلال النقد، والاعتماد على رصيد ثابت من مواردنا ومن ذهبنا، لا على أذونات الخزانة الأجنبية، منتقداً ضعف الرقابة على النقد، والاستهانة بأمره استهانة بلغت حد الاستهتار، وما نتج عن  هذه المآسي التي نصطلي بنارها من التضخم الذي استتبع غلاء المعيشة، وصعوبة الاستيراد والتصدير.

وفي إصلاح السياسة المالية، طالب بأهمية ترشيد الإنفاق وتنظيم الضرائب، مبيناً أن روح الإسلام توجب علينا في تشريعه الاقتصادي أن نبادر بتنظيم الضرائب الاجتماعية، وأولها الزكاة، وليس في الدنيا تشريع فرض الضريبة على رأس المال لا على الربح وحده كالإسلام، وذلك لحكم جليلة، منها: محاربة الكنز وحبس الأموال عن التداول؛ فلا بد من العناية بفرض ضرائب اجتماعية على النظام التصاعدي -بحسب المال لا بحسب الربح– يعفى منها الفقراء طبعاً، وتجبى من الأغنياء الموسرين، وتنفق في رفع مستوى المعيشة بكل الوسائل المستطاعة.

ومن لطائف سيدنا عُمر رضي الله عنه، أنه كان يفرض ضرائب ثقيلة على العنب لأنه فاكهة الأغنياء، وضريبة قليلة لا تُذكر على التمر لأنه طعام الفقراء؛ فكان أول من لاحظ هذا المعنى الاجتماعي في الحكام والأمراء رضي الله عنه.

ولعل ما يميز البنا في الجانب الاقتصادي أنه أول من لفت النظر لميلاد بنوك إسلامية، ووضع حلولاً عملية لآفة الربا، وتناول ذلك في مجلة «النذير» عام 1939م، حيث بين أنه من الممكن والميسر أن يعالج النظام الاقتصادي العام علاجاً يشفيه من داء الربا، كما تخلص العالم بفضل الإسلام من نظام الاسترقاق الذي كان ينظر إليه كضرورة بشرية في عرف الإنسان.

وذكر أن «الإسلام وضع علاج ذلك بالزكاة، ولأمر اقترن الربا بالزكاة في كثير من الآيات القرآنية، فليؤخذ من مال الزكاة وصندوقها ما يغني المقرضين عن الربا»، كما ذكر علاجاً فنياً آخر يراه بعض الاقتصاديين بقوله: «ذلك أن المهيمن على السوق الاقتصادية في نظامنا الحديث؛ المصارف المالية، وهي التي تعتمد أكثر ما تعتمد على الفوائد إيداعاً وإقراضاً، وفي وسع هذه المصارف أن توظف معظم ودائع العملاء في الأسهم، فتستفيد وتفيد، وتربح لنفسها ولعملائها وتقاسمهم هذا الربح، وتفيد السوق الاقتصادية فائدة جمة، وتستطيع المصارف أن تجد من أبواب الإيراد، وخدمة الاقتصاد ما لا يقع تحت حصر لتوظيف الأموال في التجارة والصناعة، والعمولة والوساطة في بيع المحاصيل، وبيع العملة الأجنبية، وصرف الشيكات، وتأجير الخزن، وحفظ الودائع وغيرها، وهذا من حيث إفادة نفسها وعملائها، ومن حيث الإقراض للمحتاجين للمال؛ ففي وسعها أن تتخذ لهذا الإقراض بصورة تجعله من صلب الشركة، أو من باب العوض، أو نحو ذلك، وبهذا تستغني تمام الاستغناء عن نظام الفائدة».

