د. علي الصلابي

د. علي الصلابي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

مع اتساع الفتوحات في عهد الفاروق رضي الله عنه برزت الحاجة إلى إقامة عدة معسكرات وقلاع وحصون جديدة لتكون مراكز انطلاق للجيوش الفاتحة، ولم يغفل الخليفة الفاروق عن ذلك فكان له إنجازاته في المجال العمراني إضافة إلى إصلاحاته الإدارية والفتوحات العسكرية التي جرت في زمنه، وذلك أنه شرع في بناء عدة مدن ومساجد وقلاع وجسور في أغلب الأقطار الإسلامية المفتوحة، وسنستعرض هنا أهم الإنجازات العمرانية في عهده:

 

  1. إعمار المساجد:

قام عمر رضي الله عنه ـ بتوسعة مسجد الرَّسول (ص)، وأدخل فيه دار العبَّاس ابن عبد المطلب، وامتدت التَّوسعة عشرة أذرع من جهة القبلة وعشرين ذراعاً من النَّاحية الغربية، وسبعين ذراعاً من الناحية الشَّمالية، وأعاد بناءه باللِّبِن والجريد، وجعل عُمُده من الخشب، وسقفه من الجريد، وكساه ليحمي النَّاس من المطر، ونهى عن زخرفته بحمرةٍ، أو صفرةٍ؛ لئلا يفتتن النَّاس في صلاتهم، وكان المسجد تراباً ففرشه بالحصى ليكون أنظف للمصلِّي، وألين على الماشي.

وأجرى عمر رضي الله عنه تعديلاتٍ يسيرةً في المسجد الحرام بمكَّة، فنقل مقام إِبراهيم، وكان ملصقاً بالكعبة إِلى مكانه اليوم بعيداً عنها للتَّيسير على الطَّائفين والمصلِّين، وعمل عليه المقصورة واشترى دوراً حول الحرم، وهدمها، وزادها فيه.

كما عُمِّرت المساجد في الأمصار الجديدة في خلافة عمر ـ رضي الله عنه ـ فاختطَّ سعد بن أبي وقاص المسجد الجامع بالكوفة.واختطَّ عتبة بن غزوان المسجد الجامع بالبصرة.

واختط عمرو بن العاص المسجد الجامع في الفسطاط، فكانت هذه المساجد الكبيرة محلَّ صلاة المسلمين، وتعارفهم، وتدارسهم العلم، وقضائهم وتلقِّيهم أوامر الخليفة، والولاة. 

2ـ الاهتمام بالطُّرق، ووسائل النَّقل البرِّي، والبحري:

رصد الخليفة الفاروق حصَّةً من بيت مال المسلمين لدعم التَّواصل بين أجزاء الدَّولة الإِسلاميَّة، وخصَّص عمر عدداً ضخماً من الجمال، بوصفها وسيلة المواصلات المتاحة آنذاك؛ لتيسير انتقال مَنْ لا ظهر له بين الجزيرة، والشَّام، والعراق، كما اتَّخذ ما يسمَّى (دار الدَّقيق) وهي مكانٌ يجعل فيه السَّويق، والتَّمر، والزَّبيب، ومتطلَّبات المعيشة الأخرى، يعين به المنقطع من أبناء السَّبيل، والضيف الغريب، ووضع في الطريق بين مكَّة والمدينة، ما يصلح به حاجة المسافر، وما يحمل عليه من ماءٍ إلى ماءٍ، فالفاروق رضي الله عنه ـ يترسَّم الهدي القرآني المرشد إِلى أنَّ العمران يستلزم التَّواصل، ممَّا يوفِّر الأمن، ولا يجعل المسافر بحاجةٍ إِلى حمل ماءٍ، ولا زاد.

وقد انصرفت همَّة الفاروق منذ السَّنة السَّادسة عشرة للهجرة إِلى تمصير الأمصار في العراق، وشقِّ الأنهار، وإِصلاح الجسور، وقد جاء في عهد عياض بن غنم لأهل الرَّها ما يأتي: باسم الله، هذا كتابٌ من عياض بن غنم لأسقف الرَّها: إِنَّكم قد فتحتم لي باب المدينة على أن تؤدُّوا إِليَّ عن كلِّ رجلٍ ديناراً ومدي قمح، فأنتم امنون على أنفسكم، وأموالكم، ومن يتَّبعكم، وعليكم إِرشاد الضَّالِّ، وإِصلاح الجسور، والطُّرق، ونصيحة المسلمين. شهد الله، وكفى بالله شهيدًا. وعندما علم عمر بن الخطَّاب ـ رضي الله عنه: أنَّ خليجاً كان يجري بين النِّيل من قرب حصن بابليون إِلى البحر الأحمر، فكان يربط الحجاز بمصر، وييسر تبادل التِّجارة، ولكن الرُّوم أهملوه، فرُدم، فأمر الفاروق عامله على مصر عمرو بن العاص بشقِّ هذا الخليج مرَّة أخرى، فشقَّه، فيسَّر الطريق بين بلاد الحجاز وبين الفسطاط عاصمة مصر، وأصبح شريان تجارةٍ يتدفَّق منه الرَّخاء ما بين البحرين مرَّةً أخرى وقامت على هذا الخليج داخل الفسطاط منتزهاتٌ، وخمائل، ومساكن، وسمَّاه عمرو: خليج أمير المؤمنين.

وحفر بالعراق قناةً مائية مسافة ثلاثة فراسخ من الخور إِلى البصرة لإِيصال مياه دجلة إِلى البصرة. وهذه المشاريع في حفر الأنهار، والخلجان، وإِصلاح الطُّرق، وبناء الجسور، والسُّدود، أخذت أموالاً ضخمةً من ميزانية الدَّولة في عهد عمر.

 

  1. إِنشاء الثُّغور، والأمصار كقواعد عسكرية، ومراكز إِشعاعٍ حضاريٍّ:

مع توسع حركات الفتوحات اهتمَّت الدَّولة الإِسلاميَّة في عهد الفاروق ببناء المدن على الثُّغور، وتسهيل سبل المواصلات، وإِصلاح الأراضي، وكذلك تشجيع الهجرة إِلى مراكز التَّجمُّع الجهاديَّة، والتَّحوُّل إِلى البلدان المفتوحة لنشر الإِسلام، وإِمداد المجاهدين بالرِّجال، والعتاد. وأهم الأمصار الَّتي أنشئت هي: البصرة، والكوفة، والموصل، والفسطاط، والجيزة، وسرت، وقد خطِّطت، ووزِّعت بين الجيوش بحسب قبائلهم وألويتهم، وأنشئت فيها المرافق العامَّة، كالمساجد، والأسواق، وأنشأ لكلِّ مدينةٍ حمى لرعي خيل، وإِبل المجاهدين، وشجَّع النَّاس على استقدام أهليهم، وذراريهم من مدن الحجاز وأطراف الجزيرة العربيَّة للإِقامة في هذه المدن؛ لتكون قواعد عسكرية تنطلق منها تعبئة الجيوش، وإِمدادها للتوغُّل في أرض العدو، ونشر دعوة الإِسلام فيها، وقد أمر عمر رضي الله عنه ـ قادة الجيوش عند تخطيط هذه المدن أن يكون الطَّريق بينها وبين عاصمة الخلافة سهلاً، وأن لا يحول دونها بحارٌ، أو أنهار؛ لأنَّ عمر ـ رضي الله عنه ـ كان يخشى من جهل العرب حينئذٍ بركوب البحر، ولكن عندما أدرك قدرة الجيش الإِسلامي في مصر على استغلال الطُّرق المائيَّة النَّهرية، سمح لعمرو ابن العاص بشقِّ قناة نهريَّة تصل بين نهر النِّيل، والبحر الأحمر؛ حتَّى تنقل الإِمدادات من الطَّعام إِلى الحجاز كما مر معنا.

ومن أهم الأمصار التي مُصِّرت في عهد عمر رضي الله عنه:

ـ مدينة البصرة:

معنى البصرة في اللغة: الأرض الغليظة ذات الحجارة الصُّلبة. وقيل: الأرض ذات الحصى. وقيل: الحجارة الرِّخوة البيضاء. والبصرة مدينة عند ملتقى دجلة، والفرات، ويعرف ملتقاهما بشطِّ العرب، وقد روعي في تمصيرها فكرة عمر بن الخطَّاب في إِنشاء المدن في مراعاة الطَّبيعة العربيَّة، فموقعها قريبٌ من الماء، والمرعى في طرق البرِّ إِلى الرِّيف.

واستشار عتبة بن غزوان عمر بن الخطَّاب في تمصير البصرة، فأمره أن ينزل موقعاً قريباً من الماء، والمرعى، فوقع اختياره على مكان البصرة، وكتب إِليه: إِنِّي وجدت أرضاً في طرف البرِّ إِلى الريف، ومن دونها مناقع ماء، فيها قصباء، فكتب له: أن انزل فيها. فنزلها، وبنى مسجدها من قصبٍ، وبنى دار إِمارتها دون المسجد، وبنى النَّاس سبع دساكر من قصبٍ أيضاً؛ لكثرته هناك، فكانوا إِذا غزوا؛ نزعوا ذلك القصب، ثمَّ حزموه، ووضعوه حتَّى يعودوا من الغزو، فيعيدوا بناءها كما كان، وأصاب القصب حريقٌ، فاستأذنوا عمر بن الخطَّاب أن يبنوا باللَّبِنِ، فأذن لهم في إِمارة أبي موسى الأشعري بعد وفاة عتبة عام 17 هـ. فبنى أبو موسى المسجد، ودار الإِمارة باللَّبِنِ، والطين، وسقفها بالعشب، ثمَّ بنوها بالحجارة، والأجر، وقد جعلوها خططاً لقبائل أهلها، وجعلوا عرض شارعها الأعظم ـ وهو مربدها ـ ستين ذراعاً، وعرض ما سواه من الشَّوارع عشرين ذراعاً، وعرض كلِّ زقاقٍ سبعة أذرع، وجعلوا وسط كلِّ خطَّةٍ رحبةً فسيحة لمرابط خيولهم، وقبور موتاهم، وتلاصقوا في المنازل.

ـ مدينة الكوفة:

تُجمع أراء المؤرِّخين على أنَّ سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه ـ يعدُّ هو المؤسس الأول للمدينة، وأنَّه قد اختار موضعها، وأمر بتخطيطها بعد فترةٍ من الانتصارات الَّتي حقَّقها المسلمون في حربهم ضدَّ الفرس في جبهة المدائن، وكما هي الحال تماماً في مسألة اختيار وتمصير مدينة البصرة، فإِنَّ العوامل العسكريَّة لعبت دوراً أساسياً، ومركزيّاً في دفع سعد إِلى التَّفكير في اتِّخاذ موضع، أو مخيَّمٍ للمجاهدين، وقام بتنفيذ ذلك بعد توجيه الفاروق له رضي الله عنهم ـ وقد خضع اختيار سعد للكوفة وفق المعايير الَّتي وضعها الفاروق.

وقد لاحظ الفاروق في وفود القادسيَّة، والمدائن تغيُّراً في وجوههم، فعلم: أنَّ ذلك من وخومة البلاد، فكتب إِلى سعد بن أبي وقَّاص يأمره أن يتَّخذ لهم مكاناً يوافقهم كما يوافق إِبلهم، وأرسل سلمان الفارسي، وحذيفة بن اليمان رائدين، فارتادا حتَّى أتيا موضع الكوفة، وموقعهما بين الحيرة، والفرات، وقد سميت بذلك لأنَّها من رملٍ، وحصباء، كلُّ رملٍ، وحصباء فهو كوفة، فتحوَّل سعد من المدائن إِليها في محرم عام 17 هـ، وكان عمر يريد أن يقيم المسلمون في خيامهم؛ لأن ذلك أجدُّ في حربهم، وأذكى لهم، وأهيب في عين عدوِّهم، وأدعى إِلى إِحجامه عن أمر يهمُّ به، ولمَّا استأذنه أهل الكوفة، والبصرة في بنيان القصب لم يحبَّ أن يخالفهم، فأذن لهم، فابتنى أهلها بالقصب، ثمَّ إِنَّ الحريق الَّذي وقع بالكوفة، والبصرة أتى عليها، فاستأذنوا عمر في البناء باللَّبن، فقال: افعلوا، ولا يزيدنَّ أحدكم على ثلاث أبياتٍ (حجرات) ولا تطاولوا في البنيان.

ـ مدينة الفسطاط:

إِذا كان سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه ـ يعدُّ المؤسِّس الأول لمدينة الكوفة، فإِنَّ عمرو بن العاص يعدُّ المؤسِّس لمدينة الفسطاط، فبعد انتهائه من عملية فتح الإِسكندرية أراد الاستقرار فيها، فكتب إِليه عمر بن الخطاب: ألا تجعلوا بيني وبينكم ماءً حتى أقدم إِليكم، فتحوَّل من الإِسكندرية إِلى الفسطاط، وأوَّل عملٍ عمله فيها هو بناء مسجده الَّذي عرف باسمه فضلاً عن مسجده في الإِسكندرية، ثم بنى داراً لعمر بن الخطَّاب، وربما قصد بها داراً للخلافة، فكتب إِليه عمر بن الخطَّاب، وأمره أن يجعلها سوقاً للمسلمين، وبنى عمرو بن العاص لنفسه دارين قريبتين من المسجد كما يخبرنا عنهما ابن عبد الحكم: فاختطَّ عمرو بن العاص داره الَّتي هي اليوم عند باب المسجد بينهما الطَّريق، وداره الأخرى اللاصقة إِلى جنبها. وربما بناها واحدةً له، والأخرى داراً للإِمارة بعد أن أمر عمر بن الخطاب بهدم داره السَّالفة الذِّكر، وكلَّف عمرو بن العاص جماعةً من كبار الصَّحابة من مرافقيه ليفصلوا بين القبائل، فجعلوا لكلِّ قبيلةٍ جهةً لمنازلهم، عرفت بالخطط، وهي أشبه ما تُعرف بالأحياء في وقتنا الحاضر، ولكنَّها لم تكن بهذا الاتِّساع حيث جعل بين القبيلة والأخرى شوارع، وربما لم تكن بمفهوم الشَّوارع اليوم وإِنَّما ممرَّات بين كلِّ حارةٍ، وأخرى.

ـ مدينة سرت بليبيا:

بعد أن أصبحت برقة قاعدةً للإِسلام غربي مصر، انطلق منها عمرو بن العاص، وجنده إِلى طرابلس، فبدأ بمدينة سرت بين برقة، وطرابلس، فاستولى عليها، واتَّخذها المسلمون قاعدةً للانطلاق إِلى الغرب منذ عام 22 هـ، وبقيت قاعدةً لقوَّات المسلمين، ومركزاً لِعُقبة بن نافع؛ الذي صَرَفَ همَّه لنشر الإسلام في الواحات القريبة من فزَّان، وودَّان، وزويلة، والسُّودان.

