د. علي الصلابي

د. علي الصلابي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
السبت, 02 يونيو 2018 18:06

معركة بدر.. فاتحة عهد جديد

 

في شهر رمضان المبارك كانت أولى انتصارات المسلمين بقيادة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، فبعد أن استقرت دولة المسلمين في المدينة المنورة بات من الضروري أن يوسعوا نطاق الدعوة لخارج حدود المدينة. وكانت البداية حين بلغ المسلمون تحرُّكُ قافلةٍ تجاريَّةٍ كبيرةٍ من الشَّام، تحمل أموالًا عظيمة لقريش، يقودها أبو سفيان، ويقوم على حراستها بين ثلاثين، وأربعين رجلاً، فأرسل الرَّسول صلى الله عليه وسلم بَسْبَسَ بنَ عمرو؛ لجمع المعلومات عن القافلة، فلَّما عاد بَسْبَسُ بالخبر اليقين، ندب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أصحابه للخروج، وقال لهم: «هذه عِيرُ قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها؛ لعلَّ الله يُنْفِلُكُموها». وكان خروجه من المدينة في اليوم الثاني عشر، من شهر رمضان المبارك، من السَّنة الثانية للهجرة، ومن المؤكَّد: أنَّه حين خروجه صلى الله عليه وسلم من المدينة، لم يكن في نيَّته قتالٌ؛ وإنَّما كان قصده عِيرَ قريش، وكانت الحالة بين المسلمين وكفار مكَّة حالة حرب، وفي حالة الحرب تكون أموال العدوِّ، ودماؤهم مباحةً، فكيف إذا علمنا: أنَّ جزءًا من هذه الأموال الموجودة في القوافل القرشيَّة، كانت للمهاجرين المسلمين من أهل مكَّة، قد استولى عليها المشركون ظلماً، وعدوانًا. 