كما تناول البنا إصلاح السياسة الهيكلية التي تتعلق بتغير نوعي في هيكل النشاط الاقتصادي بما يحقق التنمية من خلال دعوته لاستغلال منابع الثروة، والصناعة، والزراعة، وتشجيع المشروعات الصغيرة، وذلك في رسالته «مشكلاتنا الداخلية في ضوء النظام الإسلامي، النظام الاقتصادي»، حيث رسم الطريق لاستغلال الثروات من خلال العناية بالمشروعات الوطنية الكبرى، كما كشف عن أهمية التصنيع كإستراتيجية ضرورية وملحة لبناء الاقتصاد، فذكر أن التحول إلى الصناعة فوراً من روح الإسلام، كما كشف عن أهمية الزراعة والعمل على زيادة إنتاج هذا القطاع وإنتاجية العاملين فيه بإعادة النظر في نظام الملكيات بمصر، باختصار الملكيات الكبيرة، وتعويض أصحابها عن حقهم بما هو أجدى عليهم وعلى المجتمع، وتشجيع الملكيات الصغيرة، حتى يشعر الفقراء المعدمون بأنه أصبح لهم في هذا الوطن ما يعنيهم أمره، ويهمهم شأنه، وأن يتم توزيع أملاك الحكومة حالاً على هؤلاء الصغار كذلك حتى يكبروا، كما طالب بتعزيز دور المشروعات الصغيرة، وتمصير الشركات، وترشيد الاستهلاك، وحث على الوحدة الاقتصادية والاكتفاء الذاتي.

رحم الله الأستاذ حسن البنا، فقد كان مدرسة متكاملة تجسد الإسلام بمفهومه الشامل وفي القلب منه الاقتصاد.

الأربعاء, 16 يناير 2019 10:16

مستقبل الاقتصاد الإسلامي

عرف الاقتصاد الإسلامي مع ميلاد الإسلام، وانتشر فكراً وتطبيقاً في عهد الرسالة وما بعدها ما يزيد على عشرة قرون، حتى تم تنحيته بتنحية الشريعة الإسلامية عن الحكم بفعل الاستعمار الذي جاء ليخرب ويسيطر على مقدرات المسلمين وتغيير هويتهم.

وقد تميز الاقتصاد الإسلامي كعلم بتوفيقه بين حاجات البشر المادية والمعنوية، وما استخلفهم الله تعالى فيه من موارد وفقاً لأحكام وقيم ومقاصد الشريعة الإسلامية لتحقيق الرفاه في الدنيا والآخرة.

 الاقتصاد الإسلامي يراعي حاجات البشر الروحية جنباً إلى جنب مع الحاجات المادية في ظل دائرة الطيبات، بعيداً عن استعباد المادة وتقديس اللذة كما في النظام الرأسمالي، أو قتل الحاجات بتوجيه أهل الحكم والسلطة في النظام الاشتراكي، والنظام الاقتصادي الإسلامي كذلك ينظر للموارد الاقتصادية على أنها استخلاف، وأن السعي لاستخدامها الاستخدام الأمثل يمثل فريضة إسلامية لتحقيق الكفاية والحياة الكريمة لأبناء المجتمع، كما يهذب الحاجات بقيم الإسلام ولا يتركها تخرج عن المألوف وتستعبد الناس، وهو في الوقت نفسه لا يرضى أن يعيش مواطن في دولة الإسلام دون حد الكفاية، ويتخذ من إحسان اقتصاد الدنيا مزرعة للوصول إلى إحسان الآخرة.

كما تميز الاقتصاد الإسلامي كنظام بالربانية والشمولية والمرونة والتوازن والواقعية والعالمية، وقوامه في ذلك الملكية الفردية والحرية الاقتصادية المنضبطة والتكافل الاجتماعي في ظل دائرة الاستخلاف؛ لذا فالقطاع الخاص قاطرته التنموية، والدولة تعمل على تهيئة المناخ اللازم لممارسة القطاع الخاص دوره بفعالية ومسؤولية استخلافية جنباً إلى جنب مع القطاع الثالث أو الخيري الذي يتوسع وينكمش وفق درجة الإيمان في المجتمع والوعي الجمعي بقيمة فعل الخيرات، ويبقى دور الدولة الأساسي في بناء قوتها العسكرية وتحقيق الأمن والعدل وإقامة المشاريع التي يعجز القطاع الخاص عن إقامتها أو تمس بصورة مباشرة أمنها القومي.

بين الماضي والحاضر

لقد شهد تاريخ أمة الإسلام اقتصاداً عالمياً كان يخاطب فيها الحاكم المسلم السحابة فيقول لها: «اذهبي حيث شئت فسوف يأتيني خراجك»! ونحن اليوم أمة تعيش يومها بيومها، ويتحكم فيها عدوها، وتستأثر القلة بثروتها، وكل ذلك نتاج بغيض لمستعمر حاقد قسم دول الإسلام إلى دويلات، وقطع كل الطرق لاتحادها في الوقت الذي يحكم 51 ولاية أمريكية رئيس واحد، وتستظل دول الاتحاد الأوربي بظلال الوحدة.

