جمال خطاب

جمال خطاب

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

في دراسة حديثة نشرت في "Frontier in Nutrition" حدد فريق البحث المعايير والمفاهيم التوجيهية لتطبيقها في التدريب الأكاديمي لتغذية الإنسان. وهذه هي المحاولة الأولى لتحديد الهوية الثقافية لتغذية الإنسان بشكل أوضح في المنظور الأكاديمي والمهني. وتم تحديد ثلاثة مجالات لتغذية الإنسان: التغذية الأساسية ، التغذية التطبيقية ، والتغذية السريرية.

يقول ميسكاريتولي: "إذا أخذنا السمنة كمثال ، فإنه لا يتم الاعتراف بها في كثير من الأحيان كحالة مرضية ، وبالتالي فإن مسألة نقص التغذية لدى كبار السن والأفراد البدناء يتم تجاهلها إلى حد كبير".

ويجادل العلماء بأن الأهمية البيولوجية للغذاء في الخيال الجماعي قد فقدت لصالح جوانبها المبتذلة. والناس ينظرون فقط إلى العناصر الغذائية كعدد وكم، ولكن ليس كشيء ذو قيمة غذائية. ولا يلتفتون إلي المصفوفة الغذائية ولا الوظيفة البيولوجية.

فالتغذية الأساسية (Basic Nutrition )هي العلم الذي يتعامل مع الأساس العلمي للتغذية البشرية. ويدرس هذا العلم ويميز الوجود ، والتوافر البيولوجي ، والآليات ، والأدوار البيوكيميائية-الفسيولوجية للمغذيات والجزيئات النشطة بيولوجيا.

ومن ناحية أخرى ، يتناول علم "التغذية التطبيقية" العلاقة بين التغذية وصحة ورفاهية الناس. وهذا العلم، على سبيل المثال ، يركز على تحسين الصفات الغذائية للأغذية ويتصور مبادئ توجيهية لتناول الطعام الصحي.

وأخيرًا ، يركز مجال التغذية السريرية (Clinical Nutrition ) على تقييم سوء التغذية والوقاية منها وتشخيصها ومعالجتها.

يقول موسكاريتولي: "المجالات الثلاثة لها هوية ثقافية وعلمية خاصة بها تتطابق مع مهارات مهنية محددة، ولكن ينبغي دمجها في التدريب الأكاديمي". إلى هذا الحد ، حدد الفريق الموضوع الذي سيتم تغطيته في منهج التغذية هذا.

مع هذه المجموعة من المعايير والمفاهيم التوجيهية ، يقوم العلماء بأول محاولة لتحسين التدريب الأكاديمي في مجال التغذية البشرية.

"نأمل أن يؤدي هذا إلى دمج أفضل للمعرفة المتاحة حول تغذية الإنسان في الممارسة اليومية للعاملين في مجال الرعاية الصحية - ويغير تيار الارتباك الثقافي الحالي للسيناريو الغذائي" كما يشرح موسكاريتولي ، وهو أيضًا كبير المحررين المتخصصين في التغذية السريرية ، في Frontiers in Nutrition)).

تستيقظ ميريبيت كل صباح على كابوس غياب فلذات أكبادها، فلقد احتجزت الحكومة الصينية أربعة من أبنائها حولتهم إلى أيتام، رغم أن أمهم وأباهم مازالا شابين وعلى قيد الحياة.

ففي الوقت الذي تركت فيه مريبيت هي وزوجها الأطفال مع جدتهم في منزلهم في الصين وذهبا إلى علاج والد زوجها مريباك المريض في تركيا، بدأت السلطات الصينية في حبس الآلاف من مواطنيها من الأويجور بسبب جرائم تخريبية مزعومة مثل السفر إلى الخارج، وظلت مريبيت في المنفى.

وقد سجنت حماتها أيضاً، وعلمت مريبيت من صديق لأطفالها الذين تتراوح أعمارهم بين 3 إلى 8 سنوات أنه قد تم وضعهم في دار للأيتام بحكم الواقع في منطقة شينجيانج، تحت رعاية الدولة التي حطمت عائلتها.

