د. علي الصلابي

د. علي الصلابي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

يُعتبر حدث هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة حدثا حاسما ومفصلياً ليس في التاريخ الإسلامي فحسب، وإنما في التاريخ الإنساني أجمع، فقد كان لهجرة النبي الأعظم تداعيات كبرى على الدعوة المحمدية التي جاءت تحمل في طياتها قيماً روحانية سامية، جعلت الحضارة الإسلامية تتبوأ مكانة رفيعة بين الحضارات.

إنَّ الهجرة إلى المدينة سبقها تمهيدٌ، وإعدادٌ، وتخطيط من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وكان ذلك بتقدير الله تعالى، وتدبيره، وكان هذا الإعداد في اتِّجاهين: إعداد في شخصية المهاجرين، وإعداد في المكان المهاجَرِ إليه.

أولاً: التَّمهيد، والإعداد لها:

1 - إعداد المهاجرين:

لم تكن الهجرة نزهةً، أو رحلةً يروِّح فيها الإنسان عن نفسه؛ ولكنَّها مغادرةُ الأرض، والأهل، ووشائج القربى، وصلات الصَّداقة والمودَّة، وأسباب الرِّزق، والتَّخلِّي عن كلِّ ذلك من أجل العقيدة، ولهذا احتاجت إلى جهدٍ كبيرٍ، حتَّى وصل المهاجرون إلى قناعةٍ كاملةٍ بهذه الهجرة، ومن تلك الوسائل:

- التَّربية الإيمانيَّة العميقة الَّتي تحدَّثنا عنها في الصَّفحات الماضية.

- الاضطهاد الَّذي أصاب المؤمنين، حتَّى وصلوا إلى قناعةٍ كاملةٍ بعدم إمكانية المعايشة مع الكفر.

- تناول القرآن المكِّيِّ التَّنويه بالهجرة، ولفت النَّظر إلى أنَّ أرض الله واسعةٌ. قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمنوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10] .

ثمَّ تلا ذلك نزولُ سورة الكهف، والَّتي تحدَّثت عن الفتية الذين آمنوا بربهم، وعن هجرتهم من بلدهم إلى الكهف، وهكذا استقرَّت صورةٌ من صور الإيمان في نفوس الصَّحابة، وهي ترك الأهل، والوطن من أجل العقيدة.

ثم تلا ذلك آيات صريحةٌ تتحدَّث عن الهجرة في سورة النَّحل، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخرةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [النحل: 41 - 42] .

وفي أواخر السُّورة يؤكِّد المعنى مرَّةً أخرى بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النحل: 110]. وكانت الهجرة إلى الحبشة تدريباً عمليّاً على ترك الأهل، والوطن.

2 - الإعداد في يثرب:

نلاحظ: أنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم، لم يسارع بالانتقال إلى الأنصار من الأيام الأولى؛ وإنَّما أخَّر ذلك لأكثر من عامين؛ حتَّى تأكَّد من وجود القاعدة الواسعة نسبيّاً، كما كان في الوقت نفسه يتمُّ إعدادها في أجواء القرآن الكريم، وخاصَّةً بعد انتقال مصعب رضي الله عنه إلى المدينة.

وقد تأكَّد: أنَّ الاستعداد لدى الأنصار قد بلغ كماله، وذلك بطلبهم هجرة الرَّسول الكريم صلى الله عليه وسلم إليهم، كما كانت المناقشات الَّتي جرت في بيعة العقبة الثَّانية، تؤكِّد الحرص الشَّديد من الأنصار على تأكيد البيعة، والاستيثاق للنَّبي صلى الله عليه وسلم بأقوى المواثيق على أنفسهم، وكان في رغبتهم أن يميلوا على أهل مِنًى ممَّن آذى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأسيافهم؛ لو أذن الرَّسول الكريم بذلك، ولكنَّه قال لهم: «لم نؤمر بذلك».

وهكذا تمَّ الإعداد لأهل يثرب؛ ليكونوا قادرين على استقبال المهاجرين، وما يترتَّب على ذلك من تَبِعَات.

ثانياً: تأمُّلاتٍ في بعض آيات سورة العنكبوت:

تعتبر سورة العنكبوت من أواخر ما نزل في المرحلة المكِّيَّة، وتحدَّثت السُّورة عن سنَّة الله في الدَّعوات، وهي سنُّة الابتلاء، قال تعالى: ﴿الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ * أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [العنكبوت: 1 - 4]

وفي سورة العنكبوت ثلاثةُ أمورٍ تلفت النَّظر، وهي:

1 - ذِكْرُ كلمة المنافقين، ومن المعلوم: أنَّ النِّفاق لا يكون إلا عندما تكون الغلبة للمسلمين؛ حيث يخشى بعضُ النَّاس على مصالحهم، فيظهرون الإسلام، ويبطنون الكفر، ومن المعلوم: أنَّ المجتمع في مكَّةَ كان جاهليّاً، وكانت القوَّة والغلبة لأهل الشِّرك، فما مناسبة مجيء المنافقين في هذه السُّورة، في قوله تعالى: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمنوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ ﴾ [العنكبوت: 11]، وهي سورةٌ مكِّيَّةٌ كما قلنا: فهل كانت الآمال قد قويت عند الفئة المؤمنة بحيث تراءى لهم الفرج، والنَّصر قاب قوسين أو أدنى؟ أم أنَّ هذه الآية مدنيَّةٌ وضعت في سورةٍ مكِّيَّةٍ؛ لأنَّ النِّفاق لم يحِنْ وقتُه بعدُ، كما ذهب إلى ذلك بعض المفسِّرين؟.