 

ـ الحاميات المقامة في المدن المفتوحة:

أطلق عمر رضي الله عنه اسم الأجناد على الحاميات المقامة في المدن المفتوحة في جميع الجهات من البلاد المفتوحة، وخاصَّةً بلاد الشام، فكان فيها ثكنات لإِقامة الجند، وفي كلِّ معسكرٍ حظيرة للخيل فيها ما لا يقلُّ عن أربعة ألاف حصان بكامل معدَّاتها، وتجهيزاتها كلُّها على أهبة الاستعداد، حتى إِذا دعت الحاجة أمكن القيادة أن تدفع إِلى ميادين القتال في وقتٍ قصيرٍ أكثر من 36 ألفاً من الفرسان دفعةً واحدةً في بلاد الشَّام وحدها. وقد خصِّصت مراعٍ واسعةٌ لتلك الخيول في كلِّ الأجناد، وكان كل حصانٍ يوسم على فخذه ميسم: جيش في سبيل الله، تنفيذاً لقوله تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ } [الأنفال: 60].

وهكذا فقد كان عصر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب زمن بركة وخير على الإسلام والمسلمين، وقد شهدت فيه الدولة الإسلامية نمواً وتطوراً على كافة الصعد، وخصوصاً على صعيد العمران، فقد بقيت كثير من المدن والمساجد التي بنيت في عهد الفاروق والتي أصبحت فيما بعد مراكزاً لنشأة وتطور التاريخ العظيم للأمة الإسلامية وقد بقي الكثير منها حتى يومنا هذا كشاهد على النهضة المدنية والعمرانية التي أنجزها هذا الخليفة الراشد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والمراجع:

* علي محمد محمد الصلابي: سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب شخصيته وعصره، (2005)، مؤسسة اقرأ، القاهرة، صفحة (221:209).

* عبدالرحمن الشرقاوي: الفاروق عمر، (1988)، دار الكتاب العربي, صفحة (254-255).

* غازي بن سالم: اقتصاديات الحرب في الإسلام، (1991)، مكتبة الرشد، الرياض، صفحة (247:245).

* محمد أبو النصر: عمر بن الخطاب، دار الجيل، بيروت، (265:263).

* أكرم ضياء العمري: عصر الخلافة الراشدة، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، صفحة (230:227).

* أبو القاسم عبدالرحمن بن عبدالله بن عبد الحكم: فتوح مصر، (1920)، مكتبة المثنى، بغداد، صفحة (96-97).

 

مع اتساع الفتوحات في عهد الفاروق رضي الله عنه برزت الحاجة إلى إقامة عدة معسكرات وقلاع وحصون جديدة لتكون مراكز انطلاق للجيوش الفاتحة، ولم يغفل الخليفة الفاروق عن ذلك فكان له إنجازاته في المجال العمراني إضافة إلى إصلاحاته الإدارية والفتوحات العسكرية التي جرت في زمنه، وذلك أنه شرع في بناء عدة مدن ومساجد وقلاع وجسور في أغلب الأقطار الإسلامية المفتوحة، وسنستعرض هنا أهم الإنجازات العمرانية في عهده:

  1. إعمار المساجد:

قام عمر رضي الله عنه ـ بتوسعة مسجد الرَّسول (ص)، وأدخل فيه دار العبَّاس ابن عبد المطلب، وامتدت التَّوسعة عشرة أذرع من جهة القبلة وعشرين ذراعاً من النَّاحية الغربية، وسبعين ذراعاً من الناحية الشَّمالية، وأعاد بناءه باللِّبِن والجريد، وجعل عُمُده من الخشب، وسقفه من الجريد، وكساه ليحمي النَّاس من المطر، ونهى عن زخرفته بحمرةٍ، أو صفرةٍ؛ لئلا يفتتن النَّاس في صلاتهم، وكان المسجد تراباً ففرشه بالحصى ليكون أنظف للمصلِّي، وألين على الماشي.

وأجرى عمر رضي الله عنه تعديلاتٍ يسيرةً في المسجد الحرام بمكَّة، فنقل مقام إِبراهيم، وكان ملصقاً بالكعبة إِلى مكانه اليوم بعيداً عنها للتَّيسير على الطَّائفين والمصلِّين، وعمل عليه المقصورة واشترى دوراً حول الحرم، وهدمها، وزادها فيه.

كما عُمِّرت المساجد في الأمصار الجديدة في خلافة عمر ـ رضي الله عنه ـ فاختطَّ سعد بن أبي وقاص المسجد الجامع بالكوفة.واختطَّ عتبة بن غزوان المسجد الجامع بالبصرة.

واختط عمرو بن العاص المسجد الجامع في الفسطاط، فكانت هذه المساجد الكبيرة محلَّ صلاة المسلمين، وتعارفهم، وتدارسهم العلم، وقضائهم وتلقِّيهم أوامر الخليفة، والولاة.

  1. الاهتمام بالطُّرق، ووسائل النَّقل البرِّي، والبحري:

رصد الخليفة الفاروق حصَّةً من بيت مال المسلمين لدعم التَّواصل بين أجزاء الدَّولة الإِسلاميَّة، وخصَّص عمر عدداً ضخماً من الجمال، بوصفها وسيلة المواصلات المتاحة آنذاك؛ لتيسير انتقال مَنْ لا ظهر له بين الجزيرة، والشَّام، والعراق، كما اتَّخذ ما يسمَّى (دار الدَّقيق) وهي مكانٌ يجعل فيه السَّويق، والتَّمر، والزَّبيب، ومتطلَّبات المعيشة الأخرى، يعين به المنقطع من أبناء السَّبيل، والضيف الغريب، ووضع في الطريق بين مكَّة والمدينة، ما يصلح به حاجة المسافر، وما يحمل عليه من ماءٍ إلى ماءٍ، فالفاروق رضي الله عنه ـ يترسَّم الهدي القرآني المرشد إِلى أنَّ العمران يستلزم التَّواصل، ممَّا يوفِّر الأمن، ولا يجعل المسافر بحاجةٍ إِلى حمل ماءٍ، ولا زاد.

وقد انصرفت همَّة الفاروق منذ السَّنة السَّادسة عشرة للهجرة إِلى تمصير الأمصار في العراق، وشقِّ الأنهار، وإِصلاح الجسور، وقد جاء في عهد عياض بن غنم لأهل الرَّها ما يأتي: باسم الله، هذا كتابٌ من عياض بن غنم لأسقف الرَّها: إِنَّكم قد فتحتم لي باب المدينة على أن تؤدُّوا إِليَّ عن كلِّ رجلٍ ديناراً ومدي قمح، فأنتم امنون على أنفسكم، وأموالكم، ومن يتَّبعكم، وعليكم إِرشاد الضَّالِّ، وإِصلاح الجسور، والطُّرق، ونصيحة المسلمين. شهد الله، وكفى بالله شهيدًا. وعندما علم عمر بن الخطَّاب ـ رضي الله عنه: أنَّ خليجاً كان يجري بين النِّيل من قرب حصن بابليون إِلى البحر الأحمر، فكان يربط الحجاز بمصر، وييسر تبادل التِّجارة، ولكن الرُّوم أهملوه، فرُدم، فأمر الفاروق عامله على مصر عمرو بن العاص بشقِّ هذا الخليج مرَّة أخرى، فشقَّه، فيسَّر الطريق بين بلاد الحجاز وبين الفسطاط عاصمة مصر، وأصبح شريان تجارةٍ يتدفَّق منه الرَّخاء ما بين البحرين مرَّةً أخرى وقامت على هذا الخليج داخل الفسطاط منتزهاتٌ، وخمائل، ومساكن، وسمَّاه عمرو: خليج أمير المؤمنين.

وحفر بالعراق قناةً مائية مسافة ثلاثة فراسخ من الخور إِلى البصرة لإِيصال مياه دجلة إِلى البصرة. وهذه المشاريع في حفر الأنهار، والخلجان، وإِصلاح الطُّرق، وبناء الجسور، والسُّدود، أخذت أموالاً ضخمةً من ميزانية الدَّولة في عهد عمر.

  1. إِنشاء الثُّغور، والأمصار كقواعد عسكرية، ومراكز إِشعاعٍ حضاريٍّ:

مع توسع حركات الفتوحات اهتمَّت الدَّولة الإِسلاميَّة في عهد الفاروق ببناء المدن على الثُّغور، وتسهيل سبل المواصلات، وإِصلاح الأراضي، وكذلك تشجيع الهجرة إِلى مراكز التَّجمُّع الجهاديَّة، والتَّحوُّل إِلى البلدان المفتوحة لنشر الإِسلام، وإِمداد المجاهدين بالرِّجال، والعتاد. وأهم الأمصار الَّتي أنشئت هي: البصرة، والكوفة، والموصل، والفسطاط، والجيزة، وسرت، وقد خطِّطت، ووزِّعت بين الجيوش بحسب قبائلهم وألويتهم، وأنشئت فيها المرافق العامَّة، كالمساجد، والأسواق، وأنشأ لكلِّ مدينةٍ حمى لرعي خيل، وإِبل المجاهدين، وشجَّع النَّاس على استقدام أهليهم، وذراريهم من مدن الحجاز وأطراف الجزيرة العربيَّة للإِقامة في هذه المدن؛ لتكون قواعد عسكرية تنطلق منها تعبئة الجيوش، وإِمدادها للتوغُّل في أرض العدو، ونشر دعوة الإِسلام فيها، وقد أمر عمر رضي الله عنه ـ قادة الجيوش عند تخطيط هذه المدن أن يكون الطَّريق بينها وبين عاصمة الخلافة سهلاً، وأن لا يحول دونها بحارٌ، أو أنهار؛ لأنَّ عمر ـ رضي الله عنه ـ كان يخشى من جهل العرب حينئذٍ بركوب البحر، ولكن عندما أدرك قدرة الجيش الإِسلامي في مصر على استغلال الطُّرق المائيَّة النَّهرية، سمح لعمرو ابن العاص بشقِّ قناة نهريَّة تصل بين نهر النِّيل، والبحر الأحمر؛ حتَّى تنقل الإِمدادات من الطَّعام إِلى الحجاز كما مر معنا.

ومن أهم الأمصار التي مُصِّرت في عهد عمر رضي الله عنه:

ـ مدينة البصرة:

معنى البصرة في اللغة: الأرض الغليظة ذات الحجارة الصُّلبة. وقيل: الأرض ذات الحصى. وقيل: الحجارة الرِّخوة البيضاء. والبصرة مدينة عند ملتقى دجلة، والفرات، ويعرف ملتقاهما بشطِّ العرب، وقد روعي في تمصيرها فكرة عمر بن الخطَّاب في إِنشاء المدن في مراعاة الطَّبيعة العربيَّة، فموقعها قريبٌ من الماء، والمرعى في طرق البرِّ إِلى الرِّيف.

واستشار عتبة بن غزوان عمر بن الخطَّاب في تمصير البصرة، فأمره أن ينزل موقعاً قريباً من الماء، والمرعى، فوقع اختياره على مكان البصرة، وكتب إِليه: إِنِّي وجدت أرضاً في طرف البرِّ إِلى الريف، ومن دونها مناقع ماء، فيها قصباء، فكتب له: أن انزل فيها. فنزلها، وبنى مسجدها من قصبٍ، وبنى دار إِمارتها دون المسجد، وبنى النَّاس سبع دساكر من قصبٍ أيضاً؛ لكثرته هناك، فكانوا إِذا غزوا؛ نزعوا ذلك القصب، ثمَّ حزموه، ووضعوه حتَّى يعودوا من الغزو، فيعيدوا بناءها كما كان، وأصاب القصب حريقٌ، فاستأذنوا عمر بن الخطَّاب أن يبنوا باللَّبِنِ، فأذن لهم في إِمارة أبي موسى الأشعري بعد وفاة عتبة عام 17 هـ. فبنى أبو موسى المسجد، ودار الإِمارة باللَّبِنِ، والطين، وسقفها بالعشب، ثمَّ بنوها بالحجارة، والأجر، وقد جعلوها خططاً لقبائل أهلها، وجعلوا عرض شارعها الأعظم ـ وهو مربدها ـ ستين ذراعاً، وعرض ما سواه من الشَّوارع عشرين ذراعاً، وعرض كلِّ زقاقٍ سبعة أذرع، وجعلوا وسط كلِّ خطَّةٍ رحبةً فسيحة لمرابط خيولهم، وقبور موتاهم، وتلاصقوا في المنازل.

     ـ مدينة الكوفة:

تُجمع أراء المؤرِّخين على أنَّ سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه ـ يعدُّ هو المؤسس الأول للمدينة، وأنَّه قد اختار موضعها، وأمر بتخطيطها بعد فترةٍ من الانتصارات الَّتي حقَّقها المسلمون في حربهم ضدَّ الفرس في جبهة المدائن، وكما هي الحال تماماً في مسألة اختيار وتمصير مدينة البصرة، فإِنَّ العوامل العسكريَّة لعبت دوراً أساسياً، ومركزيّاً في دفع سعد إِلى التَّفكير في اتِّخاذ موضع، أو مخيَّمٍ للمجاهدين، وقام بتنفيذ ذلك بعد توجيه الفاروق له رضي الله عنهم ـ وقد خضع اختيار سعد للكوفة وفق المعايير الَّتي وضعها الفاروق.

وقد لاحظ الفاروق في وفود القادسيَّة، والمدائن تغيُّراً في وجوههم، فعلم: أنَّ ذلك من وخومة البلاد، فكتب إِلى سعد بن أبي وقَّاص يأمره أن يتَّخذ لهم مكاناً يوافقهم كما يوافق إِبلهم، وأرسل سلمان الفارسي، وحذيفة بن اليمان رائدين، فارتادا حتَّى أتيا موضع الكوفة، وموقعهما بين الحيرة، والفرات، وقد سميت بذلك لأنَّها من رملٍ، وحصباء، كلُّ رملٍ، وحصباء فهو كوفة، فتحوَّل سعد من المدائن إِليها في محرم عام 17 هـ، وكان عمر يريد أن يقيم المسلمون في خيامهم؛ لأن ذلك أجدُّ في حربهم، وأذكى لهم، وأهيب في عين عدوِّهم، وأدعى إِلى إِحجامه عن أمر يهمُّ به، ولمَّا استأذنه أهل الكوفة، والبصرة في بنيان القصب لم يحبَّ أن يخالفهم، فأذن لهم، فابتنى أهلها بالقصب، ثمَّ إِنَّ الحريق الَّذي وقع بالكوفة، والبصرة أتى عليها، فاستأذنوا عمر في البناء باللَّبن، فقال: افعلوا، ولا يزيدنَّ أحدكم على ثلاث أبياتٍ (حجرات) ولا تطاولوا في البنيان.

ـ مدينة الفسطاط:

إِذا كان سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه ـ يعدُّ المؤسِّس الأول لمدينة الكوفة، فإِنَّ عمرو بن العاص يعدُّ المؤسِّس لمدينة الفسطاط، فبعد انتهائه من عملية فتح الإِسكندرية أراد الاستقرار فيها، فكتب إِليه عمر بن الخطاب: ألا تجعلوا بيني وبينكم ماءً حتى أقدم إِليكم، فتحوَّل من الإِسكندرية إِلى الفسطاط، وأوَّل عملٍ عمله فيها هو بناء مسجده الَّذي عرف باسمه فضلاً عن مسجده في الإِسكندرية، ثم بنى داراً لعمر بن الخطَّاب، وربما قصد بها داراً للخلافة، فكتب إِليه عمر بن الخطَّاب، وأمره أن يجعلها سوقاً للمسلمين، وبنى عمرو بن العاص لنفسه دارين قريبتين من المسجد كما يخبرنا عنهما ابن عبد الحكم: فاختطَّ عمرو بن العاص داره الَّتي هي اليوم عند باب المسجد بينهما الطَّريق، وداره الأخرى اللاصقة إِلى جنبها. وربما بناها واحدةً له، والأخرى داراً للإِمارة بعد أن أمر عمر بن الخطاب بهدم داره السَّالفة الذِّكر، وكلَّف عمرو بن العاص جماعةً من كبار الصَّحابة من مرافقيه ليفصلوا بين القبائل، فجعلوا لكلِّ قبيلةٍ جهةً لمنازلهم، عرفت بالخطط، وهي أشبه ما تُعرف بالأحياء في وقتنا الحاضر، ولكنَّها لم تكن بهذا الاتِّساع حيث جعل بين القبيلة والأخرى شوارع، وربما لم تكن بمفهوم الشَّوارع اليوم وإِنَّما ممرَّات بين كلِّ حارةٍ، وأخرى.