وقالت مريبيت وهي تشق صوتها: "أولادي كأنهم في السجن، انفصل أطفالي الأربعة عني ويعيشون مثل الأيتام".

كانت عائلة مريبيت من بين عشرات الآلاف الذين اكتسحتهم حملة الرئيس شي جين بينج لإخضاع منطقة تضطرب في بعض الأحيان، حيث قام باعتقال أكثر من مليون من الأويجور وأقليات مسلمة أخرى؛ الأمر الذي أقلق لجنة الأمم المتحدة والحكومة الأمريكية، والآن هناك أدلة على أن الحكومة تحتجز أطفال المحتجزين والمنفيين في عشرات الملاجئ في أنحاء شينجيانج.

ودور احتجاز الأطفال هذه وكأنهم "أيتام" هي أحدث مثال على قيام الصين بشكل منهجي بإبعاد الشباب المسلم في شينجيانج عن أسرهم وثقافتهم، وقد وجدت وكالة "أسوشيتد برس" من خلال مقابلات مع 15 مسلماً ومراجعة الوثائق أن حكومة الصين تقوم ببناء الآلاف من المدارس المسماة "ثنائية اللغة"، حيث يتم تعليم أطفال الأقليات باللغة الصينية الشمالية (ماندرين) ويعاقبون على التحدث بلغتهم الأصلية، وبعض هذه المدارس الداخلية، التي يقول الأويجور: إنها إلزامية للأطفال، وتبدأ من سن الخامسة.

وتقول الصين: إن دور الأيتام تساعد الأطفال المحرومين، وتنفي وجود معسكرات اعتقال لآبائهم، وهي تفخر باستثمار ملايين اليوانات في التعليم في شينجيانج لإخراج الناس من الفقر والابتعاد عن الإرهاب.

وفي مؤتمر صحفي عادي، يوم الخميس الماضي، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية قنج شوانج: إن الإجراءات المتخذة في شينجيانج ضرورية "للاستقرار والتنمية والوئام"، ومكافحة الانفصاليين العرقيين.

لكن الأويجور يخشون من أن هذه الإجراءات تمحو بشكل أساسي هويتهم العرقية.

يقول الخبراء: إن ما تفعله الصين يشابه تعامل المستعمرين البيض في الولايات المتحدة وكندا وأستراليا مع أطفال الشعوب الأصلية، وهي السياسات التي خلفت أجيالاً مصدومة.

وقال دارين بايلر، الباحث في ثقافة الأويجور جامعة واشنطن: هذه مجموعة عرقية تُمحى قاعدة معارفها، وما نراه هو احتلال استيطاني يضيع جيلاً بأكمله.

وبالنسبة لمريبيت، فإنها تعاني من خسارة وعذاب، غياب أطفالها ومعرفة أنهم محتجزون لدى الدولة، وبعد عام ونصف عام من مغادرتها لبيتها تنظر الأم البالغة من العمر 29 عاماً إلى صورة لمبنى مطبوعة بألوان زاهية تحيط به أسلاك شائكة يُعتقد أن أطفالها محتجزون فيها، وتصمت ثم تبكي.

وتتساءل: "عندما أراهم، هل سيعرفونني؟ هل سأتعرف عليهم؟".

 

المصدر: Abcnews

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية لم ير الغرب مانعاً من السماح لتركيا بانتخابات حرة بعد أن اعتقد أن تركيا قد انسلخت من دينها وتنكرت لأمتها، فمظاهر العري والفحش والخنا المنتشرة في كل مكان كانت توحي بذلك، فلماذا لا يسمح لتركيا بانتخابات حرة تلحقها بأخواتها الأوروبيات بعد أن "تغربت" و"تأوربت" ونسيت دينها، كما كان يظن، وأدارت ظهرها لأمتها، وتنكرت لتاريخها؟

اعتقد الأوروبيون والأمريكيون وقوى الهيمنة العالمية الخفية والمعلنة التي تدير العالم من وراء ستار أن الانتخابات الحرة في مجتمع متفسخ متغرب لن تأتي إلا بمن ربوهم على أعينهم قبل وبعد إلغاء الخلافة العثمانية الإسلامية، ومنذ أيام الاتحاد والترقي.