2 - ورد الأمر بمجادلة أهل الكتاب بالَّتي هي أحسن، وكأنَّه تهيئةٌ للنُّفوس للمرحلة القادمة؛ الَّتي سيكون بين المسلمين وبين أهل الكتاب فيها احتكاكٌ، فلا يكونون البادئين بالشدَّة، فيأتي التَّنبيه على هذا الأمر في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلاَءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتنَا إِلاَّ الْكَافِرُونَ ﴾ [العنكبوت: 46 - 47] .

3 - تهيئة النُّفوس للهجرة في أرض الله الواسعة، وربما كانت المدينة قد بدأت تستقبل المهاجرين من المؤمنين بعد بيعة العقبة الأولى، ومهما كان الأمر، وأنَّى كان وقت نزول سورة العنكبوت؛ فإنَّ الإشارة واضحةٌ، والحثَّ على الهجرة - أيضاً - واضحٌ ببيان تكفُّل اللهِ الرِّزق للعباد؛ في أيِّ أرضٍ، وفي أيِّ زمانٍ. قال تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمنوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ﴾ [العنكبوت: 56] .

هذه الآية الكريمة نزلت في تحريض المؤمنين الَّذين كانوا بمكَّة على الهجرة؛ فأخبرهم الله تعالى بسعة أرضه، وأنَّ البقاء في بقعةٍ على أذى الكفار ليس بصوابٍ؛ بل الصَّواب أن يُتلمَّس عبادةُ الله في أرضه مع صالحي عباده؛ أي: إن كنتم في ضيق من إظهار الإيمان بها، فهاجروا إلى المدينة؛ فإنَّها واسعةٌ لإظهار التَّوحيد بها، ثمَّ أخبرهم تعالى: أنَّ الرِّزق لا يختصُّ ببقعةٍ معيَّنةٍ؛ بل رزقه تعالى عامٌّ لخلقه حيث كانوا، وأين كانوا، بل كانت أرزاق المهاجرين حيث هاجروا أكثر، وأوسع، وأطيب، فإنَّهم بعد قليل صاروا حكَّام البلاد في سائر الأقطار، والأمصار، ولهذا قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَآبَّةٍ لاَ تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [العنكبوت: 60] .

كما ذكَّرهم تعالى: أنَّ كلَّ نفسٍ واجدةٌ مرارة الموت، فقال جلَّ شأنه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 57]. أي: واجدةٌ مرارته، وكربه، كما يجد الذَّائق طعم المذوق، ومعناه: إنَّكم ميِّتون، فواصلون إلى الجزاء، ومن كانت هذه عاقبته؛ لم يكن له بُـدٌّ من التزوُّد لها، والاستعداد بجهده، وهذا تشجيعٌ للنَّفس على الهجرة؛ لأنَّ النَّفس إذا تيقَّنت بالموت؛ سهُلَ عليها مفارقةُ وطنها.

قال ابن كثير في الآية: أي: أينما كنتم يدرككم الموت، فكونوا في طاعة الله، وحيث أمركم الله؛ فهو خيرٌ لكم، فإنَّ الموت لابدَّ منه، ولا محيد عنه، ثمَّ إلى الله المرجع والمآب، فمن كان مطيعاً له؛ جازاه أفضل الجزاء، ووافاه أتمَّ الثَّواب، ولهذا قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمنوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الآنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ * الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [العنكبوت 58 - 59]، أي: صبروا على دينهم، وهاجروا إلى الله، ونابزوا الأعداء، وفارقوا الأهل، والأقرباء؛ ابتغاء وجه الله، ورجاء ما عنده، وتصديق موعوده، ولم يتوكَّلوا في جميع ذلك إلا على الله.

ثالثاً: طلائع المهاجرين:

لـمَّا بايعتْ طلائعُ الخير، ومواكبُ النُّور من أهل يثرب النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم على الإسلام، والدِّفاع عنه؛ ثارت ثائرة المشركين، فازدادوا إيذاءً للمسلمين، فأذن النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم للمسلمين بالهجرة إلى المدينة، وكان المقصود من الهجرة إلى المدينة، إقامة الدَّولة الإسلاميَّة؛ الَّتي تحمل الدَّعوة، وتجاهد في سبيلها؛ حتَّى لا تكون فتنةٌ، ويكون الدِّين كلُّه لله، وكان التَّوجيه إلى المدينة من الله تعالى، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: لـمَّا صدر السَّبعون من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ طابت نفسه، وقد جعل الله له منعةً، وقوماً أهل حربٍ، وعدَّةٍ، ونجدةٍ، وجعل البلاء يشتدَّ على المسلمين من المشركين؛ لما يعلمون من الخروج، فضيَّقوا على أصحابه، وتعبَّثوا بهم، ونالوا منهم ما لم يكونوا ينالون من الشَّتم، والأذى، فشكا ذلك أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم واستأذنـوه في الهجرة، فقال: « قـد أُريت دار هجرتكم، أريت سبخةً ذات نخلٍ بين لابتين - وهما الحرَّتان - ولو كانت السَّراة أرض نخلٍ، وسباخٍ؛ لقلت: هي، هي» [البخاري (2297) والبيهقي في الدلائل (2/459)] ..

