د. علي الصلابي

د. علي الصلابي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

إن الله سبحانه وتعالى -في أعراف المؤمنين-ظاهراً ظهوراً واضحاً، وهو عز وجل أظهر من كل ما سواه. إن المؤثِّر في أعراف المؤمنين أظهر من الأثر، والخالق أوضح من الخلق، والمكوِّن أجلى من الكون، وإن من أسماء الله اسم "الظاهر".

يقول تاج الدين بن عطاء الله السكندري عن هذا المعنى -متفنناً في التعبير والمعنى-جملة من التعبيرات تتَّحد ألفاظها إلا لفظاً واحداً أو لفظين، فيتغير المعنى بسبب ذلك ويكون للعبارات في مجموعها معنى لطيف... إنه يقول:

-كيف يُتصور أن يحجبه شيء وهو الذي أظهر كل شيء؟ كيف يُتصور أن يحجبه شيء وهو الظاهر قبل وجود كل شيء؟ كيف يُتصور أن يحجبه شيء وهو أظهر من كل شيء؟ كيف يُتصور أن يحجبه شيء وهو أقرب إليك من كل شيء؟ كيف يُتصور أن يحجبه شيء ولولاه ما كان وجود شيء؟

أما عن الاستدلال بالأثر على المؤثِّر فإن ابن عطاء يقول في مناجاته:

"إلهي كيف يُستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك؟"

والمفتقر إلى الله -في كلمة ابن عطاء الله-هو الكون كله، هو هذه الآثار كلها، في وجودها وفي ارتباطها، وفي إمساكها، وفي العناية بها.

ويتابع ابن عطاء الله مناجاته فيقول متجهاً إلى الله:

- أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهِرَ لك؟ متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟ ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟

وفي هذا المنهج كلام كثير، ومهما يكن من شيء فإنه سواء سار الإنسان على النهج الصوفي أو على نهج الاستدلال فالله موجود، وقد كان في أزل ولا شيء معه ثم خلق الخلق.

ومن أسماء الله الحسنى "الظاهر"، ومن معاني كلمة الظاهر هو أن الله لكثرة البراهين الدالة عليه، ولكثرة الدلائل التي تشير إليه ظاهر... قيل يا إمام متى كان الله؟ فقال الإمام علي: ومتى لم يكن؟

وقال العلماء: لقد خلق الله كل الكائنات لتظهر آثار قدرته فيها، وهو سبحانه وتعالى ظاهر عليها من جميع الجهات.

ومن أدق الكلمات وأوضحها أن يقال: الكون كله بما فيه ومن فيه مظهر من مظاهر أسمائه وصفاته، وعلاماته، كل الكون يدل على الله أبداً، كل الكون بمجراته، بالسماوات، والأرض، والنبات، والحيوان، والأطيار، والأسماك، والإنسان، والطعام، والشراب، لذلك فإن أكبر وظيفة للكون أن نتعرف على الله من خلاله، ولو لم نستفِد منه، لكن الذي استفاد من هذا الكون ولم يتعرف على الله من خلاله ما حقق الهدف من وجوده.

وقيل في الاسم الظاهر هو المتجلي بأنوار هدايته وآياته، المتنزّه بمعاني أسمائه وصفاته، فهدايته واضحة، وآياته واضحة.

قال العلماء لا ترى ذرة في الوجود إلا وهي ناطقة بوحدانية المعبود، ولا ترى فاضلاً متخلّقاً بصفات الرجال إلا وتشهد عليه أنوار صفات الكبير المتعال، كل الخير من الله، كل الكمال من الله، كل الأعمال الصالحة بتوفيق الله، بإلهام الله، مصدر الكمال في الكون هو الظاهر. قالوا: الظاهر لا يخفى على كل متأمل، أيُّ إنسان أراد الحقيقة فالله يظهر له. قالوا: هو الظاهر فلا يخفى على كل متأمل، الظاهر لعيون الأرواح والكون، محلّى بالكمال، وكل شيء فيه ينادي: أشهد أن خلَّاقي ذو الجلال والإكرام ظاهر. والظاهر: هو الظاهر على كل شيء دونه، وهو العالي فوق كل شيء، فلا شيء أعلى منه.وقد قال الإمام ابن القيم عن اسم الجلالة (الظاهر) في نونيته:

والظاهر العالي الذي ما فوقه

                    شيء كما قد قال ذو البرهان

حقاً رسول الله ذا تفسيره

                        ولقد رواهُ مسلمٌ بضمانِ

فاقبله لا تقبل سواه من التفا

                        سير التي قيلت بلا برهانِ

والشيء حين يتمُّ منه علوُّه

                        فظهوره في غاية التبيانِ

أَوَما ترى هذي السما وعلوَّها

                        وظهورها وكذلك القمرانِ

والعكس أيضاً ثابتٌ فسُفُولُهُ

                        وخفاؤُهُ إذ ذاك مصطحبانِ

فانظر إلى علو المحيط وأخذِهِ

                        صفةَ الظهور وذاك ذو تبيانِ

وانظر خفاءَ المركز الأدنى ووصـ

                        ـف السفل فيه وكونه تحتاني

وظهوره سبحانه بالذات مثــ

                        ـلُ علوه فهما له صفتانِ

لا تجحدَنَّهما جحودَ الجهم أو

                        صافَ الكمال تكون ذا بهتانِ

وظهوره هو مقتضٍ لعلوِّه

                        وعلوُّه لظهوره ببيانِ

ويقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: و"الظاهر" يدل على عظمة صفاته، واضمحلال كل شيء عند عظمته من ذوات وصفات، ويدل على علوِّه.

واسم الله الظاهر مقترن بالباطن، ومن أسرار اقتران أسماء الله الحسنى: الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، فمعرفة هذه الأسماء الأربعة؛ الأول والآخر والظاهر والباطن هي أركان العلم والمعرفة، فحقيق بالعبد أن يبلغ في معرفتها إلى حيث تنتهي به قواه وفهمه.

فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة؛ وهي إحاطتان زمانية ومكانية، فإحاطة أوَّليَّته وآخريَّته بالقبل والبعد، فكل سابق انتهى إلى أوَّليَّته، وكل آخر انتهى إلى آخريَّته، فأحاطت أوليَّته وآخريَّته بالأوائل والأواخر، وأحاطت ظاهريَّته وباطنيَّته بكل ظاهر وباطن، فما ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه، وما من أول إلا والله قبله، وما من آخر إلا والله بعده؛ فالأولُ قِدمُه، والآخرُ دوامُه وبقاؤُه، والظاهرُ علوُّه وعظمتُه، والباطنُ قربُه ودنوُّه، فسبق كلَّ شيء بأوَّليَّته، وبقي بعد كل شيء بآخريَّته، وعلا على كل شيء بظهوره، ودنا من كل شيء ببطونه، فلا تواري منه سماءٌ سماءً، ولا أرضٌ أرضاً، ولا يحجب عنه ظاهرٌ باطناً، بل الباطنُ له ظاهرٌ، الغيبُ عنده شهادةٌ، والبعيدُ منه قريبٌ، والسرُّ عنده علانيةٌ، فهذه الأسماء الأربعة تشتمل على أركان التوحيد؛ فهو "الأولُ" في آخريَّتِهِ، و"الآخرٌ" في أوَّليَّته، و"الظاهرُ" في بطونه، و"الباطنُ" في ظهوره، لم يزل أولاً، وآخراً، وظاهراً، وباطناً.