ولكن أتت الرياح بما لا يشتهون، وجاءت الانتخابات بمن يكرهون!

فقد انتهز فرصة الحرية، واحد من رجال تركيا، رجل تركي أصيل، عاصر كل المؤامرات التي حيكت ضد قومه وأمته، وقد كان في ريعان شبابه عندما أقدم أتاتورك "الرجل الصنم" على مؤامرة إلغاء الخلافة.

انتهز الرجل الفرصة وانشق هو وثلاثة رجال من رفاقه علي حزب أتاتورك، وأسس حزب أسماه الحزب الديمقراطي، خاطب من خلاله ضمير الأمة، ففاز في أول تجربه للحزب في عام 1946م بـ62 مقعداً في البرلمان، ثم اكتسح الانتخابات التالية في عام 1950م وفاز حزبه "الحزب الديمقراطي" بـ318 مقعداً، ولم يترك لحزب أتاتورك إلا 32 نائباً فقط.

جاءت الرياح، إذن، بما لا تشتهي قوى الهيمنة والتسلط والقهر الغربية والعالمية، واستقرت تركيا مرة أخرى في أيدي أبناء لها مخلصين!

تسلم مندريس ورفاقه زمام الأمور فأضاءت تركيا مرة أخرى، بعد أن أظلمت طويلاً، أضاءت بأنوار الحب والولاء والإخلاص والإنتاج وحولها رجالها المخلصون من الجمود إلي النمو، ومن الركود إلى الحركة، ومن الكساد إلى الازدهار.

وعدنان مندريس لمن لا يعرفه هو علي عدنان أرتكين مندريس الشهير بعدنان مندريس، أول زعيم سياسي منتخب ديمقراطياً في تاريخ تركيا الحديث، كان رئيساً للوزراء لمدة عشر سنوات بين عامي 1950 و1960م، مؤسس الحزب الديمقراطي -رابع حزب معارض ينشأ بصفة قانونية في تركيا- سنة 1946م.

أعاد مندريس الأذان باللغة العربية، فعادت الروح إلى الأمة مع صيحات "الله أكبر".

أعاد للتعليم روحه بعودة تدريس القرآن والإسلام للمدارس، وأنشأ مدارس الأئمة والخطباء (المعاهد الدينية) التي خرجت لتركيا رجالاً من بينهم العبقري الفذ رجب طيب أردوغان.

عادت الروح للأمة فابتهجت واشتغلت ونجحت وأنتجت، وتصدرت الأمم عندما تخلصت من بعض القيود التي كبلتها بها علمانية الغرب وقوانين أتاتورك الجائرة.

وتصدر حزبه، الحزب الديمقراطي، الذي لم يعلن أبداً أنه حزب إسلامي الانتخابات التركية لثلاث دورات متتالية، لتزدهر تركيا ازدهاراً غير مسبوق، في مدة حكمة التي امتدت لعشر سنوات.

طفرة اقتصادية

أحدث مندريس طفرة اقتصادية، زراعية وصناعية واجتماعية، فقام بإدخال تكنولوجيا الزراعية إلى الأرياف، وأرسل الجرارات والحاصدات إلى الفلاحين كما وزع عليهم الأسمدة الكيميائية وأرسل إليهم مرشدين زراعيين، كما أنشأ العديد من السدود الكبيرة بمعدل سد في كل منطقة تقريباً، حتى أخذت تركيا تتصدر الدول الأوروبية والشرق الأوسط في إنتاج القمح والبندق والتين المجفف والعنب والقطن والشاي ومختلف أنواع الفاكهة والخضار، وأنشأ العديد من مخازن الحبوب، كما ربط جميع القرى بشبكات طرق، وأنشأ مصانع النسيج ومصانع عصير الفواكه ومصانع الإسمنت ولوازم البناء ومصانع الأحذية ودباغة الجلود ومصانع الصابون والأدوية(1).

