د.أشرف دوابة

د.أشرف دوابة

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الثلاثاء, 07 نوفمبر 2017 11:09

«البيتكوين».. رؤية إسلامية

 

ـ نقود غير ملموسة تأخذ صورة وحدات إلكترونية وتستخدم في عمليات البيع والشراء والتحويل

 

فرضت النقود الإلكترونية نفسها في ساحة الاقتصاد العالمي، ولم تشغل فقط الدول الغربية، بل تشابكت وتعددت الأسئلة عنها في الدول الإسلامية لا سيما فيما يتعلق بالحكم الشرعي للتعامل بها، وكذلك في ظل ما أثارته عملة «البيتكوين» (Bitcoin) من إشكاليات وتساؤلات.

بداية؛ النقود الإلكترونية هي عبارة عن نقود غير ملموسة، تأخذ صورة وحدات إلكترونية وتخزن في مكان آمن على “الهارد ديسك” لجهاز الكمبيوتر الخاص بالعميل يعرف باسم “المحفظة الإلكترونية”، ويمكن للعميل أن يستخدم هذه المحفظة في إتمام عمليات البيع أو الشراء والتحويل وخلافه.

وتعتمد فكرة النقد الرقمي على قيام العميل (المشتري) بشراء عملات إلكترونية من البنك الذي يقوم بإصدارها، ويتم تحميل هذه العملات على الحاسب الخاص بالمشتري، وتكون في صورة وحدات عملة صغيرة القيمة، ولكل وحدة رقم خاص أو علامة خاصة من البنك المصدر، وبالتالي تعمل هذه العملات الإلكترونية محل العملات العادية، وتكون بنفس القيمة المحددة عليها وتسمى “Tokens”.

وعند قيام المستخدم بالشراء من بائع يتعامل بالعملات الإلكترونية يقوم المشتري باختيار السلع ومعرفة أسعارها، ثم يقوم بإصدار أمر عن طريق الكمبيوتر بدفع قيمة مشترياته باستخدام العملات الإلكترونية المسجلة على الحاسب الخاص به.

ويتم نقل العملات الإلكترونية Tokens من خلال البنك المُصدر لها الذي يقوم بالتأكد من صلاحية العملات وعدم تزييفها أو نسخها ويقوم بتحميلها على الحاسب الخاص بالبائع، ويظهر لدى البائع زيادة في قيمة النقدية بالمبلغ الذي تمت إضافته مقابل شراء الأصناف المحددة في طلب شراء المشتري.

ويمكن للبائع تحويل العملات الإلكترونية المتاحة لديه إلى عملات حقيقية من خلال البنك المصدر.

أنواع «البيتكوين»

ويوجد نوعان أساسيان من النقود الإلكترونية:

1- النقود الإلكترونية الاسمية: حيث تحتوي وحدة النقد الإلكتروني على معلومات تتعلق بهوية كل الأشخاص الذين تداولوها، وهي في هذا تشابه بطاقات الائتمان حيث يستطيع البنك أن يقتفي أثر وحدة النقد التي أصدرها أثناء تداولها.

2- النقود الإلكترونية غير الاسمية: حيث يتم تداول وحدة النقد دون الإفصاح عن حاملها إلا إذا حاول شخص ما أن ينفقها أكثر من مرة واحدة.

وأيضاً هناك نوعان من عمليات تداول النقود الإلكترونية:

النوع الأول: عمليات تتدخل فيها البنوك؛ حيث تتطلب عملية تداول وحدة النقد الإلكتروني بين طرفين أن يتدخل البنك المصدر لاعتمادها أو تعزيز إصدارها، ويعرف هذا النوع باسم On-Line E. Cash.

النوع الثاني: عمليات تعرف باسم Off-Line E.Cash؛ حيث يتم تداول وحدات النقد الإلكتروني بين الأطراف المختلفة دون تدخل البنوك، وهي تشبه في هذا عمليات تداول النقد العادي.

وهذا النوع الثاني برز منه “البيتكوين” كعملة إلكترونية افتراضية يديرها مستخدموها بحيث تحقق مبدأ “الند للند” Peer-to-Peer.