أرسل النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم اثنين من أصحابه إلى بدرٍ طليعةً، للتَّعرُّف على أخبار القافلة فرجعا إليه بخبرها: وقد حصل خلاف بين المصادر الصَّحيحة حول عدد الصَّحابة، الذين رافقوا النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في غزوته هذه إلى بدرٍ، ففي حين جعلهم البخاري «بضعة عشر وثلاثمئةٍ». يذكر مسلمٌ: أنَّهم كانوا «ثلاثمئةٍ وتسعة عَشَرَ رجلاً»، في حين ذكرت المصادر أسماء ثلاثمئةٍ وأربعين من الصَّحابة البدريين.
كانت قوَّات المسلمين في بدرٍ، لا تمثِّل القدرة العسكريَّة القصوى للدَّولة الإسلاميَّة؛ ذلك: أنَّهم إنَّما خرجوا لاعتراض قافلةٍ، واحتوائها، ولم يكونوا يعلمون: أنَّهم سوف يواجهون قوَّات قريشٍ، وأحلافها مجتمعةً للحرب، والَّتي بلغ تعدادها ألفاً، معهم مئتا فرسٍ، يقودونها إلى جانب جمالهم، ومعهم القِيانُ يضربن بالدُّفوف، ويغنِّين بهجاء النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، في حين لم يكن مع القوات الإسلاميَّة من الخيل إلا فَرَسَانِ، وكان معهم سبعون بعيراً يتعاقبون ركوبَها.
أولًا: بعض الحوادث أثناء المسير إلى بدر
حدثت بعض الحوادث في أثناء مسير النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه؛ فيها من العِبَرِ والمواعظ الشَّيءُ الكثير:
1. إرجاع البَرَاء بن عازبٍ وابن عمر لصغرهما: وبعد خروج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المدينة في طريقهم إلى ملاقاة عِير أبي سفيان وصلوا إلى (بيوت السُّقيا) خارج المدينة، فعسكر فيها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم ، واستعرض صلى الله عليه وسلم مَنْ خرج معه، فردَّ مَنْ ليس له قدرةٌ على المُضِيِّ مع جيش المسلمين، وملاقاة مَنْ يُحتَمَل نشوبُ قتالٍ معهم، فردَّ على هذا الأساس البَرَاء بن عازب، وعبد الله بن عمر؛ لصغرهما، وكانا قد خرجا مع النبي صلى الله عليه وسلم راغبين، وعازمَيْنِ على الاشتراك في الجهاد.
2. "فارجعْ فلن أستعينَ بمشركٍ": عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: خرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قِبَلَ بدرٍ، فلمَّا كان بِحَرَّةِ الوَبَرَةِ، أَدْركهُ رَجُلٌ، قد كان يُذْكرُ منه جُرْأَةٌ، ونَجْدةٌ؛ ففرِحَ أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رَأوْهُ، فلمَّا أدْرَكَهُ، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: جئتُ لأتَّبِعَكَ، وأُصيبَ معَكَ، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تؤمنُ بالله ورَسُولِهِ؟» قال: لا، قال: «فارجعْ؛ فلن أستعينَ بمشركٍ». قالت: ثمَّ مضى، حتى إذا كنا بالشجرة أدركه الرجل، فقال له كما قال أول مرة، فقال له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم كما قال أوَّل مرَّةٍ، ثمَّ رجع، فأدركه بالبَيْدَاءِ، فقال له كما قال أوَّل مرَّة: «تؤمنُ بالله ورسوله؟» قال: نعم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فانْطَلِقْ».
3. مشاركة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أصحابه في الصِّعاب؛ فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنَّا يوم بدرٍ كلُّ ثلاثة على بعيرٍ، وكان أبو لُبَابَةَ، وعليُّ بن أبي طالبٍ زميلَيْ رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وكانت عُقبَةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فقالا: نحن نمشي عنك، فقال: «ما أنتما بأقوى منِّي، ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما».
ثانيًا: قرار لقاء المسلمين ببدر:
بلغ أبا سفيان خبرُ مسير النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، بأصحابه من المدينة، بقصد اعتراض قافلته، واحتوائها، فبادر إلى تحويل مسارها إلى طريق السَّاحل، في الوقت نفسه أرسل ضَمْضَمَ بن عمرو الغِفَاريَّ إلى قريشٍ يستنفرها؛ لإنقاذ قافلتها، وأموالها، فقد كان أبو سفيان يَقِظًا حَذرًا، يتلقَّط أخبار المسلمين، ويسأل عن تحرُّكاتهم، بل يتحسَّس أخبارهم بنفسه، فقد تقدَّم إلى بدرٍ بنفسه. وقد استطاع أن يعرف تحرُّكات عدوه، حتَّى خبر السَّريَّة المسلمة التي استطلعت المكان عن طريق غذاء دوابِّها، بفحصه البعر الَّذي خلَّفته الإبل؛ إذ عرف أنَّ الرَّجلين من المدينة؛ أي: من المسلمين، وبالتَّالي فقافلته في خطرٍ، فأرسل ضَمْضَمَ بنَ عمرٍو، إلى قريشٍ، وغيَّر طريق القافلة، واتَّجه نحو ساحل البحر.
كان وقع خبر القافلة شديدًا على قريشٍ؛ التي اشتاط زعماؤها غضبًا؛ لما يَرَوْنه من امتهانٍ للكرامة، وتعريضٍ للمصالح الاقتصاديَّة للأخطار إلى جانب ما ينجم عن ذلك من انحطاطٍ لمكانة قريشٍ بين القبائل العربيَّة الأخرى؛ ولذلك فقد سعوا إلى الخروج لمجابهة الأمر بأقصى طاقاتهم القتالية.
لقد جاءهم ضَمْضَمُ بنُ عمرو الغِفَاريُّ بصورةٍ مثيرةٍ جدّاً، يتأثَّر بها كلُّ من رآها، أو سمع بها؛ إذ جاءهم وقد حوَّلَ رَحْلَه، وجَدَعَ أنفَ بعيره، وشقَّ قميصه من قُبُـلٍ، ومن دُبُـرٍ، ودخل مكَّة وهو ينادي بأعلى صوته: يا معشرَ قريش! اللَّطيمةَ اللَّطيمةَ! أموالكم مع أبي سفيان، قد عرض لها محمد مع أصحابه، لا أرى أن تُدْركوها، الغوثَ، الغوثَ.
وعندما أمن أبو سفيان على سلامة القافلة، أرسل إلى زعماء قريش وهو بالجُحْفَة، برسالةٍ أخبرهم فيها بنجاته، والقافلة، وطلب منهم العودة إلى مكَّة، وذلك أدَّى إلى حصول انقسامٍ حادٍّ في اراء زعماء قريش، فقد أصرَّ أغلبهم على التَّقدُّم نحو بدرٍ؛ من أجل تأديب المسلمين، وتأمين سلامة طريق التِّجارة القرشيَّة، وإشعار القبائل العربيَّة الأخرى بمدى قوَّة قريشٍ، وسلطانها، وقد انشق بنو زُهْرَة، وتخلَّف في الأصل بنو عديٍّ، فعاد بنو زُهْرَةَ إلى مكَّة، أمَّا غالبية قوَّات قريشٍ، وأحلافهم؛ فقد تقدَّمت، حتَّى وصلت بدرًا.
ثالثاً: مشاورة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لأصحابه:
عندما بلغ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نجاةُ القافلة، وإصرارُ زعماء مكَّة على القتال، استشار رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في الأمر، وأبدى بعضُ الصَّحابة عدم ارتياحهم لمسألة المواجهة الحربيَّة مع قريشٍ؛ حيث إنَّهم لم يتوقَّعوا المواجهة، ولم يستعدُّوا لها، وحاولوا إقناع الرَّسول صلى الله عليه وسلم بوجهة نظرهم، وقد صوَّر القرآن الكريم موقفَهم، وأحوال الفئة المؤمنة عمومًا، في قوله تعالى: {كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ *يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ *وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ *لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِل وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ *} [الآنفال5 ـ 8].