وقد أورد ابن القيم هذه الأسماء مجتمعةً في نونيَّته الشهيرة حيث قال:

هو أولٌ هو آخرٌ هو ظاهرٌ

                        هو باطنٌ هيَ أربعٌ بوِزانِ

ما قبلَهُ شيءٌ كذا ما بعدَهُ

                        شيءٌ تعالى اللهُ ذو السُّلطانِ

ما فوقَهُ شيءٌ كذا ما دونَهُ

                        شيءٌ وذا تفسيرُ ذي البُرهانِ

فانظرْ إلى تفسيرِهِ بتدبُّرٍ

                        وتبصُّرٍ وتعقُّلٍ لِمَعانِ

فالله سبحانه لَمّا كان هو الأول الذي خلق الكائنات، والآخر الذي إليه تصير الحادثات، فهو الأصل الجامع؛ فالعلم به أصل كل علم وجامعه، وذكرُهُ أصل كل كلام وجامعه، والعمل له أصل كل عمل وجامعه. وليس للخلق صلاح إلا في معرفة ربهم وعبادته.

 

 

___________________________________________________________________________

  • 1- ابن القيم الجوزية، طريق الهجرتين وباب السعادتين، دار السلفية، القاهرة، ط 2، 1394، ص 25. نونية ابن القيم الجوزية، تحقيق: زهير الشاويش، ط1 1404 ه، 2/ 213.

    2- الطبري، جامع البيان في تأويل القرآن، 27/124.

    3- عبد العزيز الجليل، ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها، دار طيبة، الرياض، ط3، 1430ه-2009م، ص 174-176.

    4- عبد الكريم عبيدات، الدلالة العقلية في القرآن ومكانتها في تقرير مسائل العقيدة الإسلامية، ص 24.

    5- علي محمد الصلابي، قصة بدء الخلق وخلق آدم عليه السلام، ص 92-97.

    6- محمد بن عبد الله الخرعان كلام ابن تيمية نقلاً عن: قصة الخلق، دار كنوز إشبيليا للنشر والتوزيع، الرياض، ط 1، 2008، ص 13.

    7- محمد راتب النابلسي، موسوعة أسماء الله الحسنى، دار المكتبي، دمشق، سوريا، ط3، 1425ه-2004م، 2/1004-1010

إن الله خالق الأرض وخالق الناس هو الذي مكّن لهذا الجنس البشري في الأرض، وهو الذي أودع الأرض هذه الخصائص والموافقات الكثيرة التي تسمح بحياة هذا الجنس وتقوته، وتعينه بما فيها من أسباب الرزق والمعايش، قال تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ) (الأعراف: 10).

هو الذي جعلها مقراً صالحاً لنشأته بجوها وتركيبها وحجمها وبُعدها عن الشمس والقمر، ودورتها حول الشمس، وميلها إلى محورها، وسرعة دورتها، إلى آخر هذه الموافقات التي تسمح بحياة هذا الجنس البشري عليها، وهو الذي أودع هذه الأرض من الأقوات والأرزاق ومن القوى والطاقات ما يسمح بنشأة هذا الجنس وحياته، وبنمو هذه الحياة ورقيها معاً، وهو الذي جعل هذا الجنس سيد مخلوقات هذه الأرض قادراً على تطويعها واستخدامها بما أودعه الله من خصائص واستعدادات للتعرف على بعض نواميس هذا الكون وتسخيرها في حاجته.

ولولا تمكين الله للإنسان في الأرض بهذا وذلك، لما استطاع هذا المخلوق الضعيف القوي أن يقهر الطبيعة، كما يعبر أهل الجاهلية قديماً وحديثاً، ولا كان بقوته الذاتية قادراً على مواجهة القوى الكونية الهائلة الساحقة.

إن التصورات الجاهلية الإغريقية والرومانية هي التي تطبع تصورات الجاهلية، وهي التي تصور الكون عدواً للإنسان، وتصور القوى الكونية مضادة لوجوده وحركته، وتصور الإنسان في معركة مع هذه القوى -بجهده وحده- وتصور كل تعرّف إلى النواميس الكونية وكل تسخير لها -قهراً للطبيعة- في المعركة بينها وبين الجنس الإنساني.

إنها تصورات سخيفة، فوق أنها تصورات خبيثة، لو كانت النواميس الكونية مضادة للإنسان، عدوة له وتتربص به وتعاكس اتجاهه، وليس وراءها إدارة مدبرة كما يزعمون، لما نشأ هذا الإنسان أصلاً، وإلا فكيف ينشأ في كون معاد بلا إدارة وراءه؟ ولما استطاع المضي في الحياة على فَرض أنه وُجد، وإلا فكيف يمضي والقوى الكونية الهائلة تعاكس اتجاهه؟ وهي بزعمهم التي تتصرف بنفسها ولا سلطان وراء سلطانها؟

التصور الإسلامي

إن التصور الإسلامي وحده هو الذي يمضي وراء هذه الجزئيات ليربطها كلها بأصل شامل متناسق، وإن الله هو الذي خلق الكون، وقد اقتضت مشيئته وحكمته أن يجعل طبيعة هذا الكون بحيث تسمح بنشأة هذا الإنسان، وأودع الإنسان من الاستعدادات ما يسمح له بالتعرف إلى بعض نواميس الكون واستخدامها في حاجته.

وهذا التناسق الملحوظ هو الجدير بصنعة الله الذي أحسن كل شيء خلقه، ولم يجعل خلائقه متعاكسة متعادية متدابرة.

وفي ظل هذا التصور يعيش الإنسان في كون مأنوس صديق، وفي رعاية قوة حكيمة مدبرة، يعيش مطمئن القلب، مشروح النفس، ثابت الخطو، ينهض بأمور عمارة وخلافة الأرض في اطمئنان الواثق بأنه مُعان على الخلافة، ويتعامل مع الكون بروح المودة والصداقة، ويشكر الله كلما اهتدى إلى سرٍّ من أسرار الوجود، وكلما تعرف إلى قانون من قوانينه التي تعينه في خلافة الأرض، وتُيسر له قدراً جديداً من الرقي والراحة والمتاع.

إن هذا التصور لا يكفه عن الحركة لاستطلاع أسرار الوجود والتعرف إلى نواميسه، على العكس، هو يشجعه ويملأ قلبه ثقة وطمأنينة، إنه يتحرك في مواجهة كون صديق لا يبخل عليه بأسراره ولا يمنع عنه مدده وعونه وليس في مواجهة كون عدو يتربص به ويعاكس اتجاهاته ويسحق أحلامه، بل هذا الكون وهذه الأرض مسخرة عند الله عز وجل للإنسان.

قال تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (البقرة: 29)، وقال تعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً) (البقرة: 22)، ومن الآيات التي تدل على تسخير الكون للإنسان قوله تعالى: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً) (طه: 53)، وقوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَاراً) (غافر: 64).

ابن الكون

إن الإنسان هو ابن هذه الأرض، وهو ابن هذا الكون، لقد أنشأه الله في هذه الأرض ومكّنه فيها، وجعل له فيها أرزاقاً ومعايش، ويسّر له المعرفة التي تسلمه مفاتيحها، وخلق نواميس موافقة لوجود هذا الإنسان تساعده حتى يتعرف إليها على بصيرة وتُيسّر له حياته.