وتتكون عملة “البيتكوين” من عنوان رقمي مربوط بمحفظة إلكترونية، وكل “بيتكوين” مقسم لمائة مليون وحدة تسمى “ساتوشي”، وعند شراء السلعة بـ”بيتكوين” واحد فإن “البيتكوين” يتحول بضغطة زر إلى محفظة البائع التي تمثل تطبيقاً إلكترونياً، وإذا أراد شخص ما تحويل قيمة معينة من “البيتكوين” إلى شخص آخر؛ فإنه يستخدم ما يسمى بالتوقيع الرقمي الذي يحتوي على رسالة التحويل، والرقم الخاص بـ”البيتكوين”، والعنوان المعلن للشخص الذي سيستلم “البيتكوين”، وعندما يتم تحويل “بيتكوين” إلى محفظة أخرى فإن التحويل يذهب إلى شبكة “البيتكوين” ويدخل في عملية التأكد ويتم حفظه في سلسلة البلوكات (Blockchain)،

وقد ظهر “البيتكوين” في بحث عن العملات المشفرة أصدره تقني مجهول لقب نفسه بـ”ساتوشي ناكاموتي”، وتم طرح “البيتكوين” للتداول في عام 2009م بقيمة 0.0001 دولار، وارتفع في منتصف عام 2011م إلى 35 دولاراً، ووصل في بداية عام 2017م إلى 1000 دولار، ثم تصاعد “البيتكوين” بشكل سريع حتى وصل إلى نحو 6055 دولاراً في 21 أكتوبر الماضي.

ومن المتعارف عليه اقتصادياً أن البشرية عرفت من النظم النقدية ما هو سلعي وما هو ائتماني، وقد بدأت النظم النقدية السلعية بالمقايضة فالنقود السلعية فالنقود المعدنية ثم النقود النائبة التي كانت تنوب عن الذهب والفضة في التبادل وتصرف بهما عند الطلب، أما النظم النقدية الائتمانية فهي نظم لا تستمد فيها النقود قيمتها من ذاتها، ولكن من قبول الأفراد في معاملاتهم لها؛ لذا فطبيعة المادة المصنوعة منها النقود الائتمانية ليس لها اعتبار، والسمة الأساسية لها هي انقطاع صلتها كنقد عن قيمتها السلعية؛ فهي أقل منها بكثير، والنقود الائتمانية لا اعتراض عليها ابتداء في الإسلام ما دامت تتسم باحتفاظها بالقوة الشرائية ولا تستخدم مصدراً للإيراد.

رؤية إسلامية

إن نظرة الإسلام للنقود بصفة عامة تتفق مع ما جاء في تعريفها الاقتصادي الذي يركز فيه الاقتصاديون على وظائف النقود متجاوزين تعريفها بسلطة الإصدار أو المكون الذاتي لها، حيث تعرف النقود بأنها: أي شيء يلقي قبولاً عاماً كوسيط للتبادل، ويصلح في الوقت ذاته مقياساً للقيم وحفظ الثروة وتسوية الديون والالتزامات.

وقد فطن العديد من الفقهاء المسلمين لوظائف النقود الأساسية من كونها مقياساً للقيم، ووسيطاً للتبادل، ومستودعاً للقيمة، ومعياراً للمدفوعات الآجلة، قبل أن يهتدي إليها الفكر الاقتصادي التقليدي، وتناولوها في كتبهم بالبيان والتوضيح، ومنهم الإمام الغزالي، والكاساني، وابن الهمام، وابن العربي، وابن تيمية، وابن القيم، وابن خلدون.. وغيرهم.

لذا فإن الطبيعة السلعية للنقود من كونها ذهباً أو ورقاً أو خلاف ذلك ليست محل اعتبار ما دامت تؤدي وظائفها بصورة شرعية، وقد همَّ الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه باتخاذ الدراهم من جلود الإبل، وما منعه من ذلك إلا خشيته على البعير من الانقراض.