وقد أجمع قادة المهاجرين، على تأييد فكرة التَّقُّدم لملاقاة العدوّ، وكان للمقداد بن الأسود موقفٌ متميِّزٌ، فقد قال عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه: شهدت من الْمِقْدَاد بن الأسود مشهدًا، لأن أكونَ صاحِبَهُ أحبُّ إليَّ ممَّا عُدِلَ به: أتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين، فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: {فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ}، ولكنَّا نقاتل عن يمينك، وعن شمالك، وبين يديك، وخَلْفك، فرأيت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أشرق وَجْهُهُ وسَرَّه؛ يعني: قوله.
وبعد ذلك عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أشيروا عليَّ أيها النَّاس!» وكان إنَّما يقصد الأنصار؛ لأنَّهم غالبيةُ جنده. وقد أدرك الصَّحابيُّ سعدُ بن معاذ، حامل لواء الأنصار، مقصد النَّبيِّ الكريم؛ فنهض قائلاً: (والله! لكأنَّك تريدنا يا رسول الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: «أجل»، فقال: لقد آمنا بك، وصدَّقناك، وشهدنا أنَّ ما جئتَ به هو الحقُّ، وأعطيناك على ذلك عهودنا، ومواثيقنا على السَّمع، والطَّاعة، فامضِ يا رسول الله! لما أردت، فنحن معك، فو الَّذي بعثك بالحقِّ! لو استعرضت بنا هذا البحر، فخُضْتَه لخُضْنَاه معك، ما تخلَّف منا رجلٌ واحدٌ، وما نكره أن تلقى بنا عدوَّنا غداً، إنَّا لصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ عند اللِّقاء، ولعلَّ اللهَ يريك منا ما تَقَرُّ به عينك، فَسِرْ على بركة الله.
وسُرَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من مقالة سعد بن معاذٍ، وزاد من همته ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: «سِيرُوا وأبشروا؛ فإنَّ الله تعالى قد وعدني إحدى الطَّائفتين، والله! لكأنِّي الآن أنظر إلى مصارع القوم».
كانت كلمات سعدٍ مشجِّعةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وملهبةً لمشاعر الصَّحابة؛ فقد رفعت معنويات الصَّحابة، وشجَّعتهم على القتال، إنَّ حرص النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم على استشارة أصحابه في الغزوات، يدلُّ على تأكيد أهمِّية الشُّورى في الحروب بالذَّات؛ ذلك لأنَّ الحروب تقرِّر مصير الأمم، فإمَّا إلى العلياء، وإمَّا تحت الغبراء.
يصوِّر تعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، حيث كان أيُّ فرد من أفراد ذلك المجتمع يُدْلي برأيه، حتَّى في أخطر القضايا، ولا يكون في شعوره احتمال غضب القائد الأعلى صلى الله عليه وسلم، ثمَّ حصول ما يترتَّب على ذلك الغضب من تدنِّي سمعة ذلك المشير بخلاف رأي القائد، وتأخُّره في الرتبة، وتضرُّره في نفسه أو ماله. وعلى هذا النحو:
إنَّ هذه الحرِّيَّة؛ الَّتي ربَّى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه، مكَّنت مجتمعهم من الاستفادة من آراء وخبرة جميع أهل الرَّأي السَّديد، والمنطق الرَّشيد، فالقائد فيهم ينجح نجاحًا باهرًا؛ لأنَّه ليس هناك ما يحول بين أيِّ فردٍ منهم، والوصول برأيه إلى قائد جيشه.
ونلحظ عظمة التَّربية النَّبويَّة؛ الَّتي سرَتْ في شخص الحُبَاب بن المُنذر، فجعلته يتأدَّب أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقدَّم دون أن يُطلب رأيه؛ ليعرض الخطة الَّتي لديه؛ لكن هذا تمَّ بعد السُّؤال العظيم، الَّذي قدَّمه بين يدي الرَّسول صلى الله عليه وسلم: «يا رسولَ الله! أرأيت هذا المنزل، أمنزلًا أنزلكه الله، ليس لنا أن نتقدَّمه، ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرَّأي، والحرب، والمكيدة؟».
رابعاً: المسير إلى لقاء العدوِّ، وجمع المعلومات عنه:
نظَّم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم جنده، بعد أن رأى طاعة الصَّحابة، وشجاعتهم، واجتماعهم على القتال، وعقد اللواء الأبيض، وسَلَّمه إلى مصعب بن عمير، وأعطى رايتين سَوْدَاوَيْن إلى سعد بن معاذٍ، وعليِّ بن أبي طالبٍ، وجعل على السَّاقة قيس بن أبي صَعْصَعَة.
لقد كان من هدي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، حرصه على معرفة جيش العدوِّ، والوقوف على أهدافه، ومقاصده؛ لأنَّ ذلك يعينه على رسم الخطط الحربيَّة المناسبة لمجابهته، وصدِّ عدوانه، فقد كانت أساليبه في غزوة بدرٍ في جمع المعلومات؛ تارةً بنفسه، وأخرى بغيره، وكان صلى الله عليه وسلم يطبِّق مبدأ الكتمان في حروبه.
فقد أرشد القرآن الكريم المسلمين إلى أهمية هذا المبدأ. قال تعالى: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 83]. وكذلك نلحظ: أنَّ التَّربية الأمنيَّة في المنهاج النَّبويِّ مستمرةٌ منذ الفترة السِّرِّيَّة والجهريَّة بمكَّة، ولم تنقطع مع بناء الدَّولة، وأصبحت تنمو مع تطوِّرها، وخصوصاً في غزوات الرَّسول صلى الله عليه وسلم.
إنَّ هذه النَّفسيَّة الرَّفيعة، عرفت أصول المشورة، وأصول إبداء الرَّأي، وأدركت مفهوم السَّمع والطَّاعة، ومفهوم المناقشة، ومفهوم عرض الرَّأي المعارض لرأي سيِّد ولد آدم صلى الله عليه وسلم. وتبدو عظمة القيادة النَّبويَّة في استماعها للخطَّة الجديدة، وتبنِّي الخطَّة الجديدة المطروحة من جنديٍّ من جنودها، أو قائدٍ من قوَّادها.
لقد كانت القوَّة المعنويَّة لجيش مكَّة، مصدرها في النُّفوس، وإن كان مظهره القوَّة، والعزم، والثبات، إلا أنَّ في مخبره الخوفُ، والجبنُ، والتردُّد يكلفها الطريق الصواب في النهج النبوية في إدارة الأزمات.
فقد ذكَّر المولى ـ عزَّ وجلَّ ـ موقفه حبن قال: {إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا} أي: اذكروا أيها المؤمنون وقت أن خرجتم من المدينة، فسرتم حتَّى كنتم أي: بجانب {بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا}، وحافَّته الأقرب إلى المدينة المنوَّرة أي: والكفار بالجانب الأبعد الأقصى {وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى} الَّذي هو بعيد بالنِّسبة للمدينة ـ أي: وعِيرُ {وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} سفيان ومن فيها كانت أسفل منكم من ناحية ساحل البحر الأحمر على بُعْدِ ثلاثة أميالٍ منكم.
وقوله: تذييلٌ قُصِدَ به التَّرغيب في {وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ}، والتَّرهيب من الكفر، أي: لا يخفى عليه شيءٌ من أقوال أهل الإيمان، عليمٌ بما تنطوي عليه قلوبهم، وضمائرهم ـ وسيجازي ـ سبحانه ـ كلَّ إنسانٍ بما يستحقُّه مِنْ ثوابٍ، أو عقابٍ على حسب ما يعلم، وما يسمع عنه.
......................................................................
المراجع:
1. ابن حزم، جوامع السِّيرة، ص 107.
2. ابن سعد، الطَّبقات، 2/24.
3. ابن كثير، البداية والنِّهاية، 3/260.
4. ابن هشام، سيرة ابن هشام، 2/61.
5. أبي فارس، غزوة بدرٍ الكبرى، ص. ص 33 - 34.
6. تفسير الرَّازي، 15/173.
7. تفسير القرطبي، 8/25.
8. تفسير الكشَّاف للزَّمخشريِّ (2/160).
9. الحميدي، التَّاريخ الإسلاميُّ، 4/110.
10. خليفة بن خياط، الطَّبقات.
11. صالح بن عبد الله بن عبد الحميد، موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، 1/286.
12. العمري، المجتمع المدني في عصر النبوة، ص. ص 138.
13. محمد آل عابد، حديث القرآن عن غزوات الرَّسول صلى الله عليه وسلم، 1/43.
14. المستدرك للحاكم، 3/632.