إن الله يُريد من الإنسان أن يدرس حياته دائماً بما تشتمل عليه من إمكانات القوة ومواطن النعمة، فيربطها بالله المصدر لكل قوة ونعمة، ليدفعه ذلك إلى الشعور بالمسؤولية أمامه فيما يستخدم فيه القوة أو يستعمل فيه النعمة، وذلك هو مفهوم الشكر العملي، المفهوم الذي يريد الله من الإنسان أن يجعله الطابع العام لحركة حياته، والسّمة البارزة لشخصيته، وذلك بأن يحوّل كل ما أعطاه الله إلى السبيل الذي يتحرّك فيه أمر الله ونهيه، لأنه لا يملك ذلك كله، فلا حرية له أن يتصرف فيه تبعاً لمزاجه وهواه، بل يعتبر ذلك منه تمرُّداً على الله وضاداً لحالة الشكر له، ولن يتحقق ذلك إلا بالوعي الدائم لارتباط الوجود الإنساني في عناصره وخصائصه بالله، والابتعاد عن الانغلاق الفكري والروحي داخل الذات الذي يوحي إليه بالإمكانات الذاتية التي يستمدها من وجوده بعيداً عن الله.

قال تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ)؛ فيما أودعه من عناصر القوّة في الإنسان وما سخرّه له من مخلوقاته.

وقال سبحانه: (وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ)؛ فيما تأكلون وتشربون وتلبسون وتستمعون، لتشكروا الله على ذلك وتنطلقوا به في طريق طاعته.

وقال تعالى: (قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ)؛ تلك هي النتيجة الطبيعية للغفلة عن معنى الحياة المسؤولة في صلتها بالله؛ لأن قضية الشكر هي قضية وعي وانفتاح وإيمان، لتعرف أن الله لم يخلقك عبثاً، ولم يخلق الحياة بدون هدف، ولم يترك الإنسان بدون نظام.

والشكر هو صرف العبد كل ما أنعم الله به عليه إلى ما خلق لأجله، من نعمه ظاهرة باطنة في النفس والمال، فيصرف ذلك كله إلى عبادة ربه بما يليق بكل جارحة على الوجه الأكمل، وإذا ما فعل ذلك كان قد أظهر نعم الله عليه وأدى واجب شكرها.

ويعتبر الشكر من أجلّ الأخلاق السلوكية الإيمانية التي على المؤمن أن يتحلى بها في كل أحواله؛ لما فيه من الاعتراف بالنعم لمسديها.

ولقد كانت عناية القرآن الكريم بهذا الخلق عظيمة كعظم مكانته في الأخلاق، فقد ورد ذكره في نحو من سبعين آية أمراً به، وحثاً عليه، وثناء على أهله ووعداً لهم بحسن جزائه، ونهياً عن ضده مما يدل على أمر هذا الخلق عظيم الشأن، ومن الأوامر القرآنية للتحلي به كثيرة منها قوله تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ) (البقرة: 152)، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (البقرة: 172)، وقوله تعالى: (فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) (النحل: 114).

 فإن كانت عبادتكم خالصة له سبحانه حقاً فعليكم أن تشكروا نعمه، فإن العبادة تستلزم الشكر، بل هو من ضروب العبادة وأنواعها، ويأتي الحديث مفصلاً عن هذا الخلق في محله بإذن الله تعالى.

لقد أعطانا الله عز وجل أدوات التمكين، وسخر لنا كونه وأرضه، وجعل لنا فيها المعايش التي تستحق شكره ليلاً ونهاراً، سراً وعلناً، قولاً واعتقاداً وعملاً.

المراجع

1- علي محمد محمد الصلابي، مسودة كتاب قصة بدء الخلق وخلق آدم عليه السلام، ص 608 - 603.

2- في ظلال القرآن، سيد قطب، دار الشروق، القاهرة، ط17، 1412ه، ص 3/1263.

3- تفسير من وحي القرآن، محمد حسنين فضل الله، دار الملوك، بيروت، ط3، 1439هـ/ 2018م، ص 7/30.

4- أخلاق النبي في القرآن والسُّنة، أحمد عبدالعزيز الحداد، دار الغرب الإسلامي، ط2، 419هـ/ 1999م، ص 1/185، 186.

5- مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين، محمد بن أبي بكر بن القيم، تحقيق محمد المعتصم بالله البغدادي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط3، 1996م، ص 2/249.

 تعاقبت الأزمات والابتلاءات والمحن التي أصابت البشرية عبر تاريخها الطويل، ونزلت بالناس صنوف شتى من الابتلاء؛ كالطواعين والمجاعات والفيضانات والزلازل والجفاف وغير ذلك.

وبالطبع، نال المسلمين من ذلك البلاء والجوائح الكثير، وسجل تاريخهم أحداثها ووقائعها وآثارها، ولعل أكثرها فتكاً كان مرض «الطاعون» الذي انتشر أكثر من مرة في مصر والشام والمغرب والعراق والأندلس وقتل ألوفاً من سكانها، وقد قدم المؤرخون الذين عاصروا تلك الأحداث صوراً متنوعة عن تلك الأوبئة وآثارها وعواقبها في سائر أرجاء الأرض، مثل المقريزي، وابن تغري بردي، وابن كثير، وابن إياس، وابن بطوطة، وابن عذارى المراكشي، كما بحثت في ذلك كتب النوازل الفقهية للونشريسي وابن رشد وغيرهم.. ونظراً لما تركت تلك الأوبئة من آثار في التاريخ الإسلامي بسبب انعكاسها على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية للمجتمع الإسلامي والإنسانية ككل، فلا بد من تناولها والاهتمام بدراستها. 2020-04-07_00h02_23.jpg

في هذه الأيام يشغل بال الجميع ما يُشاع من أخبار عن الوباء العالمي الذي يزداد انتشاراً يوماً بعد يوم، والمسمى بفيروس «كورونا»، الذي تسبب بعدد كبير من الوفيات وحالات الخوف والذعر، خصوصاً في البلدان التي استفحل فيها خطره، ولما كان هذا النوع من الأوبئة من قضاء الله وقدره، وانطلاقاً من قوله تعالى: (وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة: 195)، فإننا –نحن المؤمنين- مطالبون بالعمل على الوقاية من هذا البلاء ودرء أسبابه، وذلك بعد التوكل على الله والأخذ بالأسباب والتسليم بقضائه وقدره.

أولاً: الوباء والطاعون.. لغة واصطلاحاً:

الطاعون لغةً: يقال عن الشخص طعين إن أصابه الطاعون، وطعن الشخص فهو مطعون، وقد جاءت كلمة طاعون على وزن فاعول من الطعن، فاستخدموه بمعنى غير معناه الأصلي، لكنه يعطي دلالة قريبة منه ليدل على الموت الذي يصيب جماعة من الناس فيشيع بينهم كالوباء (بهجت،2011، ص99).2020-04-06_23h48_43.jpg

أما المعنى الاصطلاحي فهو قروح جسدية تخرج وتتمركز في مواضع مختلفة من الجسم، كالأيدي أو المرافق أو الآباط أو غيرها، ويصحب ذلك آلام شديدة، مع ما يرافقها من أعراض أخرى كالقيء وخفقات القلب، وقد عرَّف ابن حجر العسقلاني الطاعون بقوله: «هو المرض الذي يفسد الهواء به وتفسد به الأبدان والأمزجة، وهو مادة سمية تحدث ورماً قاتلاً في المواقع الرخوة، والسبب هو دم رديء يميل إلى العفونة والفساد»، ومما سبق نرى أن الأورام هي أبرز علامات الطاعون، وأوضح أعراضه، وهذه الأورام يمكن أن تكون على شكل نتوءات أو غدد، ويعزز ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطاعون غدة كغدة الإبل».