ـ مدينة سرت بليبيا:

بعد أن أصبحت برقة قاعدةً للإِسلام غربي مصر، انطلق منها عمرو بن العاص، وجنده إِلى طرابلس، فبدأ بمدينة سرت بين برقة، وطرابلس، فاستولى عليها، واتَّخذها المسلمون قاعدةً للانطلاق إِلى الغرب منذ عام 22 هـ، وبقيت قاعدةً لقوَّات المسلمين، ومركزاً لِعُقبة بن نافع؛ الذي صَرَفَ همَّه لنشر الإسلام في الواحات القريبة من فزَّان، وودَّان، وزويلة، والسُّودان.

 

ـ الحاميات المقامة في المدن المفتوحة:

أطلق عمر رضي الله عنه اسم الأجناد على الحاميات المقامة في المدن المفتوحة في جميع الجهات من البلاد المفتوحة، وخاصَّةً بلاد الشام، فكان فيها ثكنات لإِقامة الجند، وفي كلِّ معسكرٍ حظيرة للخيل فيها ما لا يقلُّ عن أربعة ألاف حصان بكامل معدَّاتها، وتجهيزاتها كلُّها على أهبة الاستعداد، حتى إِذا دعت الحاجة أمكن القيادة أن تدفع إِلى ميادين القتال في وقتٍ قصيرٍ أكثر من 36 ألفاً من الفرسان دفعةً واحدةً في بلاد الشَّام وحدها. وقد خصِّصت مراعٍ واسعةٌ لتلك الخيول في كلِّ الأجناد، وكان كل حصانٍ يوسم على فخذه ميسم: جيش في سبيل الله، تنفيذاً لقوله تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ } [الأنفال: 60].

وهكذا فقد كان عصر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب زمن بركة وخير على الإسلام والمسلمين، وقد شهدت فيه الدولة الإسلامية نمواً وتطوراً على كافة الصعد، وخصوصاً على صعيد العمران، فقد بقيت كثير من المدن والمساجد التي بنيت في عهد الفاروق والتي أصبحت فيما بعد مراكزاً لنشأة وتطور التاريخ العظيم للأمة الإسلامية وقد بقي الكثير منها حتى يومنا هذا كشاهد على النهضة المدنية والعمرانية التي أنجزها هذا الخليفة الراشد.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والمراجع:

* علي محمد محمد الصلابي: سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب شخصيته وعصره، (2005)، مؤسسة اقرأ، القاهرة، صفحة (221:209).

* عبدالرحمن الشرقاوي: الفاروق عمر، (1988)، دار الكتاب العربي, صفحة (254-255).

* غازي بن سالم: اقتصاديات الحرب في الإسلام، (1991)، مكتبة الرشد، الرياض، صفحة (247:245).

* محمد أبو النصر: عمر بن الخطاب، دار الجيل، بيروت، (265:263).

* أكرم ضياء العمري: عصر الخلافة الراشدة، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، صفحة (230:227).

* أبو القاسم عبدالرحمن بن عبدالله بن عبد الحكم: فتوح مصر، (1920)، مكتبة المثنى، بغداد، صفحة (96-97).

يُعتبر حدث هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حدثا حاسما ومفصلياً ليس في التاريخ الإسلامي فحسب، وإنما في التاريخ الإنساني أجمع، فقد كان لهجرة النبي الأعظم تداعيات كبرى على الدعوة المحمدية التي جاءت تحمل في طياتها قيماً روحانية سامية، جعلت الحضارة الإسلامية تتبوأ مكانة رفيعة بين الحضارات.

إنَّ الهجرة إلى المدينة سبقها تمهيدٌ، وإعدادٌ، وتخطيط من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وكان ذلك بتقدير الله تعالى، وتدبيره، وكان هذا الإعداد في اتِّجاهين: إعداد في شخصية المهاجرين، وإعداد في المكان المهاجَرِ إليه.

أولاً: التَّمهيد، والإعداد لها:

1 - إعداد المهاجرين:

لم تكن الهجرة نزهةً، أو رحلةً يروِّح فيها الإنسان عن نفسه؛ ولكنَّها مغادرةُ الأرض، والأهل، ووشائج القربى، وصلات الصَّداقة والمودَّة، وأسباب الرِّزق، والتَّخلِّي عن كلِّ ذلك من أجل العقيدة، ولهذا احتاجت إلى جهدٍ كبيرٍ، حتَّى وصل المهاجرون إلى قناعةٍ كاملةٍ بهذه الهجرة، ومن تلك الوسائل:

- التَّربية الإيمانيَّة العميقة الَّتي تحدَّثنا عنها في الصَّفحات الماضية.

- الاضطهاد الَّذي أصاب المؤمنين، حتَّى وصلوا إلى قناعةٍ كاملةٍ بعدم إمكانية المعايشة مع الكفر.

- تناول القرآن المكِّيِّ التَّنويه بالهجرة، ولفت النَّظر إلى أنَّ أرض الله واسعةٌ. قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمنوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10] .

ثمَّ تلا ذلك نزولُ سورة الكهف، والَّتي تحدَّثت عن الفتية الذين آمنوا بربهم، وعن هجرتهم من بلدهم إلى الكهف، وهكذا استقرَّت صورةٌ من صور الإيمان في نفوس الصَّحابة، وهي ترك الأهل، والوطن من أجل العقيدة.

ثم تلا ذلك آيات صريحةٌ تتحدَّث عن الهجرة في سورة النَّحل، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخرةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [النحل: 41 - 42] .

وفي أواخر السُّورة يؤكِّد المعنى مرَّةً أخرى بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النحل: 110]. وكانت الهجرة إلى الحبشة تدريباً عمليّاً على ترك الأهل، والوطن.

2 - الإعداد في يثرب:

نلاحظ: أنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم، لم يسارع بالانتقال إلى الأنصار من الأيام الأولى؛ وإنَّما أخَّر ذلك لأكثر من عامين؛ حتَّى تأكَّد من وجود القاعدة الواسعة نسبيّاً، كما كان في الوقت نفسه يتمُّ إعدادها في أجواء القرآن الكريم، وخاصَّةً بعد انتقال مصعب رضي الله عنه إلى المدينة.

وقد تأكَّد: أنَّ الاستعداد لدى الأنصار قد بلغ كماله، وذلك بطلبهم هجرة الرَّسول الكريم صلى الله عليه وسلم إليهم، كما كانت المناقشات الَّتي جرت في بيعة العقبة الثَّانية، تؤكِّد الحرص الشَّديد من الأنصار على تأكيد البيعة، والاستيثاق للنَّبي صلى الله عليه وسلم بأقوى المواثيق على أنفسهم، وكان في رغبتهم أن يميلوا على أهل مِنًى ممَّن آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسيافهم؛ لو أذن الرَّسول الكريم بذلك، ولكنَّه قال لهم: «لم نؤمر بذلك».

وهكذا تمَّ الإعداد لأهل يثرب؛ ليكونوا قادرين على استقبال المهاجرين، وما يترتَّب على ذلك من تَبِعَات.

ثانياً: تأمُّلاتٍ في بعض آيات سورة العنكبوت:

تعتبر سورة العنكبوت من أواخر ما نزل في المرحلة المكِّيَّة، وتحدَّثت السُّورة عن سنَّة الله في الدَّعوات، وهي سنُّة الابتلاء، قال تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت: 1 - 4]

وفي سورة العنكبوت ثلاثةُ أمورٍ تلفت النَّظر، وهي:

1 - ذِكْرُ كلمة المنافقين، ومن المعلوم: أنَّ النِّفاق لا يكون إلا عندما تكون الغلبة للمسلمين؛ حيث يخشى بعضُ النَّاس على مصالحهم، فيظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، ومن المعلوم: أنَّ المجتمع في مكَّةَ كان جاهليّاً، وكانت القوَّة والغلبة لأهل الشِّرك، فما مناسبة مجيء المنافقين في هذه السُّورة، في قوله تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمنوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ ﴾ [العنكبوت: 11]، وهي سورةٌ مكِّيَّةٌ كما قلنا: فهل كانت الآمال قد قويت عند الفئة المؤمنة بحيث تراءى لهم الفرج، والنَّصر قاب قوسين أو أدنى؟ أم أنَّ هذه الآية مدنيَّةٌ وضعت في سورةٍ مكِّيَّةٍ؛ لأنَّ النِّفاق لم يحِنْ وقتُه بعدُ، كما ذهب إلى ذلك بعض المفسِّرين؟.

2 - ورد الأمر بمجادلة أهل الكتاب بالَّتي هي أحسن، وكأنَّه تهيئةٌ للنُّفوس للمرحلة القادمة؛ الَّتي سيكون بين المسلمين وبين أهل الكتاب فيها احتكاكٌ، فلا يكونون البادئين بالشدَّة، فيأتي التَّنبيه على هذا الأمر في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاَءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ ﴾ [العنكبوت: 46 - 47] .

3 - تهيئة النُّفوس للهجرة في أرض الله الواسعة، وربما كانت المدينة قد بدأت تستقبل المهاجرين من المؤمنين بعد بيعة العقبة الأولى، ومهما كان الأمر، وأنَّى كان وقت نزول سورة العنكبوت؛ فإنَّ الإشارة واضحةٌ، والحثَّ على الهجرة - أيضاً - واضحٌ ببيان تكفُّل اللهِ الرِّزق للعباد؛ في أيِّ أرضٍ، وفي أيِّ زمانٍ. قال تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمنوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ﴾ [العنكبوت: 56] .

هذه الآية الكريمة نزلت في تحريض المؤمنين الَّذين كانوا بمكَّة على الهجرة؛ فأخبرهم الله تعالى بسعة أرضه، وأنَّ البقاء في بقعةٍ على أذى الكفار ليس بصوابٍ؛ بل الصَّواب أن يُتلمَّس عبادةُ الله في أرضه مع صالحي عباده؛ أي: إن كنتم في ضيق من إظهار الإيمان بها، فهاجروا إلى المدينة؛ فإنَّها واسعةٌ لإظهار التَّوحيد بها، ثمَّ أخبرهم تعالى: أنَّ الرِّزق لا يختصُّ ببقعةٍ معيَّنةٍ؛ بل رزقه تعالى عامٌّ لخلقه حيث كانوا، وأين كانوا، بل كانت أرزاق المهاجرين حيث هاجروا أكثر، وأوسع، وأطيب، فإنَّهم بعد قليل صاروا حكَّام البلاد في سائر الأقطار، والأمصار، ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَآبَّةٍ لاَ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [العنكبوت: 60] .

كما ذكَّرهم تعالى: أنَّ كلَّ نفسٍ واجدةٌ مرارة الموت، فقال جلَّ شأنه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 57]. أي: واجدةٌ مرارته، وكربه، كما يجد الذَّائق طعم المذوق، ومعناه: إنَّكم ميِّتون، فواصلون إلى الجزاء، ومن كانت هذه عاقبته؛ لم يكن له بُـدٌّ من التزوُّد لها، والاستعداد بجهده، وهذا تشجيعٌ للنَّفس على الهجرة؛ لأنَّ النَّفس إذا تيقَّنت بالموت؛ سهُلَ عليها مفارقةُ وطنها.

قال ابن كثير في الآية: أي: أينما كنتم يدرككم الموت، فكونوا في طاعة الله، وحيث أمركم الله؛ فهو خيرٌ لكم، فإنَّ الموت لابدَّ منه، ولا محيد عنه، ثمَّ إلى الله المرجع والمآب، فمن كان مطيعاً له؛ جازاه أفضل الجزاء، ووافاه أتمَّ الثَّواب، ولهذا قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمنوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الآنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [العنكبوت 58 - 59]، أي: صبروا على دينهم، وهاجروا إلى الله، ونابزوا الأعداء، وفارقوا الأهل، والأقرباء؛ ابتغاء وجه الله، ورجاء ما عنده، وتصديق موعوده، ولم يتوكَّلوا في جميع ذلك إلا على الله.

ثالثاً: طلائع المهاجرين:

لـمَّا بايعتْ طلائعُ الخير، ومواكبُ النُّور من أهل يثرب النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم على الإسلام، والدِّفاع عنه؛ ثارت ثائرة المشركين، فازدادوا إيذاءً للمسلمين، فأذن النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم للمسلمين بالهجرة إلى المدينة، وكان المقصود من الهجرة إلى المدينة، إقامة الدَّولة الإسلاميَّة؛ الَّتي تحمل الدَّعوة، وتجاهد في سبيلها؛ حتَّى لا تكون فتنةٌ، ويكون الدِّين كلُّه لله، وكان التَّوجيه إلى المدينة من الله تعالى، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: لـمَّا صدر السَّبعون من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ طابت نفسه، وقد جعل الله له منعةً، وقوماً أهل حربٍ، وعدَّةٍ، ونجدةٍ، وجعل البلاء يشتدَّ على المسلمين من المشركين؛ لما يعلمون من الخروج، فضيَّقوا على أصحابه، وتعبَّثوا بهم، ونالوا منهم ما لم يكونوا ينالون من الشَّتم، والأذى، فشكا ذلك أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم واستأذنـوه في الهجرة، فقال: « قـد أُريت دار هجرتكم، أريت سبخةً ذات نخلٍ بين لابتين - وهما الحرَّتان - ولو كانت السَّراة أرض نخلٍ، وسباخٍ؛ لقلت: هي، هي» [البخاري (2297) والبيهقي في الدلائل (2/459)] ..

ثمَّ مكث أياماً، ثمَّ خرج إلى أصحابه مسروراً فقال: «قد أخبرت بدار هجرتكم، وهي يثرب، فمن أراد الخروج فليخرج إليها» فجعل القوم يتَّجهون، ويتوافقون، ويتواسون، ويخرجون، ويخفون ذلك، فكان أوَّلَ من قدم المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أبو سلمة بن عبد الأسد، ثمَّ قدم بعده عامر بن ربيعة، معه امرأته ليلى بنت أبي حَثْمَة، فهي أوَّل ظعينةٍ قدمت المدينة، ثمَّ قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالاً، فنزلوا على الأنصار في دورهم، فآووهم، ونصروهم، وآسوهم، وكان سالم مولى أبي حُذيفة، يؤمُّ المهاجرين بقباء، قبل أن يقدم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فلـمَّا خرج المسلمون في هجرتهم إلى المدينة، كَلِبَتْ  قريشٌ عليهم، وحربوا، واغتاظوا على مَنْ خرج من فتيانهم، وكان نفرٌ من الأنصار بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيعة الآخرة، ثمَّ رجعوا إلى المدينة، فلـمَّا قدم أوَّل مَنْ هاجر إلى قُباء؛ خرجوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكَّة، حتَّى قدموا مع أصحابه في الهجرة، فهم مهاجرون أنصاريُّون، وهم: ذكوان بن عبد قيس، وعقبة بن وهب بن كلدة، والعباس بن عبادة بن نضلة، وزياد بن لبيد، وخرج المسلمون جميعاً إلى المدينة، فلم يبقَ بمكَّة فيهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر، وعليٌّ، أو مفتونٌ، أو مريضٌ، أو ضعيفٌ عن الخروج. [ابن سعد (1/325)] .