السقيفة مكان يقع في جانب المدينة المنورة، وله سقف ممتد، ويعود لبني ساعدة الخزرجي، ولذلك عُرف بسقيفة بني ساعدة، وكان أهل المدينة يجتمعون فيه للتشاور وحل قضاياهم اليومية. زادت أهمية هذا المكان في اليوم الذي تلا وفاة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في 11 هـ/ 632 م عند اجتماع الأنصار لتنصيب خليفة منهم.
فقد كانت وفاة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لحظة صادمة، ومرحلة مهمة في تاريخ الدولة الإسلامية الوليدة تلتها أحداث وتحديات كبيرة. وعلى الفور، اجتمع المسلمون لاختيار من يتولى أمر المسلمين، وخلال الاجتماع انقسموا إلى فريقين: فريق أهل المدينة الأنصار، واختاروا سعد بن عبادة الخزرجي، أما المهاجرون فاختاروا أبو بكر الصديق، ورجَّح ترشيح عمر بن الخطاب لأبي بكر الكفة ليصبح أول خليفة للمسلمين في تاريخ الدولة في المدينة.
أفرز ما دار في سقيفة بني ساعدة مجموعة من المبادئ منها: أن قيام الأمة لا تقام إلا بالاختيار العام، وأن البيعة هي أصل من أصول الاختيار وسنة القيادة، وأن الخلافة لا يتولاها إلا الأصلب دينًا والأكفأ إدارة، فاختيار الخليفة رئيس الدولة وفق مقومات إسلامية وشخصية وأخلاقية. وإن الرئاسة لا تدخل ضمن مبدأ الوراثة النسبية أو القبلية، وأن إثارة (قريش) في سقيفة بني ساعدة باعتباره واقعاً يجب أخذه في الحسبان، ويجب اعتبار أي شيء مشابه ما لم يكن متعارضًا مع أصول الإسلام، وأن الحوار الذي دار في سقيفة بني ساعدة قام على قاعدة الأمن النفسي السائد بين المسلمين حيث لا هرج ولا مرج، ولا تكذيب ولا مؤامرات، ولا نقض للاتفاق، ولكن تسليم للنصوص التي تحكمهم حيث المرجعية في الحوار إلى النصوص الشرعية. وقد استدل الدكتور توفيق الشاوي على بعض الأمثلة التي صدرت بالشورى الجماعية في سقيفة بني ساعدة حيث قال:
1-أول ما قرره اجتماع يوم السقيفة هو أن "نظام الحكم ودستور الدولة" يقرر بالشورى الحرة تطبيقاً لمبدأ الشورى الذي نص عليه القرآن، ولذلك كان هذا المبدأ محل إجماع، وسند هذا الإجماع النصوص القرآنية التي فرضت الشورى، أي إن هذا الإجماع كشف وأكد أول أصل شرعي لنظام الحكم في الإسلام وهو الشورى المُلزِمة، وهذا أول مبدأ دستوري تقرر بالإجماع بعد وفاة رسولنا صلى الله عليه وسلم، ثم إن هذا الإجماع لم يكن إلا تأييدًا وتطبيقًا لنصوص الكتاب والسنة التي أوجبت الشورى.
2-تقرر يوم السقيفة أيضاً أن اختيار رئيس الدولة أو الحكومة الإسلامية وتحديد سلطانه يجب أن يتم بالشورى، أي بالبيعة الحرة التي تمنحه تفويضًا ليتولى الولاية بالشروط والقيود التي يتضمنها عقد البيعة الاختيارية الحرة ـ الدستور في النظم المعاصرة ـ وكان هذا ثاني المبادئ الدستورية التي أقرها الإجماع، وكان قرارًا جماعيًا كالقرار السابق.
3-تطبيقًا للمبدأين السابقين، قرر اجتماع السقيفة اختيار أبي بكر ليكون الخليفة الأول للدولة الإسلامية.
ثم إن هذا الترشيح لم يَصِحَّ نهائياً إلا بعد أن تمت له البيعة العامة، أي موافقة جمهور المسلمين في اليوم التالي بمسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم قبوله لها بالشروط التي ذُكرت. وبعد أن تمت بيعة أبي بكر رضي الله عنه البيعة الخاصة في سقيفة بني ساعدة، كان لعمر رضي الله عنه في اليوم التالي موقفاً في تأييد أبي بكر حينما اجتمع المسلمون للبيعة العامة: قال أنس بن مالك: لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد، جلس أبو بكر على المنبر فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: «أيها الناس إني كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما كانت وما وجدتها في كتاب الله ولا كانت عهداً عهده إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكني قد كنت أرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدبر أمرنا ـ يقول يكون آخرنا ـ وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى الله رسوله صلى الله عليه وسلم فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم: صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثاني اثنين إذ هما في الغار فقوموا فبايعوه».
فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة. فتكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله ثم قال: «أما بعد أيها الناس فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوِّموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أُرجع عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم إلا عمَّهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله».
مثلت خطبة أبي بكر دستورًا صارمًا لمن يتولى حكم المسلمين، وتعد من أعظم الخطب الإسلامية رغم إيجازها والمليئة بالعبر والدروس. ففي خطبة السقيفة أسس الصّدِّيق ميزان العدل والرحمة في التعامل بين الحاكم والمحكوم، وركّز على أن طاعة ولي الأمر مترتبة على طاعة الله ورسوله، ونص على الجهاد في سبيل الله لأهميته في إعزاز الأمة، وعلى اجتناب الفاحشة لأهمية ذلك في حماية المجتمع من الانهيار والفساد.
مراجع المقال:
1. ابن كثير، البداية والنهاية، بيروت، دار ابن كثير، 6/ 305 – 306.
2. توفيق الشاوي، فقه الشورى والاستشارة، ص: 140.
3. عبد الرحمن الشجاع، دراسات في عهد النبوة، ص: 256.
4. علي الصلابي، أبو بكر الصّدِّيق، إستانبول، دار الروضة، ص. ص 106 - 121.
5. فتحية النبراوي، عصر الخلفاء الراشدين، ص: 30.