وقد فرَّق العلماء بين الوباء والطاعون، فعدوا الطاعون وباءً وليس العكس، حيث إن الطواعين في الغالب غير معلومة المصدر بينما يكون مصدر الوباء بشكل عام معروفاً (فاضل،2011، ص100).

أما تعريف الوباء بشكل عام، فقد عرفته منظمة الصحة العالمية بأنه حالة انتشار لمرض معين، حيث يكون عدد حالات الإصابة أكبر مما هو متوقع في مجتمع محدد أو مساحة جغرافية معينة أو موسم أو مدة زمنية (شبكة الجزيرة، 18/3/2020م).

ثانياً: من الأوبئة والطواعين في فترات التاريخ الإسلامي:

حدثت عدة أوبئة وأمراض جماعية عبر التاريخ الإسلامي، وفي مختلف دوله وأمصاره وأصقاعه، إلا أن أبرزها وأكثرها شهرةً وتأثيراً هي: طاعون عمواس (18هـ/ 693م)، طاعون الجارف (69هـ/ 688م)، طاعون الفتيات أو الأشراف (87هـ/ 705م)، طاعون مسلم بن قتيبة (131هـ/ 748م)، الأوبئة والطواعين في العصر العباسي والمملوكي والأيوبي في المشرق الإسلامي، الأوبئة والطواعين في المغرب الإسلامي.

أما طاعون عمواس فحدث في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك أنه في العام الثامن عشر من الهجرة وقع شيءٌ فظيعٌ مروِّعٌ، وقد سمِّي بطاعون عِمَواس نسبة إِلى بلدةٍ صغيرة، يقال لها: عِمَواس، وهي: بين القدس، والرَّملة؛ لأنَّها كانت أول ما نجم الدَّاء بها، ثمَّ انتشر في الشَّام منها، فنسب إِليها، وكان حصول الطَّاعون في ذلك الوقت بعد المعارك الطَّاحنة بين المسلمين والروم، وكثرة القتلى، وتعفُّن الجو، وفساده بتلك الجثث أمراً طبيعياً، قدَّره الله لحكمةٍ أرادها، فكانت شدَّته بالشَّام، فهلك به خلقٌ كثيرٌ، منهم: أبو عبيدة بن الجرّاح، وهو أمير النَّاس، ومعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان، والحارث بن هشام، وقيل: استشهد باليرموك، وسهيل بن عمرو، وعتبة بن سهيل، وأشراف النَّاس (الصلابي، 2005، ص231).

حدث الطاعون الجارف في البصرة سنة 69هـ، في زمن عبدالله بن الزبير رضي الله عنه، وسمي بالجارف لكثرة من مات فيه، فقد اجترف الموت فيه الناس اجترافاً كالسيل، واستمر ثلاثة أيام فقط (فاضل، 2011، ص104)، وفي عام 87هـ وقع طاعون في العراق وبلاد الشام، سمي بطاعون الفتيات؛ لأنه وقع بالنساء والعذارى أولاً، فوقع بالنساء قبل الرجال، بينما سماه البعض بطاعون الأشراف لكثرة ما توفي فيه من أشراف القوم وأكابرهم (فاضل، 2011، ص105)، وكان آخر ما حدث من الطواعين في العصر الأموي هو طاعون مسلم بن قتيبة في عام 131هـ، الذي سمي باسم أول من مات به، وقد وقع هذا الطاعون في البصرة واستمر لثلاثة أشهر، واشتد في رمضان حيث كان يُحصى في بعض الأيام ألف جنازة أو يزيد (فاضل، 2011، 106).

وتحدث ابن كثير أنه عندما اجتاح المغول بغداد ودمروها في عام 656هـ/ 1258م: «تعطلت المساجد والجماعات والجمعات مدة شهور ببغداد.. ولما انقضى الأمر المقدر وانقضت الأربعون يوماً بقيت بغداد خاوية على عروشها ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس، والقتلى في الطرقات كأنها التلول، وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم وأنتنت من جيفهم البلد، وتغير الهواء فحصل بسببه الوباء الشديد حتى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام، فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون، فإنا لله وإنا إليه راجعون» (ابن كثير، ج13، 203).

وفي العصر المملوكي، تعرضت بلاد الشام لطاعون اجتاح معظم مناطقها في عام 748هـ، وقد أطلق عليه اسم «الطاعون الأعظم» لسعة انتشاره وشدة فتكه، وأفنى هذا الطاعون سكان مدن حلب ودمشق والقدس والسواحل، كما انتشر في حلب داء اسمه «الفناء العظيم» في عام 795هـ، وقد حصد بحصيلته النهائية 150 ألف شخص من حلب وقراها (الطراونة، 2010، 47-48).

أما المغرب العربي، فمر بتاريخه في كثير من الأوبئة والمجاعات والجفاف في عصر المرابطين والموحدين والمرنيين وحتى الفترة الحديث، ولعل من أهمها طاعون عام 571هـ، الذي انتشر في بلاد المغرب والأندلس، ويعتبر أهم طاعون عرفه عصر الموحدين، فقد كان له نتائج كارثية ولم يسلم منه أحد حتى إن أربعة أمراء من إخوة الخليفة يوسف بن يعقوب ماتوا فيه، بينما كان يموت بسببه ما بين 100 و190 من عامة الناس في اليوم الواحد (بنمليح، 2002، 124)، وقد حدث في المغرب طاعون عام 1798م، انتقل بالعدوى من التجار الذين حملوه معهم من الإسكندرية إلى تونس فالجزائر فالمغرب، وقد تفشى الطاعون في فاس ومكناس ووصل إلى الرباط، فكان يخلف 130 ضحية في اليوم (البزاز، 1992، ص92).

كما أورد ابن عذاري المراكشي في سياق التأريخ لحوادث الأوبئة في الأندلس في أواخر القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي أنه «عام 498هـ/ 1105م تناهى القحط في بلاد الأندلس والعدوة حتى أيقن الناس بالهلاك»، ولا شك أن ما أعقب كارثة القحط من مضاعفات سكانية واقتصادية بالمغرب والأندلس، كان بمثابة الشرارة المهددة لسلسلة من الكوارث الطبيعية المتلاحقة، وكلما حدث اضطراب مناخي كان يدل في ذهنية إنسان تلك المرحلة على ظروف معيشية ونفسية وصحية أصعب، وفي نفس تلك الفترة أصيب المغرب والأندلس بسلسلة من القحوط والمجاعات في الربع الأول من القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي؛ حيث اجتاح جفاف شديد مدينتي فاس وغرناطة عام 524هـ/ 1130م، وفي عام 526هـ/ 1132م اشتدت المجاعة والوباء بالناس في قرطبة، وكثر الموتى وبلغ مد القمح خمسة عشر ديناراً، واستمرت موجات الكوارث الطبيعية في العدوتين (الأندلس والمغرب) وخاصة في فترات المواجهة العسكرية وذلك في تناوب مستمر (البياض، 2008، 19 -22).

وعلى العموم، فتاريخ المسلمين في مختلف مراحله، وجغرافيا العالم الإسلامي في شتى بقاعها، شهدت مثل هذه النكبات والأوبئة الكثير، وقد ذكرنا بعضها، ولكن ما آثارها عليهم؟ وكيف تعامل المسلمون مع مثل هذه الأوبئة؟ وما الإجراءات التي اتخذوها في ضوء العقيدة الإسلامية؟

ثالثاً: التأثيرات الاجتماعية والسياسية والروحية لانتشار الأوبئة في التاريخ الإسلامي: 2020-04-06_23h49_04.jpg

للطواعين والأوبئة أخطار كبيرة تصيب الأمم والشعوب فتهلكها، وتهدد أمن الدول وتؤذن بزوالها وإدبارها، فهي من بلاء الله الذي يصيب به من يشاء، وسيف من سيوفه المسلط على عباده يضربهم به بقصد الرحمة أو النقمة.