وها هو ابن تيمية يعكس المنظور الإسلامي للنقود بقوله: “وأما الدرهم والدينار فما يعرف له حد طبعي ولا شرعي، بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح، وذلك لأنه في الأصل لا يتعلق المقصود به، بل الغرض أن يكون معياراً لما يتعاملون به، والدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها بل هي وسيلة إلى التعامل بها، ولهذا كانت أثماناً بخلاف سائر الأموال، فإن المقصود الانتفاع بها نفسها، فلهذا كانت مقدرة بالأمور الطبعية أو الشرعية، والوسيلة المحضة الذي لا يتعلق بها غرض لا بمادتها ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيفما كانت”.

فالعبرة شرعاً بقيام النقود بوظائفها بأن يتاجر بها باعتبارها وسيطاً للتبادل لا المتاجرة فيها وتحويلها إلى سلعة والخروج بها عن وظائفها.

وبالنظر إلى العملات الإلكترونية التي تدخل البنوك لاعتمادها أو تعزيز إصدارها، نجد أنها لا غرر فيها أو جهالة، وتستمد قبولها العام من قوة القوانين المنظمة لها، وهذا لا غبار عليه من الناحية الشرعية مادام يتم في تداولها مراعاة قواعد التعامل الشرعي بالتماثل والتقابض ولو حكمياً عند اتحاد الجنس، والتقابض ولو حكمياً دون التماثل عند اختلاف الجنس.

أما غير ذلك من العملات الإلكترونية التي لا دخل للبنوك فيها ومنها عملة “البيتكوين” نجد أن فيها غرراً وجهالة بمن يصدرها ومن ثم بالجهة التي تضمن إصدارها، كما أنها تفتقد للقبول العام، وغلبت عليها المضاربات، فأصبح تحرك سعرها يتسم بالتذبذب والمغالاة، وتحولت إلى كونها مصدراً للإيراد ووسيلة لغسل الأموال، وأصبح من الصعوبة اعتبارها مستودعاً للقيمة، ومعياراً للمدفوعات الآجلة، وهو ما لا يتفق مع القواعد والمقاصد الاقتصادية الإسلامية.

لذا؛ فإن قبول عملة “البيتكوين” إسلامياً - حتى لو تحققت في تداولها قواعد التعامل الشرعي - مرهون برفع الغرر والجهالة عنها من خلال معرفة الجهة التي تصدرها وقدرتها على ضمان الإصدار، وكذلك تحقيق القبول العام لها، وتوافر عوامل الأمان فيها بصورة تمنع تبخرها من حسابات مستخدميها بحواسبهم الشخصية وضياع حقوقهم، والمتاجرة بها لا فيها، وهو ما لا يتوافر في وضعها الحالي بصورة تجعلها خدعة كما وصفها “جيمي ديمون”، الرئيس التنفيذي لبنك “جي بي مورجان”، والله تعالى أعلم.

  

يعيش إخواننا مسلمو الروهنجيا في واقعنا المعاصر حرب إبادة جماعية على يد جيش ميانمار البوذي بأركان، ذلك الجيش الذي ينتزعهم من الأرض نزعاً، ويثخن فيهم بالقتل، تارة بتقطيع الأعضاء، أو بالحرق بالنار، أو الصلب على الأشجار حتى الممات، وغيرها من وسائل القتل التي لا تخطر على بال أحد.

أعادت تلك الأحداث الجسام إلى الذاكرة قصة أصحاب الأخدود التي تناولتها سورة «البروج» بقوله تعالى: (وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ {1} وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ {2} وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ {3} قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ {4} النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ {5} إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ {6} وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ {7} وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ {8} الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ {9}) (البروج).