ثمَّ مكث أياماً، ثمَّ خرج إلى أصحابه مسروراً فقال: «قد أخبرت بدار هجرتكم، وهي يثرب، فمن أراد الخروج فليخرج إليها» فجعل القوم يتَّجهون، ويتوافقون، ويتواسون، ويخرجون، ويخفون ذلك، فكان أوَّلَ من قدم المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أبو سلمة بن عبد الأسد، ثمَّ قدم بعده عامر بن ربيعة، معه امرأته ليلى بنت أبي حَثْمَة، فهي أوَّل ظعينةٍ قدمت المدينة، ثمَّ قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسالاً، فنزلوا على الأنصار في دورهم، فآووهم، ونصروهم، وآسوهم، وكان سالم مولى أبي حُذيفة، يؤمُّ المهاجرين بقباء، قبل أن يقدم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ، فلـمَّا خرج المسلمون في هجرتهم إلى المدينة، كَلِبَتْ  قريشٌ عليهم، وحربوا، واغتاظوا على مَنْ خرج من فتيانهم، وكان نفرٌ من الأنصار بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في البيعة الآخرة، ثمَّ رجعوا إلى المدينة، فلـمَّا قدم أوَّل مَنْ هاجر إلى قُباء؛ خرجوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكَّة، حتَّى قدموا مع أصحابه في الهجرة، فهم مهاجرون أنصاريُّون، وهم: ذكوان بن عبد قيس، وعقبة بن وهب بن كلدة، والعباس بن عبادة بن نضلة، وزياد بن لبيد، وخرج المسلمون جميعاً إلى المدينة، فلم يبقَ بمكَّة فيهم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر، وعليٌّ، أو مفتونٌ، أو مريضٌ، أو ضعيفٌ عن الخروج. [ابن سعد (1/325)] .

__________________________

المراجع:

  1. علي محمد محمد الصّلابيّ، السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث (دروس وعبر)، الطبعة الأولى، 2004.ص.ص (403:389).
  2. أبو محمد بن عبد الملك بن هشام، السِّيرة النَّبويَّة، دار الفكر،1990.الجزء/2،ص.ص (52:44).
  3. لابن كثير، للإمام أبي الفداء إسماعيل، السِّيرة النَّبويَّة، تحقيق مصطفى عبد الواحد، الطَّبعة الثانيةـ، دار الفكر بيروت لبنان، 1978.الجزء/3،ص360.
  4. صالح أحمد الشَّامي، السِّيرة النَّبويَّة تربية أمَّةٍ، وبناء دولةٍ، المكتب الإسلامي، الطَّبعة الأولى، 1992،ص 118.
  5. عبد القادر حامد التيجاني، أصول الفكر السِّياسيِّ في القرآن المكِّي، الطَّبعة الأولى، عمَّان الأردن، دار البشير، 1995.ص 182.

 

 

ما إِن انتهت حروب الردَّة، واستقرَّت الأمور في الجزيرة العربيَّة الَّتي كانت ميداناً لها، حتَّى شرع الصِّدِّيق في تنفيذ خطَّة الفتوحات الَّتي وضع معالمها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجيَّش الصِّدِّيق لفتح العراق جيشين؛ الأوَّل بقيادة خالد بن الوليد، وكان يومئذٍ باليمامة، فكتب إِليه يأمره بأن يغزو العراق من جنوبه الغربيِّ، والجيش الثاني بقيادة عياض بن غنم، وكان بين النِّباج والحجاز، فكتب إِليه بأن يغزو العراق من شماله الشَّرقي بادئاً بالمسيخ.

وكتب الصِّدِّيق رضي الله عنه إِلى خالدٍ، وعياض: ثمَّ يستبقان إِلى الحيرة، فأجهما سبق إِلى الحيرة؛ فهو أميرٌ على صاحبه، وقال: إِذا اجتمعتما إِلى الحيرة، وقد فضضتما مسالح فارس، وأمنتما أن يؤتى المسلمون من خلفهم، فليكن أحدكما ردءاً للمسلمين، ولصاحبه بالحيرة، وليقتحم الآخر على عدوِّ الله وعدوِّكم من أهل فارس دارَهم، ومستقرَّ عزِّهم؛ المدائن.

وكان المثنَّى بن حارثة قد قدم على أبي بكرٍ، وحثَّ الصِّدِّيق على محاربة الفرس، وقال له: ابعثني على قومي، ففعل ذلك أبو بكر، فرجع المثنَّى، وشرع في الجهاد بالعراق، ثمَّ إِنَّه بعث أخاه مسعود بن حارثة إِلى أبي بكرٍ يستمدُّه، فكتب معه أبو بكر إِلى المثنَّى: أمَّا بعد: فإِنِّي قد بعثت إِليك خالد بن الوليد إِلى أرض العراق، فاستقبله بمن معك من قومك، ثمَّ ساعده، ووازرة، وكاتفه، ولا تعصينَّ له أمراً، ولا تخالفنَّ له رأياً، فإِنه من الذين وصف الله ـ تبارك وتعالى ـ في كتابه: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا} [الفتح: 29]، فما أقام معك فهو الأمير، فإِن شخص عنك فأنت على ما كنت عليه.

وكان من قوم المثنَّى رجلٌ يدعى: مذعور بن عديٍّ، خرج عن المثنَّى بن حارثة، وراسل الصِّدِّيق، وقال له: أمَّا بعد: فإِنِّي امرؤ من بني عجل، أحلاس الخيل ـ أي: يلزمون ظهورها ـ وفرسان الصَّباح ـ أي: يغيرون صباحاً ـ ومعي رجالٌ من عشيرتي الرَّجل خيرٌ من مئة رجلٍ، ولي علمٌ بالبلد، وجراءٌ على الحرب وبصرٌ بالأرض، فولين أمر السَّواد أفككه إِن شاء الله.

وكتب المثنى بن حارثة رضي الله عنه بشأن مذعور بن عديٍّ إِلى الصِّدِّيق، فقال له: ... فإِنِّي أخبر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ امرأً من قومي يقال له: مذعور بن عديٍّ أحد بني عجل في عددٍ يسير، وإِنَّه أقبل ينازعني، ويخالفني، فأحببت إِعلامك ذلك لترى رأيك فيما هنالك، وردَّ الصِّدِّيق على مذعور بن عديٍّ، فقال له: أمَّا بعد: فقد أتاني كتابك، وفهمت ما ذكرت، وأنت كما وصفت نفسك وعشيرتك نعم العشيرة، وقد رأيت لك أن تنضمَّ إِلى خالد بن الوليد، فتكون معه وتقيم معه ما أقام بالعراق، وتشخص معه إِذا شخص.