فيمكن أن يشكل الوباء خطراً على أمن الدولة والأمة، فلقد كان طاعون عمواس عظيم الخطر على المسلمين وأفنى منهم أكثر من عشرين ألفاً ومن بينهم خيرة أمرائهم، وهو عددٌ يوازي نصفهم بالشَّام وربما تخوَّف من ذلك المسلمون يومئذٍ، واستشعروا الخطر من قبل الرُّوم، وفي الحقيقة لو تنبَّه الرُّوم لهذا النَّقص الَّذي أصاب جيش المسلمين بالشَّام يومئذٍ، وهاجموا البلاد؛ لصعب على الجيوش المرابطة دفعهم، ولكن ربما كان اليأس تمكَّن من نفوس الرُّوم، فأقعدهم عن مهاجمة المسلمين (الصلابي، 2005، 232).

فمن الناحية الاجتماعية، أدت الأوبئة في العهد المملوكي مثلاً إلى اختلال التركيبة السكانية، وهو ما أدى بدوره إلى تباين كبير في الكثافة السكانية بين المدن والقرى، إذ إن كثيراً من القرى اختفت تماماً بفعل الوباء، فنتج عن ذلك تغير ديمغرافي، حيث قل عدد الفلاحين، وقلت المنتوجات والمحاصيل الزراعية والحيوانية، ونتج عن ذلك كله غلاء شديد في الأسعار زاد الأوضاع الاقتصادية سوءاً، ولجأ بعض ضعاف النفوس من التجار وأرباب الصنائع إلى استغلال الأزمة باحتكار السلع الأساسية لزيادة ثروتهم، بينما مال بعض المحتاجين والمعدمين إلى السرقة والاحتيال، وهو ما أدى بالضرورة إلى انهيار أخلاقي في المجتمع، وأدى الوباء إلى هلاك الكثير من الأتقياء ورجال الدين والعلماء الصالحين، فشكل ذلك فراغاً في المرجعية الدينية، حتى إن الناس بدؤوا يلجؤون في تلك الفترة إلى المشعوذين والمنجمين حتى يسدوا الفراغ الروحي لديهم (الطراونة، 2010، 46-54). 

رابعاً: كيف تعامل المسلمون مع الأوبئة في تاريخهم؟

في موجة طاعون عمواس، ذُكر أن المسلمين تحركوا في إطار قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون: «إِذا سمعتم به بأرضٍ؛ فلا تقدموا عليه، وإِذا وقع بأرضٍ، وأنتم بها؛ فلا تخرجوا فراراً منه»، وهذا الحديث النبوي فيه إشارة واضحة إلى ما يطبق اليوم علمياً وعملياً من الحجر الصحي بهدف مواجهة الأوبئة المنتشرة، فرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكتفِ بأن يأمرهم بعدم القدوم إلى الأرض الموبوءة، بل أتبعها بأن أمر من كان في أرض أصابها الطاعون ألا يخرج منها، وذلك لمنع انتشار العدوى فينتقل الوباء إلى مناطق أخرى، وبذلك فإن هذا الحديث لفتة إعجازية تضاف إلى سجل الطب النبوي، وقد رجع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بناء على هذا الحديث إلى المدينة ولم يدخل الشام بعد أن كان قد قصدها، ولم يكن ذلك هرباً من الموت المقدر، وقد أجاب عمر أبا عبيدة بن الجراح عندما سأله عن سبب رجوعه إلى المدينة، قائلاً: أفراراً من قدر الله؟ فأجاب عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «لو غيرك يقول هذا، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله».

وعليه، فقد أباح بعض العلماء الخروج على ألا يكون الخروج فراراً من قدر الله، والاعتقاد بأنَّ فراره هو الَّذي سلَّمه من الموت، أمَّا مَنْ خرج لحاجةٍ متمحِّضَةٍ، فهو جائزٌ، ومن خرج للتَّداوي فهو جائزٌ، فإِنَّ تَرْكَ الأرض الوبئة، والرَّحيل إِلى الأرض النَّزهة مندوبٌ إِليه، ومطلوبٌ، وقد طلب الفاروق بعد ذلك من أبي عبيدة أن يرتحل بالمسلمين من الأرض الغمقة الَّتي تكثر فيها المياه، والمستنقعات إِلى أرضٍ نزهةٍ عالية، ففعل أبو عبيدة، وفي ذلك درس في الأخذ بأسباب الوقاية من المرض والوباء والابتعاد عن مصادره وأماكن استفحاله (الصلابي، 2005 ص233).

فقد بقي أبو عبيدة بن الجراح وغيره من الصحابة في الشام ولم يخرجوا منها بعد أن أصابها الوباء، وقد أصاب بعض العلماء عندما ذكروا في حكمة النَّهي عن الخروج فراراً من الطاعون: أنَّ النَّاس لو تواردوا على الخروج، لصار مَنْ عجز عنه بالمرض المذكور أو غيره ضائع المصلحة، لفقد من يتعهَّده حيّاً وميتاً، ولو أنَّه شُرع الخروج، فخرج الأقوياء؛ لكان في ذلك كسر قلوب الضُّعفاء، وقد قالوا: إِنَّ حكمة الوعيد من الفرار من الزَّحف؛ لما فيه من كسر قلب مَنْ لم يفرَّ، وإدخال الرُّعب فيه بخذلانه.

وفي رواية أن الوباء لم يرتفع إلا بعد أن ولي عمرو بن العاص رضي الله عنه الشام، فخطب النَّاس، وقال لهم: أيُّها الناس، إِنَّ هذا الوجع إذا وقع إنما يشتعل اشتعال النَّار، فتجنَّبوا منه في الجبال، فخرج، وخرج النّاس، فتفرقوا حتّى رفعه الله عنهم، فبلغ عمر ما فعله عمرو، فما كرهه، وهنا نجد أنه نصح القوم المصابين بأن يتفرقوا عن بعضهم ولا يتجمعوا، حتى يقلل من نسبة انتقال العدوى، وحتى لا يهلكهم المرض كجماعات، بل يهلك من كان مصاباً به من الأفراد فيبقى الآخرون في معزل عن الإصابة به (الصلابي، 2005، ص231-232).

وقد طوَّر المسلمون طرق مواجهتهم للطاعون والأوبئة فيما بعد، ففي العهد المملوكي ولمواجهة الأوبئة المنتشرة، والكثيرة التي أصابت أهالي الشام ومصر، عمد بعض السلاطين والميسورين من الناس بقصد الثواب والتقرب إلى الله، إلى بناء البيمارستانات في مدن الشام جميعها، لمداواة ورعاية المطعونين والمصابين بالأوبئة كالحمى وغيرها؛ ولأن الناس كانت تموت بأعداد كبيرة في فترة الوباء، فإن الجثث كانت تترك ثلاثة أيام أحياناً على الأرض ولا يوجد من يواريها خوفاً من العدوى، ولذلك عمد بعض الحكام والأثرياء استجابة لتعاليم الدين الإسلامي التي تحض على دفن الميت بأسرع وقت ممكن حفاظاً على حرمته وكرامته، إلى إنشاء ما سمي بحوانيت أو مغاسل الموتى، التي تهتم بتغسيل وتكفين الفقراء من موتى المسلمين ثم يتم دفنهم وفق الشريعة الإسلامية (الطراونة، 2010، ص55).2020-04-06_23h49_31.jpg

ولم ينسَ الناس أهمية التقرب من الله والدعاء إليه والرجاء منه في تلك الأوقات العصيبة، فأخذ أهل الصلاح والعباد من الناس يتوبون إلى الله ويستغفرون ويزيدون من العبادات، ومن أجل التقرب إليه فقد شرع بعضهم في إغلاق حوانيت الخمر، وابتعد الناس عن ارتكاب الفواحش والمنكرات (الطراونة، 2010، ص57).