__________________________

المراجع:

  1. علي محمد محمد الصّلابيّ، السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث (دروس وعبر)، الطبعة الأولى، 2004.ص.ص (403:389).
  2. أبو محمد بن عبد الملك بن هشام، السِّيرة النَّبويَّة، دار الفكر،1990.الجزء/2،ص.ص (52:44).
  3. لابن كثير، للإمام أبي الفداء إسماعيل، السِّيرة النَّبويَّة، تحقيق مصطفى عبد الواحد، الطَّبعة الثانيةـ، دار الفكر بيروت لبنان، 1978.الجزء/3،ص360.
  4. صالح أحمد الشَّامي، السِّيرة النَّبويَّة تربية أمَّةٍ، وبناء دولةٍ، المكتب الإسلامي، الطَّبعة الأولى، 1992،ص 118.
  5. عبد القادر حامد التيجاني، أصول الفكر السِّياسيِّ في القرآن المكِّي، الطَّبعة الأولى، عمَّان الأردن، دار البشير، 1995.ص 182.

 

 

ما إِن انتهت حروب الردَّة، واستقرَّت الأمور في الجزيرة العربيَّة الَّتي كانت ميداناً لها، حتَّى شرع الصِّدِّيق في تنفيذ خطَّة الفتوحات الَّتي وضع معالمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجيَّش الصِّدِّيق لفتح العراق جيشين؛ الأوَّل بقيادة خالد بن الوليد، وكان يومئذٍ باليمامة، فكتب إِليه يأمره بأن يغزو العراق من جنوبه الغربيِّ، والجيش الثاني بقيادة عياض بن غنم، وكان بين النِّباج والحجاز، فكتب إِليه بأن يغزو العراق من شماله الشَّرقي بادئاً بالمسيخ.

وكتب الصِّدِّيق رضي الله عنه إِلى خالدٍ، وعياض: ثمَّ يستبقان إِلى الحيرة، فأجهما سبق إِلى الحيرة؛ فهو أميرٌ على صاحبه، وقال: إِذا اجتمعتما إِلى الحيرة، وقد فضضتما مسالح فارس، وأمنتما أن يؤتى المسلمون من خلفهم، فليكن أحدكما ردءاً للمسلمين، ولصاحبه بالحيرة، وليقتحم الآخر على عدوِّ الله وعدوِّكم من أهل فارس دارَهم، ومستقرَّ عزِّهم؛ المدائن.

وكان المثنَّى بن حارثة قد قدم على أبي بكرٍ، وحثَّ الصِّدِّيق على محاربة الفرس، وقال له: ابعثني على قومي، ففعل ذلك أبو بكر، فرجع المثنَّى، وشرع في الجهاد بالعراق، ثمَّ إِنَّه بعث أخاه مسعود بن حارثة إِلى أبي بكرٍ يستمدُّه، فكتب معه أبو بكر إِلى المثنَّى: أمَّا بعد: فإِنِّي قد بعثت إِليك خالد بن الوليد إِلى أرض العراق، فاستقبله بمن معك من قومك، ثمَّ ساعده، ووازرة، وكاتفه، ولا تعصينَّ له أمراً، ولا تخالفنَّ له رأياً، فإِنه من الذين وصف الله ـ تبارك وتعالى ـ في كتابه: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} [الفتح: 29]، فما أقام معك فهو الأمير، فإِن شخص عنك فأنت على ما كنت عليه.

وكان من قوم المثنَّى رجلٌ يدعى: مذعور بن عديٍّ، خرج عن المثنَّى بن حارثة، وراسل الصِّدِّيق، وقال له: أمَّا بعد: فإِنِّي امرؤ من بني عجل، أحلاس الخيل ـ أي: يلزمون ظهورها ـ وفرسان الصَّباح ـ أي: يغيرون صباحاً ـ ومعي رجالٌ من عشيرتي الرَّجل خيرٌ من مئة رجلٍ، ولي علمٌ بالبلد، وجراءٌ على الحرب وبصرٌ بالأرض، فولين أمر السَّواد أفككه إِن شاء الله.

وكتب المثنى بن حارثة رضي الله عنه بشأن مذعور بن عديٍّ إِلى الصِّدِّيق، فقال له: ... فإِنِّي أخبر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ امرأً من قومي يقال له: مذعور بن عديٍّ أحد بني عجل في عددٍ يسير، وإِنَّه أقبل ينازعني، ويخالفني، فأحببت إِعلامك ذلك لترى رأيك فيما هنالك، وردَّ الصِّدِّيق على مذعور بن عديٍّ، فقال له: أمَّا بعد: فقد أتاني كتابك، وفهمت ما ذكرت، وأنت كما وصفت نفسك وعشيرتك نعم العشيرة، وقد رأيت لك أن تنضمَّ إِلى خالد بن الوليد، فتكون معه وتقيم معه ما أقام بالعراق، وتشخص معه إِذا شخص.

وكتب إِلى المثنَّى بن حارثة: فإِنَّ صاحبك العجليَّ كتب إِليَّ يسألني أموراً، فكتبت إِليه آمره بلزوم خالد حتَّى أرى رأيي، وهذا كتابي إِليك آمرك ألا تبرح العراق حتَّى يخرج منه خالد بن الوليد، فإِذا خرج منه خالد بن الوليد فالزم مكانك؛ الذي كنت به، وأنت أهلٌ لكلِّ زيادةٍ، وجديرٌ بكلِّ فضلٍ.

وممَّا سبق يمكننا أن نستخلص بعض الدروس والعبر والفوائد، فمنها:

1- كان تاريخ بعث خالد إِلى العراق في شهر رجب، وقيل: في المحرم سنة اثنتي عشرة.

2- الحسُّ الإستراتيجيُّ عند الصِّدِّيق:

إِنَّ الأوامر الَّتي وجَّهها الصِّدِّيق إِلى قائديه خالدٍ، وعياضٍ تشير إِلى الحسِّ الإستراتيجيِّ المتقدِّم؛ الذي كان يملكه الصِّديق ـ رضي الله عنه ـ فقد أعطى جملة تعليماتٍ عسكريةٍ إستراتيجيَّةٍ، وتكتيكيَّةٍ، فحدَّد لكلٍّ من القائدين المسلمين جغرافياً منطلقة للدُّخول إِلى العراق، كأنَّما هو يمارس القيادة من غرفة العمليَّات بالحجاز، وقد بسطت أمامه خارطة العراق بكلِّ تضاريسها، ومسالكها، فيأمر أحدهما (خالداً) بدخول العراق من أسفلها جنوباً بغرب (أي: الأبلَّة)، ويأمر الثاني (عياداً) بدخول العراق من أعلاها شمالاً بشرق (أي: المسيخ)، ويأمر الاثنين معاً أن يلتقيا في وسط العراق، ولا ينسى الخليفة مع ذلك أن يأمرهما بأن لا يُكرها النَّاس على الانخراط في جيشهما، وأن لا يجبرا أحداً على البقاء معهما للقتال، فلم يكن التَّجنيد في نظره إِلزاميّاً، إِنَّما كان طوعيّاً، واختياريّاً.

3- تحديد الحيرة كموقعٍ إستراتيجي:

كان هدف الخليفة الصِّدِّيق السَّيطرة على الحيرة، وذلك لأهمِّيتها العسكريَّة، فالحيرة تقع على بعد ثلاثة أميالٍ جنوب (الكوفة)، وتبعد عن (النَّجف) مسيرة ساعةٍ للفارس إِلى الجنوب الشَّرقي للنَّجف، والنَّاظر على الخارطة يرى لأوَّل وهلةٍ أهمِّية هذا الموقع الاستراتيجي، فالحيرة كانت (عقدة مواصلات) في نقطةٍ تتَّصل بها الطُّرق من جميع الاتجاهات، فهي تتَّصل بالمدائن من الشَّرق عبر نهر الفرات وتتَّصل شمالاً بـ (هيت) وتتَّصل بـ (الأنبار) على جسر الأنبار، وتتَّصل بالشام من الغرب، كما تتَّصل بـ(الأبلَّة) في منطقة (البصرة) بالعراق، وفي (كسكر) في (السَّواد)، وفي (النُّعمانية) على نهر دجلة، ومن هذا يتَّضح جليّاً أهمِّية السَّيطرة على هذا الموقع المهمِّ، وكان الصِّدِّيق مصيباً عندما جعلها هدفاً لجيشين، هما جيش خالدٍ، وجيش عياض، فالحيرة كانت قلب العراق، وأقرب منطقة مهمَّة إِلى المدائن عاصمة الإمبراطورية الفارسيَّة، الَّتي كانت تدرك هذه القيمة الإستراتيجيَّة للحيرة، ولذا كانت ترسل القوَّات باتجاهها دائماً لاستعادتها، لأنَّ المسيطر على الحيرة يؤمِّن سيطرته على المنطقة الكائنة غربي الفرات بأجمعها، وهي عدا هذا كانت مهمَّة للقوات الإِسلاميَّة في قتالها الرُّوم في بلاد الشَّام.

إِنَّ تخطيط الصِّدِّيق للوصول إِلى الحيرة في الفتوحات يُعرف في الخطط العسكريَّة للجيوش الحديثة بحركة فكَّي الكمَّاشة، أو عملية الالتفاف الدَّائري بأكثر من جيشٍ، وهذا يؤكِّد: أنَّ عمليَّة فتح العراق، وضم أطراف شبه الجزيرة العربيَّة عن طريق الجهاد لم تكن محض مصادفةٍ، أو نتيجةً لمجريات الحوادث .

ويظهر للباحث فقه أبي بكرٍ رضي الله عنه في التَّخطيط الجهادي بأنَّه كان يرتكز على اتِّخاذ القرارات بتنظيم الجيوش، وتوجيهها، وتحديد واجباتها، وأهدافها، وتنسيق التَّعاون فيما بينها، وتحقيق التَّوازن على مسارح العمليَّات، غير أنَّه يترك لقادته حرِّيَّة العمل العسكري لإِدارة العمليَّات القتاليَّة بالأساليب؛ التي يرونها مناسبةً، وبالطَّرائق؛ الَّتي تستجيب لما يجابهونه من مواقف .

4- نكران الذَّات عند المثنَّى بن حارثة:

ومن المواقف الَّتي تذكر في الجهاد في العراق ما كان للمثنَّى بن حارثة الشَّيباني، وكان يقاتل الأعداء في العراق بقومه، ولما علم بذلك أبو بكر سرَّه ما كان منه، فأمَّره على مَنْ بناحيته، وذلك قبل مجيء خالد، فلمَّا توجهت همَّة الصِّدِّيق لغزو فارس رأى أنَّ خالداً أجدر القواد بهذه المهمَّة، فوجهه لها، وكتب كتاباً إِلى المثنَّى يأمره بالانضمام إِلى خالدٍ، وطاعته، فما كان منه إِلا أن سارع في الاستجابة، ولحق بخالدٍ، هو وجيشه، وإِنَّ هذا موقفٌ يُذكر للمثنَّى حيث لم يَغُرَّه كثرة جيشه، ولا كونه أقدم من خالدٍ في إِمرة جيوش العراق، فلم يحمله ذلك على أن يرى أنَّه أحقُّ بالقيادة من خالدٍ .

5- احتياط الصِّدِّيق لأمر الجهاد في سبيل الله:

وقد جاء في كتاب أبي بكرٍ لخالدٍ، وعياض بن غنْم أن استنفروا مَنْ قاتل أهل الردَّة، ومن ثبت على الإِسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يغزونَّ معكم أحدٌ ارتدَّ حتَّى أرى رأيي، فلم يشهد الأيَّام مرتدٌّ، يعني في أوَّل الأمر، وقد شهدوا الأيَّام بعد ذلك، حينما ثبتت استقامتُهم، كما سيأتي بإِذن الله تعالى، وهذا الموقف من أبي بكرٍ مبنيٌّ على الاحتياط لأمر الجهاد في سبيل الله تعالى، حتَّى لا يشترك فيه طلاَّب الدُّنيا، فيكونوا سبباً في فشل المجاهدين، واختلال صفوفهم.

وهذا درسٌ تربويٌّ من أبي بكرٍ استفادة من الدُّروس النَّبويَّة الغالية، وذلك في تنقية الصَّفِّ الإِسلامي من الشَّوائب، وتوحيد هدفه حتَّى يكون خالصاً لوجه الله تعالى، فيأمن بذلك من الانتكاسات الخطيرة الَّتي تحدث بسبب تعدُّد الأهداف، ولقد حرص أبو بكر على هذا المبدأ السَّامي مع شدَّة احتياج الجيش الإِسلاميِّ آنذاك إِلى الرِّجال، ممَّا يدلُّ على قناعته التَّامة بأن العبرة بسموِّ الهدف، والإِخلاص، لا بكثرة العدد .

6- الرِّفق بالناس، والتَّوصية بفلاحي العراق:

وفي قول الصِّدِّيق لخالدٍ: وتألَّف أهل فارس، ومن كان في ملكهم من الأمم، وهذا القول بيَّن لنا الهدف من الجهاد الإِسلامي خارج بلاد الإِسلام، فهو جهاد دعوي، يقصد به دعوة النَّاس إِلى الدُّخول في الإِسلام، ولمَّا كانت الدَّعوة غير ممكنةٍ مع بقاء الحكومات، فإِنَّه لا بدَّ من إِزالتها؛ لتمكين شعوبها من الدُّخول في الإِسلام، وهذا الهدف ظاهرٌ في جميع المعارك؛ التي خاضها الصَّحابة ـ رضي الله عنهم ـ حيث كانوا يدعون أعداءهم إِلى الإِسلام، فيكون لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم، فإِن أبوا؛ فليستسلموا لحكم الإِسلام، ويدفعوا الجزية مقابل حماية المسلمين لهم، فإِن أبوا فلا بدَّ من القتال حتَّى تكون كلمة الله هي العليا ، وقد وصَّى الصِّدِّيق ـ رضي الله عنه ـ قادة جيوشه بفلاحي العراق، وأهل السَّواد، حرصاً منه على هداية النَّاس، وعلى منابع الثَّروة، وعلماً منه بأنَّ العمران لا يقوم بدون دولة، كما أنَّ الفلاحة مصدر من مصادر الثَّروة، وهي المتصلة بحياة النَّاس، ومعايشهم .

7- لا يهزم جيش فيهم مثل هذا:

عندما استمدَّ خالدٌ أبا بكرٍ أثناء سيره للعراق أمدَّه الصِّدِّيق بالقعقاع بن عمرو التَّميمي فقيل له: أتُمدُّ رجلاً قد ارفضَّ عنه جنوده برجلٍ؟ فقال: لا يهزم جيش فيهم مثلُ هذا، وهذا فراسةٌ من أبي بكر بيَّنتها أحداث العراق بعد ذلك، وقد كان أبو بكر أعلم النَّاس بالرِّجال، وما يتَّصفون به من طاقاتٍ، وكفاءاتٍ مختلفة.