عودة الظلم والظلام

وظن الأتراك الذين أفقرهم أتاتورك، بعد غنى، وأذلهم بعد عز، وحال بينهم وبين ممارسة شعائر دينهم ومنعهم من الحج ومن الصلاة في كثير من المساجد التي حولها إلى مخازن للغلال وأجبر نساءهم على التعري ومنعهن من ارتداء الحجاب، ظنوا بعد عشر سنوات تنفسوا فيها الحرية تحت حكم مندريس أنهم انعتقوا من هذا العنت، وأن حقبة أتاتورك وحزبه الفاشل قد ذهبت إلى غير رجعة!

إلا أن قوى الإجرام والهيمنة والتسلط العالمية كانت لا تزال تمسك بخيوط اللعبة في تركيا، وكان الجيش الذي تربى على علمانيتها مازال مستعداً لتنفيذ أوامر قوى الإجرام والاحتكار!

فقام العسكر بعمل انقلاب عسكري أطاح بعدنان مندريس أول رئيس حكومة منتخب ديمقراطياً والأكثر شعبية في تاريخ تركيا الحديث.

وعلى عجل، نصبت محكمة عسكرية وجدت مندريس مذنباً بتهمة التخطيط لإقامة «دولة إسلامية»! وحكمت عليه بالإعدام شنقاً.

وفي اليوم التالي، نفذ العسكر حكم الإعدام بمندريس وببعض رفاقه، بينما نال رئيس الجمهورية حكماً مخففاً، كونه كان من رفاق أتاتورك فألقي في السجن لـ25 عاماً.

وأنهي عسكر تركيا تجربة مندريس الناجحة، ليعيدوا تركيا عقوداً إلى الوراء، ولتتخبط عقوداً أخرى حتى تعود وتختار زعيماً فذاً مثل أردوغان ليبدأ القصة من أولها، يبدأ من الصفر، مع بدايات القرن الحادي والعشرين!

لمن يعمل هؤلاء؟

فلصالح من، عدا أعداء تركيا، والأمة التي تنتمي إليها تركيا، عمل عسكر تركيا؟ ولصالح من انقلبوا على أول رئيس وزراء شرعي منتخب، هو الأكثر شعبية في تاريخها الحديث؟

وماذا حققوا بانقلابهم غير التخلف والدماء والفوضى؟

وماذا كان يمكن أن يحدث لو لم ينقلبوا على أول زعيم تركي منتخب ديمقراطياً؟

كيف كان سيكون شكل تركيا لو لم يضع عليها نصف قرن تقريباً من التخبط والتخلف؟

وكيف كان سيكون شكل العالم لو لم يحدث انقلاب الجنرال جمال جورسيل على أول زعيم تركي منتخب؟

وكيف كان سيكون شكل العالم العربي؟ والعالم الإسلامي؟ والعالم الثالث؟

من غرس هؤلاء؟

من يوظفهم؟

إلى من ينتمون؟

ومن يعطيهم الأوامر بذبحنا، فينفذونها بحماس شديد وكأنهم يقومون بتكليف مقدس؟

في عام 1956م قام مندريس بطرد السفير الصهيوني بعد العدوان الثلاثي على مصر، وتوترت علاقات تركيا مندريس مع الكيان الصهيوني، وتوثقت وتقاربت مع العالم العربي والإسلامي، حتى انقلب عليه العسكر وأعادوا علاقاتهم الحميمة مع الكيان الصهيوني الغاصب.

وبعد الانقلاب وإعدام مندريس كتب الصحفي التركي سامي كوهين: لقد كان السبب المباشر الذي قاد مندريس إلى حبل المشنقة سياسته القاضية بالتقارب مع العالم الإسلامي والجفاء والفتور في علاقته مع "إسرائيل".