إن الاستعمار إذا كان قد زال عن ديار المسلمين فإنه في الوقت نفسه ترك أذنابه ليطمسوا ما تبقى من هوية الأمة، ومنها الهوية الاقتصادية، ولكن كتب الله لدينه البقاء، وما قل رجاله الذين أخلصوا نياتهم لله، وعلموا قيمة جنسية الإسلام كوطن، وخيرية مكانتهم بالتزامهم بدين الإسلام، فهرعوا ليوقظوا الأمة من نيام، ويستحثوا فيهم حركة الوعي الاقتصادي، وكان في مقدمة هؤلاء الشيخ حسن البنا، والشيخ محمد أبو زهرة، والشيخ محمد عبدالله دراز، والشيخ أبو الأعلى المودودي.. وغيرهم من علماء الدين.

ولم يقتصر الأمر على هؤلاء، بل امتد لعلماء الاقتصاد من أبناء الحركة الإسلامية، وفي مقدمتهم د. محمود أبو السعود، ود. محمد عبدالله العربي، ود. عيسى عبده، ود. أحمد عبدالعزيز النجار.. وغيرهم، حتى ولد في العام 1975م أول بنك إسلامي حكومي دولي ممثلاً في البنك الإسلامي للتنمية، وأول بنك إسلامي قطاع خاص ممثلاً في بنك دبي الإسلامي الذي جاء بجهد مالي وإرادة صادقة من الحاج سعيد لوتاه، وجهد فكري وعمل مخلص من د. عيسى عبده.

وبذلك ظهرت اللبنة الأولى لمؤسسات الاقتصاد الإسلامي في واقعنا المعاصر من خلال البنوك الإسلامية، ثم جاءت اللبنة الثانية من خلال شركات التأمين التكافلي الإسلامي، والثالثة من خلال مؤسستي الوقف والزكاة اللذين رغم دورهما المحوري في تاريخ الحضارة الإسلامية فإنهما شهدا انحساراً متعمداً يقوده مستعمر غاصب حاقد، ولكن الله تعالى قيّض لهاتين المؤسستين من يبنيهما بناء عصرياً ينشر العمل الخيري في ربوع الدنيا بصورة منظمة وواعية من خلال دولة الكويت التي تعتبر تجربتها في هذا الشأن تجربة يقتدى بها في كل ربوع الدنيا وعلى نهجها سار عدد من الدول الإسلامية.

ثقوب

رغم هذا الجهد الملاحظ للاقتصاد الإسلامي علماً ونظاماً ومؤسسات، وتحويل ما في بطون الكتب إلى واقع تلمسه الأمة، فإنه أصابه الضرر في ثوبه المعاصر من خلال أمرين، هما:

الأول: حصره في البنوك الإسلامية بما لها وما عليها لا سيما ما أصاب بعضها من انحراف واضح عن المنهج الإسلامي من خلال ابتداع الحيل الشيطانية من تورق منظم وقلب الدين ونحوها، وتقبيل أعتاب البنوك التقليدية حتى باتت تابعة لا متبوعة، وهي مع كل ذلك تجربة بشرية لها ما لها وعليها ما عليها، والحق لا يعرف بالمؤسسات الإسلامية ولكن يعرف بأهل الحق، ولا قيمة للتغني بأرقام معدلات النمو لتلك الصناعة المصرفية مع إغفال الكيف من حيث الالتزام الشرعي وتحقيق البعد التنموي والسماحة في سعر العائد بعقود المعاوضات بصورة تميزها تنافسياً عن البنوك التقليدية، وابتكار كل جديد لتوفير الخدمات للناس بصورة توائم بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

الثاني: تحويل التجربة المعاصرة للاقتصاد الإسلامي -لا سيما في المصرفية- من صناعة إلى تجارة يقاتل الرافعون ضراراً لشعارها والنفعيون منها على مصالحهم الربحية، حتى بتنا نرى من يزين الحرام ويغلفه لكي يكون حلالاً، وتحولت حال بعض البنوك الإسلامية وحال بعض مؤسسات التأمين التكافلي مثل حال المسلم الذي يتفاخر بإسلامه وهو لا يصلي، لا سيما بعد ظهور فقهاء بنوك أسوة بفقهاء الحكام، وملاك لبنوك أعمتهم الربحية، مع تأكيدنا أن من أهل الرقابة الشرعية ومن الملاك من يتسمون بالإخلاص والكفاءة ولا يمارون ولا يدارون.