وكتب إِلى المثنَّى بن حارثة: فإِنَّ صاحبك العجليَّ كتب إِليَّ يسألني أموراً، فكتبت إِليه آمره بلزوم خالد حتَّى أرى رأيي، وهذا كتابي إِليك آمرك ألا تبرح العراق حتَّى يخرج منه خالد بن الوليد، فإِذا خرج منه خالد بن الوليد فالزم مكانك؛ الذي كنت به، وأنت أهلٌ لكلِّ زيادةٍ، وجديرٌ بكلِّ فضلٍ.

وممَّا سبق يمكننا أن نستخلص بعض الدروس والعبر والفوائد، فمنها:

1- كان تاريخ بعث خالد إِلى العراق في شهر رجب، وقيل: في المحرم سنة اثنتي عشرة.

2- الحسُّ الإستراتيجيُّ عند الصِّدِّيق:

إِنَّ الأوامر الَّتي وجَّهها الصِّدِّيق إِلى قائديه خالدٍ، وعياضٍ تشير إِلى الحسِّ الإستراتيجيِّ المتقدِّم؛ الذي كان يملكه الصِّديق ـ رضي الله عنه ـ فقد أعطى جملة تعليماتٍ عسكريةٍ إستراتيجيَّةٍ، وتكتيكيَّةٍ، فحدَّد لكلٍّ من القائدين المسلمين جغرافياً منطلقة للدُّخول إِلى العراق، كأنَّما هو يمارس القيادة من غرفة العمليَّات بالحجاز، وقد بسطت أمامه خارطة العراق بكلِّ تضاريسها، ومسالكها، فيأمر أحدهما (خالداً) بدخول العراق من أسفلها جنوباً بغرب (أي: الأبلَّة)، ويأمر الثاني (عياداً) بدخول العراق من أعلاها شمالاً بشرق (أي: المسيخ)، ويأمر الاثنين معاً أن يلتقيا في وسط العراق، ولا ينسى الخليفة مع ذلك أن يأمرهما بأن لا يُكرها النَّاس على الانخراط في جيشهما، وأن لا يجبرا أحداً على البقاء معهما للقتال، فلم يكن التَّجنيد في نظره إِلزاميّاً، إِنَّما كان طوعيّاً، واختياريّاً.

3- تحديد الحيرة كموقعٍ إستراتيجي:

كان هدف الخليفة الصِّدِّيق السَّيطرة على الحيرة، وذلك لأهمِّيتها العسكريَّة، فالحيرة تقع على بعد ثلاثة أميالٍ جنوب (الكوفة)، وتبعد عن (النَّجف) مسيرة ساعةٍ للفارس إِلى الجنوب الشَّرقي للنَّجف، والنَّاظر على الخارطة يرى لأوَّل وهلةٍ أهمِّية هذا الموقع الاستراتيجي، فالحيرة كانت (عقدة مواصلات) في نقطةٍ تتَّصل بها الطُّرق من جميع الاتجاهات، فهي تتَّصل بالمدائن من الشَّرق عبر نهر الفرات وتتَّصل شمالاً بـ (هيت) وتتَّصل بـ (الأنبار) على جسر الأنبار، وتتَّصل بالشام من الغرب، كما تتَّصل بـ(الأبلَّة) في منطقة (البصرة) بالعراق، وفي (كسكر) في (السَّواد)، وفي (النُّعمانية) على نهر دجلة، ومن هذا يتَّضح جليّاً أهمِّية السَّيطرة على هذا الموقع المهمِّ، وكان الصِّدِّيق مصيباً عندما جعلها هدفاً لجيشين، هما جيش خالدٍ، وجيش عياض، فالحيرة كانت قلب العراق، وأقرب منطقة مهمَّة إِلى المدائن عاصمة الإمبراطورية الفارسيَّة، الَّتي كانت تدرك هذه القيمة الإستراتيجيَّة للحيرة، ولذا كانت ترسل القوَّات باتجاهها دائماً لاستعادتها، لأنَّ المسيطر على الحيرة يؤمِّن سيطرته على المنطقة الكائنة غربي الفرات بأجمعها، وهي عدا هذا كانت مهمَّة للقوات الإِسلاميَّة في قتالها الرُّوم في بلاد الشَّام.

إِنَّ تخطيط الصِّدِّيق للوصول إِلى الحيرة في الفتوحات يُعرف في الخطط العسكريَّة للجيوش الحديثة بحركة فكَّي الكمَّاشة، أو عملية الالتفاف الدَّائري بأكثر من جيشٍ، وهذا يؤكِّد: أنَّ عمليَّة فتح العراق، وضم أطراف شبه الجزيرة العربيَّة عن طريق الجهاد لم تكن محض مصادفةٍ، أو نتيجةً لمجريات الحوادث .

ويظهر للباحث فقه أبي بكرٍ رضي الله عنه في التَّخطيط الجهادي بأنَّه كان يرتكز على اتِّخاذ القرارات بتنظيم الجيوش، وتوجيهها، وتحديد واجباتها، وأهدافها، وتنسيق التَّعاون فيما بينها، وتحقيق التَّوازن على مسارح العمليَّات، غير أنَّه يترك لقادته حرِّيَّة العمل العسكري لإِدارة العمليَّات القتاليَّة بالأساليب؛ التي يرونها مناسبةً، وبالطَّرائق؛ الَّتي تستجيب لما يجابهونه من مواقف .