وكان آخر ما قاله مندريس وهو على حبل المشنقة: في هذه اللحظة التي أنا فيها على وشك مفارقة الحياة، أتمنى السعادة الأبدية للدولة والأمة.

الهامش

(1) كتاب "ذئب الأناضول" لمصطفى الزين يونيو 1991م.

رحم الله المخرج الرائع مصطفي العقاد.. الرجل الذي أنصف بفيلمه الرائع "عمر المختار" رجلاً من أعظم القادة ومقاتلاً ومجاهداً من أشرف المقاتلين الذين عرفهم القرن العشرون. 

كان عمر المختار في مدينة الكفرة بقلب الصحراء في زيارة إلى السنوسيين عندما علم بعدوان الإيطاليين الذي بدأ في أكتوبر 1911، عندها لم يتردد في العودة إلى زاوية القصور لتجنيد أهلها من قبيلة العبيد لمقاومة الإيطاليين، وظل يقود المعارك ضد الطليان تحت إمرة أحمد الشريف السنوسي، الذي سلم بدوره القيادة للأمير محمد إدريس السنوسي الذي أصبح قائد المقاومة الليبية، وعين الشيخ المختار نائباً له.

بدأ بحرب المعتدين الإيطاليين وهو يبلغ من العمر 53 عامًا لأكثر من عشرين عامًا.. لله درك أيها البطل.. هلا تعلم أهل هذا الزمان من بعض جهادك؟!

خاض أكثر من ألف معركة

هلا تعلمنا من رجل جاهد طويلاً ضد مجرمي إيطاليا، وكما يقول د. علي الصلابي: "كبدهم خسائر فادحة في أكثر من ألف معركة خاضها ضدهم في عشرين عاماً.. وفاوضوه وحاولوا إغراءه في مرات عديدة لكنهم فشلوا، فقد كان يقابلهم بجملة واحد هي: "ارحلوا من ليبيا كلها".

وفي أحد الاجتماعات مع الإيطاليين، قال أحد الرُسل محاولاً أن يُغري عمر المختار براتب شهري ومنافع تمنحها له إيطاليا ومحاولاً إقناعه أن جهاده ينافي مبادئ دينه الإسلام بقوله: "إن شريعة الإسلام لا تسمح لكم بهذه الحرب التي لا طاقة لكم بها، وإن نبيكم لا يسمح لكم بمقاومة الدولة التي لا تقدرون على مقاومتها! وإن الحكومة تتعهد بأن تدفع لكم رواتب شهرية لكم ولأتباعكم، إن أنتم سلمتم سلاحكم ودخلتم تحت حكمها".

فقال: "أنا أعلم بديني.. وأنا أعلم أنك ارتكبت من الشدة مع الأهالي الخاضعين لكم ما دلَّ على أنك لا تريد الخير لهذه البلاد ولا لحكومتك نفسها، واليوم تطلب منا تسليم السلاح وتهددنا بجيوش حكومتكم في مجلسٍ أنت دعوتنا إليه للتفاهم بما يحل هذه المشكلة بيننا وبينكم.. والقوة التي تُلوّح لنا بها، عرفنا آخر ما عندكم منها، وقد جابهناها على مدى ثماني عشرة سنة وما زلنا بعون الله كما كنّا".

وتمت محاولة إغرائه أيضاً في مفاوضات سيدي أرحومة في التاسع عشر من يونيو عام 1929، حيث قال الرسول الإيطالي: "لقد جئتُ للاتفاق معكم على ما يكفل راحة البلاد، وإنّني مسرور بهذا الاجتماع الذي عقدناه لإنهاء حالة الحرب التي منعت العمران الذي جئنا إلى هذه البلاد من أجله، ولولا حضورنا لرأيت بلادك في حالة أخرى لم تخطر ببالك".