ويبقى بعد ذلك التأكيد على أن البعد السياسي والشرعي عاكس لوضع الاقتصاد الإسلامي نمواً وانحساراً، إخلاصاً وحيلاً، تطبيقاً فعلياً أو شكلياً، وإذا كانت تجربة المصرفية الإسلامية تمثل المؤشر العام للاقتصاد الإسلامي من خلال نموذج أذون الخزانة بمصر، أو نموذج التورق المنظم في بعض دول الخليج، أو نموذج التيس المستعار وبيع الديون في ماليزيا -التي للأسف يهرع الكثير إليها ظناً بإسلامية تجربتها مع أنها لا تحمل من الاقتصاد الإسلامي إلا اسمه، ويغلب عليها المظاهر التجميلية بعيداً عن المضامين الحقيقية- فإنه في الوقت نفسه ما زالت تجربة الوقف والزكاة بخير، وهو ما يتطلب توجيه الجهود لتعزيز القطاع الثالث، مع أهمية بروز تكامل حقيقي بين رجال أعمال مخلصين وعلماء عاملين في حقل الاقتصاد الإسلامي لبناء نموذج اقتصادي مصرفي ومالي يبرز معالم النظام الاقتصادي الإسلامي، وهو ما يحتاج إلى إرادة سياسية وبيئة حاضنة.

وفي رأينا، فإن تركيا مؤهلة لذلك بما تملكه من حرية ملموسة وتوجه عقلاني تدريجي نحو التغيير للاقتصاد الإسلامي بإرادة سياسية حاضنة تتفق والسنن الكونية للتغيير، والله تعالى أعلم.

 

حينما يذكر الخليفة العثماني السلطان عبدالحميد الثاني تذكر فترة بالغة الأهمية من حياة الأمة الإسلامية، ذلك السلطان الذي كان يقول: «القوة الوحيدة التي ستجعلنا واقفين على أقدامنا هي الإسلام.. لسنا أمة تنازع، إننا أمة قوية، بشرط أن نكون مخلصين لهذا الدين العظيم، إذا كنا نريد أن نحيا من جديد وأن نستعيد قوتنا ونبلغ عزتنا التي كنا فيها، علينا أن نرجع إلى المعين الذي أخذنا منه، فالخير كل الخير في رجوعنا إلى إسلامنا وإلى شريعتنا، والشر كل الشر في تقليدنا للحضارة الأوروبية الزائفة».

إنه صاحب مشروع الوحدة الإسلامية، والحنكة السياسية، والغيرة الإسلامية، والإصلاح التعليمي والاقتصادي؛ مما فتح عليه تكالب البعيد والقريب حتى لا يحقق مبتغاه، لينتهي حكمه بعد ثلث قرن من الزمان، فقد اعتلى عرش السلطنة العثمانية في ظروف حرجة بعد خلع عمه عبدالعزيز عن العرش، ثم انتحاره بشكل غامض، ثم جنون أخيه الأكبر مراد الخامس وسجنه، وقد تولى العرش في 31 أغسطس 4404.jpg 1876م، وهو نفس اليوم الذي خلع فيه السلطان مراد الخامس، ثم خلع هو عن العرش في 27 أبريل 1909م، وتوفي في 10 فبراير 1918م.

ورث السلطان عبدالحميد دولة مثقلة بالضعف والديون والإفلاس والامتيازات الأجنبية المدمرة، لكنه لم ييأس أو يستسلم أو يساير أعداء دولته، فكان يتحرق للإصلاح، وتمنى أن تتركه الدول الأوروبية الحاقدة وشأنه، ليتفرغ إلى الإصلاح الداخلي، وكان يقول بكل براءة وصدق: إن توقف التآمر الخارجي المعادي كاف لتوفير المال والوقت لإنجاز الإصلاح المطلوب، وكان يكابد أيضاً في إقناع أبناء أمته ألا يكونوا مطية للأجنبي المتآمر، وأن يبقوا متمسكين بدينهم مخلصين لأمتهم عاملين بصدق من أجل النهوض والتقدم.