كما أعادت تلك الأحداث الجسام إلى الذاكرة حديث النبي صلي الله عليه وسلم لخباب بن الأرت رضي الله عنه حينما قال: «شكَوْنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسّدٌ بردةً له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال: «كان الرجلُ في من قبلكم يُحفَرُ له في الأرض، فيُجعل فيه، فيُجاء بالمنشار، فيُوضَع على رأسه، فيُشقُّ باثنتين، وما يصدُّه ذلك عن دينه، ويُمشَط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عَظْم أو عصَب، وما يصدُّه ذلك عن دينه، والله ليُتمنَّ هذا الأمرَ حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللهَ أو الذئبَ على غنمِه، ولكنكم تستعجلون» (رواه البخاري).

صمت إسلامي

لقد أدت هذه الحرب الضروس على مدنيين مسلمين عزل إلى مقتل أكثر من 3 آلاف مسلم من الروهنجيا، وفرار مئات الآلاف من آراكان إلى بنجلاديش، فضلاً عن عشرات الغرقى أثناء عبورهم نهر ناف على الحدود بين ميانمار وبنجلاديش، من بينهم الكثير من الأطفال، في ظل صمت إسلامي كصمت القبور، ولم يجهر بقضيتهم وإعلان مساندتهم في محنتهم سوى الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان»، الذي اتهم ميانمار صراحة بارتكاب جريمة «الإبادة الجماعية» بحق أقلية الروهنجيا المسلمة.

بل حول الرئيس “أردوغان” تلك القضية إلى قضية رأي عام تركي محفزاً المشاعر الإسلامية والقومية حينما اعترف بفضل المسلمين في آراكان على العثمانيين بقوله: “خلال حروب البلقان عام 1912م، أعلن المسلمون في آراكان النفير العام من أجل إخوانهم في الدولة العثمانية، ونشروا إعلاناً في إحدى الصحف التي كان يصدرها مسلمو الهند، عقب المأساة التي تعرض لها جيشنا في البلقان، وكتبوا في الإعلان أن كثيراً من الجرحى الأتراك تُركوا ليواجهوا مصيرهم في العراء، فلا تتركوا المسلمين للجوع والموت”.

وأضاف “أردوغان”: “إن مسلمي الروهنجيا الذين أبت نفوسهم قبل قرن من الزمان تركنا في براثن الجوع والموت يعانون معاناة مماثلة لتلك التي عانيناها قبل قرن؛ لذلك لا نستطيع أن ندير ظهورنا لهم ولمعاناتهم كما يفعل العالم معهم اليوم”.

وبالفعل لم يدر الرئيس “أردوغان” ظهره لمسلمي الروهنجيا، فطلب من بنجلاديش توفير أماكن لإقامة مخيمات للاجئين من الروهنجيا مع تحمل تركيا كافة التكاليف المتعلقة بذلك، كما أرسل زوجته وابنه ووزير خارجيته لزيارة اللاجئين الروهنجيا في بنجلاديش وتقديم العون لهم.

إن ما يحدث للمسلمين في آراكان يمثل معرة للدول الغربية التي صدعت رؤوسنا ليلاً ونهاراً بحقوق الإنسان، والإنسان يقتل جهاراً نهاراً ولا يحركون ساكناً لا لشيء إلا لأنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، بل إن ما يحزن القلب هو ذلك التقاعس الملحوظ وإدارة الظهر من المسلمين حكاماً ومحكومين في بقاع الأرض إلا من رحم ربي، حيث انشغلوا بخلق خلافات فيما بينهم، وأصبح بأسهم بينهم شديداً، وتسابق الكثير منهم لتحقيق الرضا لأعداء دينهم.

فريضة شرعية

إن نصرة مسلمي الروهنجيا فريضة شرعية وضرورة بشرية، وإذا كنا عجزنا عن نصرتهم بالنفس فلا أقل من نصرتهم اقتصادياً بالمال والوقوف معهم في محنتهم، فالله تعالى يقول: (وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً {75}) (النساء)، (وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) (الأنفال: 72)، (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: 2).

والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة» (متفق عليه)، ويقول: «وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره» (رواه مسلم)، ويقول: «مثل المؤمنين في تَوَادهم وتراحُمهم وتعاطُفهم مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى» (رواه البخاري).