وللمسلمين تجارب في تطبيق الحجر الصحي، فقبيل انتشار طاعون عام 1798م في المغرب، استطاع المغاربة تطبيق حجر صحي واتخاذ إجراءات للوقاية من الوباء الذي قدم من الشرق، فهم وإن لم يستطيعوا أن يتفادوه فإنهم استطاعوا تأخير قدومه عدة سنوات، فهذا الطاعون أول ما بدأ في الإسكندرية في عام 1783م، والذي ساهم في تأخير قدوم الوباء مجموعة التدابير التي اتخذها سيدي محمد بن عبدالله لوقاية مملكته من الوباء المتفشي في الجزائر، وذلك بأن أقام نطاقاً عسكرياً على الحدود الشرقية للمغرب، وبدأت الهيئة القنصلية المقيمة في طنجة في عام 1792م باتخاذ إجراءات صحية وقائية على الواجهة البحرية، بعد أن استطاعت انتزاع موافقة مولاي سليمان على فرض حجر صحي ضد الجزائر التي كان الوباء فيها قد تفشى آنذاك (البزاز، 1992، ص87).

خامساً: كيف نتعامل مع وباء كورونا وفق الرؤية القرآنية وسُنة الأخذ بالأسباب؟

إذاً فاستناداً إلى قوله تعالى: (وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، ومع الرضا والتسليم بقضاء الله وقدره خيره وشره، وباستقراء تجارب المسلمين وسيرتهم مع البلاء، فإننا نخلص إلى عدة نتائج:

- وجوب الأخذ بأسباب الوقاية والعلاج، مع القناعة والاعتقاد بأننا نفر من أقدار الله إلى أقدار الله.

- الاعتقاد بأن لنا في هذا المرض والبلاء أجراً إن نحن صبرنا، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطاعون شهادة لكل مسلم»، وإننا نحسب أن من مات بوباء «كورونا» مثل من مات بالطاعون إذا كان المبتلى ذا نية على الشهادة وصبر على البلاء وشكر الله على كل حال.

- وجوب تجنب أماكن العدوى والالتزام بقواعد الحجر الصحي التي تحددها الحكومات والقوانين، فبالنسبة لمكان الوباء فإنَّ في البقاء فيه رخصةٌ، والخروج منه رخصةٌ، فمن كان في الوباء، وأصيب، فلا فائدة من خروجه، وهو بخروجه ينقل المرض إلى النَّاس الأصحَّاء، ومن لم يُصَبْ فإِنَّه يرخَّص له في الخروج من باب التَّداوي على ألا يخرج النَّاس جميعاً، فلا بدَّ أن يبقى من يعتني بالمرضى.

- أخيراً: تجدر الإشارة إل أهمية التقيد بإرشادات وتوجيه الجهات الرسمية والهيئات الطبية لأنها الأكثر معرفة ودراية بتفاصيل المرض وآثاره وذلك في كل بلد، والتكافل مهم بين بني الإنسان للتغلب على هذا الوباء الخطير.

_________________________________

المراجع

1- أبو الفداء الحافظ ابن كثير، البداية والنهاية، الطبعة السابعة، 1408هـ/ 1988م، مكتبة المعارف، بيروت، ج13.

2- عبدالهادي البياض، الكوارث الطبيعية وأثرها في سلوك وذهنيات الإنسان في المغرب والأندلس (12 – 14م)، الطبعة الأولى، دار الطليعة، بيروت، 2008.

3- علي محمد الصلابي، سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب شخصيته وعصره، (2005)، مؤسسة اقرأ، القاهرة.

4- مبارك محمد الطراونة، الأوبئة وآثارها الاجتماعية في بلاد الشام في عصر المماليك الشراكسة، 2010، المجلة الأردنية للتاريخ والآثار.

5- محمد الأمين البزاز، تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، 1992، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، جامعة محمد الخامس.

6- موقع قناة الجزيرة، الوباء، شبكة الجزيرة، الدوحة، آخر مشاهدة: 18مارس2020، انظر: https://bit.ly/3d9gmkx

7- نصير بهجت فاضل، الطواعين في صدر الإسلام والخلافة الأموية، 2011، مجلة جامعة كركوك للدراسات الإنسانية.

8- عبدالإله بنمليح، عرض كتاب "جوائع وأوبئة المغرب في عهد الموحدين"، 2002، الجمعية المغربية للبحث التاريخي.

 

مع اتساع الفتوحات في عهد الفاروق رضي الله عنه برزت الحاجة إلى إقامة عدة معسكرات وقلاع وحصون جديدة لتكون مراكز انطلاق للجيوش الفاتحة، ولم يغفل الخليفة الفاروق عن ذلك فكان له إنجازاته في المجال العمراني إضافة إلى إصلاحاته الإدارية والفتوحات العسكرية التي جرت في زمنه، وذلك أنه شرع في بناء عدة مدن ومساجد وقلاع وجسور في أغلب الأقطار الإسلامية المفتوحة، وسنستعرض هنا أهم الإنجازات العمرانية في عهده:

 

  1. إعمار المساجد:

قام عمر رضي الله عنه ـ بتوسعة مسجد الرَّسول (ص)، وأدخل فيه دار العبَّاس ابن عبد المطلب، وامتدت التَّوسعة عشرة أذرع من جهة القبلة وعشرين ذراعاً من النَّاحية الغربية، وسبعين ذراعاً من الناحية الشَّمالية، وأعاد بناءه باللِّبِن والجريد، وجعل عُمُده من الخشب، وسقفه من الجريد، وكساه ليحمي النَّاس من المطر، ونهى عن زخرفته بحمرةٍ، أو صفرةٍ؛ لئلا يفتتن النَّاس في صلاتهم، وكان المسجد تراباً ففرشه بالحصى ليكون أنظف للمصلِّي، وألين على الماشي.

وأجرى عمر رضي الله عنه تعديلاتٍ يسيرةً في المسجد الحرام بمكَّة، فنقل مقام إِبراهيم، وكان ملصقاً بالكعبة إِلى مكانه اليوم بعيداً عنها للتَّيسير على الطَّائفين والمصلِّين، وعمل عليه المقصورة واشترى دوراً حول الحرم، وهدمها، وزادها فيه.

كما عُمِّرت المساجد في الأمصار الجديدة في خلافة عمر ـ رضي الله عنه ـ فاختطَّ سعد بن أبي وقاص المسجد الجامع بالكوفة.واختطَّ عتبة بن غزوان المسجد الجامع بالبصرة.

واختط عمرو بن العاص المسجد الجامع في الفسطاط، فكانت هذه المساجد الكبيرة محلَّ صلاة المسلمين، وتعارفهم، وتدارسهم العلم، وقضائهم وتلقِّيهم أوامر الخليفة، والولاة. 