سياسة مالية إصلاحية

مما يحسب للسلطان عبدالحميد تمكنه من إدارة الاقتصاد العثماني بصورة رشيدة وفاعلة، سواء فيما يتعلق بالسياسة المالية أو النقدية أو التجارية أو الهيكلية؛ ففي السياسة المالية خرج بالدولة من عمق الإفلاس إلى رحاب السداد والأمان بأقل تسوية ممكنة، بعد ميراثه من أسلافه ديوناً فُرضت عليه فرضاً، فعندما تولى السلطان عبدالحميد الحكم كانت الديون العمومية تقرب من 300 مليون ليرة، وقد وُفق في تخفيضها إلى 30 مليون ليرة؛ أي إلى العشر، وذلك بعد دفع ما تطلبته حربان كبيرتان وسحق بعض تمردات داخلية، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل اعتمد بعد ذلك على سياسة مالية إصلاحية من خلال الضرائب وترشيد الإنفاق ومحاربة الرشوة وتقنين الهدية.

ومما يذكر في السياسة التقشفية للسلطان عبدالحميد قيامه بتقليص كوادر القصر ونظارتي الداخلية والخارجية بصفة خاصة، وكذلك تقليص رواتب الأمراء والنظار بصفة عامة، وإحالته مصاريف القصر إلى الخزينة الخاصة بدلاً من خزينة الدولة، ووضع الميزانية تحت إشراف لجنة للإصلاح المالي للنظر فيها قبل أن تعرض على مجلس النظار.

كما يُذكر للسلطان عبدالحميد رفضه أكبر رشوة لتسديد جميع ديون الدولة العثمانية، وإنهاء مشكلاتها المالية، مقابل إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، وقال قولته المشهورة لـ”هرتزل”، زعيم الحركة الصهيونية، وللحاخام “موسي ليفي”: “إن أراضي الوطن لا تباع، إن البلاد التي امتلكت بالدماء لا تباع إلا بالثمن نفسه”، فما كان من تلك الحركة الخبيثة إلا أن استخدمت هذا المال الخبيث في شراء الذمم، وتدبير المؤامرة لخلعه، والقضاء على الخلافة العثمانية.

الاكتفاء الذاتي

كما اتبع السلطان عبدالحميد سياسة نقدية قائمة على الليرة الذهبية والفضية، وإلغاء نظام القوائم، فضلاً عن التوجه نحو إنشاء المصارف.

كما اتبع السلطان عبدالحميد سياسة تجارية قوامها التجارة الداخلية لتلبية حاجات الدولة، وكان الاكتفاء الذاتي من الغذاء هو عنوانها، من خلال الحفاظ على مكانة التجارة بين ولاياتها، بينما كانت التجارة الخارجية قليلة الأهمية في الحياة الاقتصادية العثمانية، وهو الأمر الذي يعكس القدرة الاستقلالية للدولة العثمانية باعتمادها على ذاتها، بينما ما زالت الدول القُطرية العربية منذ مؤامرة القضاء على الخلافة العثمانية تعتمد على غيرها في تلبية حاجاتها وفي مقدمة ذلك الغذاء.

ومما يُذكر للسلطان عبدالحميد سعيه الدؤوب لإلغاء نظام الامتيازات الأجنبية الموروث دون جدوى، حيث حالت الدول الكبرى دون تمكينه من ذلك في ظل ما أسمته بحقوقها وفقاً لهذا النظام، ذلك النظام الذي جعل الأجانب يسرحون ويمرحون في الدولة العثمانية على حساب الرعايا من تجارها، حتى سيطر التجار الأجانب على التجارة الخارجية وفقاً للامتيازات الممنوحة لهم، وهو ما أفقد الدولة العثمانية استقلال قرارها الاقتصادي في هذا الشأن، وأضعف من موقف رعاياها من التجار، وحال بينها وبين تطوير صناعاتها، في ظل رغبة الدول الكبرى أن تكون مورداً للمواد الخام وسوقاً رائجة لتسويق منتجاتها تامة الصنع، فضلاً عن حرمان خزائن الدولة من موارد مالية كانت في أمسّ الحاجة إليها، مما أوقعها في فخ الاستدانة بالنهاية.

كما اتبع السلطان عبدالحميد سياسة هيكلية غلب فيها قطاع الزراعة، في ظل ما تعرضت له الدولة من قيود الامتيازات الأجنبية، وغلّ يدها في التصنيع من قبل الدول الأوروبية، وقد شهد عهده توسعاً ملحوظاً في الأراضي المزروعة، وهو ما لم يقتصر أثره على الاكتفاء الذاتي فقط، بل امتد إلى زيادة الصادرات.