 

__________

المراجع

1- د. علي محمّد محمَّد الصَّلاَّبي، الانشراح ورفع الضيق في سيرة أبو بكر الصديق، شخصيته وعصره، دار ابن كثير، دمشق، ص. ص (322 : 327).

2- الطَّبري، تاريخ الرسل والملوك، دار التراث، بيروت، الطبعة الثانية - 1387 هـ، (4/ 159 : 163).

3- عبد الجبار السامرائي، معارك خالد بن الوليد ضدَّ الفرس، الدَّار العربيَّة للموسوعات، لبنان، الطَّبعة الأولى 1984م، ص35.

4- محمَّد حميد الله، مجموعة الوثائق السِّياسيَّة للعهد النَّبويِّ، والخلافة الرَّاشدة، دار النفائس، الطَّبعة الخامسة 1405هـ 1985م، ص371.

5- محمود شاكر، التَّاريخ الإِسلاميُّ، الخلفاء الرَّاشدون، المكتب الإِسلاميُّ، الطَّبعة الخامسة، 1411هـ 1990م، (9/129 : 131).

6- د. نزار الحديثي، د. خالد جاسم الجنابي، أبو بكرٍ الصِّدِّيق، دار الشُّؤون الثقافية العامة، العراق، الطَّبعة الأولى، 1989م، ص45.

7- د. ياسين سويد، الفنُّ العسكريُّ الإِسلاميُّ، شركة المطبوعات للتَّوزيع والنَّشر، لبنان، الطَّبعة الأولى 1409هـ، 1988م، ص (83، 84).

 

إنَّ توحيد الله عزَّ وجل ومحاربة جميع مظاهر الشرك المنافية للتوحيد هي أساس الدين وركنه القويم، وهو المهمة السامية التي ابتعث الله عز وجل بها جميع الأنبياء والرسل، قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل : 36]. وقال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء : 36]. وقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ *} [الذاريات : 56].

وقد أقام ابن باديس مشروعه التجديدي الإصلاحي الدعوي التربوي على تطهير الإسلام من كل البدع والخرافات والشوائب والأضاليل التي ألصقت به كذباً وزوراً، وكذا بناء الإنسان القرآني على أساس من الكتاب والسنَّة وهدي السلف الصالح؛ لأن إصلاح العقيدة هو منطلق كل إصلاح جاد في المجتمع، لأن فساد العقيدة وسيطرة جملة من المفاهيم الغريبة على الكتاب والسُنَّة على عقل وقلب الإنسان المسلم في عصور الانحطاط؛ هي سبب تدهور المجتمعات الإسلامية وابتعاد الإنسان المسلم عن الفعالية وركونه للسكوت والاستسلام.

ومن هذه القضايا التي أولاها ابن باديس عناية فائقة قضية التوحيد والشرك، ففي العقيدة التي أملاها على طُلابه وتحت عنوان «عقائد الإيمان بالله».

يقول: هو الموجود الحق لذاته الذي لا يقبل وجوده العدم، فهو القديم الذي لا بداية لوجوده وهو الباقي الذي لا نهاية لوجوده. وهو الموجود الذي سبق وجوده كل موجود، فكان تعالى وحده ولا شيء معه، ثم خلق ما شاء من مخلوقاته فهو الغني بذاته عن جميع الموجودات وهي المفتقرة كلها ابتداء ودوماً إليه.

ويقول الشيخ عبد الحميد بن باديس: وهو الواحد في ذاته وصفاته وأفعاله فلا ثاني له، ولا نظير ولا شريك له في ذاته. ولا ثاني له ولا نظير له في أسمائه. ولا ثاني له ولا نظير له في صفاته. ولا ثاني له ولا نظير له في أفعاله.

إنَّ نصوص الشريعة تقضي بأن الله عز وجل موصوف بصفات الجلال والجمال والكمال ومنزه عن كل صفات النقص التي لا تليق بكمال الربوبية وجلال الإلهية، قال تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ *هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ *هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِىءُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *} [الحشر : 22 ـ 24].

وقد فصل ابن باديس في موضوع التوحيد وبين أقسامه وشرح كل قسم بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة وأقوال الأئمة العدول الأثبات فقال: التوحيد هو اعتقاد وحدانية الله وإفراده بالعبادة، والأوَّل هو التوحيد العلمي والثاني هو التوحيد العملي ولا يكون المسلم مسلماً إلا بهما.

وبعد هذا التعريف الجامع للتوحيد وهو اعتقاد وحدانية الله وإفراده بالعبادة، شرع في بيان أقسام التوحيد:

  • توحيد الربوبية:

وعرَّفه بالقول: توحيد ربوبيته: وهو العلم بأن لا خالق غيره، ولا مدبِّر للكون، ولا متصرف فيه سواه.

فتوحيد الربوبية هو الاعتقاد الجازم بأن لهذا الكون خالقاً أوجده من عدم بعد أن لم يكن، وأنَّه هو المتصرف في شؤون الكون، فالله وحده هو الخالق والرازق، والمحيي والمميت والمبدأئ والمعيد، الضار والنافع، فهو وحده قيِّوم السماوات والأرض، وهذا الأمر تشهد له نصوص القرآن الكريم، ونصوص السُنَّة النبوية الشريفة، من ذلك:

  • {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} [فاطر : 3].
  • {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف : 54].
  • {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ} [السجدة : 5].

ويقول الرسول (ص): لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.

  • توحيد الألوهية:

وقال عنه: ومن توحيده تعالى توحيده في الألوهية: العلم بأنه تعالى هو المستحق للعبادة وحده دون سواه والقصد والتوجه والقيام بالعبادات كلها إليه.

فالله وحده هو المستحق للعبادة، فلا يعبد إلا الله ولا يعبد إلا بما شرع، والنصوص الشرعية التي تشهد لهذا المعنى كثيرة:

  • قال تعالى: {أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ *} [الأنبياء : 25].
  • وقال تعالى: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ *} [الأنعام : 79].
  • وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ *} [الأنعام : 162 ـ 163].

فصّل ابن باديس أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية الذي هو أساس الدين، فقال: ووحدانيته تعالى في ربوبيته تستلزم وحدانيته تعالى في ألوهيته، فالمتفرد بالخلق والرزق والعطاء والمنع ودفع الضر وجلب النفع هو الذي يجب أن يفرد بالعبادة التي هي غاية الخضوع والذل مع الفقر والحاجة للعزيز القادر المنعم.

  • توحيده في شرعه:

قال ابن باديس: توحيده في شرعه، فلا حاكم ولا محلل ولا محرم سواه.

وهو أن الله عز وجل هو المشرع لعباده فهو الذي يأمرهم وينهاهم ويحلّ لهم ويحرم عليهم، ونصوص الشريعة التي تدل على هذا المعنى كثيرة منها:

  • قال تعالى: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف : 54].
  • وقال تعالى: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ} [النحل : 116].
  • قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى : 21].
  • وقال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى : 10].
  • وقال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *} [النساء : 65].

وعن عدي بن حاتم الطائي أنه لما جاء النبي (ص) وسمعه يتلو قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} [التوبة : 31]. قال عدي: يا رسول الله، إنهم لم يكونوا يعبدونهم؟ قال أليس كانوا إذا حرَّموا عليهم شيئاً حرَّموه، وإذا  أحلوا لهم شيئاً أحلوه؟ قال، قلت: نعم ، قال رسول الله (ص): فتلك عبادتهم إيَّاهم.

  • توحيد الأسماء والصفات:

يقول ابن باديس: وهو الواحد في ذاته وصفاته وأفعاله، فلا ثاني له ولا نظير له، ولا شريك له في ذاته، ولا ثاني له ولا نظير له في أسمائه، ولا ثاني ولا نظير له ولا شريك في صفاته.

وقال: عقيدة الإثبات والتنزيه: فثبت له ما أثبته لنفسه على لسان رسوله، من ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله. وننتهي عند ذلك ولا نزيد عليه وننزهه في ذلك عن مماثلة أو مشابهة شيء من مخلوقاته، ونثبت الاستواء والنزول ونحوهما ونؤمن بحقيقتهما على ما يليق به تعالى بلا كيف، وبأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد.. ولا تحيط العقول بذاته ولا بقضائه ولا بأسمائه.

 المصادر:

  1. علي محمّد الصّلابيّ، كفاح الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي وسيرة الزعيم عبد الحميد بن باديس، ج 2، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، ط 1، 2016م، ص 354 -358.
  2. عبد الحميد بن باديس، العقائد الإسلامية مِنَ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، مكتبة الشركة الجزائرية، الجزائر، ط2، ص 67 -82.
  3. محمد الدراجي، الإمام عبد الحميد بن باديس وجهوده في تجديد العقيدة الإسلامية، دار الهدى للنشر والتوزيع، 2012م، ص 40.

أعطى الله تعالى للإنسان إرادة، ولكن إرادته تبقى محدودة بما أعطاه الله تعالى من القدرة والإمكان، وعليه أن يستعمل تلك القدرة والإمكان للخير، وإنَّ لله تعالى الإرادة الكاملة الشاملة لكل شيء، فما شاء كان وما لم يَشأ لم يكن؛ نُثبتها كما أثبتها لنفسه، ولا نخوضُ بما زاد عن ذلك، والمحققون من أهل السُّنة يقولون: الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة كونية قدرية، وإرادة دينية شرعية.

الإرادة الكونية القدرية:

هي المشيئة العامة التي يدخل فيها جميع المخلوقات من بر وفاجر وصالح وطالح، وهي إرادة الله تعالى لفعله، سواء إن كان المفعول منه محبوباً أو غير محبوب، يرضيه أم لا يرضيه، فالله تعالى يفعل ما يشاء، ولا يشاء شيئاً إلا بعد إرادته له، وكل ما كان منه فليس فيه إلا الجمال والجلال والحسن.

أما أفعال العباد فهي منقسمة، ففيها الحسن وفيها القبيح، وليس للعباد أن يفعلوا ما يشاؤون، وإنما يفعلون ما يؤمرون به امتثالاً وانتهاءً، وهذا هو الحسن منهم.

وتلك الإرادة متعلقة بالخلق، وهي من لوازم الربوبية، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ويدخل في هذه المشيئة خلق الأقوياء والضعفاء والفقراء والمؤمنين الكفار، والملائكة والشياطين، وخلق الخيرات والفضائل، وخلق السيئات والحسنات، وخلق التوفيق والخذلان، وخلق القوة والعجز، والبلادة والذكاء.

الآيات التي تدل على الإرادة الكونية:

قال تعالى: "وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ" (الأنعام: 112).

وقال تعالى: "وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ"(البقرة: 353).

وقال تعالى: "ولَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِيا لأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا" (يونس: 39).

وقال تعالى: "وَلَوْشَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ"(النساء: 90).

وقال تعالى: "فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء" (الأنعام: 125).

وقال تعالى: "وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ" (هود: 44).

وقال تعالى: "وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَايُرِيدُ" (البقرة: 253).

وقال تعالى: "وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَاشَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ" (الكهف: 39).

وقال تعالى: "وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا" (السجدة : 13).

وقال تعالى: "وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا"(الإنسان: 30).

وقال تعالى: "مَن يَشَإِ اللّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" (الأنعام : 39).

وقال تعالى: "إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" (يس: 82).

وهذه الإرادة وتلك المشيئة هي التي تستلزم وقوع المراد، والمراد إما أن يكون مراد لذاته محبوباً لله تعالى، وذلك لما فيه من الخير، كخلق الأنبياء والصالحين وكذلك كافة الفضائل والخيرات، أو مراداً لغيره وهذا يطلق على الكفر وجميع الشرور والآثام، فإنها ليست مرادة لذاتها وإنما هي مرادة لشيء آخر محبوب إلى الله تعالى. والحق أن جميع أفعاله وشرعه لها حكم وغايات، لأجلها شرع وفعل، وإن لم يعملها الخلق على التفعيل، فلا يلزم من عدم علمهم بها انتفاؤها في نفسها.

وحاصل الإرادة الكونية إثبات مشيئة الله تعالى المطلقة في إيجاد المخلوقات كلها واختلاف أنواعها وأشكالها، وتفاوت فضائلها وشرورها وجمالها ودمامتها وكيسها وعجزها، وكفرها وإيمانها، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فالله على كل شيء قدير، ولا يقع في ملكه إلا ما يريد، ولا يقع فيه شيء كرهاً عنه، فهو الذي أراد إيمان المؤمنين، وهو الذي أراد كفر الكافرين، وكل ذلك في علمه السابق، ولا يمكن لأحد أن يخرج عن علمه، وعلمه يستلزم ثبوت قدرته.

وفي الإرادة الكونية قد يبغض الله تعالى طاعة العاصي ولا يعينه عليها بعد الإرشاد والنصح والبيان، وذلك لحكمه عظيمة جليلة، كما قال تعالى في المنافقين الذين تخلفوا مع الخوالف في بيوتهم، وتركوا الخروج للجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم كما في غزوة تبوك: " وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ" (التوبة : 46)، وقد بين الله تعالى الحكمة في بغضه لطاعته فقال: "لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ" (التوبة: 47).

وهو سبحانه: "لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ" (الأنبياء: 23)، وذلك لأنه يتصرف في ملكه، وهذا ليس فيه ظلم، إنما الظلم في الحقيقة يكون من تصرف المتصرف فيما لا يملك، ومنع المستحق ما يستحقه، والله تعالى لا يجب عليه شيء لأحد حتى يحاسب على ما ضيق ومنع، وعلى ما أهان وخذل، وإنما هو حكمة بالغة ورحمة واسعة وعدل قويم.

الإرادة الدينية الشرعية:

هي إرادة الله تعالى لأمره الديني الشرعي، وهي التي أرسل من أجلها الرسل، وأنزل من أجلها الكتب وهي لا تستلزم وقوع المراد مع كونه محبوباً لله تعالى إلا إذا كان متعلقاً بالإرادة الكونية، والإرادة الشرعية الدينية تدل دلالة واضحة على أنه سبحانه لا يحب الذنوب والمعاصي والضلال والكفر، ولا يأمر بها ولا يرضاها، وإن كان شاءها خلقاً وتقديراً وإيجاداً، وأنه سبحانه وتعالى يرضى ويحب كل ما يتعلق بهذه الإرادة الدينية الشرعية ويثيب أصحابها، ويدخلهم الجنة وينصرهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة وينصر بها، أي: الإرادة الدينية الشرعية للعباد من أوليائه المتقين وحزبه المفلحين وعباده الصالحين.

الآيات الدالة على الإرادة الشرعية:

قال تعالى: "يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ" (البقرة: 185).

وقال تعالى: "مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ" (المائدة: 6).

وقال تعالى: "وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا" (النساء: 27).

وقال تعالى: "يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا" (النساء: 28).

وقال تعالى: "إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا" (الأحزاب: 33).

وقال تعالى: "إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ" (الزمر: 7).

الفرق بين الإرادتين:

الإرادة الكونية يلزم فيها وقوع المراد، والإرادة الشرعية لا يلزم فيها.

الإرادة الشرعية تختص فيما يحبه الله، والكونية عامة فيما يحبه وما لا يحبه.

فما كان بمعنى المشيئة فهو إرادة كونية وما كان بمعنى المحبة فهو إرادة شرعية.