فلنبرز هذا التواد والتراحم والتعاطف والبعد عن الخذلان، ونجعل تلك القضية حية بأموالنا، جهاداً مالياً يقدم لإخواننا الروهنجيا بنفس سخية، للتخفيف عنهم، والدفاع عن أنفسهم، مع تفعيل تلك القضية على كافة وسائل النشر والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي (وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ {272}) (البقرة).

مقاطعة اقتصادية

كما ينبغي على الدول والشعوب الإسلامية إعلان وتعزيز المقاطعة الاقتصادية للسلع الميانمارية، لاسيما وأن أهم صادراتها الأرز، فالبترول، فخشب التاك، فالرصاص، ويلي ذلك التنجستن، والقصدير، والخضراوات، والمطاط، والقطن، والفضة، خاصة وأن تلك الصادرات يتوجه جزء ليس هيناً منها نحو الدول الإسلامية حيث تستحوذ إندونيسيا على نحو 16% من جملة تلك الصادرات، تليها ماليزيا بنحو 12%، فباكستان بنحو 9%.

الثلاثاء, 05 سبتمبر 2017 14:13

ابن خلدون والزيادة السكانية

يخرج علينا بين حين وآخر من يحصر مشكلات التنمية في البلدان الإسلامية في الزيادة السكانية، ويعتبرها من أهم أسباب التخلف والعائق أمام التنمية، خاصة من تولوا أمر بعض البلاد في الدول النامية عامة والإسلامية خاصة، وفشلوا فشلاً ذريعاً في التقدم ببلادهم نحو أي تنمية، فصارت الزيادة السكانية شماعة يعلقون عليها فشلهم وسوء إدارتهم وفسادهم، والإرادة للإصلاح الغائبة عن ذهنهم، تحت سكرة السلطة وقوة البطش.

وقد فطن ابن خلدون في مقدمته إلى قيمة القوة السكانية وقدرتها على تحقيق التنمية، واعتبرها من مقوماتها ودلالتها؛ فالزيادة السكانية في نظره تؤدي إلى زيادة درجة العمران، وقلتها في بداية الدولة تعيق التنمية وفي نهايتها تضعفها، فقد ذكر ابن خلدون أن «الترف (الرفه) يزيد الدولة في أولها قوة إلى قوتها، والسبب في ذلك أن القبيل إذا حصل لهم الملك والترف كثر التناسل والولد والعمومية، فكثرت العصابة واستكثروا أيضاً من الموالي والصنائع وربيت أجيالهم في جو ذلك النعيم والرفه، فازدادوا بهم عدداً إلى عددهم وقوة إلى قوتهم بسبب كثرة العصائب حينئذ بكثرة العدد»‏.

كما ذكر أن «عظم الدولة واتساع نطاقها وطول أمدها على نسبة القائمين بها في الكثرة والقلة»، وأضاف أيضاً: «ألا ترى إلى الأمصار القليلة الساكن كيف يقل الرزق والكسب فيها أو يفقد؛ لقلة العمال الإنسانية، وكذلك الأمصار التي يكون عمرانها أكثر يكون أهلها أوسع أحوالاً وأشد رفاهية».

خرافات «مالتوس»!

وبذلك نظر ابن خلدون لقيمة الزيادة السكانية كقوة تنموية قبل أن تظهر خرافات «مالتوس» بمئات السنين؛ ففي القرن الثامن عشر ظهرت نظرية الاقتصادي الإنجليزي الشهير «مالتوس» في السكان، التي ادعى فيها أن العالم لا بد أن يشهد كل ربع قرن ما يشبه المجاعة، وذلك نتيجة ميل سكانه للزيادة وفق متوالية هندسية، بينما يميل الغذاء إلى الزيادة بحسب متوالية عددية، ومن ثم فإن وجود فجوة بين السكان والموارد الغذائية أمر لا مفر منه، وازدياد هذه الفجوة اتساعاً بمرور الزمن أمر لا فكاك عنه.