وقد اهتم السلطان عبدالحميد بسبل التمويل والتسويق للقطاع الزراعي، ويرجع إليه الفضل في إنشاء المصرف الزراعي لتوفير التمويل اللازم للمزارعين، كما كان التطور بمد السكك الحديدية مفتاحاً مهماً في تسويق المنتجات الزراعية من خلال تيسير نقلها، كما ساهم في التسويق أيضاً لإنشاء الجمعيات الزراعية، والتنسيق مع الغرف التجارية العثمانية في أوروبا.

ومما يحسب للسلطان عبدالحميد -أيضاً- في القطاع الزراعي وقوفه بقوة ضد الرغبة الاستعمارية لتحويل الدولة العثمانية إلى مستعمرة مواد أولية خادمة لمصالح الدول الغربية، بتغيير نظام الإنتاج الزراعي فيها ليكون نظام المنتج الواحد، فحرص على تفعيل الملكيات الصغيرة والمتوسطة للأراضي الزراعية، وتفعيل التنويع في المنتجات الزراعية، وهو ما وفر الأمن الغذائي في الدولة العثمانية، بل وفتح باب التنافس لمنتجاتها في عقر الدول الأوروبية.

وإذا كانت الدول الأجنبية استخدمت سلاح الامتيازات الأجنبية، حتى لا تبارح الدولة العثمانية مكانها في التصنيع، والحيلولة دون حماية صناعتها التحويلية، فإنها من جانب آخر وجهت وجهتها نحو الصناعة الاستخراجية في الدولة العثمانية لتحقيق مصالحها وتوفير احتياجاتها من المواد الأولية، بل استخدمت أساليب غير شريفة للتنقيب عن البترول، وفي مقدمة ذلك إنجلترا وألمانيا اللتان كشف السلطان عبدالحميد عن ألاعيبهما ووقف لهما بالمرصاد -وليس كما نرى من دول عربية قُطرية في واقعنا المعاصر سخرت مواردها لصالح الأجنبي- وقد كان موقف السلطان عبدالحميد هذا من أسباب عزله.

الاهتمام بقطاع الخدمات

كما كان لقطاع الخدمات دوره في عهد السلطان عبدالحميد لا سيما ما يتعلق بالمواصلات والاتصالات والتعليم والصحة، وقد استفاد السلطان عبدالحميد من الاستثمار الأجنبي في بناء شبكة متنوعة من السكك الحديدية وفقاً لمصالحه ودون التفريط في سيادة الدولة أو ثرواتها. 4504.jpg

ومن أبرز ذلك مشروع سكة حديد بغداد الذي كان نموذجاً لمعالجة عجز التمويل، من خلال الاستفادة من التنافس بين الأوروبيين في بناء السكك الحديدية بالدولة العثمانية في ظل الضمانة الكيلومترية التي تقدمها الحكومة العثمانية، التي تكفل حداً أدنى من الإيراد للمستثمر؛ وهو ما جعل من الاستثمارات الأجنبية تتركز في السكك الحديدية التي مثلت الاستثمارات الأجنبية فيها ثلثي الاستثمارات الأجنبية في الدولة العثمانية.

وكان من نتيجة ذلك أن تضاعفت السكك الحديدية في عهده أكثر من ثلاثة أضعاف، وزاد إيرادها عشرة أضعاف تقريباً، والتوجه نحو تحقيق السلطان عبدالحميد لأهدافه من إنشاء السكك الحديدية بتعمير المناطق البعيدة، وتفعيل الزراعة فيها، ومن ثم زيادة العائد الضريبي المتولد عنها، وربط مناطق الدولة ببعضها، وسهولة نقل الجنود وتحركهم، فضلاً عن تشجيع التجارة وتيسير نقل المنتجات.