فقال عمر المختار: "صحيح إن البلاد كانت ستكون في حالة أخرى لولا هذه الحروب، فلولاها لما رأيتَ فيها عربياً يمشي على وجه الأرض بل كنت سترى فيها الإيطاليّين وحدهم يعمرّونها ويحلون محلّ العرب في دورهم ومنازلهم وأراضيهم".     

ولم يفت في عضده مفاوضة أستاذه وشيخه السنوسي للإيطاليين وعقده صلحاً معهم، ثم ذهابه أو هروبه إلى مصر بذريعة العلاج ولم يكن مريضاً، وقد تبيَّن فيما بعد عند زيارة عمر المختار له هناك أنه كان بصحَّة جيدة، لكن بعد رحيل إدريس ومع اندلاع الحرب مجدداً في المنطقة أصبحت مسؤولية القيادة كلّها ملقاةً على عاتق عمر المختار، فأصبح هو زعيم الحركة الجهادية في منطقة الجبل الأخضر، وبات يجمع المال والسلاح ويحرّض القبائل ويترأس الهجمات ضد الطليان في برقة.

وقال لرفاقه المجاهدين الأبطال بعد هروب البعض: "إخواني وحق كتاب الله هذا النصر لنا لا ريب فيه، ولكني لا أستطيع إخباركم على أنني سوف أحضره أم لا، الله هو الذي يعلم وأنا عمري ثمانون عاماً، وهذا جرحي في رجلي من حرب الفرنسيّين، وأقسم لكم بالله على أنني لن أذهب إلى مصر ولا أتحرك من الجبل الأخضر حتى الموت أو النصر".

"وأشهد الله عليكم إنكم في حل من الذهاب إلى مصر أو تسليم أنفسكم للعدو أو الاستمرار معي في جهاد العدو".  

سقطت نظارة الأسد المسن في إحدى معاركه في عام 1930  وعندما وجدها أحد جنود الطليان وأوصلها لقيادته، رآها جرتسياني قائد الإيطاليين فقال: "الآن أصبحت لدينا النظارة، وسيتبعها الرأس يوماً ما".

وبعدها بعام وبينما كان البطل المجاهد عمر المختار يستطلع منطقة سلنطة في كوكبة من فرسانه، عرف الأعداء الإيطاليون بمكانه وأرسلوا قوات ضخمة لحصاره، لحقها تعزيزات، واشتبك الفريقان وفي أثناء المعركة قُتل فرسه وسقط البطل أسيراً في أيدي أعدائه الذين أذاقهم ألواناً من الهزائم.

ولما علم  جراتسياني بأسره أصيب بحالة هستيرية وكان تارة يجلس على مقعده وتارة يقوم، وأخرى يخرج متمشياً على قدميه محدثاً نفسه بصوت عال، وهو يشير بيديه ويقول: "صحيح قبضوا على عمر المختار؟ ويرد على نفسه لا، لا أعتقد".

ولم يسترح باله فقرر إلغاء إجازة كان من المقرر أن يقوم بها واستقل طائرة خاصة وهبط ببنغازي في نفس اليوم وطلب إحضار عمر المختار إلى مكتبه لكي يراه بأم عينيه.

وصل جرتسياني إلى بنغازي يوم 14 سبتمبر، وأعلن عن انعقاد "المحكمة الخاصة" يوم 15 سبتمبر 1931م.

وفي صبيحة ذلك اليوم وقبل المحاكمة رغب جرتسياني في الحديث مع عمر المختار، كما يذكر في كتابه "برقة المهدأة": "وعندما حضر أمام مكتبي تهيأ لي أن أرى فيه شخصية آلاف المرابطين الذين التقيت بهم أثناء قيامي بالحروب الصحراوية، يداه مكبلتان بالسلاسل، رغم الكسور والجروح التي أصيب بها أثناء المعركة، وكان وجهه مضغوطاً لأنه كان مغطياً رأسه (بالَجَرِدْ) ويجر نفسه بصعوبة نظراً لتعبه أثناء السفر بالبحر، وبالإجمال يخيل لي أن الذي يقف أمامي رجل ليس كالرجال له منظره وهيبته رغم أنه يشعر بمرارة الأسر، ها هو واقف أمام مكتبي نسأله ويجيب بصوت هادئ وواضح".