4- نكران الذَّات عند المثنَّى بن حارثة:

ومن المواقف الَّتي تذكر في الجهاد في العراق ما كان للمثنَّى بن حارثة الشَّيباني، وكان يقاتل الأعداء في العراق بقومه، ولما علم بذلك أبو بكر سرَّه ما كان منه، فأمَّره على مَنْ بناحيته، وذلك قبل مجيء خالد، فلمَّا توجهت همَّة الصِّدِّيق لغزو فارس رأى أنَّ خالداً أجدر القواد بهذه المهمَّة، فوجهه لها، وكتب كتاباً إِلى المثنَّى يأمره بالانضمام إِلى خالدٍ، وطاعته، فما كان منه إِلا أن سارع في الاستجابة، ولحق بخالدٍ، هو وجيشه، وإِنَّ هذا موقفٌ يُذكر للمثنَّى حيث لم يَغُرَّه كثرة جيشه، ولا كونه أقدم من خالدٍ في إِمرة جيوش العراق، فلم يحمله ذلك على أن يرى أنَّه أحقُّ بالقيادة من خالدٍ .

5- احتياط الصِّدِّيق لأمر الجهاد في سبيل الله:

وقد جاء في كتاب أبي بكرٍ لخالدٍ، وعياض بن غنْم أن استنفروا مَنْ قاتل أهل الردَّة، ومن ثبت على الإِسلام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يغزونَّ معكم أحدٌ ارتدَّ حتَّى أرى رأيي، فلم يشهد الأيَّام مرتدٌّ، يعني في أوَّل الأمر، وقد شهدوا الأيَّام بعد ذلك، حينما ثبتت استقامتُهم، كما سيأتي بإِذن الله تعالى، وهذا الموقف من أبي بكرٍ مبنيٌّ على الاحتياط لأمر الجهاد في سبيل الله تعالى، حتَّى لا يشترك فيه طلاَّب الدُّنيا، فيكونوا سبباً في فشل المجاهدين، واختلال صفوفهم.

وهذا درسٌ تربويٌّ من أبي بكرٍ استفادة من الدُّروس النَّبويَّة الغالية، وذلك في تنقية الصَّفِّ الإِسلامي من الشَّوائب، وتوحيد هدفه حتَّى يكون خالصاً لوجه الله تعالى، فيأمن بذلك من الانتكاسات الخطيرة الَّتي تحدث بسبب تعدُّد الأهداف، ولقد حرص أبو بكر على هذا المبدأ السَّامي مع شدَّة احتياج الجيش الإِسلاميِّ آنذاك إِلى الرِّجال، ممَّا يدلُّ على قناعته التَّامة بأن العبرة بسموِّ الهدف، والإِخلاص، لا بكثرة العدد .

6- الرِّفق بالناس، والتَّوصية بفلاحي العراق:

وفي قول الصِّدِّيق لخالدٍ: وتألَّف أهل فارس، ومن كان في ملكهم من الأمم، وهذا القول بيَّن لنا الهدف من الجهاد الإِسلامي خارج بلاد الإِسلام، فهو جهاد دعوي، يقصد به دعوة النَّاس إِلى الدُّخول في الإِسلام، ولمَّا كانت الدَّعوة غير ممكنةٍ مع بقاء الحكومات، فإِنَّه لا بدَّ من إِزالتها؛ لتمكين شعوبها من الدُّخول في الإِسلام، وهذا الهدف ظاهرٌ في جميع المعارك؛ التي خاضها الصَّحابة ـ رضي الله عنهم ـ حيث كانوا يدعون أعداءهم إِلى الإِسلام، فيكون لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم، فإِن أبوا؛ فليستسلموا لحكم الإِسلام، ويدفعوا الجزية مقابل حماية المسلمين لهم، فإِن أبوا فلا بدَّ من القتال حتَّى تكون كلمة الله هي العليا ، وقد وصَّى الصِّدِّيق ـ رضي الله عنه ـ قادة جيوشه بفلاحي العراق، وأهل السَّواد، حرصاً منه على هداية النَّاس، وعلى منابع الثَّروة، وعلماً منه بأنَّ العمران لا يقوم بدون دولة، كما أنَّ الفلاحة مصدر من مصادر الثَّروة، وهي المتصلة بحياة النَّاس، ومعايشهم .

7- لا يهزم جيش فيهم مثل هذا:

عندما استمدَّ خالدٌ أبا بكرٍ أثناء سيره للعراق أمدَّه الصِّدِّيق بالقعقاع بن عمرو التَّميمي فقيل له: أتُمدُّ رجلاً قد ارفضَّ عنه جنوده برجلٍ؟ فقال: لا يهزم جيش فيهم مثلُ هذا، وهذا فراسةٌ من أبي بكر بيَّنتها أحداث العراق بعد ذلك، وقد كان أبو بكر أعلم النَّاس بالرِّجال، وما يتَّصفون به من طاقاتٍ، وكفاءاتٍ مختلفة.

 

__________

المراجع

1- د. علي محمّد محمَّد الصَّلاَّبي، الانشراح ورفع الضيق في سيرة أبو بكر الصديق، شخصيته وعصره، دار ابن كثير، دمشق، ص. ص (322 : 327).

2- الطَّبري، تاريخ الرسل والملوك، دار التراث، بيروت، الطبعة الثانية - 1387 هـ، (4/ 159 : 163).

3- عبد الجبار السامرائي، معارك خالد بن الوليد ضدَّ الفرس، الدَّار العربيَّة للموسوعات، لبنان، الطَّبعة الأولى 1984م، ص35.

4- محمَّد حميد الله، مجموعة الوثائق السِّياسيَّة للعهد النَّبويِّ، والخلافة الرَّاشدة، دار النفائس، الطَّبعة الخامسة 1405هـ 1985م، ص371.

5- محمود شاكر، التَّاريخ الإِسلاميُّ، الخلفاء الرَّاشدون، المكتب الإِسلاميُّ، الطَّبعة الخامسة، 1411هـ 1990م، (9/129 : 131).