أسس العلامة عبد الحميد بن باديس أفكاره الإصلاحية والاجتماعية على تربية الجيل وإعداده. وقد كانت تلك الرؤية أساسًا راسخًا في نهضة الجزائر الحديثة، فهو أدرك منذ البداية أنه ما من أمة يمكن أن تنهض نهوضًا حقيقيًا إلا عن طريق التربية والمعارف، وأن هذه التربية لا تكون مُجدية إلا على أساس من العقائد وتقويم الأخلاق، لأن الأخلاق تنبع من أعماق الضمير الواعي لا من قهر المجتمع، فصوت الضمير أقوى من مئات القوانين والأحكام.

وبناء على تلك الرؤية، أدرك ابن باديس أن القرآن الكريم هو مصدر الخلق العظيم، فسعى إلى تعليم القرآن وتفسيره لتحصين المجتمع الجزائري وإعداده بتربية إسلامية شاملة أساسها القرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولتتحصَّن هذه الأمة وتتمسَّك بأخلاقها وقيمها، فلا سبيل إلا بالتعليم والتوعية وبث روح القرآن وأخلاقه في نفوس المتعلِّمين.

خاطب ابن باديس الشعب الجزائري مبينًا مكانة التعليم في المحافظة على الإسلام، وكان يخاطب الجزائريين بقوله: "أيها الشعب الجزائري المسلم الكريم، تالله لن تكون مسلمًا إلا إذا فقهته، ولن تفقهه إلا إذا كان فيك من يفقِّهك فيه، فلهذا فرض الله على كل شعب إسلامي أن تنفر منه طائفة لتتفقه في الدين وترجع إلى قومها بالإنذار".

وإذا كان الفرد المسلم هو محور العلمية التربوية والقيمية التي تعتمد في أساسها على التثقيف وتعليم الإسلاميين لمحاربة التغريب والتقليد، فإن إصلاح المجتمع في رأي ابن باديس لا يكون إلا بصلاح الفرد، وإصلاح الفرد لا يكون إلا بتطهير نفسه وعقله من البدع والخرافات، وذلك بتعليم الإنسان المسلم علوم القرآن والسنة والعلوم الصحيحة، وبتهذيب الأخلاق والقيم الإسلامية. وقامت الرؤية الباديسية في بناء الفرد والمجتمع على مجموعة أسس وهي:

1- الرؤية التربوية:

التعليم والتربية هما هدف وغاية في تكوين الشخصية عقليًا ونفسيًا وسلوكيًا، وهما وسيلة وأداة لتحقيق تلك الغاية، وهما نهج وسبيل لا يمكن تجاوزهما لأولئك الذين يريدون بناء الأمم والحضارات أو تجديدها إذا أصابها التقدم والبلى، والتربية والتعليم هما صنوا العلم والعمل، فلا فائدة من العلم دون العمل، كما لا فائدة من التعليم من دون التربية، فمنذ الأزل، التربية والتعليم متلازمان جنباً إلى جنب لتحقيق غاية الحق من الخلق.

والمقصود بالتربية هي جملة المبادئ والقيم التي تنتمي إلى ثقافة أو حضارة ما، والتربية غير التعليم، ذلك لأنَّ التربية تعني عملية البناء العقلي والقلبي والسلوكي للإنسان، أي هي عبارة عن تنمية الشخصية لدى الإنسان المتعلم.

