وصايا لنجاح الدعوة وتأثير الدعاة

12:19 11 أكتوبر 2020 الكاتب :   د. وفا علي وفا (*)

الحمد لله الرؤوف الرحيم، البر الجواد الكريم، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك العظيم، له الأسماء الحسنى، والصفات العليا، والإحسان العميم، وله الرحمة الواسعة، والحكمة الشاملة، وهو العليم الحكيم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على محمد وعلى آله وأصحابه.

وبعد:  

فإن أعظم الناس مقاما هم الدعاة إلى الله ويكفيهم شرفاً أنهم ورثة الأنبياء والصالحين، قال الله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت: 33).

والدعوة تفتقر إلى الحكمة لتؤتي ثمارها وتبلغ غايتها؛ لذلك قال الله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (النحل: 125).

فقدم الله تعالى الحكمة في الدعوة على الموعظة لأهمية الحكمة في قبول الموعظة ونفاذها إلى القلوب؛ لأن الموعظة بلا حكمة قد تفسد أكثر مما تصلح، فليس كل ما يعرف يقال، ولا كل ما يقال يقال لكل الأشخاص، فلا بد إذاً من مراعاة حال المخاطب وفهمه وما يناسب حاله، وفي حديث معاذ رضي الله عنه: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلَا أَبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ أَيْ عُمُومَهُمْ، قَالَ: "لَا تُبَشِّرْهُمْ فَيَتَّكِلُوا"، قِيلَ: بَعْضُ النَّهْيِ مَخْصُوصٌ بِبَعْضِ النَّاسِ، وَاحْتَجَّ الْبُخَارِيُّ عَلَى أَنَّ لِلْعَالَمِ أَنْ يَخُصَّ بِالْعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ كَرَاهَةَ أَلَّا يَفْهَمُوا، وَقَدْ يَتَّخِذُ أَمْثَالَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْبَطَلَةُ وَالْمُبَاحِيَّةِ ذَرِيعَةً إِلَى تَرْكِ التَّكَالِيفِ وَرَفْعِ الْأَحْكَامِ، وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى خَرَابِ الدُّنْيَا بَعْدَ خَرَابِ الْعُقْبَى(1).

أهم الوصايا لنجاح الدعوة:

1- إخلاص النية: بأن تكون الدعوة لله تعالى وابتغاء مرضاته، فإن دخل في نفسه غرض فجعل دعوته لحظ نفسه أو جماعته أو مذهبه.. أفسدها.

2- الصدق: ويعني قوة الإيمان بما يقول والعمل به ما أمكن، قالوا: العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل، والصدق يعني صحة ما يدعو إليه وما يتكلم عنه فلا يتكلم إلا بالحق؛ لأن الباطل ضعيف، صاحبه ساقط عند الله تعالى، مهان مرذول في أعين الناس.

3- قوة الصلة بالله تعالى والتعلق به: وذلك بحسن صلته بالله وعلاقته به، مع كثرة العبادات والأذكار وأعمال الخير والبر، وهذه الصلة هي سر القبول والتوفيق والتأثير؛ وذلك لأن فاقد الشيء لا يعطيه، وإذا امتلاء الإناء فاض، قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) (مريم: 96)؛ "وداً": مودة ومحبة يقذفها الله في قلوب الخلق لمن آمن وعمل صالحاً.

4- وحدة الموضوع مع التركيز والتقليل من الإنشاء، حتى لا يتشتت ذهن السامع فلا يثبت في فؤاده شيء، لأن كثرة الكلام ينسي بعضه بعضاً ويقود إلى الملل والسأمة.

5- التزود بالعلم والتسلح بالمعرفة وكثرة الاطلاع على الواقع والتاريخ وربط الأحداث بعضها بعضاً؛ فذلك يعطي للكلام مهابة وثقلاً وعمقاً وجمالاً وتأثيراً؛ لذلك قال الله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف: 108)، وهذه البصيرة لازمة لمن يخاطب الناس ويريد التأثير فيهم.

6- جعل الدعوة رسالة، لا وظيفة تنحصر في المسجد، بل تكون في محراب الحياة الواسع فيكون الداع إلى الله كالمطر أينما وقع نفع؛ (وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا) (مريم: 31).

7- لا تجعل منبر الدعوة منصة للهجوم على الخصوم أو الانتقاص من الأشخاص والهيئات والمؤسسات، فلذلك وسائل أخرى وأماكن أخرى، واختلافك مع عالم أو داع مهما بلغ، لا يبيح لك انتقاده على منبر الدعوة دون أن ترجع إليه وتناقشه فيما قال أو كتب، لآن الحق قد يكون معه وخفي عليك، ولأن من حق أخوته عليك أن تنصحه برفق لا أن تشهر به، ولأنك قد تضطره للرد فتشتعل الخصومة بينكما، ولأن ذلك يشغل الناس بما يجعلهم يفقدون الثقة في الدعاة، مع إهدار الوقت والجهد فيما كان يمكن معالجته باتصال قصير أو جلسة ودية أخوية لو صدقت القلوب في إحقاق الحق وتخلصت من الهوى والزيغ. وشر من ذلك من يتتبع هنات وسقطات إخوانه من الدعاة المخلصين؛ ليكلم بها الناس في كبر قد يكون دافعه شيء من الحسد والغرور وحب الظهور، فيشغل الناس بالناس عن رب الناس وخالق الناس.