6- د. نزار الحديثي، د. خالد جاسم الجنابي، أبو بكرٍ الصِّدِّيق، دار الشُّؤون الثقافية العامة، العراق، الطَّبعة الأولى، 1989م، ص45.

7- د. ياسين سويد، الفنُّ العسكريُّ الإِسلاميُّ، شركة المطبوعات للتَّوزيع والنَّشر، لبنان، الطَّبعة الأولى 1409هـ، 1988م، ص (83، 84).

 

إنَّ توحيد الله عزَّ وجل ومحاربة جميع مظاهر الشرك المنافية للتوحيد هي أساس الدين وركنه القويم، وهو المهمة السامية التي ابتعث الله عز وجل بها جميع الأنبياء والرسل، قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل : 36]. وقال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا} [النساء : 36]. وقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ *} [الذاريات : 56].

وقد أقام ابن باديس مشروعه التجديدي الإصلاحي الدعوي التربوي على تطهير الإسلام من كل البدع والخرافات والشوائب والأضاليل التي ألصقت به كذباً وزوراً، وكذا بناء الإنسان القرآني على أساس من الكتاب والسنَّة وهدي السلف الصالح؛ لأن إصلاح العقيدة هو منطلق كل إصلاح جاد في المجتمع، لأن فساد العقيدة وسيطرة جملة من المفاهيم الغريبة على الكتاب والسُنَّة على عقل وقلب الإنسان المسلم في عصور الانحطاط؛ هي سبب تدهور المجتمعات الإسلامية وابتعاد الإنسان المسلم عن الفعالية وركونه للسكوت والاستسلام.

ومن هذه القضايا التي أولاها ابن باديس عناية فائقة قضية التوحيد والشرك، ففي العقيدة التي أملاها على طُلابه وتحت عنوان «عقائد الإيمان بالله».

يقول: هو الموجود الحق لذاته الذي لا يقبل وجوده العدم، فهو القديم الذي لا بداية لوجوده وهو الباقي الذي لا نهاية لوجوده. وهو الموجود الذي سبق وجوده كل موجود، فكان تعالى وحده ولا شيء معه، ثم خلق ما شاء من مخلوقاته فهو الغني بذاته عن جميع الموجودات وهي المفتقرة كلها ابتداء ودوماً إليه.

ويقول الشيخ عبد الحميد بن باديس: وهو الواحد في ذاته وصفاته وأفعاله فلا ثاني له، ولا نظير ولا شريك له في ذاته. ولا ثاني له ولا نظير له في أسمائه. ولا ثاني له ولا نظير له في صفاته. ولا ثاني له ولا نظير له في أفعاله.

إنَّ نصوص الشريعة تقضي بأن الله عز وجل موصوف بصفات الجلال والجمال والكمال ومنزه عن كل صفات النقص التي لا تليق بكمال الربوبية وجلال الإلهية، قال تعالى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ *هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ *هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِىءُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ *} [الحشر : 22 ـ 24].

وقد فصل ابن باديس في موضوع التوحيد وبين أقسامه وشرح كل قسم بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة وأقوال الأئمة العدول الأثبات فقال: التوحيد هو اعتقاد وحدانية الله وإفراده بالعبادة، والأوَّل هو التوحيد العلمي والثاني هو التوحيد العملي ولا يكون المسلم مسلماً إلا بهما.

وبعد هذا التعريف الجامع للتوحيد وهو اعتقاد وحدانية الله وإفراده بالعبادة، شرع في بيان أقسام التوحيد:

  • توحيد الربوبية:

وعرَّفه بالقول: توحيد ربوبيته: وهو العلم بأن لا خالق غيره، ولا مدبِّر للكون، ولا متصرف فيه سواه.

فتوحيد الربوبية هو الاعتقاد الجازم بأن لهذا الكون خالقاً أوجده من عدم بعد أن لم يكن، وأنَّه هو المتصرف في شؤون الكون، فالله وحده هو الخالق والرازق، والمحيي والمميت والمبدأئ والمعيد، الضار والنافع، فهو وحده قيِّوم السماوات والأرض، وهذا الأمر تشهد له نصوص القرآن الكريم، ونصوص السُنَّة النبوية الشريفة، من ذلك:

  • {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} [فاطر : 3].
  • {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف : 54].
  • {يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ} [السجدة : 5].

ويقول الرسول (ص): لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.

  • توحيد الألوهية:

وقال عنه: ومن توحيده تعالى توحيده في الألوهية: العلم بأنه تعالى هو المستحق للعبادة وحده دون سواه والقصد والتوجه والقيام بالعبادات كلها إليه.

فالله وحده هو المستحق للعبادة، فلا يعبد إلا الله ولا يعبد إلا بما شرع، والنصوص الشرعية التي تشهد لهذا المعنى كثيرة:

  • قال تعالى: {أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ *} [الأنبياء : 25].
  • وقال تعالى: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ *} [الأنعام : 79].
  • وقال تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ *} [الأنعام : 162 ـ 163].

فصّل ابن باديس أن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية الذي هو أساس الدين، فقال: ووحدانيته تعالى في ربوبيته تستلزم وحدانيته تعالى في ألوهيته، فالمتفرد بالخلق والرزق والعطاء والمنع ودفع الضر وجلب النفع هو الذي يجب أن يفرد بالعبادة التي هي غاية الخضوع والذل مع الفقر والحاجة للعزيز القادر المنعم.

  • توحيده في شرعه:

قال ابن باديس: توحيده في شرعه، فلا حاكم ولا محلل ولا محرم سواه.

وهو أن الله عز وجل هو المشرع لعباده فهو الذي يأمرهم وينهاهم ويحلّ لهم ويحرم عليهم، ونصوص الشريعة التي تدل على هذا المعنى كثيرة منها:

  • قال تعالى: {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف : 54].
  • وقال تعالى: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ} [النحل : 116].
  • قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى : 21].
  • وقال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى : 10].
  • وقال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *} [النساء : 65].