وقد توصل «مالتوس» لحل ينافي الفطرة الإنسانية لهذه المشكلة من خلال مطالبته بالعزوف عن الزواج أو تأجيله بهدف الحد من الزيادة السكانية، وإلا فإن الطبيعة ستحصد الرؤوس الزائدة من خلال الأمراض والأوبئة نتيجة سوء التغذية، أو بالحروب نتيجة للتصارع على الموارد الغذائية.

وقد تبنت المؤسسات الدولية تلك النظرية لتخفيض عدد السكان في الدول النامية، في الوقت الذي حرصت فيه على تحفيز الزيادة السكانية في الدول الغربية، التي تعاني أصلاً من انخفاض في معدل المواليد كنتيجة حتمية للانحرافات الخلقية، والله تعالى خلق كل نسمة وتكفل برزقها، قال تعالى: (وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ {6}) (هود).

فعدد السكان لا يمكن النظر إليه على أنه عبء ومصيبة، بل هو نعمة يجب أن تُشكر، ومصدر قوة يجب أن تُستغل، والله تعالى كفل أرزاق العباد وطلب منهم الأخذ بالأسباب والمشي في مناكب الأرض، وخلق لهم فماً واحداً، في الوقت الذي أنعم عليهم بيدين لهما القدرة على إطعام هذا الفم من رزق الله بالعمل والإنتاج، كما أنه إذا كان يولد في كل عام مئات الآلاف من البشر، إلا أنه في الوقت نفسه تولد كل عام مئات الأفكار والمخترعات، وتزيد أفق المعرفة فيتسع العالم وتزيد موارده من تلك الأفكار التي لو أحسن استغلالها لتكشفت ينابيع متجددة ومتعددة من الثروات.

إن زيادة السكان تعني من جهة المزيد من الأيدي العاملة؛ ومن ثم إمكانية التخصص وتقسيم العمل؛ وبالتالي المزيد من الإنتاج والمزيد من الفائض الاقتصادي، ومعنى ذلك تحقق حلول معقولة لنظرية العرض، كما أنها تعني من جهة أخرى المزيد من الطلب؛ ومعنى ذلك حل مشكلة الطلب.

وكم من دول فقيرة في الموارد ولكنها استخدمت ما لديها من قوة عاملة في بناء نهضتها؛ فعلى سبيل المثال اليابان - التي بلغت صادراتها بجودتها الآفاق - تفتقر إلى الموارد الطبيعية، ولكنها أجادت استخدام مواردها البشرية، فمساحتها تبلغ 380 ألف كيلو متر مربع، ونسبة 20% من الأراضي اليابانية غير قابلة للاستغلال على الصعيد الاقتصادي، وبقية الأرض تشكلها الجبال، وعدد سكانها يتسم بالكثافة حيث يبلغ 118 مليون نسمة، ومع ذلك وصلت إلا ما وصلت إليه من تقدم وتنمية.

الإثنين, 07 أغسطس 2017 12:28

نحو جهاد اقتصادي لتحرير "الأقصى"

 

شهدت الأيام القليلة الماضية مزيداً من الاعتداء السافر للكيان الصهيوني على المسجد الأقصى، أولى القبلتين ومسرى النبي صلى الله عليه وسلم، وثالث المساجد التي تشد إليها الرحال، وقد كان هذا الاعتداء من نوع آخر من خلال فرض إجراءات لدخول المسجد الأقصى عن طريق بوابات إلكترونية، وهنا برز الدور البطولي للمرجعيات الدينية بالقدس، وكذلك أهل القدس الذين أبوا الصلاة داخل المسجد الأقصى مروراً بتلك البوابات، فرابطوا خارج المسجد الأقصى مصلين حوله، واستشهد منهم من استشهد في ظل خذلان عربي وتواطؤ دولي، وكان من نتيجة ثباتهم أن استجاب المحتل لطلباتهم وفتح «الأقصى» عزيزاً كريماً ودخله أهل القدس كما دخلوه أول مرة مكبرين ومهللين لله رب العالمين.

إن هذه المواقف البطولية يجب أن تعيد للأمة الإسلامية مكانة قضية فلسطين برمتها، هذه القضية التي تحولت من إسلامية إلى عربية ثم تم اختزالها إلى فلسطينية مع أنها قضية دينية بلا منازع.