2ـ الاهتمام بالطُّرق، ووسائل النَّقل البرِّي، والبحري:

رصد الخليفة الفاروق حصَّةً من بيت مال المسلمين لدعم التَّواصل بين أجزاء الدَّولة الإِسلاميَّة، وخصَّص عمر عدداً ضخماً من الجمال، بوصفها وسيلة المواصلات المتاحة آنذاك؛ لتيسير انتقال مَنْ لا ظهر له بين الجزيرة، والشَّام، والعراق، كما اتَّخذ ما يسمَّى (دار الدَّقيق) وهي مكانٌ يجعل فيه السَّويق، والتَّمر، والزَّبيب، ومتطلَّبات المعيشة الأخرى، يعين به المنقطع من أبناء السَّبيل، والضيف الغريب، ووضع في الطريق بين مكَّة والمدينة، ما يصلح به حاجة المسافر، وما يحمل عليه من ماءٍ إلى ماءٍ، فالفاروق رضي الله عنه ـ يترسَّم الهدي القرآني المرشد إِلى أنَّ العمران يستلزم التَّواصل، ممَّا يوفِّر الأمن، ولا يجعل المسافر بحاجةٍ إِلى حمل ماءٍ، ولا زاد.

وقد انصرفت همَّة الفاروق منذ السَّنة السَّادسة عشرة للهجرة إِلى تمصير الأمصار في العراق، وشقِّ الأنهار، وإِصلاح الجسور، وقد جاء في عهد عياض بن غنم لأهل الرَّها ما يأتي: باسم الله، هذا كتابٌ من عياض بن غنم لأسقف الرَّها: إِنَّكم قد فتحتم لي باب المدينة على أن تؤدُّوا إِليَّ عن كلِّ رجلٍ ديناراً ومدي قمح، فأنتم امنون على أنفسكم، وأموالكم، ومن يتَّبعكم، وعليكم إِرشاد الضَّالِّ، وإِصلاح الجسور، والطُّرق، ونصيحة المسلمين. شهد الله، وكفى بالله شهيدًا. وعندما علم عمر بن الخطَّاب ـ رضي الله عنه: أنَّ خليجاً كان يجري بين النِّيل من قرب حصن بابليون إِلى البحر الأحمر، فكان يربط الحجاز بمصر، وييسر تبادل التِّجارة، ولكن الرُّوم أهملوه، فرُدم، فأمر الفاروق عامله على مصر عمرو بن العاص بشقِّ هذا الخليج مرَّة أخرى، فشقَّه، فيسَّر الطريق بين بلاد الحجاز وبين الفسطاط عاصمة مصر، وأصبح شريان تجارةٍ يتدفَّق منه الرَّخاء ما بين البحرين مرَّةً أخرى وقامت على هذا الخليج داخل الفسطاط منتزهاتٌ، وخمائل، ومساكن، وسمَّاه عمرو: خليج أمير المؤمنين.

وحفر بالعراق قناةً مائية مسافة ثلاثة فراسخ من الخور إِلى البصرة لإِيصال مياه دجلة إِلى البصرة. وهذه المشاريع في حفر الأنهار، والخلجان، وإِصلاح الطُّرق، وبناء الجسور، والسُّدود، أخذت أموالاً ضخمةً من ميزانية الدَّولة في عهد عمر.

 

  1. إِنشاء الثُّغور، والأمصار كقواعد عسكرية، ومراكز إِشعاعٍ حضاريٍّ:

مع توسع حركات الفتوحات اهتمَّت الدَّولة الإِسلاميَّة في عهد الفاروق ببناء المدن على الثُّغور، وتسهيل سبل المواصلات، وإِصلاح الأراضي، وكذلك تشجيع الهجرة إِلى مراكز التَّجمُّع الجهاديَّة، والتَّحوُّل إِلى البلدان المفتوحة لنشر الإِسلام، وإِمداد المجاهدين بالرِّجال، والعتاد. وأهم الأمصار الَّتي أنشئت هي: البصرة، والكوفة، والموصل، والفسطاط، والجيزة، وسرت، وقد خطِّطت، ووزِّعت بين الجيوش بحسب قبائلهم وألويتهم، وأنشئت فيها المرافق العامَّة، كالمساجد، والأسواق، وأنشأ لكلِّ مدينةٍ حمى لرعي خيل، وإِبل المجاهدين، وشجَّع النَّاس على استقدام أهليهم، وذراريهم من مدن الحجاز وأطراف الجزيرة العربيَّة للإِقامة في هذه المدن؛ لتكون قواعد عسكرية تنطلق منها تعبئة الجيوش، وإِمدادها للتوغُّل في أرض العدو، ونشر دعوة الإِسلام فيها، وقد أمر عمر رضي الله عنه ـ قادة الجيوش عند تخطيط هذه المدن أن يكون الطَّريق بينها وبين عاصمة الخلافة سهلاً، وأن لا يحول دونها بحارٌ، أو أنهار؛ لأنَّ عمر ـ رضي الله عنه ـ كان يخشى من جهل العرب حينئذٍ بركوب البحر، ولكن عندما أدرك قدرة الجيش الإِسلامي في مصر على استغلال الطُّرق المائيَّة النَّهرية، سمح لعمرو ابن العاص بشقِّ قناة نهريَّة تصل بين نهر النِّيل، والبحر الأحمر؛ حتَّى تنقل الإِمدادات من الطَّعام إِلى الحجاز كما مر معنا.

ومن أهم الأمصار التي مُصِّرت في عهد عمر رضي الله عنه:

ـ مدينة البصرة:

معنى البصرة في اللغة: الأرض الغليظة ذات الحجارة الصُّلبة. وقيل: الأرض ذات الحصى. وقيل: الحجارة الرِّخوة البيضاء. والبصرة مدينة عند ملتقى دجلة، والفرات، ويعرف ملتقاهما بشطِّ العرب، وقد روعي في تمصيرها فكرة عمر بن الخطَّاب في إِنشاء المدن في مراعاة الطَّبيعة العربيَّة، فموقعها قريبٌ من الماء، والمرعى في طرق البرِّ إِلى الرِّيف.

واستشار عتبة بن غزوان عمر بن الخطَّاب في تمصير البصرة، فأمره أن ينزل موقعاً قريباً من الماء، والمرعى، فوقع اختياره على مكان البصرة، وكتب إِليه: إِنِّي وجدت أرضاً في طرف البرِّ إِلى الريف، ومن دونها مناقع ماء، فيها قصباء، فكتب له: أن انزل فيها. فنزلها، وبنى مسجدها من قصبٍ، وبنى دار إِمارتها دون المسجد، وبنى النَّاس سبع دساكر من قصبٍ أيضاً؛ لكثرته هناك، فكانوا إِذا غزوا؛ نزعوا ذلك القصب، ثمَّ حزموه، ووضعوه حتَّى يعودوا من الغزو، فيعيدوا بناءها كما كان، وأصاب القصب حريقٌ، فاستأذنوا عمر بن الخطَّاب أن يبنوا باللَّبِنِ، فأذن لهم في إِمارة أبي موسى الأشعري بعد وفاة عتبة عام 17 هـ. فبنى أبو موسى المسجد، ودار الإِمارة باللَّبِنِ، والطين، وسقفها بالعشب، ثمَّ بنوها بالحجارة، والأجر، وقد جعلوها خططاً لقبائل أهلها، وجعلوا عرض شارعها الأعظم ـ وهو مربدها ـ ستين ذراعاً، وعرض ما سواه من الشَّوارع عشرين ذراعاً، وعرض كلِّ زقاقٍ سبعة أذرع، وجعلوا وسط كلِّ خطَّةٍ رحبةً فسيحة لمرابط خيولهم، وقبور موتاهم، وتلاصقوا في المنازل.