8- مراعاة التوسط والاتزان؛ فإذا تكلم عن الخوف تكلم عن الرجاء لأن من كان منهجه التخويف والترهيب فقط، قاد الناس إلى اليأس، ومن كان منهجه الرجاء فقط قادهم إلى التهاون والاتكال، وأسلوب القرآن يجمع دائماً بين الخوف والرجاء، فإن تكلم عن العذاب والنار تكلم عن الرحمة والجنة، وهكذا.

9- مراعاة الأولويات والتدرج في الدعوة، فيبدأ بما يقوي الإيمان ويثبت اليقين؛ حتى إذا ذكر بعد ذلك الأحكام صادفت قلباً مؤمناً ليناً ينفعل بها ويهتدي بنورها، أما من يتكلم عن الحلال والحرام والواجب والسُّنة عند قوم ضعاف الإيمان، فكنافخ التراب يوماً ليشعله.

10- اهتمام الداعي بإصلاح الباطن أكثر من إصلاح الظاهر، فالقلوب النقية أقوى تأثيراً وأكثر قبولاً، وهذا أمر لا يمكن فيه التمثيل على الناس أو خداعهم به؛ لأن رسائل القلوب إلى القلوب مكشوفة مهما أخفيتها.

11- البعد عن التأثر بوجدان أو شعور خاطئ؛ كأن تحب شخصاً أو عملاً سيئاً فتمدحه وتحاول إظهار منافعه، أو تكره شيئاً حسناً، فتقبحه متأثراً بهواك، سمعت خطيباً جمع أقوالاً كثيرة جداً في التحذير من الأصدقاء وتحبيب العزلة للناس، وما الأمر إلا أنه انطوائي يكره مخالطة الناس، وسمعت آخر جمع كل ما ينتقص من المرأة ويذري بها، وما ذلك إلا لأنه كانت عنده مشكلة مع زوجته فتأثر بهذا الشعور السيئ؛ ليجعله من الإسلام، ويحمل الناس على مشاركته هذا الشعور، وما أكثر هؤلاء! والأجدر أن يقال عن هؤلاء مرضى لا دعاة.

12- التزام الداعي الثبات على المبادئ والتمسك بالأحكام الثابتة، فلا يميل مع الرياح حيث تميل، ولا يتقلب حسب الهوى، فلا يقل حلالًا عما قال عنه الأمس حراماً، إن أراد أن يرضي الله تعالى ويكسب ثقة الناس ولا تضيع هيبته ومكانته وتأثير كلمته، وإلا فالأحداث المتتابعة، ومواقف الدعاة منها، رفعت أقواماً وخسفت بآخرين. ومن عجز عن القول فليلتزم الصمت يكن خيراً له.

13- عند التحذير من المنكرات كجريدة أو قناة أو كتاب أو غيره يتجنب ذكر اسمه أو مكانه، حتى لا يكون داعية للمنكر في ثوب المحذر منه دون أن يدري، يذكر الشيخ علي الطنطاوي، رحمه الله ،أنه في مسجد بدمشق بعد صلاة العشاء جاء شاب وهمس في أذن الشيخ بكلام، فقام الشيخ منتفضاً صارخاً وكان أول ما ظهر المسرح، يقول: أيها المؤمنون، كيف يحدث هذا في بلاد الإسلام؟ أين النخوة؟ راقصة في بلاد المسلمين! فقام رجل وقال: كيف هذا يا شيخ؟ وأين؟ قال الشيخ: في مكان كذا.

قال: وكان المكان فارغاً فامتلأ في تلك الليلة.

14- الانتباه للمسائل الخلافية: إذا كان الداعي يتناول مسألة مما ساغ فيها الخلاف فينبغي أن يذكر الخلاف بأمانة ولا مانع من الترجيح، فذلك أدعى إلى حسن الفهم، والتسامح مع المخالف، وعدم التعصب للرأي، والبراءة من الاتهام بكتم العلم.

15- معايشة الناس مع اللين لهم والصبر عليهم، فلا ينعزل الداعي عن مجتمعه، بل يعرف مشكلاتهم واحتياجاتهم ويطرح علاجهاً من منظور الإسلام، فذلك أقوى في الإنصات له والاستجابة لنصحه، قال الله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران: 159).

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

______________________________________

(1) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، علي بن (سلطان) الهروي القاري (المتوفى: 1014هـ)، 1/98، الناشر: دار الفكر، بيروت – لبنان، الطبعة: الأولى، 1422هـ - 2002م.

 

(*) أستاذ في معهد حسان بن ثابت للغة العربية والدراسات القرآنية في موريشيوس.

عدد المشاهدات 1604

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top