لقد كشفت الأحداث الجارية في ربوع «الأقصى» خاصة وفلسطين عامة أن أهل فلسطين ما وهنوا وما ضعفوا وما استكانوا، بل بذلوا وما زالوا يبذلون الغالي والرخيص من أجل الدفاع عن «الأقصى» الشريف وأرضهم وديارهم وعرضهم بل وكرامة أمتهم، فقدموا دماءهم وأرواحهم بنفس طيبة هنية، وأموالهم بسخاء منقطع النظير، واستمر العطاء بلا انقطاع.

النصرة الواجبة

إن انتفاضة السكاكين التي ما زالت مستمرة من أجل الأقصى في ظل تلك الظروف العصيبة تبرز قيمة الثقة بالله وحده واليقين بوعده لتلك الفئة المنصورة التي لا يضرها من خالفها أو خذلها أو تآمر عليها، لتذبح الحلم الصهيوني بتقسيم المسجد الأقصى زمانياً بين المسلمين واليهود، ولم يرهب أهل فلسطين ميزان القوى الذي هو بالطبع لصالح الصهاينة، فخرجت السكاكين لتفتك بالصهاينة وترهبهم وتنشر الرعب بينهم مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «نصرت بالرعب مسيرة شهر» (رواه البخاري). 

ولما كان المسلمون أمة واحدة يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم – وبغض النظر عن تخاذل الصهاينة العرب - فإن الجهاد أصبح فرض عين على المسلمين كافة لنصرة إخوانهم في فلسطين وتحرير المسجد الأقصى، فالأمة الإسلامية التي يربو تعدادها على المليار وثلاثمائة مليون أمة واحدة تجمعها وحدة  العقيدة والشريعة والقبلة، وكذلك وحدة الآلام والآمال، كما قال الله  تعالى : (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) (الأنبياء:92)، (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات:10)، (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ)  التوبة:71)، وكما روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره».

فنصرة وكفالة أهل فلسطين من أول الواجبات على الأمة الإسلامية في المشرق والمغرب بكل ما لديها من قوة، وبكل نوع من أنواع الجهاد لمن قدر عليه بمال أو نفس أو قول أو دعاء؛ تطبيقاً لقوله تعالى: (وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ) النساء:75)، (وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) (الأنفال:72)، (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة:2).

الجهاد الاقتصادي

وإذا كان إخواننا في فلسطين رجالاً ونساء، شيوخاً وأطفالاً وشباباً، يجودون بأنفسهم وأموالهم وديارهم، ويتقبلون ما يصيبهم بنفس عزيزة أبية، ويقبلون على الموت بقدر إقبال اليهود - أعداء الله وعدوهم - على الحياة، ويصرون على خيار الجهاد لدحر الاحتلال وتحرير المسجد الأقصى مهما كان الثمن، في وقت حيل بين الشعوب المسلمة والجهاد بالنفس معهم، فلا أقل لهذه الشعوب من أن تجود بأموالها للمرابطين في أرض فلسطين، من خلال جهاد كل مسلم ومسلمة جهاداً اقتصادياً يعزون به دينهم، ويذلون به عدوهم، ويطهرون به مالهم، ويشاركون به إخواناً مرابطين في أرض فلسطين في جهادهم.

إن تمكين المرابطين في فلسطين من الجهاد بأنفسهم مرهون بتوافر العدة والعتاد لهم، ولن تتوافر العدة والعتاد إلا بالمال، كما أنه من حق أهل فلسطين علينا ألا تتحول أموالنا إلى رصاص يستقر في قلب كل فلسطيني من خلال شرائنا للبضائع والسلع الصهيونية، ومن هنا تبدو حتمية الجهاد الاقتصادي كضرورة شرعية واقتصادية لمساندة أهل الرباط في فلسطين حتى يتحرر “الأقصى” من خلال الجهاد المالي جنباً إلى جنب مع الجهاد بالنفس.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top