وإذا كان التاريخ يثبت أن المهندس الحقيقي لمشروع بناء سكة حديد بغداد هو السلطان عبدالحميد، فإن التاريخ نفسه يثبت أيضاً أن المهندس الحقيقي لأعظم مشروع ديني وأممي ووحدوي وخدمي، وهو مشروع سكة حديد الحجاز هو السلطان عبدالحميد، ذلك المشروع الذي تم بتمويل إسلامي خالص من حملة التبرعات التي وجهها السلطان لجميع مسلمي العالم، وبدأ بها بنفسه، ولقي قبولاً واسعاً في أرجاء العالم الإسلامي، بغرض تسهيل وصول الحجاج للديار المقدسة، لتحقيق فكرة الجامعة الإسلامية التي تبناها السلطان عبدالحميد، فضلاً عن الاستغناء عن قناة السويس التي كان يسيطر عليها الاحتلال البريطاني في مصر، إضافة إلى الأغراض العامة لإنشاء السكك الحديدية.

ولم يتوقف طموح السلطان عبدالحميد عند ذلك، بل كان يسعى لربط خط بغداد بخط الحجاز، ولكن أبت اليد الاستعمارية استكمال مشروعه الحضاري والوحدوي الإسلامي، وقضت “سايكس بيكو” على ما تبقى من هذين المشروعين.

ولم يقتصر الأمر بعهد السلطان عبدالحميد في مجال المواصلات على خدمات السكك الحديدية، بل يرجع الفضل إليه في جعل إدارة المواصلات البحرية بيد شركة عثمانية خاصة دخل فيها رأس المال الأجنبي ولكن تحت إشراف نظارة البحرية، بعد أن كانت منذ عهد التنظيمات الخيرية بيد الشركات الخاصة العثمانية والأجنبية، كما عمل على زيادة عدد السفن البخارية، واهتم بإنشاء العديد من الموانئ، وفتح المجال لتأسيس الشركات والخطوط الملاحية للقضاء على الامتيازات الملاحية البريطانية في المياه العراقية، بل درس عمل قناة جديدة منافسة لقناة السويس التي كانت ترزح تحت الاحتلال البريطاني.

كما يرجع الفضل إلى السلطان عبدالحميد في إدخال السيارة والترام وتعبيد الطرق؛ حيث كان يتم تعبيد أكثر من 800 كيلومتر في السنة وإصلاح 450 كيلومتراً أخرى.

وامتدت اهتماماته لوسائل الاتصالات وفي مقدمتها البريد الذي كان فريسة للامتيازات الأجنبية، كما أدخل التلغراف في كل أرجاء الدولة، وعمل على تصنيعه بأيد عثمانية، وأدخل الهاتف.

كما قام بمد قساطل المياه (مياه الحميدية) التي أنقذت إسطنبول من العطش، وقام كذلك بتجارب بناء الغواصات في إسطنبول من ماله الخاص.

وفي التعليم، حقق نهضة تعليمية رشيدة، من خلال الأخذ بعلوم الغرب الحديثة تدريجياً مع عدم المس بالثقافة الإسلامية.

وفي الصحة، اهتم بالصحة العامة والبحث العلمي فيها، وبناء المستشفيات، فضلاً عن دور العجزة.

ويكفي السلطان عبدالحميد أنه كان سياسياً مفكراً عاملاً؛ حيث حذر أبناء أمته من البطالة، والعيش في ثوب الوظيفة الحكومية، وضرب مثلاً بنفسه للاقتداء؛ فقد كان منذ صغره نجاراً ماهراً، ومستثمراً ناجحاً، وحثهم على العمل والإنتاج، باعتبار ذلك قوام الدول وسر نهضتها وقوتها، وفي سبيل ذلك فتح الباب للمشروعات الصغيرة والكبيرة على السواء؛ لتمارس نشاطها، وتسهم بدورها في علاج البطالة، وتلبية حاجات البلاد، والتصدير للخارج، في ظل تآمر دولي لم ينقطع، وإرادة حميدية لم تتراجع، وإدارة علمتها التجارب الصمود، وأن التمسك بالإسلام هو الخلاص للأمة، فعلم أعداؤه قدرته على النهوض بالدولة التي كانت في طريقها للسقوط، وهو يمشي بها في خطوات الارتقاء، ولكنهم نجحوا في خطتهم بما يملكون من أموال قذرة وذمم خربة، وتكللت مؤامراتهم بالقضاء على الكلمة الجامعة للمسلمين في واقع حياتهم وهي الخلافة الإسلامية.

رحم الله السلطان عبدالحميد، وتقبله سبحانه في عليين، وأعاد للأمة خلافتها ومجدها.

 

الصفحة 1 من 6
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top