الله يريد المعاصي كوناً لا شرعاً، لأن الإرادة الشرعية بمعنى المحبة والله لا يحب المعاصي ولكن يريدها كونا أي مشيئة فكل ما في السموات والأرض فهو بمشيئة الله.

تعلق الإرادتين بالمخلوقات:

تنقسم المخلوقات من حيث تعلقها بالإدارتين إلى أربعة أقسام:

الأول: ما تعلقت به الإرادتان، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فإن الله أراده إرادة دين وشرع، فإمر وأحبه ورضيه، وأراده إرادة كون فوقع، ولولا ذلك ما كان.

الثاني: ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط، وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة، فعصى ذلك الكفار والفجار فتلك كلها إرادة دين وهو يحبها ويرضاها وقعت أو لم تقع.

الثالث: ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط، وهو ما قدره الله وشاءه من الحوادث التي لم يأمر بها كالمباحات والمعاصي فإنه لم يأمر بها، ولم يرضها، ولم يحبها، إذ هو لا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر، ولولا مشيئته وقدرته وخلقه لها لما كانت ولما وجدت، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

الرابع: ما لم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه، فهذا ما لم يقع ولم يوجد من أنواع المباحات والمعاصي.

والسعيد من عباد الله من أراد الله منه تقديراً ما أراد به تشريعاً، والعبد الشقي من أراد به تقديراً ما لم يرد به تشريعاً.

 

________

المراجع:

1- د. علي محمد محمد الصّلابيّ، الإيمان بالقدر، دار ابن كثير، بيروت، ص (69: 75).

2- ابن تيمية، مجموع الفتاوى، وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد السعودية - مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 1425ه – 2004م، (8/ 188- 189).

3- علي بن السيد الوصيفي، القضاء والقدر عند السلف، دار الإيمان للنشر و التوزيع، ط1، 1423هـ- 2002م، ص 62- 64- 65

4- عمر الأشقر، القضاء والقدر، دار النفائس للنشر، الأردن، ط13، 1425 هـ - 2005م، ص

5- محمد بن صالح بن محمد العثيمين، المجموع الثمين مجموع فتاوى ورسائل العثيمين، دار الوطن- دار الثريا، 1413 هـ ، (1 / 157).

6- محمد بن صالح بن محمد العثيمين، شرح العقيدة الواسطية، دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، السعودية، ط6 ، 1421 هـ، (1 /223).

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد..

فتمر في حياة الأمم والشعوب أحداث عظيمة ووقائع وأيام خالدة تحمل في طياتها ما يسعد القلوب ويُسر النفوس، ولقد شرفت أمتنا الإسلامية بأعظم هذه الوقائع، وأكمل الأيام، وأتم الليالي، إنها ليلة القدر التي وزنها الله تبارك وتعالى بألف شهر في ثوابها وفضلها ومكانتها.

فمن فضائل شهر رمضان وجوائزه العظام: تضمنه لليلة القدر، وهي ليلة عظيمة القدر، ضاعف الله فيها أجر العمل الصالح لهذه الأمة أضعاف كثيرة. فقد تنزل القرآن في هذه الليلة، بقوله سبحانه وتعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ} [القدر: 1، 2]. وقال الله جل وعلا: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ} [الدخان: 3].

  1. شرح سورة القَدر:

قوله تعالى: "إنا أنزلناه" أيّ القرآن، لأن القرآن الكريم أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم نزل مفصلًا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. واختصت ليلة القدر بهذا الحدث التاريخي العظيم في أمتنا، فهي ليلة مباركة وعظيمة لكثرة خيرها وبركتها وفضلها. إذ وصفها الله سبحانه وتعالى بأنها يُفّرَقُ فيها كل أمر حكيم، أيّ يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكَتبة ما هو كائن من أمر الله تعالى في تلك السَنة من الأرزاق والآجال، والخير والشر وغير ذلك من أوامر الله المحكمة المتقنة، التي ليس فيها لا نقص ولا خلل ولا باطل. وعن" "في ليلة القدر" قال ابن الجوزي: وفي تسميتها بليلة القدر خمسة أقوال:

أحدها: أنها ليلة عظيمة. يقال: لفلان قدر. قال الزهري؟ ويشهد له: "وما قدروا الله حق قدره". (سورة الزمر: 67).

والثاني: أنه الضيق. أي هي ليلة تضيق فيها الأرض عن الملائكة الذين ينزلون. قال الخليل بن أحمد، ويشهد له: "ومن قدر عليه رزقه". (الطلاق: 7).

والثالث: أن القدر الحكم، كأن الأشياء تقدر فيها، قال ابن قتيبة.

والرابع: أن من لم يكن له قدر صار بمراعاتها ذا قدر. قال أبو بكر الوراق.

والخامس: لأن نزل فيها كتاب ذو قدر، وينزل فيها رحمة ذات قدر، وملائكة ذوو قدر، حكاه شيخنا علي بن عبيد الله. ن هذه الليبلة

وقال ابن عثيمين رحمه الله: وصفها الله سبحانه بأنها مباركة؛ لكثرة خيرها وبركتها وفضلها.

ومن بركتها أن القرآن أنزل فيها، وهذه الليلة هي في شهر رمضان المبارك ليست في غيره من الأشهر، قال الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان} [البقرة: 185].

ثم قال تعالى لشان ليلة القدر التي اختصها بإنزال القرآن العظيم فيها: "وما أدراك ما ليلة القدر"؛ فهذا على سبيل التعظيم لها، والتشويق إلى خبرها.

ثم قال: "ليلة القدر خير من ألف شهر"؛

فقيامها والعمل فيها خير من قيام ألف شهر من هذا الزمان، وهي أفضل من عبادة كل تلك المدة. وعند قوله تعالى: "تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر"؛ هذا يدل على كثرة الرحمة والبركة فيها، فإن الملائكة ينزلون مع تنزل البركة والرحمة، كما يتنزلون عند تلاوة القرآن، ويحيطون بحلق الذكر، ويضعون أجنحتهم لطالب العلم بصدق تعظيمًا له. والمقصود بالروح هنا جبريل عليه السلام.

"سلام هي حتى مطلع الفجر"؛ أي السلام في الآية أنه لا يحدث فيها داء، ولا يرسل فيها شيطان، وهي ليلة كل ما فيها أمن وبركة وعافية، فهي ليلة سلام للمؤمنين من كل مخوف، ولكثرة من يعتق فيها من النار ويسلم من عذاباتها. وفي قوله: "حتى مطلع الفجر"؛ أي أن ليلة القدر تنتهي بطلوع الفجر لانتهاء عمل الليل به.

فإذًا: ليلة القدر نقطة بداية في حياة المسلم لا نقطة عابرة، ويجب أن تكون نقطة تحول في حياته لا أن تكون مجرد حدث طقسي معين، ففضل هذه الليلة يعدل الكثير عند الباري تبارك وتعالى.

  1. فضائل ليلة القَدر؟

سميت الليلة بهذا الاسم؛ لأن الله تعالى يُقدّر فيها الأرزاق والآجال، وحوادث العالم كلها، فيكتب فيها الأحياء والأموات، والناجون والهالكون، والسعداء والأشقياء، والعزيز والذليل، وكل ما أراده الله تعالى في تلك السنة، ثم يدفع ذلك إلى الملائكة لتتمثله، كما قال تعالى: "فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ". وهو التقدير السنوي، والتقدير الخاص، أما التقدير العام فهو متقدم على خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة كما صحت بقوله الأحاديث.

وبعد قراءة سورة القدر وشروحها وقيمة تلك الليلة في ميزان الله تبارك وتعالى، نخلص لإيراد الفضائل التي اختصت بها تلك الليلة العظيمة، وهي:

  1. تنزل القرآن فيها، وهي المعجزة الخالدة للنبي صلى الله عليه وسلم.
  2. ليلة كثيرة البركة والرحمة.
  3. هذه الليلة تقدر فيها الآجال والأرزاق وحوادث الليل والنهار.
  4. إن العبادة فيها خير من عبادة ألف شهر.
  5. الملائكة تتنزل فيها وهم لا ينزلون إلا بالخير والبركة والرحمة والعتق من النار.
  6. أنها سلام من الآفات والعقوبات.
  7. من قامها غفر له ما تقدم من ذنبه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم" من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" متفق عليه.
  8. تحديد ليلة القَدر:

اختلف العلماء في تحديد ليلة القدر، وذلك على أكثر من أربعين قولاً ورأيًا، ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وهذه الأقوال بعضها مرجوح، وبعضها شاذ، وبعضها باطل. وقد أكد جمهور العلماء أنها في العشر الأواخر من شهر رمضان، واختلفوا أي ليالي العشر أرجح على أقوال كثيرة منها، فقول الصحابة والتابعين في ليلة ثلاث وعشرون، وقول الشافعية بأنها في ليلة إحدى وعشرون وغيرهم عدد ليال أخرى في العشر الأخير.

لكن أسلم القول هو أن ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان، وأنها تنتقل في ليالي العشر، فمن قام ليالي العشر كلها وأحياها وبالعبادة أصاب ليلة القدر يقينًا. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية "ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان، هكذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتكون في الوتر منها". وهنا ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح: "أرجح الأقوال إنها في الوتر من العشر الأخير، وأنها تنتقل". ونظرًا لاختلاف المطالع والبلدان في تحديد بداية الصوم، فإنها تطلب في الأشفاع من العشر الأواخر كما تطلب في الأوتار، لأن الليلة قد تكون وترًا في بلد، وتكون شفعًا في بلد آخر. وكذلك الوتر له اعتباران: اعتبار بما مضى، واعتبار بما بقي، فإذا كان الشهر تامًا فالأوتار باعتبار ما بقي هي ليالي الشفع.  وعلى هذا إذا كان الشهر ثلاثين، يكون ذلك ليال الأشفاع، وتكون الاثنين وعشرين تاسعة تبقى، وليلة أربع وعشرين سابعة تبقى، وهكذا فسره أبو سعيد الخدري في الحديث الصحيح.. وإذا كان الشهر تسعًا وعشرين كان التاريخ بالباقي كالتاريخ بالماضي. وإذا كان الأمر هكذا، فينبغي أن يتحراها المؤمن في العشر الأواخر جميعه.

 

  1. بل هو خير لكم

عن عبادة بن الصامت قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال صلى الله عليه وسلم: خرجت لأخبركم بليلة القدر، فتلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة". رواه البخاري.

وقال ابن كثير: فتلاحى فلان وفلان فرفعت" فيه استئناس لما يقال: إن المماراة تقطع الفائدة والعلم النافع كما جاء في الحدي: "إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه" رواه أحمد.

وقول ابن كثير: "وعسى أن يكون خيرًا لكم، يعني عدم تعيينها لكم، فإنها إذا كانت مبهمة، اجتهد طلابها في ابتغائها في جميع محال رجائها، فكان أكثر للعبادة، بخلاف ما إذا علموا عينها، فإنها كانت الهمم تتقاصر على قيامها فقط، وإنها اقتضت الحكمة إيهامها، لتعم العبادة جميع الشهر في ابتغائها، ويكون الاجتهاد في العشر الأخير أكثر. وقال ابن الجوزي: "والحكمة من إخفائها: أن يتحقق الاجتهاد الطالب، كما أخفيت ساعة الليل، وساعة الجمعة.

  1. كيفية إحياء ليلة القَدر

قال ابن رجب: وأما العمل في ليلة القدر، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه" متفق عليه. وقيامها إنما هو إحياؤها بالتهجد فيها والصلاة. وقد أمر عائشة بالدعاء فيها. وأما العمل والعبادة في ليلة القدر، فقد كان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يتهجد في ليالي رمضان، ويقرأ قراءة مرتلة، لا يمر فيها رحمة إلا سأل، ولا بآية فيها عذاب إلا تعوذ، فيجمع بين الصلاة والقراءة والدعاء والتفكر، وهذا أفضل الأعمال وأكملها في ليالي العشر وغيرها والله أعلم. وقال الشعبي في ليلة القدر ليليها كنهارها. وقالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا ليله، وأيقظ أهله، وشد المئزر" متفق عليه. وشد المئزر كناية عن اعتزاله النساء واجتهاده في العبادة.

وقال ابن الجوزي: "وقد كان السلف يتأهبون لها، فكان لتميم الداري حُلة بألف درهم يلبسها في الليلة التي يرجى أنها ليلة القدر. وكان ثابت وحميد يغتسلان ويتطيبان ويلبسان أحسن ثيابهما، ويطبيان مساجدها في الليلة التي ترجى فيها ليلة القدر. وقد قال النبي الكريم: "إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرمها فقد حُرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا محروم". رواه ابن ماجه

  1. دعاء ليلة القَدر:

يقول ابن كثير: والمستحب الإكثار من الدعاء في جميع الأوقات، وفي شهر رمضان أكثر، وفي العشر الأخير منه، ثم في أوتاره أكثر، والمستحب أن يكثر من هذا الدعاء: "اللهم أنك عفو تحب العفو فاعف عني". وسؤال العفو في ليلة القدر بعد الاجتهاد في الأعمال فيها وفي ليالي العشر؛ لأن العارفين يجتهدون في الأعمال، ثم لا يرون لأنفسهم عملًا صالحًا، ولا حالًا ولا مقالًا، فيرجعون إلى سؤال العفو كحال المذنب المقصر. وهذا الدعاء يجعلنا نقف عدة وقفات ونستخلص منها العِبر وهي:

  1. الحكمة في تخصيص هذه الليلة بسؤال العفو؛ ذلك لأَنَّ "العبد يسير إلى الله سبحانه بين مشاهدة منته عليه، ونعمه وحقوقه، وبين رؤية عيب نفسه وعمله وتفريطه وإضاعته، فهو يعلم أَنَّ ربه لو عذبه أشد العذاب لكان قد عدل فيه، ولهذا كان في حديث سيد الاستغفار: "أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي"، فلا يرى نفسه إلا مقصرًا مذنبًا، ولا يرى ربه إلا محسنًا".
  2. الدعاء بهذا اللفظ يتضمن أدبًا من آداب الدعاء المهمة: وهو الثناء على الله تعالى بما هو أهله، وبما يناسب مطلوب الداعي؛ أي تمجيد وثناء العبد على ربه، والآخر: سؤال من العبد لربه.
  3. استشعار حسن الظن بالله تبارك وتعالى: فيعمر قلب المؤمن بالرجاء.
  4. حاجة العبد وفقره إلى عفو الله تعالى.
  5. يُسر الإسلام: وتسري دلائل هذا التيسير وأماراته في جميع مناحي التشريع، ومنها أدعية الوحيين، حتى قالت عائشة: "كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَستحِبُّ الجَوامِعَ مِن الدعاء، ويَدَعُ ما سِوى ذلك".

في نهاية حديثنا وتبحرنا في فضائل وعظيم قدر ليلة القدر نختم بأبيات شعرية تتناسب وسياق قولنا:

يا رب عبدك قد أتاك      وقد أساء وقد هفا

يكفيه منك حياؤه         من سوء ما قد أسلفا

حَمَل الذنوب على        الذنوب الموبقات وأسرفا

وقد استجار بذيل عفوك     من عقابك ملحفا

رب اعف عنه وعافه        فلأنت أولى من عفا.