وقد كانت مهمَّة الأنبياء بالدرجة الأولى هي مهمَّة تربوية، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان المربي الأوَّل في الإسلام، فقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى عن مهمَّة الأنبياء في الأرض حيث قال: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ *} [البقرة: 151].

2- الإعداد الروحي:

اهتم ابن باديس بالجانب الروحي وحرص على غرس معاني الإيمان في نفوس من يحضر له في دروسه، فكان يربي الناس على الأذكار وتلاوة القرآن والصيام والصلاة والزكاة، واهتم بالأمور التي تغذي الإيمان وتهذيب السلوك المستمدة من الكتاب والسنة، وكان يستخرج الفوائد التربوية من الآيات القرآنية، فمثلاً عندما فسَّر قول الله تعالى: َ {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَالِي لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ*} [النمل: 20]. وكان يدعو للتسامح والمودة بين أبناء المجتمع والتحلي بأخلاق النبي وقراءة سيرته ومناقبه، وقراءة الأذكار اليومية، والاهتمام بالصلوات في أوقاتها، وكان يشرح آيات الذكر الحكيم ويفسرها ليعلم الجيل قيمة هذا الإرث المعرفي وأثره، والاهتمام بعلوم القرآن وبأنه جاء رحمة وشفاء للعالمين، وأنه هو مصدر الحق وحجة ناصره، ومحصل الخير لأتباعه.

3- التربية الأخلاقية:

أحيا ابن باديس الشباب الجزائري بأخلاقه الإسلامية التي استنبطها من القرآن الكريم وأصلح بها نفوسهم. وإذا تتبعنا تفسيره لآيات الأخلاق في القرآن الكريم وجدنا لديه مذهباً متكاملاً لا يعالج فيه الأخلاق من الجانب النظري والفردي فقط، بل يعالج على أساس ديني واجتماعي واقعي، ومنهج ابن باديس في التربية الأخلاقية يعتمد على بساطة الأسلوب دون اللجوء إلى مصطلحات فلسفية معقدة، ويبين بكل وضوح أن الدين والأخلاق يوجبان على الإنسان، أن يهتم بإصلاح نفسه أكثر من اهتمامه بجسمه وأن صلاح الإنسان وفساده إنما يقاسان بصلاح نفسه وفسادها وما فلاحه إلا بزكاتها طبقاً لقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا*} [الشمس : 9 ـ 10].

لقد أكد ابن باديس على ضرورة التكافؤ بين الجسم والنفس، وهذا ما جاء به الإسلام من ضرورة الجمع بين الدين والدنيا، ثم يربط ابن باديس صلاح الفرد بصلاح المجتمع لتحقيق ما جاء به الإسلام من أن إصلاح النفوس يكون بالتزام شريعة الحق والخير والعدل، والكف عن الظلم والشر والباطل. وخير علاج لإصلاح النفوس هو الرجوع إلى رحمة الله تعالى وإلى القرآن الكريم الذي يؤكد أن الله تواب رحيم لأن الإنسان مفطور على الخطأ، ومن هنا وجبت المداومة على إصلاح النفس، وهنا استطاع ابن باديس أن يظهر الأمل في نفوس الجزائريين لكي يحرروا أنفسهم من الاستبداد بشكله الواسع، سواء كان من رجال التصوف «المنحرف المرتبط بفرنسا»، أو من الاستعمار.

4- ملامح الفكر التربوي الأخلاقي عند ابن باديس:

أ- ضرورة الاهتمام بالإنسان:

كهدف رئيسي عام، علمًا وعملًا وفكرًا وسلوكًا، وهذا الاهتمام يتمثل في ضرورة التعليم المدرسي والتعليم بالقدوة وتنظيم الجماعة وخلق الوعي العام. وفي هذا يقول ابن باديس: العلم قبل العمل، ومن دخل العمل بغير علم لا يأمن على نفسه من الضلال ولا على عبادته من مداخل الفساد والاختلال، وقال أيضاً: إن ما نأخذه من الشريعة المطهرة علماً وعملاً فإننا نأخذه لنبلغ به ما نستطيع من كمال في حياتنا الفردية والاجتماعية، والمثال الكامل على ذلك هو حياة محمد صلى الله عليه وسلم في سيرته الطيبة.

واستخدم ابن باديس الوسائل المتاحة لتحقيق التربية الأخلاقية، كإلقاء الدروس والتفسير والاستفادة من جهود العلماء السابقين وتدريس كتبهم كالقاضي عياض صاحب كتاب الشفاء، والإمام الغزالي صاحب كتاب علوم الدين، وغيرهم، واهتم بالتذكير والدعوة للتفكير.

ب- الشمولية في الإصلاح:

أي أن يكون الإصلاح كلي لا جزئي، ويتناول كل ميادين التوجيه الأخلاقي والثقافي والسياسي للفرد، لأن الانصراف لإصلاح جانب واحد هو الفرد أو المجتمع لا يؤدي إلى إصلاح حقيقي، بل يؤدي إلى التخريب والهدم، ولهذا فإن تحقيق هذه الشمولية يتطلب:

  1. موقف حاسم من عناصر الهدم الأخلاقي والديني والاجتماعي ورسم الخطوات اللازمة.
  2. إثبات مدى الارتباط بين الفكر والسلوك، والاعتقاد والعمل، وأكد ذلك بدليل تاريخي على اعتبار أن المنهج الذي نجح به المسلمون الأولون في تغيير العالم إنما هو سلوكهم وتطبيقهم الإسلام على أنفسهم قبل غيرهم في الحياة.
  3. ضرورة تعاون الإرادة والفكر والعمل، فهذا التعاون سبيل بناء الشخصية الإنسانية المتكاملة ظاهراً وباطناً، يقول ابن باديس: إن الكمال الإنساني متوقف على قوة العلم وقوة الإرادة والفكر والعمل، فهي أسس الخلق الكريم والسلوك الحميد.
  4. الاعتماد على الحجة والإقناع والمصارحة والدعوة.
  5. ضرورة النظر في النفس وفهمها وإصلاحها فذلك أمر إلهي ومطلب إنساني، ولذا يعتبر ابن باديس أن العناية الشرعية متوجهة كلها إلى إصلاح النفوس، لأن صلاح الإنسان وفساده إنما يقاسان بصلاح نفسه وفسادها، استشهاداً بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا *} [الشمس: 9 ـ 10].