وعن عدي بن حاتم الطائي أنه لما جاء النبي (ص) وسمعه يتلو قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ} [التوبة : 31]. قال عدي: يا رسول الله، إنهم لم يكونوا يعبدونهم؟ قال أليس كانوا إذا حرَّموا عليهم شيئاً حرَّموه، وإذا  أحلوا لهم شيئاً أحلوه؟ قال، قلت: نعم ، قال رسول الله (ص): فتلك عبادتهم إيَّاهم.

  • توحيد الأسماء والصفات:

يقول ابن باديس: وهو الواحد في ذاته وصفاته وأفعاله، فلا ثاني له ولا نظير له، ولا شريك له في ذاته، ولا ثاني له ولا نظير له في أسمائه، ولا ثاني ولا نظير له ولا شريك في صفاته.

وقال: عقيدة الإثبات والتنزيه: فثبت له ما أثبته لنفسه على لسان رسوله، من ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله. وننتهي عند ذلك ولا نزيد عليه وننزهه في ذلك عن مماثلة أو مشابهة شيء من مخلوقاته، ونثبت الاستواء والنزول ونحوهما ونؤمن بحقيقتهما على ما يليق به تعالى بلا كيف، وبأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد.. ولا تحيط العقول بذاته ولا بقضائه ولا بأسمائه.

 المصادر:

  1. علي محمّد الصّلابيّ، كفاح الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي وسيرة الزعيم عبد الحميد بن باديس، ج 2، دار ابن كثير، دمشق، بيروت، ط 1، 2016م، ص 354 -358.
  2. عبد الحميد بن باديس، العقائد الإسلامية مِنَ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، مكتبة الشركة الجزائرية، الجزائر، ط2، ص 67 -82.
  3. محمد الدراجي، الإمام عبد الحميد بن باديس وجهوده في تجديد العقيدة الإسلامية، دار الهدى للنشر والتوزيع، 2012م، ص 40.

أعطى الله تعالى للإنسان إرادة، ولكن إرادته تبقى محدودة بما أعطاه الله تعالى من القدرة والإمكان، وعليه أن يستعمل تلك القدرة والإمكان للخير، وإنَّ لله تعالى الإرادة الكاملة الشاملة لكل شيء، فما شاء كان وما لم يَشأ لم يكن؛ نُثبتها كما أثبتها لنفسه، ولا نخوضُ بما زاد عن ذلك، والمحققون من أهل السُّنة يقولون: الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة كونية قدرية، وإرادة دينية شرعية.

الإرادة الكونية القدرية:

هي المشيئة العامة التي يدخل فيها جميع المخلوقات من بر وفاجر وصالح وطالح، وهي إرادة الله تعالى لفعله، سواء إن كان المفعول منه محبوباً أو غير محبوب، يرضيه أم لا يرضيه، فالله تعالى يفعل ما يشاء، ولا يشاء شيئاً إلا بعد إرادته له، وكل ما كان منه فليس فيه إلا الجمال والجلال والحسن.

أما أفعال العباد فهي منقسمة، ففيها الحسن وفيها القبيح، وليس للعباد أن يفعلوا ما يشاؤون، وإنما يفعلون ما يؤمرون به امتثالاً وانتهاءً، وهذا هو الحسن منهم.

وتلك الإرادة متعلقة بالخلق، وهي من لوازم الربوبية، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ويدخل في هذه المشيئة خلق الأقوياء والضعفاء والفقراء والمؤمنين الكفار، والملائكة والشياطين، وخلق الخيرات والفضائل، وخلق السيئات والحسنات، وخلق التوفيق والخذلان، وخلق القوة والعجز، والبلادة والذكاء.

الآيات التي تدل على الإرادة الكونية:

قال تعالى: "وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ" (الأنعام: 112).

وقال تعالى: "وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ"(البقرة: 353).

وقال تعالى: "ولَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِيا لأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا" (يونس: 39).

وقال تعالى: "وَلَوْشَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ"(النساء: 90).

وقال تعالى: "فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء" (الأنعام: 125).

وقال تعالى: "وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ" (هود: 44).

وقال تعالى: "وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَايُرِيدُ" (البقرة: 253).

وقال تعالى: "وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَاشَاء اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ" (الكهف: 39).

وقال تعالى: "وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا" (السجدة : 13).

وقال تعالى: "وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا"(الإنسان: 30).

وقال تعالى: "مَن يَشَإِ اللّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ" (الأنعام : 39).

وقال تعالى: "إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" (يس: 82).

وهذه الإرادة وتلك المشيئة هي التي تستلزم وقوع المراد، والمراد إما أن يكون مراد لذاته محبوباً لله تعالى، وذلك لما فيه من الخير، كخلق الأنبياء والصالحين وكذلك كافة الفضائل والخيرات، أو مراداً لغيره وهذا يطلق على الكفر وجميع الشرور والآثام، فإنها ليست مرادة لذاتها وإنما هي مرادة لشيء آخر محبوب إلى الله تعالى. والحق أن جميع أفعاله وشرعه لها حكم وغايات، لأجلها شرع وفعل، وإن لم يعملها الخلق على التفعيل، فلا يلزم من عدم علمهم بها انتفاؤها في نفسها.

وحاصل الإرادة الكونية إثبات مشيئة الله تعالى المطلقة في إيجاد المخلوقات كلها واختلاف أنواعها وأشكالها، وتفاوت فضائلها وشرورها وجمالها ودمامتها وكيسها وعجزها، وكفرها وإيمانها، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فالله على كل شيء قدير، ولا يقع في ملكه إلا ما يريد، ولا يقع فيه شيء كرهاً عنه، فهو الذي أراد إيمان المؤمنين، وهو الذي أراد كفر الكافرين، وكل ذلك في علمه السابق، ولا يمكن لأحد أن يخرج عن علمه، وعلمه يستلزم ثبوت قدرته.