جرتسياني: لماذا حاربت بشدة متواصلة الحكومة الفاشستية؟

عمر المختار: من أجل ديني ووطني.

جرتسياني: ما الذي كان في اعتقادك الوصول إليه؟

عمر المختار: لا شيء إلا طردكم.. لأنكم مغتصبون، أما الحرب فهي فرض علينا وما النصر إلا من عند الله.

جرتسياني: لما لك من نفوذ وجاه، في كم يوم يمكنك أن تأمر الثوار بأن يخضعوا لحكمنا ويسلموا أسلحتهم؟

عمر المختار: لا يمكنني أن أعمل أي شيء.. نحن المجاهدين سبق أن أقسمنا أن نموت كلنا الواحد بعد الآخر، ولا نسلم أو نلقي السلاح.

ثم يكتب جرتسياني: "وعندما وقف ليتهيأ للانصراف كان جبينه وضاء كأن هالة من نور تحيط به، فارتعش قلبي من جلالة الموقف، أنا الذي خاض معارك الحروب العالمية والصحراوية ولقبت بأسد الصحراء، ورغم هذا فقد كانت شفتاي ترتعشان ولم أستطع أن أنطق بحرف واحد، فأنهيت المقابلة وأمرت بإرجاعه إلى السجن لتقديمه إلى المحاكمة في المساء."

وفي اليوم التالي 15 سبتمبر تم الحكم على عمر المختار بالإعدام في محاكمة هزلية من المحاكمات التي تمتلئ بها سجلات الغاصبين في كل زمان ومكان.

وفي يوم السادس عشر من سبتمبر نفذ فيه حكم المحتل المجرم الغاصب أمام 20 ألفاً من أبناء الشعب الليبي، وجاؤوا بجميع المعتقلين السياسيين خصيصاً من أماكن مختلفة لمشاهدة تنفيذ الحكم في قائدهم.

تقبل الله شيخ المجاهدين المسلمين شهيداً فذاً ملهماً مازال وسيظل.

وصف رودولفو جراتسياني عمر المختار بأنه أسطورة الزمان الذي نجا آلاف المرات من الموت ومن الأسر، واشتهر عند الجنود بالقداسة والاحترام؛ لأنه الرأس المفكر والقلب النابض للثورة في ليبيا، والآن وقع أسيراً في أيدينا.

وقال عنه أيضاً في مذكراته: "مفتاح شخصية عمر المختار الفذة أنه آمن بالله، واستقرت معانيه في قلبه، فأصبح لا يخشى إلا الله، وهذا الصنف من المسلمين هو أقوى ما عرفته البشرية؛ وهو الإنسان الحر في أعلى معاني الحرية".

والفضل ما شهدت به الأعداء.

لو كان في الغرب أبطال من عينة عمر المختار المقاتل العبقري والمفكر الفذ لصدع الغرب رؤوسنا بسيرته، ولحاصرنا بأفلام ومسلسلات عن حياته منذ ميلاده وحتى مماته، ولحفظ أبناؤه وأبناؤنا أسماءه وصفاته، ولسمى به شوارعه ومطاراته ومنتجاته!

ويا مختار، مازالت لإيطاليا، بل ولفرنسا التي جاهدتها قبل أن تجاهد إيطاليا، كلمة نافذة في مصير ليبيا، وغير ليبيا!

في مثل هذا اليوم أعدمك المجرمون، وانتقلت روحك إلي بارئها، ولكنك لم تفارقنا ولن تفارقنا بذكراك العطرة وجهادك المجيد!

ما زلنا نذكرك وما زلنا نجاهد يا عمر!

 

المصادر:

1- الصلابي، عمر المختار.. شيخ المجاهدين والشهداء.

2- عبدالله صالح الجمعة، عظماء بلا مدارس.

3- ويكي الاقتباس، عمر المختار.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top