جـ- التزكية الأخلاقية:

لقد حرص ابن باديس على صياغة القيم والفضائل الأخلاقية في صورة منهجية وفق قواعد عامة معروفة، ثم في صورة نداءات ووصايا يمكن أن تتحول إلى قالب تعليمي وإرشادي يسهل التعريف به والدعوة إليه، وكان يردد تلك النداءات في محاضراته ومقالاته وتفسيراته وأثناء رحلاته أيضاً، فاستطاع بذلك أن يحول قيم الرحمة والعدل والمساواة والحق والصدق والحب والتسامح وغيرها، إلى برنامج عمل إصلاحي أو نظرية متكاملة في كيفية إصلاح الإنسان وبنائه وتقويمه، وقدمها، كنموذج للأخلاق العملية التي تقوم على أساس ديني واجتماعي.

د- الفضائل الأخلاقية عند ابن باديس:

اهتم ابن باديس في تفسيره لآيات القرآن وأحاديث الرسول عليه السلام ببيان أهم الفضائل الأخلاقية المستمدة من المصادر النقلية، في مقدمتها الرحمة، والعدل والمساواة والأمانة والصدق والإحسان والبر إلى اليتامى والمساكين والبر إلى الوالدين والجهاد في سبيل الله والحب والتسامح والصبر والثبات والإيثار والوفاء بالعهد وغيرها.

مراجع المقال:

1- أندري ديرليك، عبد الحميد بن باديس.

2- عبد الرشيد زروقة، جهاد ابن باديس ضد الاستعمار الفرنسي.

3- عبد العزيز فيلالي وآخرون، البيت الباديسي.

4- عبد العزيز فيلالي، وثائق جديدة عن حياة خفية في حياة ابن باديس الدراسية.

5- علي الصلابي، كفاح الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي وسيرة الزعيم عبد الحميد بن باديس.

6- عمار الطالبي، ابن باديس حياته وآثاره.

 

لم تكن ولادة حركة عبد الحميد بن باديس الإصلاحية ولادة طبيعية، ولم تكن هي ضربًا من ضروب التنظير والخطط والبرامج السياسية ولا ترفًا فكريًا زائدًا، بل دعتها خطورة المرحلة، ووحشية المستعمِر وجرائمه، وسياساته في القتل والبطش والتجهيل، وطمس الهوية العربية والإسلامية للجزائر، فكانت ولادة حركة إصلاحية جديدة قادها ابن باديس وعلماء الجزائر واقتدى بها أبناء الأمة جميعًا. 