وفي الإرادة الكونية قد يبغض الله تعالى طاعة العاصي ولا يعينه عليها بعد الإرشاد والنصح والبيان، وذلك لحكمه عظيمة جليلة، كما قال تعالى في المنافقين الذين تخلفوا مع الخوالف في بيوتهم، وتركوا الخروج للجهاد مع النبي صلى الله عليه وسلم كما في غزوة تبوك: " وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ" (التوبة : 46)، وقد بين الله تعالى الحكمة في بغضه لطاعته فقال: "لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ" (التوبة: 47).

وهو سبحانه: "لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ" (الأنبياء: 23)، وذلك لأنه يتصرف في ملكه، وهذا ليس فيه ظلم، إنما الظلم في الحقيقة يكون من تصرف المتصرف فيما لا يملك، ومنع المستحق ما يستحقه، والله تعالى لا يجب عليه شيء لأحد حتى يحاسب على ما ضيق ومنع، وعلى ما أهان وخذل، وإنما هو حكمة بالغة ورحمة واسعة وعدل قويم.

الإرادة الدينية الشرعية:

هي إرادة الله تعالى لأمره الديني الشرعي، وهي التي أرسل من أجلها الرسل، وأنزل من أجلها الكتب وهي لا تستلزم وقوع المراد مع كونه محبوباً لله تعالى إلا إذا كان متعلقاً بالإرادة الكونية، والإرادة الشرعية الدينية تدل دلالة واضحة على أنه سبحانه لا يحب الذنوب والمعاصي والضلال والكفر، ولا يأمر بها ولا يرضاها، وإن كان شاءها خلقاً وتقديراً وإيجاداً، وأنه سبحانه وتعالى يرضى ويحب كل ما يتعلق بهذه الإرادة الدينية الشرعية ويثيب أصحابها، ويدخلهم الجنة وينصرهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة وينصر بها، أي: الإرادة الدينية الشرعية للعباد من أوليائه المتقين وحزبه المفلحين وعباده الصالحين.

الآيات الدالة على الإرادة الشرعية:

قال تعالى: "يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ" (البقرة: 185).

وقال تعالى: "مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ" (المائدة: 6).

وقال تعالى: "وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا" (النساء: 27).

وقال تعالى: "يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا" (النساء: 28).

وقال تعالى: "إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا" (الأحزاب: 33).

وقال تعالى: "إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ" (الزمر: 7).

الفرق بين الإرادتين:

الإرادة الكونية يلزم فيها وقوع المراد، والإرادة الشرعية لا يلزم فيها.

الإرادة الشرعية تختص فيما يحبه الله، والكونية عامة فيما يحبه وما لا يحبه.

فما كان بمعنى المشيئة فهو إرادة كونية وما كان بمعنى المحبة فهو إرادة شرعية.

الله يريد المعاصي كوناً لا شرعاً، لأن الإرادة الشرعية بمعنى المحبة والله لا يحب المعاصي ولكن يريدها كونا أي مشيئة فكل ما في السموات والأرض فهو بمشيئة الله.

تعلق الإرادتين بالمخلوقات:

تنقسم المخلوقات من حيث تعلقها بالإدارتين إلى أربعة أقسام:

الأول: ما تعلقت به الإرادتان، وهو ما وقع في الوجود من الأعمال الصالحة، فإن الله أراده إرادة دين وشرع، فإمر وأحبه ورضيه، وأراده إرادة كون فوقع، ولولا ذلك ما كان.

الثاني: ما تعلقت به الإرادة الدينية فقط، وهو ما أمر الله به من الأعمال الصالحة، فعصى ذلك الكفار والفجار فتلك كلها إرادة دين وهو يحبها ويرضاها وقعت أو لم تقع.

الثالث: ما تعلقت به الإرادة الكونية فقط، وهو ما قدره الله وشاءه من الحوادث التي لم يأمر بها كالمباحات والمعاصي فإنه لم يأمر بها، ولم يرضها، ولم يحبها، إذ هو لا يأمر بالفحشاء ولا يرضى لعباده الكفر، ولولا مشيئته وقدرته وخلقه لها لما كانت ولما وجدت، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.

الرابع: ما لم تتعلق به هذه الإرادة ولا هذه، فهذا ما لم يقع ولم يوجد من أنواع المباحات والمعاصي.

والسعيد من عباد الله من أراد الله منه تقديراً ما أراد به تشريعاً، والعبد الشقي من أراد به تقديراً ما لم يرد به تشريعاً.

 

________

المراجع:

1- د. علي محمد محمد الصّلابيّ، الإيمان بالقدر، دار ابن كثير، بيروت، ص (69: 75).

2- ابن تيمية، مجموع الفتاوى، وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد السعودية - مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 1425ه – 2004م، (8/ 188- 189).

3- علي بن السيد الوصيفي، القضاء والقدر عند السلف، دار الإيمان للنشر و التوزيع، ط1، 1423هـ- 2002م، ص 62- 64- 65

4- عمر الأشقر، القضاء والقدر، دار النفائس للنشر، الأردن، ط13، 1425 هـ - 2005م، ص

5- محمد بن صالح بن محمد العثيمين، المجموع الثمين مجموع فتاوى ورسائل العثيمين، دار الوطن- دار الثريا، 1413 هـ ، (1 / 157).

6- محمد بن صالح بن محمد العثيمين، شرح العقيدة الواسطية، دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، السعودية، ط6 ، 1421 هـ، (1 /223).

الصفحة 1 من 10
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top