ـ مدينة الكوفة:

تُجمع أراء المؤرِّخين على أنَّ سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه ـ يعدُّ هو المؤسس الأول للمدينة، وأنَّه قد اختار موضعها، وأمر بتخطيطها بعد فترةٍ من الانتصارات الَّتي حقَّقها المسلمون في حربهم ضدَّ الفرس في جبهة المدائن، وكما هي الحال تماماً في مسألة اختيار وتمصير مدينة البصرة، فإِنَّ العوامل العسكريَّة لعبت دوراً أساسياً، ومركزيّاً في دفع سعد إِلى التَّفكير في اتِّخاذ موضع، أو مخيَّمٍ للمجاهدين، وقام بتنفيذ ذلك بعد توجيه الفاروق له رضي الله عنهم ـ وقد خضع اختيار سعد للكوفة وفق المعايير الَّتي وضعها الفاروق.

وقد لاحظ الفاروق في وفود القادسيَّة، والمدائن تغيُّراً في وجوههم، فعلم: أنَّ ذلك من وخومة البلاد، فكتب إِلى سعد بن أبي وقَّاص يأمره أن يتَّخذ لهم مكاناً يوافقهم كما يوافق إِبلهم، وأرسل سلمان الفارسي، وحذيفة بن اليمان رائدين، فارتادا حتَّى أتيا موضع الكوفة، وموقعهما بين الحيرة، والفرات، وقد سميت بذلك لأنَّها من رملٍ، وحصباء، كلُّ رملٍ، وحصباء فهو كوفة، فتحوَّل سعد من المدائن إِليها في محرم عام 17 هـ، وكان عمر يريد أن يقيم المسلمون في خيامهم؛ لأن ذلك أجدُّ في حربهم، وأذكى لهم، وأهيب في عين عدوِّهم، وأدعى إِلى إِحجامه عن أمر يهمُّ به، ولمَّا استأذنه أهل الكوفة، والبصرة في بنيان القصب لم يحبَّ أن يخالفهم، فأذن لهم، فابتنى أهلها بالقصب، ثمَّ إِنَّ الحريق الَّذي وقع بالكوفة، والبصرة أتى عليها، فاستأذنوا عمر في البناء باللَّبن، فقال: افعلوا، ولا يزيدنَّ أحدكم على ثلاث أبياتٍ (حجرات) ولا تطاولوا في البنيان.

ـ مدينة الفسطاط:

إِذا كان سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه ـ يعدُّ المؤسِّس الأول لمدينة الكوفة، فإِنَّ عمرو بن العاص يعدُّ المؤسِّس لمدينة الفسطاط، فبعد انتهائه من عملية فتح الإِسكندرية أراد الاستقرار فيها، فكتب إِليه عمر بن الخطاب: ألا تجعلوا بيني وبينكم ماءً حتى أقدم إِليكم، فتحوَّل من الإِسكندرية إِلى الفسطاط، وأوَّل عملٍ عمله فيها هو بناء مسجده الَّذي عرف باسمه فضلاً عن مسجده في الإِسكندرية، ثم بنى داراً لعمر بن الخطَّاب، وربما قصد بها داراً للخلافة، فكتب إِليه عمر بن الخطَّاب، وأمره أن يجعلها سوقاً للمسلمين، وبنى عمرو بن العاص لنفسه دارين قريبتين من المسجد كما يخبرنا عنهما ابن عبد الحكم: فاختطَّ عمرو بن العاص داره الَّتي هي اليوم عند باب المسجد بينهما الطَّريق، وداره الأخرى اللاصقة إِلى جنبها. وربما بناها واحدةً له، والأخرى داراً للإِمارة بعد أن أمر عمر بن الخطاب بهدم داره السَّالفة الذِّكر، وكلَّف عمرو بن العاص جماعةً من كبار الصَّحابة من مرافقيه ليفصلوا بين القبائل، فجعلوا لكلِّ قبيلةٍ جهةً لمنازلهم، عرفت بالخطط، وهي أشبه ما تُعرف بالأحياء في وقتنا الحاضر، ولكنَّها لم تكن بهذا الاتِّساع حيث جعل بين القبيلة والأخرى شوارع، وربما لم تكن بمفهوم الشَّوارع اليوم وإِنَّما ممرَّات بين كلِّ حارةٍ، وأخرى.

ـ مدينة سرت بليبيا:

بعد أن أصبحت برقة قاعدةً للإِسلام غربي مصر، انطلق منها عمرو بن العاص، وجنده إِلى طرابلس، فبدأ بمدينة سرت بين برقة، وطرابلس، فاستولى عليها، واتَّخذها المسلمون قاعدةً للانطلاق إِلى الغرب منذ عام 22 هـ، وبقيت قاعدةً لقوَّات المسلمين، ومركزاً لِعُقبة بن نافع؛ الذي صَرَفَ همَّه لنشر الإسلام في الواحات القريبة من فزَّان، وودَّان، وزويلة، والسُّودان.

 

ـ الحاميات المقامة في المدن المفتوحة:

أطلق عمر رضي الله عنه اسم الأجناد على الحاميات المقامة في المدن المفتوحة في جميع الجهات من البلاد المفتوحة، وخاصَّةً بلاد الشام، فكان فيها ثكنات لإِقامة الجند، وفي كلِّ معسكرٍ حظيرة للخيل فيها ما لا يقلُّ عن أربعة ألاف حصان بكامل معدَّاتها، وتجهيزاتها كلُّها على أهبة الاستعداد، حتى إِذا دعت الحاجة أمكن القيادة أن تدفع إِلى ميادين القتال في وقتٍ قصيرٍ أكثر من 36 ألفاً من الفرسان دفعةً واحدةً في بلاد الشَّام وحدها. وقد خصِّصت مراعٍ واسعةٌ لتلك الخيول في كلِّ الأجناد، وكان كل حصانٍ يوسم على فخذه ميسم: جيش في سبيل الله، تنفيذاً لقوله تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ } [الأنفال: 60].

وهكذا فقد كان عصر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب زمن بركة وخير على الإسلام والمسلمين، وقد شهدت فيه الدولة الإسلامية نمواً وتطوراً على كافة الصعد، وخصوصاً على صعيد العمران، فقد بقيت كثير من المدن والمساجد التي بنيت في عهد الفاروق والتي أصبحت فيما بعد مراكزاً لنشأة وتطور التاريخ العظيم للأمة الإسلامية وقد بقي الكثير منها حتى يومنا هذا كشاهد على النهضة المدنية والعمرانية التي أنجزها هذا الخليفة الراشد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والمراجع:

* علي محمد محمد الصلابي: سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب شخصيته وعصره، (2005)، مؤسسة اقرأ، القاهرة، صفحة (221:209).

* عبدالرحمن الشرقاوي: الفاروق عمر، (1988)، دار الكتاب العربي, صفحة (254-255).

* غازي بن سالم: اقتصاديات الحرب في الإسلام، (1991)، مكتبة الرشد، الرياض، صفحة (247:245).

* محمد أبو النصر: عمر بن الخطاب، دار الجيل، بيروت، (265:263).

* أكرم ضياء العمري: عصر الخلافة الراشدة، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، صفحة (230:227).

* أبو القاسم عبدالرحمن بن عبدالله بن عبد الحكم: فتوح مصر، (1920)، مكتبة المثنى، بغداد، صفحة (96-97).

الصفحة 1 من 11
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top