ولقد تميزت الحركة الإصلاحية التي قادها ابن باديس بأمور منها:
1 ـ أنها استوعبت في منطلقاتها ومناهجها وأهدافها أصول الحركات الإصلاحية السلفية القديمة والمعاصرة، فأخذت من أفكار ابن تيمية في مجال فهمها لحقيقة الدين وأصول الشريعة، وتأثرت بالحركة الوهابية في بعض مواقفها تجاه البدع والخرافات التي لحقت بجوهر العقيدة، واقتدت بالحركة السنوسية في ربط الدين بالدنيا والأخلاق بالسياسة واعتبار محاربة الاستعمار جزءاً من الدين.
وسايرت صيحات جمال الدين الأفغاني في ثورته على الحكم الأجنبي ومقاومة الاستبداد، والدعوة إلى التمرد من أجل التحرر والتوحد.
وتبنت النهج الإصلاحي المعتدل في نشر الوعي وتربية الجماهير، وتهيئتها لتحمل مسؤوليتها في مواجهة العدو ومكافحة التخلف والجمود، كما تبنت آراء وأفكار الكواكبي وشكيب أرسلان وغيرهما من رجال الفكر وزعماء الإصلاح الذين وإن اختلفت الأساليب التي تبنوها في نهجهم العملي؛ فإنهم جميعاً ذوو نزعة تجديدية تسعى لبعث يقظة فكرية ووعي قومي وديني يؤديان إلى تحرير الإنسان من ضعفه، والمجتمع من أمراضه، والدين من الشوائب التي لحقت به، والبلاد من كابوس الهيمنة الأجنبية وظلم المستبدين.
2 ـ كانت حركة شعبية واقعية عملية، امتدت إلى جميع الفئات وتغلقلت في أوساط الشعب، لأنها كانت تستهدف التعبئة الشاملة وإعادة تشكيل الشخصية الوطنية التي أصبحت مهددة.
3 ـ الوسط الاجتماعي الذي كان يتحرك فيه ابن باديس وسط أمي في معظمه؛ إذ لم تكن قبل المعركة الإصلاحية ولا في وقتها معاهد تعليمية عالية كما هو الشأن في تونس والمغرب ومصر، لذلك كانت حركته مسايرة لطبيعة الوسط والهدف من إنشائها، ولم تكن دروسه تقدم المعرفة لذات المعرفة ولم يكن خطابه من أجل إظهار البراعة الأسلوبية إنما كان يخاطب القلب والعقل والوجدان بلغة تحقق المسعى بأسلوب تربوي ينفذ إلى الأعماق، هكذا تحدث عنه تلاميذه الذين لازموه مدة.
4 ـ جاء ابن باديس في وقت كان الاستعمار قد أحكم قبضته على كامل التراب الوطني وأصبحت أمور البلاد كلها في يده، ففرنس الإدارة والتعليم الذي أنشأه خصيصاً لأبناء رعاياه، وأغلق مؤسسات التعليم الوطنية التي كانت تعلم الثقافة العربية الإسلامية، وشدد الخناق على الدين الإسلامي وعلى اللغة العربية واعتبرها لغة أجنبية، وتم ذلك بتدمير الممتلكات الثقافية وتخريب المكتبات وهدم المساجد أو تحويل وظيفتها، والاستيلاء على موارد الأوقاف التي كانت تغذي التعليم، وجعل الشؤون الدينية بين يدي مسؤول فرنسي في تسيير الشؤون الأهلية، يعين من يشاء للإفتاء والإمامة، والقضاء الخاص بالأحوال الشخصية، فكان ذلك من نتائج انتشار الجهل والأمية والانحراف الديني والجمود الفكري، وذيوع الخرافة، وحين ظهرت حركة الإصلاح في الجزائر لم تجد قاعدة عملية تنطلق منها مثلما كان الأمر في تونس لذلك كان نضالها متعدد الجبهات من ذلك:
أ ـ إحياء رسالة المسجد بتنظيم دروس تعليمية وتثقيفية للعامة والخاصة.
ب ـ إنشاء المدارس في مختلف جهات الوطن بتمويل من الشعب.
ج ـ تأسيس صحافة خاصة بالحركة الإصلاحية تنقل للقراء الأفكار الإصلاحية وتطلعهم على سياسة الاستعمار وقوانينه الجائرة ومواقف العلماء من ذلك.
د ـ إنشاء النوادي الخاصة بالشباب، وتنظيم تعليم خاص بهم وبالبنات والنساء.
هذه الأمور وغيرها تبين أن الحركة الإصلاحية في الجزائر التي كان يقودها ابن باديس تميزت بشعبيتها وشموليتها؛ ولذلك تمكنت في ظرف قصير نسبياً من توسيع نظامها ونشر اللغة العربية والثقافية الإسلامية في جهات القطر، وبث الوعي الديني الوطني في نفوس الشباب الذين كانوا يقبلون على دروس التثقيف العام بالمساجد والنوادي وغيرها، وبالإضافة إلى التعليم والوعي والتثقيف العام كان للحركة مواجهات عديدة مع مختلف الفئات:
ـ مع المستشرقين الذين كانوا يدسون على الإسلام.
ـ ومع هيئات التبشير التي كان همها الوحيد هو صد الشباب والأطفال عن الإسلام.
ـ مع المثقفين ثقافة غربية والذين أصبحوا يميلون إلى التنكر إلى شخصيتهم منبهرين بالحضارة الغربية.
ـ مع حكام الاستعمار وساسته في الجزائر وفي فرنسا الذين كانوا يراوغون
في الردود على مطالب الجزائريين، وكانوا يتعسفون في التعامل مع العلماء، ومع التعليم الحر.
فقد اتجه ابن باديس من خلال التعليم ومعاركه الصحافيه إلى تكوين قاعدة شعبية عامة منتظمة، تتبنى أفكاره وترتبط بتوجيهاته، ومن هنا نتبين أن مثل هذه الظروف القاسية لم تعرفها الحركات الإصلاحية الأخرى في المشرق والمغرب.
إن الحركة الإصلاحية في الجزائر تميزت بأمور عديدة، ورغم هذه الظروف الصعبة والمعقدة أحياناً نجحت هذه الحركة أيما نجاح، وهيأت جيشاً من الوطنيين كانوا عدة الثورة عند انطلاقها في عام 1954م.
ولمالك بن نبي رأي في هذه الجمعية حيث أعجب بحركة الإصلاح التي قام بها العلماء المسلمون الجزائريون بقيادة عبد الحميد بن باديس، ورأى فيها مزايا لم يرها في الإحيائية الكلامية المجردة ذات العقلانية النظرية المجردة التي بعثها الشيخ محمد عبده وقبله جمال الدين الأفغاني، وذلك لأن حركة ابن باديس قد بدت لمالك بن نبي أقرب الإحيائيات إلى النفوس وأدخلها في القلوب بما تبنَّت من منهج مستلهم من قوله تعالى في سورة الرعد: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد : 11].
بعثت حركة ابن باديس الإصلاحية روحاً جديدة، ومثلت دفعًا إيمانياً متواصلاً جعلها تستمر في أداء رسالتها ومواصلة عطائها لأبناء الأمة قاطبة. ويصف لنا الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله تلك الصحوة النهضوية، فيقول: لقد بدأت معجزة البعث تتدفق من كلمات ابن باديس، فكانت ساعة اليقظة، وبدأ الشعب الجزائري المخدَّر يتحرك، ويا لها من يقظة مباركة.

المراجع:
1. علي الصلابي، كفاح الشعب الجزائري، بيروت، دار ابن كثير، ج2، ص. ص197 – 217.
2. لطيفة عميرة، سؤال النهضة عند الشيخ عبد الحميد.
3. مصطفى حميداتو، عبد الحميد بن باديس وجهوده التربوية.
4. مطبقاني، عبد الحميد بن باديس.
5. صالح فركوس، دور جمعية العلماء.
6. جريدة البصائر، من جرائد جمعية علماء المسلمين.

الصفحة 4 من 5
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top