 

 

___________________

المراجع

  • ابن تيمية: مجموع الفتاوى 25/286.
  • أحمد عبد المجيد مكي، وقفات تربوية مع دعاء ليلية القدر، موقع قصة الإسلام، 15 يوليو/ تموز 2015، رابط: https://bit.ly/2jYgTf6
  • تفسير ابن كثير.
  • جماز الجماز، ليلة القدر: فضائل وأحكام، موقع قصة الإسلام، 13 سبتمبر/ أيلول 2009، رابط: https://bit.ly/2rJrHBO
  • عبد اللطيف البريجاوي، تدبرات قرآنية في سورة القدر، قصة الإسلام، 13 سبتمبر/ أيلول 2009، رابط: https://bit.ly/2rHWEpp
  • مدار الوطن للنشر/ القسم العلمي، ليلة القدر خير من ألف شهر، الرياض، السعودية، ط1 2006.
الخميس, 09 مايو 2019 15:12

علمتني الصحوة الإسلامية

علمتني الصحوة الإسلامية ولست من روادها، ولكنني من تلاميذها، معاني وقيم ومبادئ سامية ترسم طريق الإنسان في مسيرة الحياة وتدله على عالم الخلود والآخرة:

علمتني الصحوة الإسلامية بأن الانتماء للإسلام العظيم شرف ونعمة من الله عز وجل تستحق الشكر والحمد والثناء، قال تعالى: "وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ" (فصلت: الآية 33). 

علمتني الصحوة الإسلامية أن أعيش هذه الحياة بطاعة الله تعالى والعيش مع القرآن الكريم والاقتداء بالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وأهمية أن يكون لك رسالة وهدف سامٍ في الوجود.

علمتني الصحوة الإسلامية أن هذه الأمة العظيمة جاهدت وناضلت وكافحت حتى حررت ديارها وبلدانها من الاستعمار البغيض، وقدمت تضحيات كبيرة حتى وصلت إلى مبتغاها.

علمتني الصحوة الإسلامية أن الجهود العظيمة التي قام بها دعاة الإسلام في القرنين الماضيين (الفترة الحديثة) على امتداد بقاع العالم من الهند إلى المغرب الأقصى وإندونيسيا وبلاد الغرب والشرق، بأن وسطية الدعوة الإسلامية التي تبنوها أعلت من قيمة الدين الحنيف وعظمة الرسالة التي هي سبيل سعادة الإنسان المسلم في كل زمان ومكان، وبدت أهمية الجهود والمشاق التي تحملها دعاة الإسلام طوال تلك المرحلة، من خلال فهم كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وإظهار الحق ومحاربة الأباطيل، وبأن السلسلة الذهبية للدعاة إلى الله تعالى من عهد النبوة إلى الصحابة والتابعين وأتباع التابعين إلى القرنين الماضيين من أمثال محمد بن عبد الوهاب ومحمد بن علي السنوسي وعبد الكريم الخطابي وخير الدين التونسي ومحمد عبده وجمال الدين الأفعاني ورشيد رضا وعبد الحميد بن باديس إلى محمد بشير الإبراهيمي، بدت حلقات متواصلة وجهود تراكمية في مراحل الصحوة الإسلامية.

علمتني الصحوة الإسلامية أهمية العلم والمعرفة وأن الحضارة الإسلامية أعظم حضارة عرفتها الإنسانية وإشعاعاتها في المعمورة لا تنكسر ومنها الصروح العلمية العالية مثل جامعات القرويين والزيتونة والأزهر الشريف ومدارس الشام والعراق والمدينة المنورة ومكة المكرمة. كما علمتني أن أعظم حضارة إنسانية هي الحضارة الإسلامية والتي ظهرت في كتابات: شكيب أرسلان وسعيد النورسي ومصطفى السباعي وأبو الأعلى المودودي وسيد قطب وعصام العطار وعبد الكريم زيدان ومحفوظ النحناح وراشد الغنوشي والقرضاوي وغيرهم بالعشرات.

علمتني الصحوة الإسلامية أن المدارس الفكرية الإسلامية تتكامل وتتعاون وتتضامن وبأن خلاف التنوع هو نعمة وليس نقمة، ولذلك أحببت في الله تعالى: الشيخ عبد العزيز بن باز وابن عثيمين والشيخ الألباني والشيخ حسن البنا وسيد قطب والقرضاوي وفتحي يكن، وعبد الحميد بن باديس وبشير الإبراهيمي، وعلماء الجزائر الأفذاذ ممن ناضلوا وكافحوا ضد الاستعمار، والشيخ الطاهر بن عاشور والثعالبي والغنوشي، وأحمد الشريف السنوسي وعمر المختار والطاهر الزاوي وسليمان الباروني، وعبد الكريم الخطابي والكتاني وماء العينين، وأبو الحسن الندوي وولي الدين الدلهوي والمباركفوري وأبو الأعلى المودودي رحمة الله على الأحياء والأموات جميعاً.

علمتني الصحوة الإسلامية بأن معاني الحرية والمساواة والكرامة والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان والأخوة الإنسانية والإسلامية والمشاعر النبيلة نحو بني الإنسان والحرص على إيصال رسالات الله لهم في أي مكان.

علمتني الصحوة الإسلامية بأن قيمة الإنسان هي في مستوى علاقته بالله وتحقيقه العبودية لله وطاعته ومحاربة الظلم والتصدي للجهل وإعانة الملهوف ومساعدة الناس بكل إنسانية ولطف ابتغاء مرضاة الله.

علمتني الصحوة الإسلامية بأن نضال الشعوب وجهادها وكفاحها ضد الاستبداد والدكتاتورية والغزاة وعبادة لله إذا أخلص العبد نيته لله.

علمتني الصحوة الإسلامية أن الحياة تتطور وتتقديم في عالم الأفكار والوسائل والاجتهادات البشرية وتبقى الثوابت في العقيدة والقيم والأخلاق والمبادئ التي جاءت في القرآن الكريم.

علمتني الصحوة الإسلامية أن الشهود الحضاري للإسلام قادم، وبأن تحرير فلسطين حتمي كما حررها صلاح الدين الأيوبي بعد جهود تراكمية شارك فيها الكثير من الأبطال مثل نور الدين زنكي والقاضي الفاضل وغيرهم.

علمتني الصحوة الإسلامية أهمية المصالحة بين الشعوب وحكامها وأن ذلك هو مقصد إسلامي كبير وقيمة إنسانية رفيعة، وأهمية وجود قاعدة دستورية بين الحاكم والمحكوم تعطي للشعب حقه، وكذلك للحاكم وقف بيعة تراضي واختيار شوريّ.

علمتني الصحوة الإسلامية أن التعايش بين الديانات الكبرى هدي نبوي كريم وأن الثقافة الدستورية راسخة في حضارتنا العظيمة ووثيقة المدينة المنورة خير دليل على ذلك.

علمتني الصحوة الإسلامية أن التعاون بين بني الإنسان بالخير مقصد إسلامي وهدي محمدي كريم ومنهج راشدي سار عليه الخلفاء الراشدين في الدولتين الصديقية والعُمرية ومن جاء بعدهم.

علمتني الصحوة الإسلامية أن قيمة الوفاء لأولئك الذين بذلوا الغالي والثمين في تبليغ رسالات الإسلام في أرجاء المعمورة.

علمتني الصحوة الإسلامية فنوف المعارف وفقه الحضارة الإسلامية وأساليب الدعوة من خلال روادها أمثال العلماء المصلحين والدعاة والأستاذة الكبار: جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وحسن البنا ومحمد الغزالي وعبد الكريم زيدان ومحمد أحمد الراشد وحسن الترابي وجمال الدين القاسمي ومصطفى السباعي وعثمان بن فوده ووهبي الزُحيلي ومحمد سعيد رمضان البوطي وعصام البشير وعمر الأشقر ومحمد أحمد جيلي ومحمد بحيري ومبارك رحمة وياسين عبد العزيز وعبد المجيد الزنداني والديلمي والكشك ومحمد متولي الشعراوي وأكرم ضياء العمري وأحمد نوفل ومحمد راتب النابلسي وعبد الرزاق قسوم وعوض القرني وسفر الحوالي وعماد الدين خليل وعلي القرداغي ومحمد الحسن ولد الددو وأحمد الريسوني وعبد المجيد النجار وآخرون.

علمتني الصحوة الإسلامية أن المستقبل للشعوب التي تسعى لنيل حقوقها وكرامتها.

علمتني الصحوة الإسلامية أن إرادة الشعوب تنتصر على إرادة الطغاة والمستبدين.

علمتني الصحوة الإسلامية أن الدنيا دار ابتلاء وامتحان وما بعدها مرهون بالعمل الصالح في الدنيا ابتغاء مرضاة الله "أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ" (ص: 28).

الصحوة الإسلامية شرف يتسامى وغرس رباني يُأتي ثماره في كل حين بإذن ربه.

المصدر: الجزيرة نت 

يُعدُّ شيخ الإسلام البخاري إمام الحفاظ وأكبرهم، وأبرز الفقهاء وأقدرهم، هو من أهم علماء الحديث وعلوم الرجال والجرح والتعديل والعلل عند أهل السُّنة والجماعة في التاريخ الإسلامي، فيما يصنف كتابه صحيح البخاري الذي جمع فيه الأحاديث النبوية واحداً من أعظم مصادر الأثر النبوي الشريف.

حياته

هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، ولد في شوال عام 194 ه الموافق 810م في مدينة بخارى التي نسب إليها وهي إحدى مدن أوزبكستان الحالية، وقد مات والده وهو صغير، فتربى يتيماً في حجر أمه التي أحسنت تربيته وكان لها دور في شحذ همته وحبه للعلم.

سافر البخاري إلى مكة المكرمة في سن الـــ16 بصحبة أمه وأخيه أحمد لأداء فريضة الحج، وتخلف عنهما للاستزادة من المعارف حيث بقي هناك لستة أعوام وبدأ جمع الأحاديث، وبعدها سافر بين البلدان لهذا الهدف، من بغداد إلى الكوفة ودمشق ومصر وخراسان وغيرها، وكان يحفظ ويجتهد في طلب المزيد والتدوين، وروي أنه لا يكتب الحديث إلا بعد أن يكون قد توضأ وصلى ركعتين.

توفي البخاري في الأول من شوال 256هـ الموافق 869 م عند صلاة العشاء وصلي عليه يوم العيد بعد الظهر ودفن بإحدى قرى سمرقند، وكان قد وصلها بعد أن طرده حاكم بخارى من المدينة؛ لأنه رفض أن يذهب لتعليم أبنائه دون العامة، وقال قولته: "أنا لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب الناس".

علمه وشيوخه

أصيب الإمام في صغره بمرض في عينيه حتى كاد يفقد بصره ولكنه تعالج منه، وعادت إليه عافيته، وكان رأساً في العلم، ورأساً في الورع والعبادة، يتمتع بالذكاء والنجابة والذاكرة القوية، وهي إحدى الصفات التي ساعدته لاحقاً في جمع الأحاديث النبوية.

حفظ البخاري القرآن الكريم وتلقى العلوم الأساسية في الدين وقد حفظ آلاف الأحاديث وهو لا يزال غلاماً، وقد ساعدته أجواء بخارى التي كانت في ذلك العصر مركزاً من مراكز العلم، فكان يرتاد حلقات العلماء و رجال الدين.

التقى البخاري بعدد كبير من الشيوخ والعلماء، حتى بلغوا أكثر من ألف رجل، وذلك في رحلاته الكثيرة وتطوافه الواسع في الأقاليم، قال البخاري: «كتبت عن ألف وثمانين نفساً ليس فيهم إلا صاحب حديث».

وقد اهتمّ العلماء بذكر شيوخ البخاري فسمّاهم بعض العلماء ورتّبهم على الأقطار كالذهبي في سير أعلام النبلاء، ورتّبهم بعضهم حسب الطبقة كالحافظ ابن حجر في هدي الساري، ورتّبهم بعضهم حسب عدد الروايات، ورتّبهم بعضهم على حروف المعجم. قال الإمام النووي: «هذا الباب واسع جدًا لا يمكن استقصاؤه، فأنبه على جماعة من كل إقليم وبلد، ليستدل بذلك على اتساع رحلته، وكثرة روايته، وعظم عنايته».

- أما شيوخه الذين أكثر عنهم جداً في الصحيح، ولهم عنده أكثر من مائة رواية: عبد الله بن يوسف التنيسي، وقد فاقت رواياته عنه الثلاثمائة رواية، علي بن عبد الله المديني فاقت مروياته المائتين، أبو اليمان الحكم بن نافع، موسى بن إسماعيل التبوذكي، عبد الله بن محمد المسندي، أبو نعيم الفضل بن دكين، محمد بن بشار المعروف ببندار، قتيبة بن سعيد، سلمان بن حرب، أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي، محمد بن المثنى .

- أما المتوسطون الذين لهم دون المائة رواية وأكثر من خمسين: عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، عبد الله بن الزبير الحميدي، إبراهيم بن موسى، إبراهيم بن المنذر، محمد بن يوسف الفريابي، محمد بن كثير، حفص بن عمر .

- ومن أهم شيوخه الذين بلغوا رتبة الإمامة في العلم والدين : الإمام أحمد بن حنبل وإن لم يرو عنه في الصحيح، وإسحاق بن راهويه روى عنه نحو الثلاثين رواية، وأحمد بن صالح المصري، وأبو نعيم الفضل بن دكين، وغيرهم .

ولعل أعظمهم تأثيراً في نفس الإمام البخاري وشخصيته، وأجلهم مرتبة عنده هو الإمام علي بن المديني رحمه الله، حيث قال البخاري فيه: "ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني".

منهجه في الكتاب والشبهات حوله والرد عليها

كان منهج البخاري في كتابة الحديث صارماً، يستقصي من الرواة والأسانيد، وأصبح علماً في هذا الباب في حسن التصانيف والتدقيق، وتعدُّ قصة تأليفه لكتابه (الجامع الصحيح) الذي يعد أول كتاب صنف في الحديث الصحيح المجرد، دليلاً عظيماً على الهمة والذكاء والإخلاص، وقد استغرق هذا العمل 16 عاماً في رحلات شاقة بين البلدان.

ولم يتعجل إخراج الكتاب إذ بذل فيه الكثير من المراجعة والتنقيح والاستقصاء حتى خرج بالصورة النهائية له ليضم 7275 حديثاً اختارها البخاري من بين 600 ألف حديث كانت قد وصلته، حيث عمل على تدقيق الروايات ووضع شروطاً لقبول رواية راوي الحديث، وهي أن يكون معاصرا لمن يروي عنه، وأن يكون قد سمع الحديث منه، إلى جانب: الثقة والعدالة والضبط والإتقان والعلم والورع.

إن البخاري في صحيحه لا يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، بل هو يروي عن شيوخ ثقات، في أعلى درجات الحفظ والضبط والأمانة عن مثلهم إلى أن يصل إلى الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقل عدد بين البخاري والنبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة من الرواة.

وقد عقد الإمام ابن حجر في مقدمته لشرح (صحيح البخاري)، فصلاً خاصاً أورد فيه الأحاديث التي انتقدها الإمام الحافظ الدار قطني وغيره من النقاد على صحيح البخاري حديثاً حديثاً على سياق الكتاب، وأجاب عنها، وبلغ عدد هذه الأحاديث مئة وعشرة أحاديث، وقال: "ينبغي لكل منصف أن يعلم أن هذه الأحاديث وإن كان أكثرها لا يقدح في أصل موضوع الكتاب فإن جميعها واردٌ من جهة أخرى"، وذكر عن الإمام أبي عمر بن الصلاح: "أن المواضع المتنازع في صحتها لم يحصل لها من التلقي ما حصل لمعظم الكتاب". وجل انتقادات الدار قطني فنيّة غامضة على غير أهل الاختصاص في الحديث النبوي، وتنقسم إلى ستة أقسام، كما بين ابن حجر، وهي:

الأول: ما تختلف الرواة فيه بالزيادة والنقص من رجال الإسناد.

الثاني: ما تختلف الرواة فيه بتغيير رجال بعض الإسناد.

الثالث: ما تفرد بعض الرواة في زيادة فيه دون من هو أكثر عدداً أو أضبط ممن لم يذكرها.

الرابع: ما تفرد به بعض الرواة ممن ضعف من الرواة.

الخامس: ما حكم فيه بالوهم على بعض رجاله، فمنه ما يؤثر ذلك الوهم قدحاً، ومنه ما لا يؤثر.

السادس: ما اختلف فيه بتغيير بعض ألفاظ المتن فهذا أكثره لا يترتب عليه قدح.

ثم قال المؤلف قبل الشروع في استعراض الأحاديث المئة وعشرة واحداً واحداً: "فهذه جملة أقسام ما انتقده الأئمة على الصحيح، وقد حررتها وحققتها، وقسمتها، وفصّلتها. لا يظهر منها ما يؤثر في أصل موضوع الكتاب بحمد الله إلا النادر".

وختم الحافظ ابن حجر هذا الفصل بقوله: "هذا جميع ما تعقبه الحفاظ النقاد العارفون بعلل الأسانيد، المطّلعون على خفايا الطرق، وليست كلها قادحة، بل أكثرها الجواب عنه ظاهر والقدح فيه مندفع، وبعضها الجواب عنه محتمل، واليسير منه في الجواب عنه تعسف"، "فإذا تأمل المنصف ما حررته من ذلك عَظُم مقدار هذا المُصنَّف (يعني: صحيح البخاري) في نفسه، وجلّ تصنيفه في عينه، وعذر الأئمة من أهل العلم في تلقيه بالقبول والتسليم، وتقديمهم له على كل مصنف في الحديث والقديم، وليسا سواءً: من يدفع بالصدر فلا يأمن دعوى العصبية، ومن يدفع بيد الإنصاف على القواعد المرضية والضوابط المرعية".

مكانة الإمام البخاري وكتابه والردّ على نقاده

لقد كان البخاري محلَّ قبولِ وثناء عامة الأئمة عبر التاريخ، فقد قال أحمد بن حنبل: "ما أخرجتْ خراسان مثلَ محمد بن إسماعيل البخاري"، وأفاض الحافظ الخطيب البغدادي في بيان مكانة البخاري في حواضر الإسلام: البصريين والحجازيين والكوفيين والبغداديين وأهل الريّ وخراسان، وقال الإمامان النووي والطوفي: "تلقيب البخاري ومسلم بإمامَي المحدّثين هو باعتبار ما كانا عليه من الورع والزهد والجد والاجتهاد في تخريج الصحيح حتى ائتم بهما في التصحيح كلُّ من بعدهما". وقال الحافظ الترمذي: «لم أر أحداً بالعراق، ولا بخراسان، في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كبير أحد أعلم من محمد بن إسماعيل».

ولا يوجد كتاب لدى المسلمين، نال الحظوة والسمعة والشهرة عند جمهور الفقهاء والشيوخ كصحيح البخاري، ونال بنفس القدر والقسط من التبجيل والتكريم والتعظيم، فهو أصح كتاب بعد القرآن (فيما يخص نصوص الشرع)، وقد انعقد إجماع الأمة على أن التراجم التي وضعها البخاري تدل عن فهم عميق ونظر دقيق في معاني النصوص، فهو محل اتفاق بين عامة العلماء عبر القرون بعد أن أصبح البخاري محل قَبول منهم على كثرة دراسته والكتابة عنه أو عن جانب منه، وقد أقر بهذا أئمة كالإمام أحمد بن حنبل، والحافظ النسائي وحكى الاتفاق عليه أئمة كابن الصلاح والنووي والطوفي وآخرين. وقد رَوَى عن البخاري عددٌ كبير من تلامذته كمسلم وأبي زُرعة الرازي، والترمذي وابن خزيمة وخلق كثير.

هذه هي مكانة صحيح البخاري لدى علماء الأمة الإسلامية وشيوخها وفقهائها، وهذا غيض من فيض ما قيل في هذا الإمام العلم، فليعلم كل ناقد له عن أي عظيم يتكلم. ونختم هذا البحث بما قاله ابن تيمية: "جمهور ما أنكر على البخاري مما صححه يكون قوله فيه راجحاً على قول من نازعه، بخلاف مسلم بن الحجاج فإنه نوزع في عدة أحاديث مما خرَّجها وكان الصواب فيها مع من نازعه.. ولكن جمهور متون الصحيحين متفق عليها بين أئمة أهل الحديث، تلقوها بالقبول، وأجمعوا عليها، وهم يعلمون علماً قطعياً أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها".

ونحن نعلم خطورة التقليل من شأن الإمام البخاري وجامعه الصحيح، وعدم إعطائهما حقّهما، ولا نعني بذلك عدم النقد العلمي المنصف النزيه إذا جاء من أهله، إذ شتان بين ناقد بصير باحث عن الحقيقة يصدر في نقده عن علم، وأدب، وناقد يبخس الناس أشياءهم بدافع الجهل أو الهوى.

 

__________

 المراجع

1- الترمذي، سنن الترمذي، دار الغرب الإسلامي، ط1، 1996م، (9/ 232).

2- ابن تيمية، مجموع الفتاوى، طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المملكة السعودية، (1/256).

3- ابن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار المعرفة، بيروت، 1379ه، (1/ 479).

4- شمس الدين الذهبي تذكرة الحفاظ، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1419هـ- 1998م (2/428).

5- شمس الدين الذهبي سير أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط3، 1405 هـ - 1985م، (12 /467).

6- ابن كثير، البداية والنهاية، دار هجر، مصر، ط1، 1417 – 1997م، (14/527)

7- ابن مفلح، المقصد الأرشد في ذكر أصحاب الإمام أحمد، مكتبة الرشد، السعودية، ط1، 1410هـ - 1990م، (2/ 230 - 377).

8- النووي، تهذيب الأسماء واللغات، دار الكتب العلمية، بيروت، (1/71).

 

من خصائص القرآن الكريم: الإعجاز، فهو المعجزة الكبرى لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، التي لم يتحدَّ زعماء العرب وصناديد الباطل بغيرها، برغم ما ظهر على يديه من معجزات لا تحصى. فأين تتجلى المعجزة الكبرى للقرآن الكريم؟

أولاً: تعريف المعجزة وشروطها:

لم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة المطهرة مصطلح المعجزة، إنما ظهر هذا المصطلح في وقت متأخر بعض الشيء عندما دوّنت العلوم ومنها علم العقائد، في أواخر القرن الثاني الهجري وبداية الثالث، لذا نجد أن القرآن الكريم قد استعمل كلمة "الآية" في صدر إعطاء الدلائل للرسل عليهم الصلاة والسلام لمحاجة الأقوام، يقول تعالى:" وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَيُؤْمِنُونَ" (الأنعام، آية: 109).

كما استعمل القرآن الكريم تارة لفظة "البينة" كما في قوله:" قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً" (الأعراف، آية: 73). والبينة هي الدلالة الواضحة عقلية كانت أو حسية.

وتارة يستخدم القرآن لفظة "البرهان" قال تعال:" فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ" (القصص، آية: 32). والبرهان مبين للحجة وهو أوكد للدلالة ويقتضي الصدق لا محالة.

كما يأتي التعبير عن المعجزة أحياناً بالسلطان، قال تعالى: "تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ" (ابراهيم، آية: 10).

ولعل اختيارهم لهذا المصطلح بدلاً من الآية والكلمات الأخرى لإزالة الدلالة المشتركة في الآية من القرآن الكريم كما في قوله تعالى:" مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلّ ِشَيْءٍ قَدِيرٌ" (البقرة، آية: 106).

وبين الآية بمعنى العلامة البارزة الدالة على وجود الخالق سبحانه وتعالى ووحدانيته كما في قوله تعالى:" إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ" (آل عمران، آية: 190).

وبين الآية بمعنى البناء العالي، كما في قوله تعالى: "أَتَبْنُونَ بِكُلّ ِرِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ" (الشعراء، آية: 128). وكذلك الخروج من الدلالات المشتركة في الكلمات الأخرى.

1ـ تعريف المعجزة:

أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي سالم عن المعارضة يظهره الله على يد رسله. فالمعجزة أمر خارق للسنة التي أودعها الله سبحانه وتعالى في الكون ولا تخضع للأسباب والمسببات ولا يمكن لأحد أن يصل إليها عن طريق الجهد الشخصي والكسب الذاتي، وإنما هو هبة من الله سبحانه وتعالى يختار نوعها وزمانها ليبرهن بها على صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أكرمه بالرسالة.

والسحر والأعمال الدقيقة التي يمارسها بعض أهل الرياضات البدنية أو الروحية لا يدخل تحت اسم الخارق لأن لكل من تلك الأمور أساليب يمكن لأي إنسان أن يتعلمها ويتقنها ويمارسها، إذا اتبع الأسباب والأساليب المؤدية إلى نتائجها أمكنه بواسطة الجهد الشخصي والمران والممارسة أن يتوصل إلى تلك النتائج، أما الأمور الخارقة فلا تدخل تحت طاقة البشر، ليست لها أسباب تؤدي إليها.

2ـ شروط المعجزة:

ومن خلال التعريف السابق للمعجزة نستطيع أن نتلمس شروطها:

أ ـ أن تكون من الأمور الخارقة للعادة: مثل عدم إحراق النار لسيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام وعدم إغراق الماء لموسى عليه السلام وقومه، وعدم سيلانه عليهم، ومثل القرآن الكريم.

ب ـ أن يكون الخارق من صنع الله وإنجازه، قال تعالى:" وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِي َبِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاء أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ" (غافر، آية: 78).

ج ـ سلامتها من المعارضة.

د ـ أن تقع على مقتضى قول من يدّعيها.

ه ـ التحدي بها.

و ـ أن يستشهد بها مدّعي الرسالة على الله عز وجل.

ز ـ تأخر الأمر المعجز عن دعوى الرسالة.

وقد توافرت هذه الشروط في إعجاز القرآن الكريم.

ثانياً: القرآن الكريم هو المعجزة الكبرى:

لما زعم المشركون أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو الذي ألف القرآن، قال الله تعالى:" أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ * أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ" (الطور، آية: 33 ــ 35).

ــــ ثم تحداهم بعشر سور:" أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ" (هود، آية: 13 ــ 14).

ــــ ثم تحداهم بسورة واحدة: "وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ" (البقرة، آية: 23 ـ 24).

ــ وقال تعالى: "أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ" (يونس، آية: 38).

فعجز جميع الخلق أن يعارضوا ما جاء به، سجل على الخلق جميعاً العجز إلى يوم القيامة بقوله تعالى: "قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَـذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا" (الإسراء، آية: 18).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:" ما من الأنبياء نبيّ إلا أعطى من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة".

إن معجزات الأنبيـاء تتماثل مـن حيث إنهـا حسية ومخصوصة بزمنها، أو بمـن حضرها، أو منقرضة بانقراض من شاهدها، أما معجزة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فهي القرآن الكريم الذي لم يعط أحد مثله، وهو أفيدها وأدومها، لاشتماله على الدعوة والحجة، واستمرار تحديه في أسلوبه وبلاغته ومعانيه وأخباره، وعجز الجن والإنس على أن يأتوا بسورة مثله مجتمعين أو متفرقين في جميع الأعصار، مع اعتناء معارضيه بمعارضته فلم ولم يقدروا، فعمَّ نفعه من حضر ومن غاب، ومن وجد ومن سيوجد إلى آخر الدهر، ولذلك فإن محمداً صلى الله عليه وسلم أكثر الأنبياء أتباعاً.

هذا شرح للحديث على وجه الإجمال، وأما أسباب اختصاص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عن سائر الأنبياء بهذه المعجزة الظاهرة، فلثلاثة أسباب صار بها من أخص إعجازه، وأظهر آياته:

1 ـ إن معجزة كل رسول موافق للأغلب من أحوال عصره والشائع المنتشر من ناس دهره، فلما بعث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في عصر الفصاحة والبلاغة خص بالقرآن في إيجازه وإعجازه، بما عجز عنه الفصحاء، وأذعن له البلغاء، وتبلد فيه الشعراء ليكون العجز عنه أقهر، والتقصير فيه أظهر، فصارت معجزاته ـ وإن اختلفت ـ متشاكلة المعاني، مختلفة العلل.

2 ـ إن المعجزة في كل يوم بحسب أفهامهم وعلى قدر عقولهم وأذهانهم وأفهامهم، والعرب أصح الناس أفهاماً وأحدَّهم أذهاناً، فخصوا من معجزات القرآن بما تجول فيه أفهامهم، وتصل فيه أفهامهم، وتصل إليه أذهانهم.

3 ـ وهذه المعجزة جمعت بين الدليل لما فيه من الإعجاز وغيره من وجوه الدلالة وبين المدلول بما فيه من بيان الإيمان وأدلته، وبيان الأحكام الشرعية والقصص والأمثال، والوعد والوعيد وغير ذلك من علومه التي لا تنحصر، ثم جعل مع حفظه وتلاوته من أفضل الأعمال التي يتقرب بها إلى الله تعالى.. ولهذا توفرت الدواعي على حفظه على مر الدهور والعصور، ففي كل قرن ترى من حفظته ما يفوق العد والاحصاء، ويستنفذ نجوم السماء ومثل ذلك لم يتفق لغيره من الكتب الإلهية المقدسة.

وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً" آية من آيات نبوته، كما قال النووي: فإنه أخبر صلى الله عليه وسلم بهذا في زمن قلة من المسلمين، ثم إن الله تعالى فتح على المسلمين البلاد، وبارك فيهم، حتى انتهى الأمر، واتسع الإسلام في المسلمين إلى هذه الغاية المعروفة، ولله الحمد على هذه النعمة وسائر نعمه التي لا تحصى.

المراجع:

  • د. علي محمَّد محمَّد الصَّلابي، المعجِزَةُ الخَالِدَةُ الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، براهين ساطعة وأدلة قاطعة، ، دار المعرفة، ص.ص (7-9).
  • د. يوسف القرضاوي، كيف نتعامل مع القرآن العظيم، دار الشروق ط. الثالثة، ص: 32.
  • الاصفهاني، الراغب الاصفهاني، المفردات في غريب القرآن، المكتبة التوفيقية للطبع والنشر والتوزيع، 1906، ص: 45.
  • مصطفي مسلم، مباحث في إعجاز القرآن، دار المسلم للنشر والتوزيع،2011، ص: 14. ص: 18.
  • ابن غشيان، ثامر بن ناصر بن فهد، رسالة خاتم النبيين محمد: ضرورتها، وطرائق إثباتها، ولوازمها، مكتبة الرشد ناشرون، 2005 ، ص: 155.
  • النووي، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف، المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، دار إحياء التراث العربي – بيروت، الطبعة: الثانية، 1392هـ ( 2 / 188).
الصفحة 1 من 10
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top